|

على
مقعد في الحديقة
مسرحية:
د.علي سلطان
المنظر:
حديقة فيها مقاعد، يتقدم من طرفها شاب ويجلس على طرف مقعد في
الوسط، وبعد فترة قصيرة تدخل فتاة وتتلفت وتتقدم وتجلس على الطرف الآخر
للمقعد، بعد
لحظات ويبدو أن الاثنين يفكران، يلتفت الشاب إليها]
الفتى :
صباح
الخير
يا آنسة، هل تسمحين لي أن أرحب بك وبجلوسك إلى طرف هذا المقعد الذي أجلس
أيضاً
أنا على طرفه الآخر.
الفتاة :
(تتلفت
إليه باندهاش)
الفتى :
(يسبقها
ويتابع الحديث) لا، لا والله لست بالجريء ولم أفعل ذلك من
قبل.
الفتاة :
بدأت
حديثاً، وأنت تكمله وكأننا أصدقاء من زمن طويل، أنت متعجل أو متهور، ولو
كانت
الفتاة
غيري لربما أهالت عليك شتاتاً من شتائم.
الفتى :
يبدو
أن
يومي هذا يوم سعد، وسوف تدركين بعد دقائق قليلة أو جمل متقطعة، أني امرؤ
لا تجوز
عليه
الظنون، وقد تأسفين لأنه لم يصدق ظن واحد من ظنونك.
الفتاة :
تتحدث
من نفس
كأن أحداً ما اعتصرها منذ دقيقة.
الفتى :
أشكرك
على
جلوسك إلى طرف المقعد، وأشكرك على الرد علي أياً كان، إذ تتكلمين إلي،
فأنا إذن
موجود.
الفتاة :
وقبل
أن
أجلس على الطرف الآخر من المقعد الذي تجلس أنت عليه الآن، ألم تكن
موجوداً؟
الفتى :
أنا
منذ
سنين لا شيء، لا شيء مطلقاً، أجلس طويلاً طويلاً، وأسير طويلاً ولا أعرف
لماذا
أفعل
ذلك، أتمنى لو يحدثني أحد وأنتظر دون جدوى، وها أنت تتكرمين علي بكلام
لطيف،
وكنت
أستقبله بحرارة حتى لو كان سيلاً من شتات شتائم.
الفتاة :
أنت
محاصر
في داخل نفسك، اخرج منها وانظر إلى العالم وإلى الحديقة، وليس لأحد فضل
عليك
إذ
يكلمك، وأنت موجود من دون هؤلاء...
الفتى :
انظري
إلى
هذه الحديقة والأشجار والظلال، ونفس جميلة مثلها، لكنها خاوية من الإحساس
بأحد
مثل
هذه الأشجار والورود لا تحس بمن يراها ويتمتع بظلالها وروائحها.
الفتاة :
هل
أنت
مصاب، هل بك مرض؟
الفتى :
أبداً، أنا في
خير حال وصحتي طيبة.
الفتاة :
هل
أنت
متعلم، درست، مثقف.
الفتى :
أحمل
إجازة
في التاريخ منذ أربع سنوات.
الفتاة :
وعندما جئت
تعمل بالتاريخ، لم تجد منه معيناً.
الفتى :
(يضحك)
لقد أجابني أحدهم وهو يقرأ طلباً لي للعمل بالتدريس، خير لك ألا
تقدمه إلى متقرع، فأحسست أن رأسي قد انقرع.
الفتاة :
وماذا
تفعل،
هل تنتظر أحداً دائماً يجلس إلى جانبك ويؤنس وحدتك في وضح النهار.
الفتى :
أنا
أنتظر،
أنا دائماً في انتظار منذ أربع سنين.
الفتاة :
تنتظر
من أو
ماذا؟
الفتى :
أنتظر
الرسالة، أنتظر رسالة، أية رسالة، لقد كتبت إلى جهات العالم الثمانية
أطلب
عملاً...
الفتاة :
منذ
أربع
سنين.
الفتى :
ولم
يصلني
أي جواب، أنا لا ألومهم جميعاً، فهناك رسائل لا ترسل، وأجوبة لا تصل.
الفتاة :
وتبقى
وحدك
فوق المقعد.
الفتى :
مثل
أي
شيء، أو الحقيقة مثل لا شيء.
[يصل شاب
صغير يبيع أوراق يانصيب] مرحباً أستاذ، مرحباً آنسة. شيء جميل أن أرى
أحداً إلى
جانبك يا أستاذ، والله أنت طيب وتستحق الطيبين.
الفتى :
شكراً
لك
وشكراً لحبك لي، لكن اليوم..
الولد :
لا
تكمل،
الرزق على الله، هل ترى صاحبك خلف الجريدة؟
الفتى :
أراه
كقرمة
شجرة شوك جافة، تحدق إلى الدنيا بعيون المتطفل الحسود. سهوة وتطعن ظهرك
شوكة
جافة
منه.
الفتاة :
[تتلفت
نحو شخص جالس يضع جريدة أمام وجهه ولا يتحرك] شيء عجيب.
الفتى :
يتقاضى راتباً
يكفي عدداً من المجازين أمثالي.
[تأتي
فتاة صغيرة، وتنادي الفتى، يعتذر ويسير إلى جانبها وهو يقول] سأعود
سريعاً، أرجو ألا
تخرجي... [تبتسم وتهز رأسها].
الولد :
طيب
هذا
الشاب، ومع أنه لا يملك شيئاً، فإنه يقدم لي شيئاً ما لو ملك.
الفتاة :
من
تقصد؟
الشاب الذي كان جالساً هنا، لا أعرف اسمه.
الولد :
الأستاذ ناظر،
وكل هذا الكلام والحوار ولم تعرفي اسمه بعد، أنتما
شابان من العهود القديمة.
الفتاة :
وكيف
لو كنا
من العصر الحديث.
الولد :
ألا
ترين
السينما والتلفزيون. أنا فلان، وأنت يا حلوة (تضحك)... يا سلام كم أنت
لطيفة
وناعمة...
الفتاة :
تقصدني الآن
أو تضرب مثالاً.
الولد :
بل
أقصدك،
ولولا عذوبة حديثك لما رأيت صديقي يضحك. ما رأيك بهذا الكلام و؟؟
الفتاة :
حلو.
الولد :
ألم
يسألك
ناظر مثله.
الفتاة :
لا،
هناك
شيء يقلقه وهو جاد وخجول.
الولد :
وأنت؟
الفتاة :
ماذا
عني.
الولد :
ألم
تسأليه
اسمه وأنت تتحدثين، ألا تتعرفين عليه.
الفتاة :
هي
جلسة
جاءت صدفة وتنتهي.
الولد :
من
يعرف!
الفتاة :
هل
تربح
من بين أوراق اليانصيب؟
الولد :
نحن
باعة
هذا الصنف من الأوراق أشبه بالشحاتين. ظلنا ثقيل وصمغي على كثير من
الناس،
نتذلل
ونوطئ الرأس ونستدر العطف دون طائل. أنا مثلاً لم أبع ورقة واحدة هذا
اليوم،
حالنا
مذرٍ...
الفتاة :
تعيش
وحدك؟
الولد :
أعيش
مع أمي
فيما يشبه وكراً عافته الحشرات... لكن لا بد أن أجد لي عملاً آخر... أنا
ذاهب
وسأعود... أدور ثلاث دورات. [يذهب ثم يعود] لم أعرف بعد اسمك يا صبية؟
الفتاة :
[تبتسم]
اسمي مُهيرة، [مُرة].
الولد :
يا
سلام،
ما أجمل هذا الاسم، [يضحك] واسمي أنا سعدو، يا لطيف...
مهرة :
[كأنها
تحدث نفسها] إن الذي بيني وبين نفسي أكبر من كل ما رأيت
وأرى، فهي لقمة أمر من الصبر وتمشي إليها على درب من الجمر، وتلقت أمي
زاداً سيحرق
قلبي بسم مشوه لا شفاء منه. وهوى مهرة غالٍ وكبير، لكنها لن تسمع يوماً
بمهر لها،
وشابة سريعة هي مهرة، لم يقدر بعد أحد على ترويضها، حتى غدا الآن الموت
والهوى على
شفا عناق، لكن كيف ينتهي. أما حكاية منقرع فحلها سهل وسريع، لكن هناك
الذي إذا
انهدم لا يبنى من جديد ومن يسمع، ومن يفهم...! كان أبي يناديني ويقول
كوني يا مهرة
مرة، كوني سيدة الحقول والبراري...
ناظر :
(يعود
بطيئاً مطرق الرأس، يسلم ويجلس)
مهرة :
كنت
كئيباً، ورجعت تحمل من كل صنف منه أشتاتاً، ماذا حدث يا أستاذ ناظر؟
ناظر :
وعرفت
اسمي،
إنه سعدو.
ناظر :
تحدثت،
وتحدثنا، وظل في القلب ما هو أصعب من منقرع.
مهرة :
إن لم
تقدر
على كتمانه فحدث، وأنا أمينة على الكلام المجروح.
ناظر :
الجروح لا تصف
حالتي أبداً، إنه نوع من مذاق العفن، نوع من رائحة
حذاء فوق أنفك أو في مخك تحيله اثنان، واحد منتصب وآخر منبطح.
مهرة :
[تضحك]
هذه معادلة من الدرجة التاسعة، ليس لها حل عندنا.. إلا إذا خلع
المنتصب حذاءه أو خلع المبطوح أنفه وفمه...
ناظر :
كلامك
يعجبني، فيه شيء من الكتب.
مهرة :
ملاحظة صحيحة،
لكنها جاءت متأخرة، وربما مرد ذلك أن هذا لتأخر
أدخلها في التاريخ وهو اختصاصك.
ناظر :
أنت
أكثر
من ذلك، فلسفة...
مهرة :
تماماً، مثلك
لكن ليس عند منقرع، بل عند أرسطو.
ناظر :
لم
أرك
قبل اليوم هنا في الحديقة يا فيلسوفي...
مهرة :
تابع
وأكمل
الجملة، قل يا فيلسوفتي الحلوة، الصغيرة، ألم يعلمك سعدو [تضحك]
ناظر :
أترين
كيف لم
نفطن إلى أننا شابان ولم تتحدث بكلمة فيها طراوة أو مجاملة أو تلطف
واستلطاف، ولا مزيد الآن...
مهرة :
الذي
يطفو
على السطح هو الذي يظهر للعيون ويقضي ما تحته، ونحن نجري على السطوح
المهتزة،
فلا
نتزن ولا يصدر عنا شيء من الأعماق الحلوة والعواطف الجياشة والنبيلة،
فنبدو
جفاة
كابن الجهم.
ناظر :
ائتني
بخليفة
كهارون الرشيد، ولن أحدثك إلا بالحب وأحلام الزهور.
مهرة :
هارون
مات في
المفهوم والفلسفة.
ناظر :
ومات
في
التاريخ أيضاً، لكن ما لنا ولكل هذا، هو مجرد كلام، ونحن لا نخسر
فلنجرب.
مهرة :
لا
تكشف
مرة واحدة كل ما عندك وفي نصف ساعة حتى لا نفسرها خطأً.
ناظر :
الحق
معك،
لقد جاوزت قدري.
مهرة :
زعلت،
لن
يخرج منك شيء من قبيل العواطف، أنت حزين ومشغول وفي ضيق وحرج.
ناظر :
كما
قلت
لك، أنا هنا منذ سنين لا شيء.
مهرة :
لا،
بل أنت
شيء كبير وحساس ومتألم، أنت شيء حقاً لكن تحت مستوى الصفر، تسبق أفكارك
دائماً
إشارة السالب، الناقص، -واحد...
ناظر :
هذا
أول
منبه يجعلني أنتفض، فعلاً هل أنا كذلك، يسبقني الخافض، ولو كان، فهل أنا
مسؤول
عنه
وحدي؟
مهرة :
مهما
يكن،
فالبناء الداخلي أهم وأقوى.
ناظر :
[يفكر
مطرقاً وهو حزين].
مهرة :
أنا
آسفة
إذ سببت لك القهر والحزن.
ناظر :
كانت
تراودني جملة من بعد لقائنا بقليل، وكنت أرجئها، لأني لم أعرف شيئاً
عنك.
مهرة :
وهل
عرفت
الآن، وعساها طيبة!
ناظر :
أنا
أحسست،
لكني لم أعرف.
مهرة :
هيا
قل
الجملة قبل أن تنساها وتضيع بين سياق الكلمات.
ناظر :
كان
بودي
أن أقول إليك، لا تشبهيني، إياك أن تشبهيني، وإياك أن تتعاطفي أو تعطفي
على لا
شيئيتي،
على عدميتي، لست الملوم وحدي، كنت أسمع دائماً تلك العبارة عن مشاعر
الهزيمة واللامبالاة في كل مكان، وكأن هنا حدث انفصام من الدرجة الثالثة
بين الناس
والأحداث والتاريخ.
مهرة :
دائماً يحدث
الانفصام بسبب فلسفي عندما تنهار الإرادات والنفوس،
عندما ينهار الداخل، وأنت الآن تستنجد بالخارج وتنتظر منذ سنين، لكن لم
يقدم لك أحد
شيئاً فأحسست أنك لا تملك شيئاً وبالتالي تحولت إلى لا شيء.
ناظر :
وماذا
بعد
أيتها الأستاذة، دعيني أستعد بعض إرادتي ومشاعري، واسمحي لي أن أفترض أني
أحبك
وأهواك، ولكن ماذا بعد وأنا في مثل حالي. هل أضحك على نفسي قبل أن أكون
أكذب عليك.
إذا ذهبت من معظمنا الإرادة، فلا زالت في معظمنا الضمائر الطيبة، تلك هي
الذخيرة لما
بعد لو كان هناك بعد.
سعدو :
[يبدو من
بعيد يتحدث مع قارئ الجريدة، يأخذ منه شيئاً ثم يمضي، يعود بعدها ومعه
شيء،
يقترب ويسلم على ناظر ومهرة] غبت عنكما كثيراً واشتقت، هل حدث شيء خلال
ذلك، أم ما
زلتما تجهلان اسميكما، لا بد أن جف ريقكما من جفاف الكلام طبعاً.
ناظر :
كأنك
بيننا،
لكن كلما جففتها، رطبتها مهرة بحديثها الطيب وكلماتها الحلوة.
سعدو :
يا
حلاوة،
من أجل ذلك أثبت لكما بلوحي شوكولاتا ينفعان بدل فنجاني قهوة في جلسة
لطيفة.
مهرة :
أنت
مستعجل
جداً يا سعدو.
سعدو :
حتى
يأتي
دوري.
مهرة :
وهل
نحن
نحجزك.
سعدو :
الأكبر أولاً
مهرة :
في
المشاعر
ناظر :
نحن
الآن
في أسرة واحدة، أسرة مشاعر على الأقل. لكن هب بعت أوراقاً حتى اشتريت
الشوكولاته؟
سعدو :
لقد
ضحكت
على صاحب الجريدة، وصممت له وصفها فقد كانت أمام وجهه بالعرض، فغضب عندما
عرف
أني
رأيت وجهه، فقلت له أني مستعد لخدمته، فسألني عما تتحدثان، فاخترعت له
حكاية حب
بينكما، وأعطاني عشر ليرات، وقال أعطيك كلما جئتني بكلام مهم.
ناظر :
وهل
أعجبته
قصة الحب.
سعدو :
كاد
يجن،
وكان يبلع ريقه. [يضحك].
ناظر :
تعال
وتعيَّش على حسابنا، وإذا عجزت عن اختراع الحكايات له، فقد نزودك نحن
بها.
سعدو :
أنا
شاطر،
وليس هكذا فقط، فهو أيضاً دب وهذا يسهل علي الأمر.
ناظر :
لكن
حاذر
أن يأكلك الدب مرة.
سعدو :
هل
سمعت
أن دباً أكل ثعلباً، أعوذ بالله.. أنا ذاهب فقد يرزقني الله بحالمين
بالثروة. –سلام-
مهرة :
أرأيت
كيف
تحولت الحياة، شاب بسيط صغير يفعل كذا وكذا بلا مدرسة ولا بيت، لا أهل
ولا
معيل؟
ناظر :
كان
هذا
دائماً في كل الأزمان.
مهرة :
لكنه
لا
يناسب كثيراً عصر العلم.
ناظر :
[يصمت وهو
يتلفت نحو شخص قادم باتجاهه، يرتبك ويصفر وجهه ويضطرب، تنظر إليه مهرة
فتتلفت
إلى
الشخص].
مهرة :
ما بك
يا
أستاذ ناظر، لماذا كل هذا الاضطراب، مجرد رجل كهل...
ناظر :
كنت
محتفظاً بسره كمن يضع في جيوبه النار، فجاء ليبوح به من تلقاء ذاته.
مهرة :
دعه،
فما
كان كتم الأسرار يبقى أبداً أو يحل موقفاً.
[يصل
الكهل ويقف وبيده عكاز، على مسافة قصيرة أمام المقعد، لا يتكلم، يتطلع
بغضب، يتجه نحو
ناظر يوجه له الكلام] قم والحقني [استدار ومشى، ثم بعد خطوات استدار مرة
أخرى فلم
يجد ناظراً قد تحرك] ألم تسمع يا أستاذ...؟
ناظر :
سمعت...
الكهل :
وإذن.
ناظر :
لن
أتبعك،
وليس لك شأن بي.
الكهل :
ومنذ
متى
هذا الكلام.
ناظر :
من
هذه
اللحظة.
ناظر :
هو
بيتي
وبيت أخوتي، وليس لك فيه حق ولا شأن.
الكهل :
وأمك.
ناظر :
لقد
قتلت
أبي وتدعي أنك تزوجتها، بينما أنت اغتصبتها، وتستغل أبناءها كالكلاب
يعملون
وهم
صغار وتحصل على كل أجورهم وتهينهم وتذلهم وتسرقهم، وتسكن في بيتهم رغماً
عني،
من أنت
أيها الحقير قليل الذوق!
الكهل :
أنا
كسار
رأسك يا كلب. [يهجم على ناظر]، يضربه ناظر بعنف على وجهه فيسقط أرضاً، ثم
أخذ
يدوسه
بقدمه وعلى رأسه وفمه وينتقم منه انتقاماً جباراً، يتدخل بعض الأشخاص،
وينهضون الكهل ويمشون معه إلى الخارج]
ناظر :
اسمع
أيها
الكلب، إن وجدتك في البيت فسوف أقطع رأسك، وإياك أن تدعني أراك في أي
مكان،
فأنا
حتماً ذابحك.
مهرة :
[كانت
متحفزة جداً إلى جانب ناظر، وكانت مستعدة للقتال معه، تضحك وهي تتلفت
إليه] هيا
اهدأ اهدأ قليلاً قليلاً وتنفس بعمق بعمق... كل هذا منك أيها المدعي
اللاشيء، أيها
اللاشيء والفراغ، أنت جبار وقوي...
ناظر :
كان
بعض
منك لو ذكرت بعض حديثك معي.
مهرة :
أذكر
وأنت
تعجبني، كنت الآن كهملت وهو يصرع عمه زوج أمه المغتصب، وماذا في ذلك،
فالأحداث
يفعلها
ملوك وأناس أبطال، ومن لا يفعل شيئاً فهم التنابل والجبناء، لكنه حقاً
كما
نعته؟
ناظر
:
وأكثر
من
ذلك، منذ سنين وأنا أصبر على تلك القشة التي قصمت ظهر البعير، حتى جاءت
على حروف
كلماتك، وقد قلت لك أن أحداً ما لا يكلمني ولا يحدثني وإني احتفلت بك
لأنها جلست
إلى
جواري، فكنت فريدة بذلك.
مهرة :
هل
أفلسف
لك الأمر [وهي تضحك]؟
ناظر :
[يبتسم]
تفضلي.
مهرة :
القشة
كانت
منذ زمن طويل على ظهرك، والذي اختلف الآن هو إحساسك بها، بثقلها وهذا
الإحساس
جاءك
الآن دون أن تدري لتثبت أمام فتاة لم يحدث أن تكلمت مع واحدة مثلها، أنك
شيء
آخر
بغض النظر عن زوج أمك فزاد إحساسك بالقشة وفعلت ما فعلت. كان هناك
عربيان،
وربما
كان أحدهما شاعر مشهور وكانا يتصارعان دائماً ويغلب الأعرابي الشاعر، حتى
إذا
حضرت
مرة حبيبته، كان يصرع خصمه... وأنت فعلت الآن.
ناظر :
[وهو
يضحك] يبدو أننا نفعل أشياء وأشياء ونحن لا نفهم دوافعها ولا نقدر أن
نفسر وحيها، ترى
أيها أحسن؟
مهرة :
هو ما
فعلته
أنت دون تفسير، كذا تتحرك النفوس كخطف البصر.
ناظر :
كم
أحسن
الآن براحة وسعادة، لقد أوصلت الصخرة إلى الذروة، ورميتها إلى أعماق
الوادي في
الجانب
الآخر.
مهرة :
كانت
شحنة
راقدة في أعماق نفسك وانفجرت.
ناظر :
كانت
موجهة
بدقة.
مهرة :
ولهذا
لم
تصبني.
ناظر :
كنت
في
الطرف الأمين، والباعثة في نفسي عزيمة الإقدام.
مهرة :
هي
إشارات، بعضها يصيب، وبعضها يخطئ ويتلاشى خلف الصدى.
ناظر :
لقاء
الموجة
بالموجة على نسق مهتز واحد، وها أنت أصبحت على علم بي وبمالي، حدثيني
قليلاً
عن
نفسك.
مهرة
:
ما
زال
الوقت مبكراً، فأنت لم تنته بعد، وقد يكون في الخلف ذيول.
ناظر :
أعرف،
لكن
مهما يكن، فأحب أن تجري قضيتان في وقت واحد.
مهرة :
وكيف
عرفت
بالأخرى؟
ناظر :
قست
الأمر
على نفسي.
مهرة :
وهو
كل من
يجلس على مقعد في حديقة يحمل قضية؟
ناظر :
على
الأقل
جاء يستجم أو يتأمل بأمر ولو في الخيال.
مهرة :
هذا
الوحيد
الذي لم يقدر أحد على منع اللعب بسيفه في ملاعب القهر والفكر.
ناظر :
قد
يبقى
محبوساً في رأس صاحبه.
مهرة :
لكنها
لا
تزال ذخيرة رائقة في الأعماق، تمتع وتغري وتثير الشجون.
ناظر :
إذن
لا
حديث الآن؟
مهرة :
قد
تأتي
أحداث، ثم نؤلف عنها الأحاديث.
ناظر :
لا شك
في
أنها أحداث لطيفة مثلك.
مهرة :
من
يدري؟
ناظر :
في
الأمر
شيء، ولا تبوحين؟
مهرة :
ليس
الآن
يا أستاذ ناظر.
ناظر :
بدأت
أحس
أني أصبحت متفرغاً.
مهرة :
لمن،
لي، أم
لهموم أخرى وآخرين؟
ناظر :
لا
أدري
تماماً، لكن لا شك في أن لك نصيب.
مهرة :
تخمن
أم
تحس؟
ناظر :
بل
أحس أن
شيئاً جميلاً عميقاً ينمو ويتحرك في نفسي.
مهرة :
دعه
حتى
تنجلي معالمه.
ناظر :
لكنه
ممتع
حتى في ضبابيته، ترينه من خلف سجف رقيقة ملونة.
مهرة :
وعندما ترفع
الستائر وتظهر الملامح على حقيقتها.
ناظر :
من
يتوقع
شمساً تشرق، لا شك سيراها شمساً تشرق.
مهرة :
لأنك
تعرفها
حتى لو لم ترها.
ناظر :
لكني
رأيتها
وأراها.
مهرة :
تلك
خصوصيات لا تدخل سوياً في كل العيون والمفاهيم.
ناظر :
دائماً أمامك
أبواب مفتوحة كثيرة تستريحين وأنت تغادرينها.
مهرة :
للأبواب وظائف
وللجدران وظائف، والمشكلة في من يضع هذه لتعمل مكان
الأخرى.
ناظر :
وأيها
تفضلين؟
مهرة :
الجدار أمان
من الخارج وراحة في داخله وسرية حميمة بين الإنسان
وذاته، والنوافذ مفاتيح الكون والآخر...
ناظر :
ونحن
في
حديقة مفتوحة؟
مهرة :
نحمل
في
أعماقنا جدراننا، ترى لماذا تناور، تكلم... هل أنت خائف؟
ناظر :
لا
أدري،
ربما لا أقدر.
مهرة :
ورغم
الحديقة المفتوحة بكل جوابنها.
ناظر :
أو لو
أن
إحساسي يغادرني إلى كل الجهات..
مهرة :
ويمر
بما
يصدر عنه علي بحكم المكان.
ناظر :
أنت
تريحين
محدثك في الفهم.
مهرة :
بل
أنت
صريح أكثر من اللازم، إياك أن تظن غير ذلك، ورسائلك التي لم تكتبها قبل
ساعة
وصلت،
وما زلت تنظر رسائل أخرى منها ؟؟.
ناظر :
أمر
عجيب،
لماذا هكذا؟
مهرة :
هو
شأن من
يهتم لأي سبب من الأسباب، وشأن رسائلك القديمة شأن حال، وهذا لا يكون إلا
بعد
حسابات عميقة يكون الربح هو الأعلى.
ناظر :
لا
بأس،
فعساها بشارة خير تلك التي وصلت.
مهرة :
كل
شيء
يبدأ من نقطة ولو كانت وهمية، والوهم جميل شرط ألا تخلطه بالحقيقة.
ناظر :
أحلام
في
حديقة مفتوحة..
مهرة :
إياك
والرياح التي تهب على الأماكن المفتوحة...
[تنظر
إليه وتراه يحدق من خلفها بعيون جاحظة، يشاهد زوج أمه عائداً] مالك، ماذا
ترى؟
[تنظر
مهرة في
اللحظة
ذاتها فيصفر وجهها وتتجمد وكأن خطراً رهيباً قد وقع عليها، يراها
ناظر،
ثم يرى رجلاً ضخماً قصيراً وقد انفصل عن رجلين وقفاً جانباً، يتقدم نحو
مهرة
بجرأة
وقوة].
زوجالأم :
[لناظر]
قم معي هيا، وستدفع غالباً ثمن اعتدائك علي.
الرجل
القصير
:
[المهرة
بلهجة خادعة] صباح الخير يا عروستنا، اعذريني، لقد تأخرت
عليك، هنا أفضل. تشمين الهواء النقي، معك حق، تليق بك المريحات
والمنعشات.
ناظر :
[لزوج
أمه] لن أقوم معك، وابتعد مطروداً من هنا وإلا كسرت رأسك، وأنت أيها
العجل القميء
[للرجل
القصير] ماذا تريد منها، هيا من هنا وإلا بقرت بطنك المنفوخ.
زوج
الأم
:
قلت
امشي
معي وإلا وضعت حذائي فوق رأسك.
مهرة :
[للرجل
القصير] وما شأنك أيها الخرف قليل الأدب، امض قبل أن أجمع
عليك كل الدنيا ونريك كم أنت حقير.
الرجل
القصير
:
جمعتِ
حولك
عصابة من أمثالك.
زوج
الأم
:
عصابة
فاسقين
وفجرة.
ناظر :
[لزوج
الأم] قلت هيا انقلع قبل أن أذبحك هذه المرة.
مهرة :
أما
أنت
أيها المنحط فلك حساب.
الرجل
القصير
:
ستضرين أمك،
وقد اتفقت معها، وضيوفي اليوم سمان وكرام، صفقة لا تعوض
اسمعي مني.
ناظر :
[ينهض
ويتجه إلى الرجل القصير] هيا من هنا أيها القواد، أما تستحي تجاهر
برذائلك عنا وفي
مكان عام بين كل الناس، لا تنطق بكلمة واحدة وإلا..
القصير :
وما
شأنك
أنت بها، أم أنكما شكلتما شلة من خلف ظهري، لا.. لا.. لن يضيع عملي وتعبي
هكذا... هي بضاعتي ومحلي ويمكن أن نتفاهم على الفروع فلكل حساب ومال.
مهرة :
وما
تزال
تتحدث أيها الحقير، هل حدث أنك رأيتني أو تحدثت معي أيها المفتري..؟
القصير :
لا،
بل سلي
أمك.
مهرة :
لعنك
الله
ولعنها معك، اخرج من هنا.
وليد :
[يجري بكل
سرعة ويصطدم الرجل القصير بعنف فيسقط أرضاً، ومن ثم يختفي وليد]
زوج
الأب
:
[لناظر]
عصابة فاسقين وفجرة، ستعلم ما سوف أفعل في البيت أيها
الحيوان.. [وما كاد ينتهي حتى صدمه وليد بظهره فألقاه بعنف على التراب
معفراً. [ينهض
محطماً ويهدد] سوف ترى، سوف ترى.. [يرفسه ناظر بعنف على وسطه فيسقط بلا
حراك].
[يظل
ناظر ومهرة ووليد واقفين فترة في صمت والرجلان مستلقيان أرضاً، يتجمع
الآن من أطراف
الحديقة]
ناظر :
يا
إلهي،
من كان يظن أن تكون النهاية على هذه الصورة؟
مهرة :
هما
نهايتان وليست واحدة، وأنا سعيدة أن جاءت بكل فظاعتها، لكن بعد انتظار
رهيب وكتفاي
انهارا
من فوقي من تراكم الشظايا والكلام الجارح والنظرات الدون والاحتكار
الصريح
والمقنع والابتسامات والهمسات... الآن أخلع كل هذا مرة واحدة، وأولد من
جديد لو على
الرصيف
أو على هذا المقعد. أنت لم تشهد سوى الساعة الأخيرة، فاحفظها لي في ذهنك،
كانت
الأولى والأخيرة.
ناظر :
لا
تحزني
كثيراً، فأنا الآن أقدِّر كل شيء وكأن الصورة أمامي. وهذه الصورة والصور
التي
تشبهها
تتلو بعضها تتلو بعضها دون انقطاع وتبدو أحياناً ساطعة كالشمس جميلة
تغطيها
غلالة،
وتنحدر كثيراً إلى ما دون التراب، حتى لو شئت أن تراها كما كنت تراها.
مهرة :
أهكذا
تراني
فيها؟
ناظر :
أنت
لست
منها ولا فيها، وإلا لما حدث الذي حدث ولا سمعت ولا رأيت منك البراءة
والصفاء..
مهرة :
وهل
صدقت
كل ذلك مرة واحدة دون تساؤل؟
ناظر :
كان
وجهك
ينبئ بصدق عميق وألم مستطير.
مهرة :
من
أجل
ماذا، من أجلي.
ناظر :
لا شك
في أنك
سبب في رؤيتي وتفكيري، والمهم أنك ظللت واقفة بشرف دون أن تميلي.
مهرة :
ويبقى
السؤال
ذاته، وأنا بعد إلى أين؟
ناظر :
ما
زالت
هذه دون حلول تأتي بها وتعيدها الظروف والصدف والصداقات والخطوط.. وهي
حتى
الآن
خارجة وراء القوانين، لكنك لم تحدثيني عن النهاية الثانية التي ذكرتها.
مهرة :
كانت
حكايتي
هي الأولى وحكايتك الثانية.
ناظر :
من
طبيعة
واحدة؟
مهرة :
في
حال
واحد، استغلال قاصر لك ولأسرتك، وأبوة خارجة من تحت النعل، أما أنا وأمي
فسمسرة
مقابل
لقمة أكل ضاعت بين الأسرة والمجتمع، وقادت أمي إلى تحت النعل.
ناظر :
الحال
واحد.
مهرة :
ربما
في
اختلال الدرجة.
ناظر :
لقد
ولدت
في مسؤولية جديدة في هذه الساعة، حتى قبل المأساة التي دخلنا فيها الآن.
مهرة :
أتدبر
نفسي،
لا عليك، لك الشكر.
وليد :
وإن
كنت
صغيراً، فأعرف الواجب والبيت تحت تصرفكم، وأنا وأمي...
مهرة :
أنت
نقطة
مطر سقطت في يوم صيف حار على نبتة تموت من العطش، وأنت رائع يا صاحب
اليانصيب،
والدنيا نصيب مقسوم بين الناس وألف شكر لك.
ناظر :
كأني
أحسست
بالخطر فأتيت.
مهرة :
هناك
رجال
يأتون ساعة النجاة دون نداء.
ناظر :
وكنت
أنسج
قصة حب في خيالي، فجاءتني حتى مجلسي هذا.
مهرة
:
وهل
حدث
فعلاً؟ مع غرابة الموقف ونهايته.
ناظر :
ربما
أكتشفه
إحساسي وأنتِ؟
مهرة :
كنت
شبه
جدل تائه لا أدري وجهة لي، ومررت والتقيت بمقعدك، فشدني لأنك تشبهني.
ناظر :
كانت
نهايته
هذين البغلين فرحة كبرى وخلاصاً، وأرجو أن تكون بداية طيبة لنا.
مهرة :
الحال
الآن
أفضل.
[يدخل
مفتش وشرطة إلى الحديقة، والناس ما زالوا متجمعين]
المفتش :
من
رأى
الحادث منكم؟
رجل :
كلنا
رجل1 :
رأيت
الرجلين يهاجمان الشاب والفتاة بعنف، وأخطأا الضرب وقضيا على بعضهما.
المفتش :
أهكذا
حقاً؟
رجل2 :
هذا
ما حدث
بالتمام ولا دخل للشاب والفتاة بمقتلهما.
رجل3 :
لو
كنت
قاضياً لقطعت لسانيهما البذيئين قبل قتلهما.
أديب :
كانا
ينشرون
العفونة كل يوم في الحديقة، وكنت أضطر إلى التوقف عن الاستلهام لعنها
الله.
رجل4 :
لو
كنت
قاضياً لقطعتهما إرباً، أو أحكم بذلك.
رجل5 :
الآن
عادت
الحديقة حديقة، انظروا فالورود والزهور آخذة بالتفتح.
وليد :
اختفى
أبو جريدة أيضاً...

هل تريد موقعي هو الافتراضي
.أضف
موقعي إلى مفضلتك
|