| kasim matrood |
|
|
| |
| اشترك في: 20 اكتوبر 2007 |
| مشاركات: 1007 |
| المكان: London |
|
|
 |
 |
 |
|
مسرحية الرجل الصالح أيوب
عبد الفتاح رواس قلعه جي
الشخصيات
أيوب
رحمة
الطفلة
الكاتب
العرّافة
(في الظلام صوت آلة كاتبة، ثم تسقط بقعة ضوء على الكاتب في الركن الأيمن من المسرح وهو مستمر في الكتابة)
الكاتب : (يتوقف عن الكتابة ويتحدث باتجاه الجمهور) اليوم أحط رحالي هنا أبحث عن قصة جديدة، أنت لا تخترع الأشياء والحوادث والشخصيات فالعالم كله كائن هنا في داخلك، ولكنه عالم بلا ديكورات. ألم يقل ابن عربي:
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
قبل أن يشرع الكاتب في العمل وهو يعد نفسه للولوج في هذا البحر المتلاطم الأمواج الذي يسمونه العالم يشعر بالقلق والخوف والضياع، وتنتابه الحمى، ثم يعبر العتبة فيجد نفسه وهو يغوص في مجاهل وديان يغمرها الضباب، ويحس بالإحباط، وبأنه غير قادر على الإمساك بشيء، وتنزلق رجله في مغارة باردة معتمة فيدرك أنه قد هلك، وفجأة يلوح له بصيص ضوء من الجهة الأخرى من المغارة فيعرف أنه قد أدركته الرحمة.
(يحرك الملف المكتوب على الآلة الكاتبة ويقرأ)
في ليلة باردة حالكة السواد كان المطر يتساقط بغزارة، وبين الحين والآخر تسمع أصوات طلقات رصاص متقطعة ، وعلى الرصيف تستلقي فتاة كجثة هامدة.
(يتجسد على المسرح خلال الحديث سقوط المطر وصوت الرصاص ورحمة الممددة على الرصيف)
. . .
(يدخل أيوب وهو يحمل مظلة ويفاجأ بوجود الفتاة)
أيوب : يا آنسة.. (يمسك بمعصمها) إنها حية.. لعلها ثملة (يقرب أنفه من فمها) لا .. ما أظنها ثملة..استيقظي يا آنسة. (يطوى المظلة) ستموت إن لم أحملها إلى البيت (يحملها ويسير نحو منتصف المسرح، يمددها على أريكة، يغطيها بدثار ويفرك كفيها بيديه ليبعث فيهما الدفء، تحرك رأسها قليلاً ) الحمد لله ، إنها تتحرك، سأعد لها كأساً من الشاي (يخرج)
. . .
(إظلام ويضاء القسم الأيمن من المسرح. طفلة بضفيرتين كأولاد المدارس تلعب بالحِبّيكة، وهي قطعة حجر رقيقة، تنط على رجل واحدة وتسوقها أمامها عبر مربعات مرسومة على أرضية المسرح وتنتهي عند الكاتب. موسيقى مرحة)
الطفلة : (تلعب وتغني) نطّي نطّي يا حبّيكة ودّيني على دْروبي
ودّيني لِعند القـرّا ليقرا لي مكتـوبي
مكتوبي بالقلم مسطّر فيه إسم محبوبـي
(تصل الحبيكة إلى الكاتب والطفلة أمامه)
الطفلة : مرحبا.
الكاتب : مرحباً.
الطفلة : الحبيكة ودتني لعندك.
الكاتب : نعم، وصلت عندي.
الطفلة : أنت العرّاف.
الكاتب : لا..لا..أنا لست العرّاف.
الطفلة : من أنت؟
الكاتب : أنا كاتب، أكتب قصصاً ومسرحيات.
الطفلة : إذن، اكتب لي حظّي.
الكاتب : أنا لا أكتب الحظوظ، أنا أسجلها فقط.
الطفلة : من يكتبها إذن؟
الكاتب : يكتبها القدر.
الطفلة : أنا لا أعرف القدر. أنا أعرف أمي وأبي وصديقاتي في المدرسة، أعرف الناس.
الكاتب : إذن يكتبها الناس.
الطفلة : وهل الناس طيبون ؟ أريد أن أعرف حظّي.
الكاتب : بعضهم طيبون وبعضهم سيئون. (يتناول الحبيكة من الأرض) ما اسمك يا طفلة؟
الطفلة : رحمة. هل يعجبك اسمي؟
الكاتب : اسم جميل (يقلب الحبيكة في راحة يده) انظري عليها كتابات منقوشة، هل اسمك مكتوب فيها؟
الطفلة : لا أعرف، اقرأها.
الكاتب : آسف..كتابات قديمة لا أستطيع قراءتها. (يناولها الحبيكة) خذيها وتابعي اللعب، ستقودك إلى حظِّك.
(تضعها على الأرض وتدفعها برجلها عائدة ثم تتوقف وتلتفت نحو الكاتب)
الطفلة : أحلم أحياناً بأن الحبيكة تطير إلى السماء وأنا أتبعها وأطير معها.
الكاتب : (يبتسم) طيري معها يا رحمة.
الطفلة : (تتابع اللعب) طيري طيري يا حبيكة بدّي أعرف نصيبي
جيبي لي كعكة وجبنة طعمي منها محبوبي
. . .
(يتلاشى الصوت، إظلام وإنارة وسط المسرح. رحمة تجلس فجأة وترفع يديها وتشهق كمن يخرج من حلم ثقيل. يدخل أيوب وهو يحمل الشاي)
رحمة : اللهم اجعله خيراً. حلمت بأني أطير في السماء وصياد يطلق الرصاص عليّ.
أيوب : الحمد لله، مرت الأزمة. اشربي الشاي يا آنسة.
رحمة : (تتلفت) أين أنا.. ومن أنت؟
أيوب : أنت في بيتي، اسمي أيوب، لا أريد بك شراً فأنا أخاف الله. (يقدم لها الشاي) اشربي الشاي.
رحمة : (تطمئن وتتناول الكأس) كيف جئتُ إلى هنا؟
أيوب : (يبتسم ممازحاً) على ظهري. وجدتك على الرصيف ، في الوحل تحت المطر. كنت بين الموت والحياة.
رحمة : ليتك تركتني أموت.
أيوب : لا يحق للمرء أن يتمنى الموت.
رحمة : (يخنقها السعال) وهل في الحياة ما يستحق العيش؟
أيوب : (يخلع معطفه ويضعه على كتفيها) اشربي الشاي، إنه ساخن، ستشعرين بالدفء (ترشف من الكأس) ما دمنا لا نعرف الغيب فالحياة تستحق العيش والمغامرة.
رحمة : أنت متفائل جداً (يسمع صوت رصاص متقطع) اسمع (يشتد إطلاق الرصاص) طير لا يعرف متى تصيبه طلقة صياد. هذه هي الحياة.
أيوب : ولكن الحياة تستمر، وأسراب الطيور أقوى من طلقات الصيادين. يموت الصيادون وتبقى الطيور تحلّق في السماء.
رحمة : (تنهض) يجب أن أذهب.
أيوب : في هذا الجو العاصف! إلى أين؟
رحمة : لا أدري.
أيوب : ما اسمك يا آنسة، وما قصتك؟
رحمة : اسمي رحمة، ولا تسلني أكثر من ذلك، أنا ما سألتك شيئاً.
(تسير مبتعدة باتجاه الكاتب)
أيوب : سأكون في انتظارك، أنا متأكد أنك ستعودين.
. . .
(إظلام ، ويسمع صوت الضرب على الآلة الكاتبة, إضاءة القسم الأيمن والكاتب يعمل ورحمة تقف بجانبه)
رحمة : (تنظر إلى ما يكتب) كان عليك أن تتركني أموت على الرصيف.
الكاتب : أنا لست قدرك، لا بد أن تتبعي قدرك. غيري يصنع الأقدار وأنا أدونها. حاولي أن تصنعي قدرك بنفسك.
رحمة : سيسـألني من أنا ، ومن أين أتيت، يريد أن يعرف شيئاً عن حياتي. ماذا أقول له؟
الكاتب : قولي له الحقيقة، كل شيء. إن كان رجلاً صالحاً فإنه سيفهمك، وليس هنالك ما تخجلين منه.
رحمة : أظنه رجلاً صالحاًً.
الكاتب : : إذن عودي إليه. إنه مثلك تماماً يصنع قدره بنفسه.
. . .
(إظلام وإضاءة القسم الأيسر من المسرح، حيث يجلس أيوب على الأرض وأمامه العرافة ضاربة الرمل)
العرّافة : (ترمي الودع على الأرض) قلبك طيب وحظك مضطرب، تجد نفسك ثم تضيع ثم تمتد إليك يد مباركة فتنقذك مما أنت فيه لتجد نفسك مرة أخرى.
(تجمع الودع ثم ترميه مرة أخرى على الأرض) في التراب تعثر على جوهرة، انفض عنها الغبار تجدها براقة تضيء ليلك، خافظ عليها فهي كنزك. إذا طهُر القلب ما ضرّ بالبدن الوحل. ما نفع الثياب الجميلة إذا كان القلب موحلاًً.
احرص على أن تكون يدك مليئة بالورد، فإذا اضطررت أن ترمي أحداً فارمه بوردة كما فعل البسطامي مع الحلاّج، والمسيح قال: من كان بلا ذنب فليرمها بحجر.
ابسط كفّك (يبسط لها كفُّه) خط العمر طويل والشيطان يترصدك في زوايا نفسك، ودربك مليء بالأشواك، وقدماك داميتان، ولكنك تصل سالماً غانماً، وفي نهاية الطرق نجمة صغيرة مضيئة تحملها في يدك وتفرح (تجمع الودع في منديل) هذا ما يقول الودع ولا يعلم الغيب إلا الله
. . .
(إظلام وبقعة ضوء مركزة وسط المسرح، رحمة تجلس على ركبتيها وأيوب يقف خلفها وراحة يده ممدودة إلى كتفها الأيمن)
رحمة : كان في دارنا بركة ماء ونارنجة وشجرة ياسمين، والسنونو المهاجرة تعود في أوائل الربيع إلى أعشاشها المعلقة في الدهليز وزوايا البيت الكبير.
أيوب : استيقظت صباح يوم في أواخر الخريف، وكان هنالك بكاء في البيت، قالت لي أمي: أبوك سافر مع السنونو، وجاء الربيع ولم يعد. كانت كل صباح تنثر الحبوب للحمام تحت شجرة الليمون وتقول: قد تكون واحدة من هذه الحمامات هي والدك.
رحمة : كانت أمي تضفر شعري الذهبي جدائل طويلة على أشرطة خضر، وترسلني إلى المدرسة، والأولاد يختبئون في زوايا الطريق، فإذا رآني أولهم صاح: أقبلت أمّ الجدايل، فيغنون لي:
غناء أطفال : (تسجيل) يا امُّ الجـدايـل والقلـب مايـل
مرّي واسقيـنا حلـو الشمايـل
ويا شميسة اطلاعي عا لدهب السّايـل
أيوب : صباح يوم ماطر رحلت أمي من غير أن تودّعني. رافقتها الحمامات صباحاً إلى المقبرة وهي تطير وتحوم فوق الجنازة، و في المساء عادت الحمامات حزينة إلى شجرة الليمون.
نثرتُ الحَبَّ للحمامات فلم تأكل، واستغنت بهديلها الحزين عن الطعام. وفي كل صباح كنت أستيقظ فأجد حمامة جديدة ميتة قد سقطت من فوق الشجرة.
رحمة : كان شتاء ساخناً. كسروا بأعقاب البنادق باب البيت، ذبحوا أبويّ أمام عيني، وجروني من جدائل شعري إلى السرير و.. (تبكي)
أيوب : قالت لي العرافة ذات يوم: إذا طهُر القلب ما ضرّ بالبدن الوحل.
رحمة : أخذوني معهم، وراحوا يبيعون جدائلي لكل عابر متعة. وأنا بين الموت والحياة أجمع أجزاء جسدي المبعثر، ولما لاحت لي فرصة رميت نفسي من النافذة وهربت.. أي جسد مثقل بالخطيئة أحمله على ظهري!؟ (تبكي)
أيوب : قالت لي العرافة: لأنك مذنب فاحرص على أن تكون يدك مليئة بالورد، ومن كان بلا خطيئة فليرمها بحجر. ومن نارَ قلبه ، وتحمّل آلامَه، فكل أخطائه نورانية.
رحمة : تحملت آلامي بعشق كبير، وطرحت جسدي المجرّح عنّي في التراب، فمن يلملم أجزائي المنتهكة؟
أيوب : قالت لي العرّافة: في التراب تعثر على جوهرة، انفض عنها الغبار تجدها براقة تضيء ليلَك، خافظ عليها فهي كنزك.
(يرفع يده ويستدير ليجلسا متواجهين ممسكاً بكفيها)
أيتها الرحمة الهاطلة عليَّ من خزائن الرب، هل تتزوّجينني؟
. . .
(إظلام وبقعتا ضوء، الأولى في القسم الأيمن من المسرح والكاتب يضرب على الآلة الكاتبة، والثانية في القسم الأيسر والعرافة تنثر الودع وتخط على الرمل خطوطاً بعود في يدها، والحوار بينهما غير مباشر)
الكاتب : (وهو ينهي جملة على آلته) وعاش الزوجان بثبات ونبات وخلّفا صبيان وبنات ، إلى أن جاءهم هادم اللذات ومفرِّق الجماعات.
العرّافة : أراك تنهي قصتك بسرعة.
الكاتب : أما هكذا تنتهي جميع الحكايات.
العرّافة : ولكن هذه الحكاية لم تنته عندي بعد ، مازال في الرمل خطوط لم تقرأ.
الكاتب : من أنت حتى تدعين بأنك أعرف منّي؟
العرّافة : أنا أنت، وأنت أنا، ولكنك تجلس في أول الطريق وأنا في نهايته، وبننا تمر القوافل.
الكاتب : وماذا بقي من الحكاية؟
العرّافة : العشق حياة لا يحدها سور، ولا يحيط بها زمان، إنه سلسلة من الحكايات لا تنتهي من الآلام والأفراح والحيرة والاضطراب وسكّر المعرفة، لأنها سلسلة دائرية تنتهي إلى ما بدأت. فمن يأكل قطعة من السكَّر تغريه حلاوتها بتناول قطعة أخرى، وهكذا هو لا يشبع وكيس السكّر لا ينفد. وهذه المرأة بدأت بعشق رجل صالح لملم أجزاءها المبعثرة وسارت في هذه الطريق إلى معشوق آخر.
الكاتب : أ هكذا تجزي من أحسن إليها وجمع أشلاءها، ورقأ جراحها، وانتشلها من وحل الطريق!؟
العرّافة : لا تعجل عليها بالحكم، انظر ما يجري، ودوِّن ما ترى.
. . .
(رحمة في عمق المسرح وقد فرغت من صلاتها ورفعت يديها للدعاء والمناجاة. أيوب وأمامه طبق فيه طعام وهو ينتظرها)
رحمة : إلهي وسيدي ومولاي، بلوتني بالمحن والشقاء فعرفت أنك تحبني، ثم كشفت غمّي ورقأت جراحي، ومننت عليّ بالنعم والهناء فأدركت أنك ما نسيتني. الحمد لك في البلاء والهناء، وفي المرض والشفاء، وفي الفقر والغنى.
إلهي لقد أرسلت إليّ علامة، وأشرت لي على البعد، فامنحني بوصلة الروح لئلاّ أضل الطريق إلى جنابك.
إلهي وسيدي ومولاي، تلطَّف عليَّ بالقرب منك لأطرق بابك، فأنا على قارعة الطريق المقفرة، ودون قصرك بحار ووديان ومهالك، يمطرني الغيب بوابل من الإشارات، فامنحني جناح الطير لأصل بابك قبل أن يحل المساء ويهبط الظلام في الدروب، وأخشى إن طرقت الباب أن يمنعني الحرّاس فأبيت بالعراء وأخسر ثمن الطريق.
أيوب : رحمة، برد الطعام وأنا أنتظر منذ ساعة.
رحمة : (تنهض وتتجه إليه) آسفة يا أيوب، أعلم بأنني لا أوفّيك حقَّك. دعني أطعمك بيدي (تقدم له قطعة من الطعام)
أيوب : وأنت، ألا تأكلين؟
رحمة : لقد طعمت عند من لا تطوى سفرته أمام أحد من ضيوفه.
أيوب : (يبتسم ممازحاً) أهي سفرة من السماء كما كانت الملائكة تأتي مريم برزقها وهي في المحراب.
رحمة : وأنّى لرحمة التي يلطخ جسمها وحل الطريق أن تكون كمريم؟
أيوب : أنت عندي لا تقلّين عنها طهراًً. وشتان بين من نشأ وهو في بيت طهور وبين من تطهّر وهو في حانة للشاربين.
رحمة : أيوب.. أيها الأخ والزوج والحبيب، إني أدعو لك في سري وجهري، وأشتهي لك ما أشتهيه لروحي.
أيوب : (يلاحظ أنها لا تأكل فيعيد الطعام إلى الطبق) وأنا لا أشتهي الطعام بدونك.
يا رحمة، مضى على زواجنا سبع سنوات عرفنا فيها السعادة، وها أنذا اليوم أراك مشغولة عني، فهل نقصت محبتي في قلبك؟
رحمة : والله ما نقصت محبتك في قلبي قطرة واحدة إلا كما ينقص البحر إذا اغترف منه عابر، ولكني مشغولة بك عنك، لقد أرشدْتني إلى حبيب لا يغار منه أحد، كلما ازددت له عشقاً ازدادت محبتك في قلبي.
أيوب : كيف نلتقي بالرغم من أنَّ كلينا يحب الآخر. أنت تنشدين حبّاً لا يُدرك بالحواس الخمس، وأنا أنشد حبّاً لا يدرك إلا بالوصال والمعاشرة.
رحمة : ولهذا عزمت على أن أزوِّجك.
أيوب : (يضحك مستغرباً) تزوجينني!؟
رحمة : نعم، ولديَّ فضل مال أنفقه في زواجك (يهم بالكلام) لا..لا تقل شيئاً. لي حاجة دعني أسعى إليها، ولك حاجة تقضيها.
أيوب : أخشى إن فارقتني أن أضيع.
رحمة : أنا معك دائماً، لن أفارقك، فما بيننا من عقد لا ينقضه إلا الموت.
. . .
(إظلام، ثم تتدرج الإضاءة. الكاتب يحمل آلته لكاتبة ويتجه نحو وسط المسرح، العرافة من الجهة الأخرى تحمل ودعها وتتجه نحو وسط المسرح. يتقابلان).
العرافة : إلى أين؟
الكاتب : إلى مكان آخر أدوِّن حكاية أخرى.
العرافة : ولكن مازال في حكايتنا فصول.
الكاتب : عن أية فصول تتحدثين؟ لقد تركته هانئاً مع زوجته الثانية.
العرّافة : أنت لم تتابع ما يقوله الودع.
الكاتب : حكايات الودع لا تنتهي، وأنا لديَّ شغل.
العرافة : من يخلق شخصياته يجب أن يحبها وألا يتخلّى عنها.
الكاتب : أنا لا أخلقها وإنما أدوِّن أفعالها. إنها تخلق نفسها بنفسها.
العرافة : ولكنها لا تعتقد ذلك، مهما يكن عليك أن تتابع الكتابة ولا تتخلّى عنها.
الكاتب : وأنت ماذا ستفعلين؟
العرافة : أروي لك بقية الحكاية.
(يضع آلته على الأرض ويفتحها ليستأنف الكتابة، وتجلس هي على الأرض وتفرش الودع. يدخل أيوب من عمق المسرح وفي يده زجاجة خمر ، أشعث عارياً مخموراً)
أيوب : (ينشد) لا تعزليه فإن العـزل يولعـه قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
جاوزت في نصحه حدّاً أضرَّ به من حيث قدّرت أن النصح ينفعه
أستودع الله في بغداد لي قمراً بالكرخ من فلك الأزرار مطلعـه
(يقف أمامهما) أراكما التقيتما، ماذا تفعلان؟
الكاتب : أسجل الحكاية ليقرأها الناس من بعدك.
العرّافة : مازال في الحكاية بقية، ألا تريد أن تعرفها؟
أيوب : كفاكما لعباً بمصائر الناس.(للكاتب) أنت تظننا دمىً خيوطها بيدك (للعرافة) وأنتِ تظنين أنك تدعين الغيب لتسوقي الناس إلى مصائر ما سعوا إليها. هل كان في حكايتكما أنني بعد قمري سأضيع وأضل ، ويغويني الشيطان فأبحث عن الملذات وأرتكب المنكرات، ويصيبني الفقر، وتغتالني المصائب، وتدهمني الأمراض، حتى هجرتني زوجتي الثانية ونبذني الناس وأصبحت فقيراً وحيداً ذليلاً عارياً إلا من ذكرياتي مع رحمة حبيبتي؟ أم أنها لعبة قذرة من ألعابكما؟
الكاتب : ليس ثمة لعبة، ولا دخل لي فيما حصل، إنه قَدرك.
العرّافة : أنت سعيت إليّ فقرأت لك طالعك، وحذّرتك، وبشَّرتك، ولكنك قلق وعجول.
الكاتب : إن شئت تركناك ومضينا.
أيوب : هذا أفضل. خذ آلتك اللعينة وامض، وأنت احملي وَدًعك واذهبي. أريد أن أصنع قدري بنفسي.
( يحملان أغراضهما ويمضي كل في اتجاه ويخرجان. يحتسي جرعة من الزجاجة).
رحلت بوصلة الروح فضللت الطريق، هل أمطار تغسل أدراني أم أن هذا الشتاء سيظل يمطر الغبار إلى نهاية العمر؟
كنت رقماً مغموراً في عدد يمتد من أول البشرية إلى نهايتها، حتى كان يوم الطين، وحملتها بيديّ هاتين، وكشفت عن قلبها فوجدته أطهر وأعذب من ماء الكوثر. توضأت من آلامها، وتطهرت بتراب عثراتها، وصليت على ذيل ثوبها، وأمطرنا العشق مدراراً سبع سنوات، لكنها عشقت غيري، عشقت من لا يغار من عشقه عاشق، وكيف لي أن ألومها في هذا العشق وهو الكلِّيُّ الجمال، البهي الطلعة، المهيب الحضرة. ولكن ما يمنعك أيها المحبوب أن تعود بعشقك هذا إليّ، وأنا أعلم أنّ حبيبك لا يغار، فتجمع أشلائي، وترقأ جراحي، وتعيد إليَّ الحياة.
(يسير ضعيفاً مترنحا إلى عمق المسرح، تهطل أمطار غزيرة، ينزلق على الأرض تحت المطر مطوِّحاً بالزجاجة بعيداً . تمر فترة قصيرة ثم تدخل رحمة فتجده ملقىً على الأرض)
رحمة : أيوب.. حبيبي.. ويلي ماذا فعلت؟ اللهم اغفر لي. انهض يا أيوب ( تساعده على النهوض)
أيوب : (في ضعف) رحمة.
رحمة : لا عليك، عادت أختك إليك أيها الحبيب والزوج الصالح.
أيوب : لا تتركيني يا رحمة.
رحمة : لن أفارقك بعد اليوم. ( تحيطه بذراعها ويسير في وهن وهما متجهان نحو وسط المسرح. إظلام).
. . .
(صوت آلة كاتبة في الظلام ، ثم ترتفع الإضاءة فنرى أيوب وهو يضرب على الآلة وبجانبه أوراق مطبوعة، تدخل رحمة حاملة الشاي)
رحمة : لقد أعددت لك الشاي، ولكني أراك مشغولاً عني.
أيوب : مشغول بك عنك، أنا أكتب قصة حياتنا، أكتب حكايتنا بنفسي هذه المرة.
رحمة : (تناوله الشاي) وماذا كتبت؟
أيوب : كتبت كل شيء وبقي أمر واحد.
رحمة : وما هو هذا الأمر؟
أيوب : أريد معرفة السر الذي جعلك تعودين إليّ.
رحمة : وماذا يهمك من ذلك؟ إنه سر خاص بي، المهم أنني قد عدت، وأنا مسرورة بذلك.
أيوب : ولكني أريد معرفته، أتبخلين بذلك عليّ.
رحمة : كيف لي أن أبخل بشيء وقد أعطيتك روحي، هل تريد معرفته حقاً؟
أيوب : أجل.
رحمة : كنت ذات ليلة في إحدى خلواتي، وأنا بين اليقظة القصوى والحلم الغارق في بحر النفس التوّاقة.
(تتغير الإضاءة فتصبح خفيفة سحرية، وتتلامع في سقف المسرح النجوم، وتُسمع موسيقى عُلْوية، ويتجسد ظل قصر من بعيد)
وكانت السماء صافية الأديم، والنجوم قناديل، وتغمر الكون موسيقى عُلوية وحفيف أجنحة تتلامع في الليل، وتراءى لي من بعيد قصر منيف، ووجدتني أقرع بابه فلا يرد عليّ أحد، وأنا مستمرة في القرع، وفجأة جاءني هاتف من الحبيب يقول (تتقدم إلى عمق المسرح وتمثل المشهد)
الصوت : من بالباب؟
رحمة : عاشقة تبغي القرب من الحبيب.
الصوت : وما دليلك على الحب؟
رحمة : دليلي على العشق صلاتي وصيامي وقيامي في الليل ونحول جسمي وانقطاعي عن الدنيا.
الصوت : دلائل مقبولة ولكنها غير كافية.
رحمة : وكيف يكون الكفاء؟ لقد جمعتُ أشلاء جسمي من الطين، وامتطيتُ آلامي، واستعذبتُ عذاباتي، وتوضأتُ بماء القلب، واتجهتُ إلى قصرك المعمور.
الصوت : وماذا تريدين؟
رحمة : أريد أن يأذن صاحب القصر بفتح بابه لأحظى برؤية وجهه الكريم.
الصوت : يقول لك صاحب القصر: كيف أفتح لك بابي وقد تركتِ زوجك أيوب عارياً بلا كساء، جائعاً بلا طعام، فقيراً بلا مال، مريضاً بلا آسٍ، وحيداً بلا زوج، تائهاً بلا نجمة تهديه إلى الطريق ولا بوصلة. إن أردت دخول قصري ، ورؤية وجهي، فعودي إلى زوجك تجديني عنده، فليس الحب أن تبتعدي عن زوجك ودنياك.
(تعود الإضاءة كما كانت وتتقدم رحمة نحو أيوب)
هذا هو سر عودتي إليك، فهل ستكتب ذلك في الحكاية؟
أيوب : بالتأكيد، فهذا أجمل ما في الحكاية.
رحمة : هنالك ما هو أجمل.
أيوب : وما هو الأجمل.
رحمة : (تشير إلى بطنها) أنا حامل بنجمة، وإني سميتها مريم.
أيوب : (فرحاً) يا للرحمة، وكيف عرفت أنها بنت.
رحمة : لا تسلني كيف عرفت، فللعاشقين أسرارهم.
ايوب : (يحمل الأوراق المطبوعة) لقد تمت الحكاية فلمن نهديها.
رحمة : (تتجه به نحو مقدمة المسرح) حكايتنا نهديها لكل زوجين أو حبيبين لئلاّ يفكرا ذات يوم بالفراق، فلا شيء في الوجود يستحق أن نعيش من أجله سوى الحب.
- ستارة النهاية -
حلب 15/3/2008
Ar-kalaji@mail.sy
Ar.kalaji@yahoo.com
هاتف: 680098 955 00963 |
|