|
بغدادُ ترتقي الجُلجُلة.
مسرحية في أربعة فصول وخاتمة .
علاء اللامي
الإهداء :
بدايةً ،فكرت بإهداء هذا النص الى ذكرى فنانة الشعب والممثلة
المسرحية العراقية الفذة زينب التي توفيت في المنفى قبل بضعة أعوام
.ثم ،وأنا في غمرة كتابة هذا النص المسرحي ، صيف سنة 2001 ، شاءت
المصادفات أن أشاهد شريطا مصورا تلفزيونيا يحوي شهادة مرتجلة
وشجاعة ، ملتاعة وصادقة للكاتب المسرحي المقاوم سعد الله ونوس
على شاشة إحدى القنوات التلفزية العربية مساء العشرين من تموز ،
كان قد أدلى بها قبل رحيله بفترة قصيرة . ولأن سعد الله اعتبر نفسه
من ضحايا الحرب والعدوان على العراق وشعبه حين شعر بإصابته بالورم
السرطاني إبان قصف وتدمير العراق فليس لي إلا أن أهدي- أيضا - نصي
هذا لذكراه العطرة . الى فنانة الشعب العراقي زينب إذن والى
المبدع سعد الله ونوس أهدي هذا النص ..
علاء .
جنيف : صيف 200إضاءات
للمخرج والقارئ :
أعطيت لنفسي حق تسديد هذه الإضاءات لسببين :
الأول هو أن نص هذه المسرحية مركب من جهة الزمان والمكان
والأسلوب وهذا التركيب بحد ذاته سينتج - لا محالة - أشكالا عدة من
التعقيد واللبس فهو بحاجة إذن لبعض التوضيحات والإضاءات . والسبب
الثاني هو الرغبة في محاولة الدمج بين تقديم محاولتي الشخصية تماما
لبناء النص المسرحي مع تقديم رؤية أولية وخاصة لمشروع إخراجه
ولهذا :
-افترض إن عناوين المشاهد لم تكن لغرض تزيني فقط بل إنها أداة
إضافية لتوصيل ما أردت توصيله ، ويمكن للمخرج استعمال لافتات بسيطة
تخط عليها العناوين أو يمكنه استعمال الشفافات (سلايدات) أو أية
طريقة أخرى .
-إذا كان النص المسرحي ليس نصا مقدسا ، وهذا صائب كفاية ،وأن
المخرج هو الباني الثاني له وبالتالي فهو حر إجرائيا في التعامل مع
النص حذفا وتعديلا وتطويرا فإن ذلك لا ينبغي أن يفهم على أنه إقصاء
تام للمؤلف بقدر ما يعني تقديم رؤية إخراجية مستقلة لما ألفه .لذلك
أجدني مضطرا لتوضيح أنني استفدت كثيرا في كتابتي لهذا النص كما هو
الشأن في نصوصي المسرحية الأخرى من تقنيات الفن السابع وبخاصة
القطيع المشهدي " السيناريو" وأعتقد أن على مخرج النص أن ينتبه الى
هذه الحقيقة في تعامله الذي ينبغي أن يكون حذرا ودقيقا مع النص .
- أوضح بأن بعض شخصيات المسرحية تاريخية وحقيقية كالجنرال طونزند
قائد القوات البريطانية المحاصرة في مدينة الكوت سنة 1915 ، وبعضها
خيالي من الناحية المضمونية وواقعي من الناحية الرمزية والشكلية
كأسرة الحاج فاضل البغدادي . هناك في الواقع صانع أعواد بغدادي
مشهور اسمه محمد فاضل ولكن ما بينه وبين محمد فاضل الشخصية
المسرحية ليس إلا تشابه في الأسماء والحرفة . وثمة بعض الشخصيات
هي بين بين أي إنها مزيج من الواقعي والخيالي شكلا ومضمونا
كالشهيد نادر الذي قتل تحت التعذيب وأمام والديه ، فالحادثة نفسها
وسبب القتل هي أمور حدثت فعلا في إحدى الدول العربية شرقي الأبيض
المتوسط . أما آهمساكاما مرافق الجنرال طونزند المركب من الواقعي
والخيالي فقد كان للجنرال طونزند مرافق هندي فعلا ولكن اسمه غيزو
وكان مختلفا تماما في المضمون عن آهمساكاما والاسم ذاته مؤلف من
كلمة هندية هي آهمسا وتعني اللاأذى وكاما أي متعة ( متعة اللاأذى
) النقيضة لمتعة القتل عند الجنرال البريطاني . البعض الآخر من
الشخصيات خيالي مركب كشخصية أم رجاء وهي شخصية وردت في قصة قصيرة
للروائي العراقي محمود سعيد فمسرحناها .
-العارض الصحي الذي ألم بالطفلة الرضيعة " بغداد " وهو ظهور خط
أسمر محمر في وسط الجبين ثم يأخذ هذا الخط بالامتداد والاتساع حتى
ينسلخ الجلد كله ويموت المريض ، هذا العارض موجود فعلا في العراق ،
ويعتبر من الأمراض العديدة والغربية التي ترتبت على استعمال القوات
الغربية الأطلسية لسلاح اليورانيوم المنضب و أودى بحياة بعض
الأشخاص في جهات عديدة من العراق وقد حدثني عنه أكثر من شخص من
إقليم الفرات الأوسط خاصة .
- إذا كان مثال "أم رجاء " نوعا من التضمين أو التناص بالشخصية
الأدبية فثمة نوع من التناص يمكن تسميته التناص بالحدث ومثاله هجوم
أم نادر على رجل الأمن وجدعها أنفه وهو ما قامت به شخصية من
شخصيات إحدى القصص القصيرة للروائي العراقي سالف الذكر .
اخترت اسم "الجلجلة" وهو الجبل الذي أعدم الغزاة الرومان عليه
يسوع المسيح مع أن الاسم الصحيح لذلك الجبل في الكتاب المقدس هو "الجُلْجُثَة"
وذلك لأن الأول أكثر استعمالا وانتشارا من الثاني .ويمكن الاستعاضة
عن الجبل في مشهدي الخاتمة بسلم حجري طويل لا نهاية له .
الشخصيات حسب الظهور :
1-فاضل محمد فاضل : حرفي في الأربعين من العمر ، يعمل مع أبيه محمد
فاضل في محل لتصليح الآلات الموسيقية العربية كالعود وغيره .
2- الحاج محمد فاضل البغدادي : والد فاضل وصاحب المحل .
3- فاضل البغدادي : جد فاضل ووالد محمد ، شيخ مقعد وعسكري سابق في
الجيش التركي،خلال حصار الكوت انتحل شخصية طالب علم في إجازة وعمل
كمترجم مع البريطانيين المحاصرين .
4- الفتى سلمان بن الحجية : بائع سكائر و ذباب مجفف ومقدم خدمات .
5- سُكينة : زوجة فاضل محمد فاضل .
7- امرأة1.
8- امرأة 2 القابلة .
9- امرأة 3 الممرضة 1 .
10- العازف سمير البصري : موسيقي شاب .
11- الفريق تشارلس طونزند .
12- الجندي البريطاني 1.
13- الضابط البريطاني 1 (العقيد جون كلارك ).
14- الضابط البريطاني 2 ( العقيد جيمس دوكلاص ).
15-ضباط وجنود بريطانيون آخرون .
16- الخالة أم نادر.
17- المجندة1 مس كرين .
18- المرأة المرضع .
19- المرأة حاملة الخبز.
20-نساء أخريات .
21- المجندة 2 مس آرثر .
22- المجندة 3 .
23- الأسير العراقي 1
24- الأسير العراقي 2 .
25-الأسير العراقي 3 .
26-أسرى عراقيون آخرون في مدينة الكوت المحاصرة .
27- حسين شاب مطارد أمنيا وصديق لفاضل .
28- عمانوئيل صديق لفاضل .
29- رفيق بسيطة رجل الأمن ومسؤول الحزب الحاكم في المحلة اسمه
الحقيقي سعيد .
30- رجل بالزي البدوي .
31-رجل عراقي يعثر على كلب الجنرال طونزند
32- ضابط الاتصال التركي حامل راية الهدنة .
33- الطبيب .
34- الممرضة 2 .
35- الشيخ هادي النوري .
36 - مساعده علي .
37- مساعده مهند .
38- مساعده عباس.
39 - زبون .
40- محسن السريع .
41-خليل باشا .
الفصل الأول
المشهد الأول : ( ترطيب جهنم بالمرح العابر )
يوم من أيام العام الثاني للحصار الغربي والعربي ضد العراق .
بغداد ، محلة الحيدرخانة ، محل لصناعة وتصليح الآلات الموسيقية
العربية التقليدية على واجهته لوحة مكتوبة بخط الثلث الأنيق (
الحاج محمد فاضل البغدادي لصناعة وتصليح الآلات الموسيقية ) الحاج
محمد فاضل رجل في الستين من العمر منشغل بلصق وتثبيت أجزاء وشرائح
من خشب الجوز على قالب له هيئة حجرة العود . ابنه فاضل يقف أمام
منضدة عالية ثبت إليها بدن عود وهو يصقله بحماس وعصبية ويتلمس
قشرته بين الفينة والأخرى ..صوت موسيقى ريفية خفيفة تنبعث من جهاز
المذياع في العمق .. يرن جرس الهاتف فيهرع فاضل لالتقاط سماعته
بلهفة واندفاع :
فاضل : ها ؟ ولد لو بنت ؟ نعم ؟ آه ..آسف ، أنا آسف يا عمي أبو
خالد . .نعم إنه هنا ، دقيقة لو تكرمت ..أبي ..
الحاج محمد : ماذا هناك ..؟
فاضل : العم أبو خالد على الخط ..(يضع سماعة الهاتف على الطاولة
ويعود لما كان فيه. )
( الحاج يمسح كفيه بمئزره الأبيض ويتقدم ليرد على المكالمة .)
الحاج محمد : أهلا ، أبو[1]
خالد ، يا هلا عيوني .. الداعي أشوق .. ما هذه الغيبة الطويلة ..ها
؟
ولد لو بنت ..؟ لا ،هذا خادمك فاضل.. ابني الكبير . إنه ينتظر
مولودا .. نعم ؟ ينتظر زوجته تلد في هذه الساعة .لا ،لا مولانا
بالعكس ، إنه يفضل أن يكون المولود أنثى، لدية ثلاثة أولاد ما شاء
الله : كريم وتحسين ونزار ..( يضحك)صحيح ، صحيح ،مثلما تفضلت عزيزي
: يريد أن يكون المولود مولودة .. ماذا ؟ نعم لقد اختار لها اسما
..قرر أن يسميها بغداد ! قحط أسماء !! هذه ليست مشكلة ،إن رزقه
الله ذكرا سيسميه رمادي ! على اسم مدينة الرمادي ! بالمناسبة حجي
أبو خالد هل سمعت بنكتة الرمادي ؟ لا؟ هذا يا مولانا واحد من
جماعتنا إياهم ، رأى ذات يوم سيارة حمراء ورقمها 720 رمادي ،
فماذا قال ؟ قال : كم هو أحمق هذا الرجل !سيارته حمراء ويكتب
عليها رمادي ..(يضحك بصخب )نعم .. عيوني أنت . إنشاء الله سيكون
عودكم جاهز في نفس الموعد الذي اتفقنا عليه ..لا، لا إنشاء الله
لن يكون هناك تأخير ..نعم ؟
ماذا قلت ؟ لا أخي لا .لا دولارات ولا يحزنون تسدد الثمن الذي
اتفقنا عليه بالدينار وأبوك الله يرحمه .. ما قصة الدولارات
المنتشرة هذه الأيام حجي أبو خالد ؟ لم يبق شيء لا يدفعه الناس
بالدولار إلا القيام بالواجبات الزوجية !..تصور بالله عليك واحد
يريد أن يقوم بواجباته الشرعية وبالعملة الصعبة مولانا ..(يضحك )
ولا يهمك أبو خالد .. صار! .. من هذه العين قبل هذه .. مع السلامة
حجي .. في أمان الله أخي . ( يضع سماعة الهاتف .. يعود لما كان فيه
. )
فاضل : أمرك عجيب حقا يا أبي .. تمزح وتلقي النكات فيما نحن نعيش
في جهنم حقيقية.
الحاج محمد : ما دمنا نعيش في جهنم كما تقول ،فلما تريد حرماننا من
هذا النزر القليل من الفرح العابر ؟ هل من آداب الإقامة في جهنم
أن ينوح المرء ويلطم فيها؟ على فكرة ،في حال استمرارك في العمل
على هذا المنوال وبهذه الطريقة العصبية فإنك ستثقب العود الثمين
الذي بين يديك .. ماذا حدث لك ؟ ماذا جرى ؟ هل أنت الرجل الوحيد
الذي ينتظر مولودا ؟
فاضل : أنا آسف يا أبي ، ولكنها مولودة وليس مولودا ..أم إنك
تريد مناكدتي حتى في هذه الرغبة البسيطة ؟
الحاج فاضل : هذه ليست رغبة طبيعية .الرغبة الطبيعية والمعتادة هي
أن يتمنى الأب مولودا ذكرا وليس أنثى .. أما رغبتك أنت بأن تلد
زوجتك أنثى ،فهي ،في مجتمعنا ، أقرب الى وضع العقرب على ظاهر الكف
..على أية حال ، هذا شأن ليس بيدي ولا هو بيدك إنه بيد الخالق
سبحانه .
فاضل :آمنت بالله ! ولكنني لم أقرر ما سيكون عليه جنس المولود بل
تمنيت أن يكون أنثى لا أكثر ولا أقل ..أنت تعرف إنني لا أكاد
أستطيع إعالة أولادي الثلاثة ، ولكننا تمنينا إن يرزقنا الله هذه
المرة بنية حليوة وبعدها نشمع الدكان.
الحاج محمد : تقصد إنك ستعمل تنظيم نسل تطوعي ؟
فاضل : ولم لا ؟ إذا كنا غير قادرين على إطعام كل هذه الأفواه
،فلماذا ننجب المزيد منها ؟
الحاج محمد : لست أنت ولا أنا من يطعم ويرزق يا ولدي، إنه الطعّام
والرزّاق والخالق والذي منه الخير وإليه الخير ..إياك وأن تخطئ
في هذا الشأن يا فاضل .
فاضل : آمنت بالله يا أبي ! أنا لا أقصد ذلك المعنى ،بل قصدت إن
على الإنسان لا يكون سببا في معاناة غيره. ثم أن الظروف غير الظروف
والزمان غير الزمان .. كنا قبل سنين قليلة ،ورغم حرب الثمانية
أعوام ، نعيش في فيض لا نهاية له من السلع الاستهلاكية والمواد
الغذائية رخيصة الأثمان ( هامسا )كما لو أن الجماعة فوق،كانوا
يريدون تسمين الشعب استعدادا للمذبحة فالحصار بعدها . أما اليوم
،ومع هذا الحصار الشيطاني الذي لا يرحم ،فثمة الكثير من القواعد
يجب أن تتغير ،الكثير من التقاليد والتسلكات يجب أن تراجع . أما
السير باستسلام في منحدر اللامبالاة فنهايته معروفة ، إنها
الكارثة والدمار ..
الحاج محمد : كلامك معقول،ولكن حالنا من حال الناس .. ثم لماذا
تريد أن تحرم نفسك من الكثير وتضع لنفسك القواعد والتقاليد القاسية
في حين يعيش غيرك كما كان قبل الحصار وربما أفضل مما كان ؟
فاضل : لا ، اسمح لي هنا يا والدي العزيز أن أقول لك بأنني مختلف
تماما معك .. فإذا كان كل واحد يقول حالي من حال الناس ، ولماذا
أحرم أنا نفسي من هذه المتعة أو الحاجة ولا يفعل غيري ذلك ، إذا
كان كل واحد منا لا يبادر الى لقيام بجزء صغير من الواجب الكبير
الذي يهم الجميع، فمعنى ذلك إننا سنـزيد من عمق مأساتنا ونساهم في
هزيمتنا كمجتمع أمام هذا الظرف الصعب الذي لم نكن السبب فيه .
الحاج محمد : والله يا ولدي لا أدري ماذا أقول لك .. إنني أشعر
بخطورة هذه الظروف ، وأشعر أيضا بالحاجة الى طريقة جديدة في
التفكير والتعامل تتناسب وخطورة هذه الظروف ..ولكن يبدو أن سنوات
الرفاه والاستهلاك الشره قد تسببت في تبليد إحساس الناس بالخطر ،
وربما ساهم الخوف المرعب من كل شيء في تعميم هذه البلادة أو
الشعور بالخواء واللامسؤولية ، .. كلامك معقول ومنطقي ، ولكن
الكثيرين من الناس، من ناس هذا الزمان الذين كسر الخوف أرواحهم ،
لن يستطيعوا بسهولة استيعابه ..على أية حال لنأمل ما فيه الخير لنا
ولجميع الناس ،فهذه ليست أول بلوى تصيبنا . لن يكون الحصار أسوأ من
عشرات الفيضانات الطوفانية أو الأوبئة الدورية التي تضرب بلادنا
كالطاعون والهيضة على مدار القرون .. كم الساعة معك الآن ؟
فاضل : إنها التاسعة والنصف .
الحاج محمد : لقد تأخر جدك اليوم عن الحضور .أخشى أن يكون الفتى
سلمان بن الحجية الذي كلفناه بإحضاره الى هنا قد نسيه اليوم أو
..
فاضل : الوقت مازال مبكرا يا أبي ، ربما يكون قد عرج على صديق هنا
أو هناك ..لا أدري لماذا أنا خائف هكذا ..كأنني أنا الذي يعاني
آلام المخاض لا زوجتي ..
الحاج محمد : صبرا جميلا يا بني .. مازلت في بدية الطريق .
فاضل : كيف أكون في بداية الطريق ولي ثلاثة أولاد يا أبي ..لا ، لا
..أعتقد أن أسباب خوفي توجد في مكان آخر .. أنا لم أشعر بهذا القلق
والخوف الثقيل حتى حين ولدت زوجتي ابننا الأول كريم ..
الحاج : إنها مجرد هواجس ربما يكون سببها الأخبار والشائعات التي
تجتاح البلاد عن الولادات الفاشلة الكثيرة التي تنتهي بموت الأم أو
الوليد أو اثنين معا ،وعن المواليد المشوهين والمعاقين ..
فاضل : أنها ليست شائعات يا أبي .. إنها حقائق وأخبار مؤكدة عن
وباء جديد يضرب في جميع جهات البلاد ..نعم ، أنه وباء غريب ..هنا
يمكن أن أضع اليد على أسباب خوفي وانشغالي .
الحاج : استهد بالرحمن ولا تقلق يا ولدي .. لم تحدث ولادات كهذه
التي تتكلم عنها في محلتنا،ربما حدثت في محلة أخرى من محلات بغداد
أو في مدن بعيدة .. هون عليك ، ما هي إلا دقائق وستبلغك البشرى ..
(يدخل المسرح فتى يدفع كرسيا متحركا جلس عليه شيخ بملابس شعبية
بغدادية (الصاية والجراوية ..الخ ) الشيخ يبدو كعملاق هرم ، بنيته
متينة رغم ثقل السنين ونظارتين بعدستين سميكتين ، الفتى يدخل
مجتاحا الركح بسرعة، مقلدا بصوته ضجيج سيارة وصوت منبه ثم يوقف
العربة في وسط المسرح فجأة . يندفع فاضل باتجاه الفتى ويمسك
بتلابيبه بعنف )
فاضل : كم مرة نهيتك عن هذا الصنيع ؟ ألا تفهم ما يقال لك أيها
التعيس ؟ هل تريد أن تقتل الشيخ في حادث ؟
الفتى ( محاولا التملص ) ليس ذنبي والله . إنه هو الذي يطلب ذلك
مني ..إنه هو الذي يقول لي .. بسرعة ،بسرعة .. كويكلي ، كويكلي مور
ذن ذات[2]
! بسرعة أقول لك ..والله هو الذي ..اسأله ، اسأله ..( يستخرج من
تحت الكرسي المتحرك صندوقه الخشبي لبيع السكائر.)
الحاج : ( مخلصا الفتى من قبضة فاضل ) دعه وشأنه ، إنه لا يكذب
.جدك مازال يتخيل نفسه ضابطا مغامرا في الجيش العثماني .خذ ( يعطي
للفتى ورقة نقدية ) .
الفتى : ما هذا يا حجي ؟ دينار ؟ ماذا يمكن أن أشتري به ؟ عود شخاط
؟ الدنيا تغيرت حجي ..أنت مازلت مصرا على التعامل مع الدينار بدلال
وكأن الحصار لم يبدأ بعد ..
الحاج : خذ واغرب عن وجهي الآن ( يعطيه ورقة نقدية أخرى ) هل نسيت
أن الحاج يعطيك دروسا في اللغة الإنكليزية ؟
الفتى : لم أنس ذلك ولكنك تعرف أن الإنكليزية لا لون ولا طعم ولا
رائحة لها . إنها كالماء تماما لا تشبع ولا تغني عن جوع (ينظر الى
الورقة النقدية ) شكرا لك على كل حال . يمكنني الآن أن أشتري علبة
كبريت أما السجائر فعلمها عند علام الغيوب ( مخاطبا العجوز على
الكرسي المتحرك ) لا تنتظرني في المرة القادمة يا سيادة الملازم
،عليك أن تدبر أحدا غيري ليوصلك الى هنا (صارخا ) هل سمعت يا حجي
مستر ؟
الجد فاضل : دونت شاوت لايك ذات سلي بوي
[3]! يلعن أبو المسمرك . يموت من
الجوع ولكنه يشترى بدل الصمون سجائر ! سليمة تأخذك ! ( يخرج
الفتى )
فاضل : ( مقربا العجوز وهو على كرسيه المتحرك من ركن الركح
الأيمن حيث علقت عدة آلات موسيقية مختلفة ) .. ماذا حدث اليوم يا
جدي لقد تأخرت عن موعدك ؟
الجد فاضل : نا ثنغ
[4] مررت على أبو شوقي المزين ليقص
لي شعري .. ذات إز أُول[5]
!
فاضل : الناس كلها تتطور إلا لغتك يا جدي .. لماذا لا تسميه أبو
شوقي الحلاق كسائر الناس !
الجد فاضل : لأني لست متخلفا كسائر الناس .. من أين جئتم بكلمة
حلاق هذه ؟ ألا تعرف إن الحلاق هو صانع الحَلَق أي الصائغ الذي
يصوغ الحَلَق والأقراط أو هو ماسك الحَلَق أي السجان صاحب
السلاسل والحلقات .. ثم مم تشكو كلمة مزين ؟ هذه الكلمة يا متخلف
ولدت هنا في بغداد بني العباس قبل أكثر من ألف عام وبنفس معناها
الآن !!ثم إن الناس البسطاء ، نوت أولي إن بكداد، بت أولصو
[6]في الجنوب والفرات ما زالوا
يستعملونها .. دعكم من هذه الحماقات ، حتى القاف في عبارة الباب
الشرقي تقلبونها الى جيم فتتحول الى عورة وكلمة بذيئة في حين كان
علي بن أبي طالب قد وصف أجدادكم العراقيين بأنهم سنام العرب وجبهة
الأنصار !!
فاضل : من يسمع كلامك هذا ويقارنه بما تطعمه به من كلمات إنجليزية
يضيع عقله ولن يعرف إن كنت عروبي أو انكلوفوني !
الحاج : لا ، هذه ضربة تحت الحزام يا فاضل .. أنت تعرف إنه يقول
هذه الكلمات بحكم العادة .. عادة تحكمت بلسانه في فتوته وشبابه
وكهولته ، احمد الله على أنه لم ينس اللغة العربية .
الجد فاضل : ثانكس
[7] حجي محمد ، ما القصة ؟ ضميرك صاح
هذا اليوم ، الله يستر !
(تدخل أم نادر وهي امرأة طويلة القامة بملابس رثة وشعر أشعث .
عيناها زائغتان . تسحب خلفها صرة صغيرة مربوطة الى يدها اليمنى
بخيط .تحمل في يدها اليسرى صورة شاب هو نادر ابنها الذي قتل تحت
التعذيب ،وسيرد ذكره في مشهد لاحق . تدخل أم نادر محدثة بلسانها
وشفتيها صوتا تقلد به صوت المنشار الكهربائي المستعمل لقطع الأشجار
.. تقترب من العجوز، تريه الصورة .يغطي العجوز وجهه بيديه ،كأنه
يرفض أن يرى الصورة . العجوز تري الصورة لسمير، الذي ينظر متسائلا
الى فاضل يبادر هذا الأخير الى تقبيل رأس المرأة .. يحيطها بذراعه.
يخرج بها من الركح وهو يكرر لها هامسا:
فاضل : يا خالة أم نادر ، الله يرحم الشهداء .. يا خالة أم نادر
أنت أم البطل فلا تُقلقي روحه تُحزنيه .. إنه يراك ، إنه معك
..يا خالة .. يا أم نادر ..(يخرجان ثم يعود فاضل بوجه شاحب حزين )
فاضل : كلما رأيتُ هذه المرأة شعرت بأن نياط قلبي تقطع بالسكاكين .
في يوم واحد فقدت زوجها وابنها الوحيد .
الحاج محمد : لا تبدو كلمة "فقدت" محايدة أبدا بل متواطئة و
محتالة هنا ..حتى كلمة قتلوا لا تفي بالغرض .. لقد أعدموا ابنها
الوحيد أمام عينيها وعيني زوجها. سقط الزوج ميتا في الحال ،وجنت
هي ..يا الله العظيم ! أي درك في الوحشية والجنون بلغه الإنسان
ليمزق إنسانا آخر بالمنشار الكهربائي !!
الجد فاضل : الوحوش لا تمزق بعضها أو فرائسها إلا لتسهيل ابتلاعها
عند الأكل ،وهي لا تهاجم وتقتل إلا حين تكون جائعة أما الإنسان
فالقتل عنده عبثي ومرضي إن لم يكن نوعا من الرياضة أو التسلية
القذرة.. وكلما تقدم هذا الذي نسميه مجازا "الإنسان" طورا في
التحضر زاد إتقانه لفنون التعذيب والقتل ، فمن الأنبل ، الإنسان
القاتل العبثي أم الوحش الأعجم الجائع ؟
فاضل : أسئلتك دائما تحوي أجوبتها في داخلها .. فلماذا تطرحها ؟
الجد فاضل : ( بسخرية مريرة ) لتطوير الحركة الرياضية في كركوك !!
فاضل :طيب جدي، حين خرجت من قبتك[8]
، قادما الى هنا ألم تسمع شيئا غير طبيعي في دارنا ؟ هل سمعت أو
رأيت شيئا غير طبيعي ؟
الجد فاضل: لا أتذكر إن كنت سمعت أو رأيت شيئا طبيعيا أو غير
طبيعي ..
( يتلاشى الضوء ويترافق ذلك مع صرخة طويلة حادة لامرأة في المخاض
)
المشهد الثاني :( جاء الوجد )
ثلاث نساء يحطن بامرأة بملابس بيضاء هي سُكينة زوجة فاضل ، امرأة
بملابس ممرضة تجلس محتضنة رأس سكينة والمرأة 2 هي القابلة تجلس بين
ساقي المرأة المنفرجتين والثالثة تقف ممسكة ومحركة " مهفة " خفيفة
من الخوص تمروح بها على النساء ..تشتد الإضاءة بالتدريج ثم تخفت
وتتحول الى ضوء فيضي أبيض رويدا رويدا
امرأة 1: صبرا جميلا يا عزيزتي ..اصبري قليلا ..سينتهي الأمر بعد
قليل .. تشجعي واطلبي العون من الله تعالى ..
سكينة : يا الله ، يا الله ساعدني ، ماذا يحدث لي يا أم علي لقد
..لقد ولدت ثلاثة بطون ولم أعان حتى في ولادتي الأولى ما أعانيه
الآن .
امرأة 2: استهد بالله يا سُكينة ، استهد بالله يا أم كريم .. أنت
امرأة شجاعة.. أنت أم الرجال ، اصبري قليلا يا عزيزتي ..قولي يا
الله ..
سكينة :يا الله ،يا الله يا أرحم الراحمين .. يا الله ساعدني ..كأن
الجنين لا يريد الخروج الى الدنيا .. كأنه .. كأنه يتشبث بأحشائي
..إنني أحس بحركته إنه عصبي ومضطرب ، أطرافه الأربعة تتحرك ولكنه
لا يريد الخروج ..
المرأة 1: اهدئي يا أم كريم.أنت شجاعة و نشمية.. المحلة كلها تحلف
باسمك .. اهدئي واطمئني ستلدين.. أؤكد لك ستلدين وستفرحين بمولودتك
.. سيرزقك الله ما تمناه زوجك . وستكون في داركم عروس لطيفة بعينين
بغداديتين وسيعتين وغمازتين كغمازتيك . قولي يا الله يا سكينة ..
توكلي على الله ..
سكينة : يا الله ، يا الله .. عليك توكلت .. وإليك أنبت ..
القابلة : لتحضر إحداكن قدرا من الماء الساخن ومناشف نظيفة أخرى
.
( تخرج امرأة 1 ..موسيقى هادئة مصحوبة بصوت ريح خفيفة وخرير مياه
متساقطة ..أطياف وتهويمات ملونة تظهر وتختفي على مجموعة من
الستائر السوداء والبيضاء في أعماق الركح ..
صوت الشاعر :
تلألأَ زهرُ المعنى
في قلبِ النسيانِ
وانثالَ رمادٌ من سحبِ العدمِ الأبكمِ
صدرَ الماءُ رواءً وطريقا
فاهتبلتْ شفتيّ اسماً من فعلينِ و ضوء
وإذ صدرُ الماءُ نشيجاً
ودخاناً كالماءِ
اعتملتْ في أقصى البذرة
أسئلةٌ وأزيزٌ فضيٌّ يستغرقُ قاعَ هواءٍ لوحهُ التخمينُ :
ما الزهرُ ؟
ما النسيانُ ؟
ما الماء ُ؟
ما البذرةُ ؟
الزهرُ هو البذرةُ في ماءِ النسيانِ
والنسيانُ هو الماءُ وقد صارُ ظلالا
والماءُ ؟
لـمَّ الملحُ جناحيه وحاكاني
وإذ لـمَّ الملحُ الهائجُ بين الأشناتِ
معانيه انتشرت في نسماتِ الصيف
المذهلِ
كأنفاسِ ملاكٍ مقدودٍ من خشبِ الصندلِ والنارِ
وإذ لـمَّ الملحُ جناحيه احترقَ الليلُ
فغادرني النسيانُ وجاءَ الوجدُ الوجدُ الوجدُ الوجدُ
(أم نادر تعبر المسرح بصمت ، ووهن ونظرات مسافرة في البعيد.. إظلام
)
المشهد الثالث : ( يا بابل أين أنا ؟)
محل الحاج محمد فاضل .. العجوز فاضل يغفو على كرسيه المتحرك والى
جانبه وعلى طاولة صغيرة كيس قماش أبيض يحتوي على آلة عود .. يدخل
شاب بيده حقيبة سفر صغيرة .
الشاب : السلام عليكم .
الجد فاضل :( يستفيق من إغفاءته ويهمهم رادّا السلام على الشاب )
الشاب : من فضلك يا حاج ألا تعلم متى سيعود صاحب هذا المحل ؟
الجد فاضل : هاه ..هل أنت السيد سمير القادم من البصرة ؟
الشاب :نعم أنا سمير ،ولكنك لم تجبني على سؤالي يا حاج !
الجد فاضل: أنا والد صاحب المحل الحاج محمد ، وقد ذهب هو وابنه
بعد أن انتظراك طويلا لتناول طعام الغداء وسيعودان بعد ساعة .اجلس
، لماذا أنت واقف هكذا .. (يتحرك الشاب باحثا عن كرسي ليجلس عليه
ويجد واحدا.
الجد فاضل : الله بالخير ابني .
سمير : الله بالخير حجي !
الجد فاضل : عودك جاهز .. ولكن إذا سمحت أعطني يور ادينتتي كارت[9]
!
سمير : ماذا قلت حجي ؟
الجد فاضل : هويتك لو سمحت ..
سمير : نعم تفضل (يناوله بطاقة تعريفه )..ظننتك كلمتني باللغة
الإنجليزية ..
.
الجد فاضل : (متفحصا البطاقة ) نعم ،حدث ذلك، هل من العجيب أن
يتكلم الإنسان لغة أجنبية في هذا البلاد ؟ (يعيد البطاقة الى الشاب
)
سمير : لا، ولكني فوجئت .. والآن هل يعجبك أن أسمعك شيئا على العود
؟
الجد فاضل : وهل تجيد العزف ؟..ظننت أن أهل البصرة لا يجيدون غير
الرقص على الإيقاعات الأفريقية التي جلبها زنوج علي بن محمد معهم
!
سمير : ( يخرج العود من الكيس ويبدأ بدوزنته ) أولا أنا لست من
أهل البصرة تماما بل من مدينة الكوت وقد انتقلنا الى هناك قبل
ثلاثين عاما أو أكثر قليلا .ولكن معلوماتك عن أهل البصرة غير دقيقة
فمنهم فنانون عازفون مرموقون ومطربون كبار ..المهم ماذا تحب أن
أسمعك ؟
الجد فاضل : أسمعنا ما تحب ولكن أترك لي فرصة إهداء ما ستعزف لمن
أحب ..
سمير : لك ذلك ، اهدِ المعزوفة الى من تشاء ..
الجد فاضل : إن كان لي الحق في إهدائها فأنا أهديها الى مدينتك
الأولى الكوت التي شَهِدْتُ فيها أفظع جريمة في حياتي سنة 1915 ،
وأهديها أيضا الى آلاف العراقيين الذين حوصروا في بلادهم خلال حرب
بين جيشين محتلين والى العشرات منهم ممن اعتقلهم الفريق تشارلس
طونزند الذي حوصر فيها هو وقواته واعتبرهم رهائن لديه ..
(يبدأ الشاب بالعزف تحل العتمة تدريجيا وتتحرك التهويمات والأشكال
الملونة على ستار في أعماق المسرح )
صوت الشاعر :
شَرَقَتْ بابلُ بالضوءِ نقياً.. والماءُ
يلوبُ بينَ تخومِ العدمِ الممتدِ مسافاتٍ في الوجدِ
و ظنونٌ ساحرةٌ تسري في لونٍ
يتأرجحٌ كإلهٍ رمليٍّ فوق الماءِ
ونظرتُ رأيتُ :
بحراً في مقتبلِ العمرِ
يفترسُ الصخرةَ والظلَّ فتدمعُ عينُ الإنسانِ
تنبطُ من صدعٍ في لبِّ الصخرةِ
نبضةُ صحو ممزوجٍ بالعنفٍ السائبِ والإشفاق
يدوخُ المحُّ المتلكئُ
يتذاوبُ
يسترخي
تتعكرُ صفرتهُ العسليةُ
تصفو النبضاتُ وتسترسلُ في ترشيدِ عماءٍ مرٍّ
يعدو كالمعتوهِ ويصرخُ :
محٌّ محٌّ محٌّ محٌّ محٌّ وزلال.
يتلاشى الوجهُ الأولُ والثاني
من بدنِ العدمِ الغارقِ في الحيرةِ
تتعالى موسيقى كالنملِ الأبيضِ يستقرئُ رائحةَ الطلعِ
موسيقى تلمعُ كالحناءِ الرخوةِ تحتَ الماءِ
موسيقى لا يسمعها إلا من رضعَ الطلعَ الأبيضَ
موسيقى تسري كالنملِ الأبيضِ
حينَ يحثُّ خطاهُ على زغبٍ يسجدُ فوقَ
حصيرٍ دمويٍّ يتشاكلُ في هيئاتِ الأمشاجِ على
دائرتينِ من الوهمِ الفاتنِ وحنيِن الأجنحةِ التواقةِ للطيران
بينَ بساتينِ النخلِ الغاطسِ في بحرِ ضبابٍ قلقٍ
طوقَ بابلَ فانكمشتْ تتضاءلُ كما قرصِ بنفسج
حولَ الحلمةِ في نهدٍ شاكسهُ الفجرُ ندياً فانكمشتْ كالحلمةِ بابلُ
يا بابلُ أين أنا ؟
( ينتهي الشاب من العزف)
الجد فاضل : (مصفقا ومستحسنا العزف) الله ،الله ! أحسنت أيها
الشاب أحسنت ..فري نايس ..ريلي
[10] ..
سمير : لقد عاد العود جديدا كما كان بل أفضل مما كان ..ولكن، هل
قلت أيها الحاج إنك شهدت حصار الكوت سنة 1915؟
الجد فاضل : نعم. وكنت أنا ومن معي محاصرين كرهائن بأيدي القوات
البريطانية داخل الحصار التركي العثماني الأكبر . تصور حصار داخل
حصار .. يبدو إن الأمر لم يتغير حتى في الحصار الحالي ..مازال
العراق منذ بدايات القرن رهين المحبسين كأبي العلاء المعري ،أو
حبيس الحصارين حصار خارجي معاد وآخر داخلي لا يقل قسوة وعنفا .
الشاب : كيف ذلك ؟ لم أفهم قصدك ..
الجد فاضل : يعني طاسة ببطن طاسة وبالبير غطاسة ..ألم تسمع بهذه
الحزورة ؟
الشاب : لقد زدت الأمر تعقيدا على تعقيد ..
الجد فاضل : الطاسة الأولى كانت القوات التركية تحيط بمدينة الكوت
كما قال الجنرال تشارلز طونزند إحاطة السوار بالمعصم . و الطاسة
الثانية كانت القوات البريطانية التي كانت تحاصرنا نحن أهل الكوت
..كنت أنا ضمن بضعة آلاف من العرب العراقيين أشبه بالأسرى بل
تستطيع القول بأننا كنا أسرى حقيقيين ومحاصرين من قبل القوات
البريطانية التي تحتل المدينة ..
المشهد الرابع : ( الذئب يتحصن )
مدينة الكوت المحاصرة 1915. مقر قيادة أركان القوات البريطانية
كخلية نحل .ضباط وجنود يدخلون ويخرجون .. الفريق "تشارلس طونزند "
يملي على أحد الجنود نص البلاغ التالي والضابط يرقنه على الآلة
الطابعة .
طونزند : بلاغ عام من الفريق الثاني تشارلس طونزند الى جميع جنود
ومراتب القطعات البريطانية في منطقة العمليات في مدينة الكوت ..
لقد قمتم بعمل مجيد بانسحابكم من طيسفون على مشارف بغداد وتراجعتم
بانتظام مسافة ثمانين أو تسعين ميلا تحت أنوف الترك وعملكم هذا
أسطع برهان على شجاعة هذه القوة وضبطها . لقد عقدت العزم على
الدفاع عن الكوت وعدم الانسحاب منها الى محل آخر ...واعلموا أن شرف
وطننا وعاهلنا متوقفان على إفراغ كل ذرة من الهمة التي فينا في
المدافعة عن هذا المكان ..علينا أن نتعمق في حفر الخنادق على جناح
السرعة فلا تلحق بنا قنابل العدو حينئذ إلا أذى طفيف . ولدينا
كميات وافرة من الطعام والعتاد ولكن على آمري الوحدات أن يقتصدوا
في إنفاق العتاد ولا يسرفوا فيه بلا جدوى ..
الفريق الثاني
تشارلس طونزند
الثالث من
كانون الأول 1915
[11]
ينبغي استنساخ عشرات النسخ من هذا البلاغ وتوزيعها على جميع
القطعات ..
الجندي1: (يخرج الورقة من الآلة الطابعة ) نعم سيدي ..سنفعل ذلك
حالا (يؤدي التحية ويخرج يدخل ضابط آخر وبيده أوراق )
الضابط 1 : (مقدما الأوراق الى طونزند ) قائمة مواد الإعاشة
المتوفرة عندنا يا سيدي .
طونزند : اقرأ ما لديك .
الضابط 1: للجنود البريطانية أرزاق ستين يوما . للجنود الهندية
أرزاق ستين يوما . وقود يكفينا لواحد وعشرين يوما وفي معمل السوس
على الضفة الأخرى من النهر لدينا كمية أخرى تكفينا لثلاثة وثلاثين
ويوما .الحبوب تكفينا لثلاثين يوما . علف للحيوانات يكفينا لسبعة
عشر يوما .بسكوت يكفينا لأربعة أيام فقط ودقيق لسبعة وخمسين يوما
وطحين هندي يكفينا لأربعين يوما .
طونزند : كميات لا بأس بها ، ولكن علينا أن نتوقع أسوأ الاحتمالات
صحيح أن النجدات والقوات البريطانية التي ستفك عنا الحصار لن تتأخر
أكثر من المدى الزمني المتاح ،ولكن كما قلت ،علينا أن نحسب حساب
المصادفات السيئة والاحتمالات السوداء .. حسن ، كم عدد سكان
المدينة من العرب ؟
الضابط 1: ليست لدينا إحصائية دقيقة .
طونزند : اكتبْ تخويلا باسمي للحاكم العسكري لكي يشتري من الأهالي
كل ما لديهم من حبوب ..ثم يصدر أمرا بعد ذلك بإخراج سكان البلدة
ماعدا الذين يوصي بإبقائهم هو فيها لاستفادة منهم في حفر الخنادق
وإنشاء الطرق بشرط أن لا يتجاوز العدد ستة آلاف شخص ودعه يرسل لي
من بينهم عشرين شخصا من وجهاء المدينة ،أكرر من وجهاء المدينة
،ليكونوا بمثابة رهائن لدينا لنضمن بواسطتهم حسن سلوك غيرهم ..
الضابط 1: هل قلت رهائن يا سيدي ..؟
طونزند : نعم ، قلت رهائن .. ألم تسمعني جيدا ..
الضابط 1: بلى سمعت ولكنني ..
طونزند : آه ..لقد فاجأتك الكلمة ..طيب ، يمكنك استبدالها بكلمة
أخرى ألطف منها في نص التخويل كأن تقول محتجزين أو مقطوعين ولكن
المشكلة ستظل هي هي .. فهؤلاء العراقيون التعساء سيكونون رهائن
..هيا ، هيا ، أسرع بتنفيذ ما أُمرت به .
الضابط1 : حاضر يا سيدي .
(يقترب ضابط ثالث من طونزند وبيده منظار ميداني )
الضابط 2: وأخيرا عثرنا على الدار التي تصلح لتكون مستشفى لنا ..
إنها هناك يا سيدي ( طونزند يتناول منه المنظار ويقترب من النافذة
)
طونزند : هل تفحصتموها من الداخل ؟
الضابط 2: نعم يا سيدي . إنها متينة البناء ومؤثثة بشكل أنيق وبارع
حتى ليصعب على المرء أن يصدق أن صاحبها ..
طونزند : الأتراك ليسوا جميعا همجا، لقد عاش بعضهم لسنين طويلة في
بريطانيا وفرنسا وإيطاليا و..
الضابط2: لو كان الأمر يتعلق بشخص تركي يملك تلك الدار لهان الأمر
، على اعتبار أن الكثيرين من الأتراك سافروا وعاشوا لفترات في
أوروبا، ولكنه ليس تركيا بل عراقي عربي ..أجل يا سيدي إنه شخص
عراقي مالك تلك الدار يا سيدي .
طونزند : ويحك يا جيمس ! ألا تعلم إن العراقيين هم من علم البشرية
القراءة والكتابة وتشييد المدن وهم الذين اخترعوا العجلة ورسموا
أول خريطة للكون وكتبوا أول ملحمة شعرية عن الخلود والموت ؟ سحقا
،لا تكرر ما قلته لك توا أمام جنودك لئلا يقعوا في غرامهم فيؤثر
ذلك على معنوياتهم .. ولكن قل لي ، من كان صاحب الدار وماذا فعلتم
به ..؟
المشهد الخامس
(العسكري
التركي ينقلب مترجما )
محل الحاج محمد فاضل . العجوز فاضل مواصلا قص حكايته لسمير .
الجد فاضل : ..كان صاحب تلك الدار أبي . وكنت أنا شابا يافعا
وضابطا صغيرا في الجيش التركي العثماني، وبالمناسبة سأبقى فيه
ضابطا صغيرا حتى اليوم الذي غادرته فيه .. كنت في إجازة عند أهلي
يوم انسحبت قوات تشارلس طونزند واحتلت كوت الإمارة .ولكي لا أمضي
عمري في معسكرات الأسرى البريطانية في الهند كأسير حرب أتلفت
ملابسي العسكرية وأخفيت متعلقاتي العسكرية الأخرى واستقر رأي
العائلة وباقتراح من والدي على أن انتحل دور طالب جامعي عائد من
اسطنبول في إجازة ويمكنني الاستفادة من لغتي الإنجليزية الجيدة ..
سمير البصري :وهل انطلى الانتحال على البريطانيين ؟
الجد فاضل : والى درجة لم أكن أتوقعها ..أكثر من ذلك إنني كنت أدخل
بسهولة مقر القيادة البريطانية والمكتب الشخصي للجنرال طونزند
بصفتي "هز برايفد ترانسليتر
[12]" أي المترجم الشخصي لقائد
القوات تشارلس طونزند .. وكنت أتقاضي على أتعابي وجمع أسرارهم التي
كنت أبعث بها بانتظام الى قيادتي راتبا مجزيا ..
سمير البصري : والدار ، داركم ؟ هل استولوا عليها فعلا ؟
الجد فاضل : نعم ولكن بعد أن دفعوا لنا تعويضا لا بأس به . لا بد
من قول الحقيقة. الله تعالى يقول ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم )
صحيح إن البريطانيين من أقسى المستعمرين والغزاة الهمج في التاريخ
،ولكن لنقل إنهم همج ذوو استقامة و شيء يشبه الشرف .وقد وعدوا
بمضاعفة التعويض بعد انتهاء الحرب ولكن الطائرات الألمانية التي
كانت تقاتل الى جانب الأتراك دمرت الدار وساوتها بالأرض ..
(يدخل فاضل مهموما )
فاضل : السلام عليكم .
سمير البصري : وعليكم السلام ، كيف حالك يا أبا كريم ؟ يبدو عليك
إنك لست على ما يرام ؟ خير ؟
فاضل : ( مصافحا سمير بلا حماس ) أهلا أخ سمير.. لا شيء ! بعض
المتاعب الصغيرة .
الجد فاضل : أ لم يأتها الفرج بعد ؟
فاضل : لا ، المسكينة تعاني وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئا ..
الممرضة والقابلة تقولان إن نقلها الى المستشفى يشكل خطرا على
حياتها وحياة الجنين واستمرار التعسر يشكل خطرا آخر ..
سمير البصري :عمن تتكلم ؟ عن ..
فاضل : عن زوجتي ، إنها تعاني من ولادة متعسرة . تصور امرأة تلد
للمرة الرابعة ويحدث لها تعسر ، هل هذا معقول ..؟ منذ يومين وهي
على هذه الحال ..
سمير : اسمع هذه ليست الحالة الوحيدة ، إنها ظاهرة مرضية آخذة
بالانتشار . والحل هو بالولادة المائية .
فاضل : الولادة المائية ؟ ماذا تقصد ..؟
سمير البصري : الولادة المائية يا فاضل هي طريقة شعبية قديمة
للتوليد عاد إليها الناس .إنها سائدة في البصرة ومدن الجنوب ويبدو
أنكم لم تسمعوا بها ..
فاضل :أسرع بالله عليك وأطلعني عليها .
سمير : حسنا ،حسنا .. اسمع ! هل لديكم بانيو، أقصد حوض استحمام ،
في البيت ؟
فاضل : نعم ، ثمة واحد في الحمام .
سمير : يجب أن يملأ البانيو بالماء الفاتر و يخلط الماء مع بعض
الأعشاب العطرية كالبابونج والنعناع والريحان و وقليلا من جريش
قشور الليمون ثم تجلس الحبلى فيه باسترخاء كامل وسيكون مفيدا لو
كان فوقها مرشة ماء مستمرة ..
فاضل : هل هذا كل شيء ؟
سمير : هذا كل شيء !
فاضل : سأعود حالا .. شكرا لك شكرا جزيلا أيها الأخ ..( يخرج
مسرعا مرتبكا )
سمير : لقد أخذني الكلام و فاتني قطار اليوم .. سيكون عليَّ أن
أبيت الليلة في بغداد ..
الجد فاضل : هل كنت جادا في موضوع الولادة المائية ؟
سمير : ولماذا تشك في ذلك ؟ أي مصلحة لي في ألا أكون جادا ؟
الجد فاضل : لا ، ولكنني وعلى الرغم من إن عمري يقترب من القرن
الكامل لم أسمع بعلاجك الشعبي هذا لا في العراق ولا في غيره ..
سمير : الحاجة أم الاختراع يا حاج .. ثم أن الأمور بنتائجها
..وعلى أية حال لا خطر هناك من هذه الوصفة وليس للنعناع أو
الليمون أضرار جانبية كما تعلم .
الجد فاضل :آه ، هو إذن اختراع جديد وليس علاجا شعبيا !!بصراحة
:أنت تذهلني بثقتك بنفسك .. أنت متفائل وكأن المرأة ستلد فعلا
في هذه الشورباء العطرية التي فبركتها ..
سمير : لن تلد بسرعة على أية حال ..ستعاني قليلا .. ولكنها معاناة
إيجابية . معاناة مع الأمل الذي يأتي به الماء الفاتر المعطر ..
(إظلام .. مع صرخة حادة وطويلة لامرأة تعاني المخاض وعبور
آخر لأم نادر بخطوات حيوية واثقة مهمومة )
المشهد السادس :( الخروج الى النور)
( المرأة في حوض المرمر ، يهطل عليها الماء من مرشة فوقها ،
الممرضة والقابلة يمسكان بالمرأة . يتعالى عزف العود مع حركة
التهويمات والومضات الملونة على الستائر . صوت المياه المتساقطة
يبدو مسموعا بوضوح ..)
صوت الشاعر :
تندلقُ الدهشةُ
دفقةَ لحنٍ مرتجلٍ بين الهاءِ الرطبةِ والسيِن الغسقيةِ والباءِ ..
هَسَبٌ هَسَبٌ هَسَبٌ ،يتداعى هيكلُ صمتٍ في صوتِ
النونِ المندسةِ حشو تويجاتِ التنوينِ
يتلاشى الوجهُ الثالثُ والرابعُ بينَ الحناءِ و جورِ زلالٍ ورديٍّ
يبرق ريش مكتوم الأسرار
بينَ تباريح في زلالِ ما عادَ يسليهِ اللونُ الورديُّ
وبينَ الشوقِ القادمِ من أعماقِ فراتٍ هائمِ
يبرقُ ريشٌ مفضوحُ الأضواءِ
كجمرٍ أعمى مدفونٍ في أعماقِ زمانٍ
أعمى
وإذ يبرق ريشي يتلاشى الوجهُ الخامسُ في ضحلِ السكرِ
يتمطى اللحمُ طرياً في أشباحِ الصلصالِ اللزجِ
يتداخلُ قوسٌ مكتظٌ بالنياتِ السيالةِ
يتفرعُ ذوبُ القوسِ نجوماً
يرعاها شلالُ رنينٍ مهموسٍ
وأرى بين الذراتِ المشغولةِ بالدورانِ الحلزونيِّ
خيطَ حليبٍ
تتناهبه فجواتُ الرغبةِ والغيظِ
وأرى بين الفجواتِ
هلاماً يتراقصُ حراً
ويدغدغُ بالنظراتِ
اللحمَ الهاجعَ
بين تفاصيلِ الأجنحةِ الثكلى بالمجهول
تغزو القوةُ هيئةَ منقاري
يتلاشى الوجهُ السادسُ
يتمخضُ وعيُّ الماءِ عن سهمٍ من صخرٍ
غرٍّ
في طرفِ المنقارِ
أطرقُ .. أطرقُ .. أطرقُ قشرَ البيضةِ فأكونُ .
( يتلاشى الضوء والأطياف وتعود الإضاءة على النساء.. إحداهن تطلق
هلهولة طويلة ومرحة .القابلة تحمل الوليدة ملفوفة بقماشة بيضاء،
الأخريات ينشغلن بالمرأة الوالدة . المرأة التي تحمل الوليدة تتجه
خارجة من يمين الركح.. هلهولة أخرى تتلاشى ببطء ..إظلام )
الفصل الثاني
المشهد الأول :( حساب الخصوصيات العراقية )
1915 مدينة الكوت المحاصرة ..في أماكن مختلفة تشاهد مجموعة من
النساء بعضهن يعجن العجين وأخريات يخبزنه في تنانير طينية . عمود
ضوئي يسلط على طفل رضيع ملفوف بقماشة بيضاء في فيء جدار طيني
.امرأة تقترب من رضيعها الباكي . تتناوله بحنان وقلق وتجلس لترضعه
..تدخل مجندة بريطانية بخطوات واسعة وبيدها سوط طويل .
المجندة : ما هذا يا امرأة ؟ ألا تكفين عن تضييع الوقت والتهرب من
العمل .. هيا عودي الى عملك فورا .
المرأة المرضع : ولكن الطفل يبكي ، إنه جائع يا خاتون..
المجندة 1: ( تسوط الهواء ) اخرسي أيها المتخلفة وعودي الى عملك .
لقد سمحنا لك باصطحاب حيوانك الصغير هذا ،ولكنك كما يبدو تريدين أن
تجعلي منه سببا للانقطاع المتعمد عن العمل .
المرأة المرضع : الرحمة يا خاتون. الرضيع جائع إنه يلتهم ثديي
التهاما .
(تقترب امرأة أخرى حاملة سلة من الخبز من المجندة )
المرأة 2: يا خاتون ،لقد انتهيت من خبز حصتي من العجين ،وسوف أقوم
بعمل هذه المرأة نيابة عنها فاتركيها ترضع صغيرها .
المجندة 1: وأنت من أعطاك الحق في التدخل والكلام في ما لا يعنيك
.. إذا كنت قد انتهيت من خبز تلك الكمية من العجين فخذي كمية
لعينة أخرى منه واخبزيها هيا ..
المرأة 2: ولكني أنهيت حصـ..
المجندة 1 ( مقاطعة ) أنا التي تقرر هنا من انتهى من عمله ومن لم
ينته .. قلت لك عودي الى عملك واغلقي فمك ..
ضابط بريطاني 3: من فضلك يا مس كرين ، هل يمكن أن تتكرمي علي
بدقيقة من وقتك الثمين ؟
المجندة 1: حالا يا سيدي . سأفرغ من موضوع هذه المرأة و أوافيك
مباشرة ..
الضابط 3: دعيها وشأنها وتعالي ..
المجندة 1( تقترب من الضابط وتؤدي له التحية العسكرية) : تحت تصرفك
سيدي الضابط .
الضابط : إنني أعرف مقدار حرصك الصادق على أداء مأموريتك وعلى أحسن
ما يرام .. لكني أقترح عليك أن تخففي الضغط على النساء لكي لا يحدث
ما نحن في غنى عنه ..
المجندة 1: أنهن يا سيدي يثرن أعصاب الدب القطبي بهدوئهن ولا
مبالاتهن ..
الضبط 3: لاحظت ذلك .أنت على حق . ولكن عليك أن لا تنسي إنهن
وأزواجهن أشبه بأسرى الحرب ..نحن بصراحة نسخرهن للقيام بأعمال لا
يجوز أن يكلف بها حتى الأسرى الحقيقيين .ثم عليك يا آنستي أن تحسبي
حساب خصوصيات هؤلاء النسوة . لقد أضربوا كلهم رجالا ونساء قبل
أيام عن العمل في بناء التحصينات حين علموا بأننا عينا ضابط صف
كرقيب على عمل نسائهم و لم يهدءوا ويعودوا الى العمل حتى عيَّناك
أنتِ عوضا عن ضابط الصف .. ولعلك سمعت بحادثة الجندي الهندي الذي
صفع أحدهم وكان المضروب ابن أحد شيوخهم فهاجموا الجندي الهندي و
فتكوا به رفسا بأقدامهم ولكما بقبضاتهم .. لقد كاد الأمر يتحول الى
مجزرة رهيبة بين قواتنا وجمهور الأسرى العرب بسبب خطأ صغير وسوء
تصرف غير محسوب العواقب .
المجندة 1: حسنا يا سيدي ، إنني آسفة يبدو إنني ارتكبت خطأ خطيرا
..سأفعل ما أستطيع لكي لا يتكرر .ولكن أرجو أن تغفر لي فظاظتي بسبب
قلة التجربة .
الضابط 3: لا عليك يا مس كرين ، لحسن الحظ أنت لم ترتكبي الخطأ
الخطير بل كدت ترتكبيه .. أتمنى لك وقتا طيبا .. وإذا كنت بحاجة
الى المساعدة فلا تترددي .
المجندة 1: شكرا جزيلا لك سيدي الضابط ، وداعا (وكأنها تذكرت شيئا
) سيدي ..
الضابط 3: ماذا ؟
المجندة : لقد خطرت لي فكرة ربما اعتبرتَها حمقاء ولكني سأقولها لك
..
الضابط 3: تفضلي ، قولي ..
المجندة 1: إذا فكرتم بتعيين مراقبات من النساء على الرجال فأنا
مستعدة للمشاركة .
الضابط 3: ماذا ؟.. نساء يراقبن رجالا ؟ ورجالا عراقيين ..؟
المجندة 1: أجل ..ونساء شقراوات أيضا.
الضابط 3 : فكرتك هذه إما مجنونة أو عبقرية .. سأفكر بها على كل
حال وأبلغك النتيجة، في الوقت المناسب .
( إظلام )
المشهد الثاني : (الدخول في المحظور )
محل الحاج فاضل . الشاب فاضل يمسك بطبق الحلوى ويقدم منه لمجموعة
من الناس في المحل ولبعض المارة .
فاضل : ( مقربا الطبق الى سمير البصري ) خذ قطعة أخرى يا رجل . أنت
حقك علينا ذبيحة وليس حبة ملبس . ولكنني لن أنسى فضلك عليَّ ما
حييت .
سمير : استغفر الله يا أخي . أنا لم أجترح مأثرة فأحرر فلسطين .
كل ما هناك وصفت لك حماما بالأعشاب والماء الفاتر .
فاضل : كيف لا تكون هذه مأثرة ؟ أنقذت حياة زوجتي وابنتي من الموت
.. بعد مرور عشر دقائق على وضعها في حوض الماء ولدت زوجتي وهي التي
تعسرت ولادتها يومين ونصف ..
سمير : الأعمار بيد الله يا فاضل ،وأنا كنت مجرد وسيلة لا أكثر ولا
أقل ..
الحاج محمد : صدقت أيها الشاب ..ولكن قل لي يا فاضل كيف حال
الوليدة الآن ؟
فاضل : إنها بخير .. تنفسها منتظم ودرجة حرارتها.. ولكنها ترفض أن
تفتح عينيها .. لقد رأيتها بنفسي وهي تطبق جفنيها على عينيها
الصغيرتين إطباقا تاما وكأنها لا تريد رؤية ما يحيط بها ..لو لم
تقسم لي القابلة بأنها رأت عيني الصغيرة مفتوحتين لثوان قليلة
لخامرني شك في إنها .. ربما .. أقول ربما .. الحاصل .. الأكثر
غرابة من ذلك هو إنها ولدت ولم تستقبل العالم كسائر الأطفال بتلك
الصرخة المجلجلة .. قالت لي القابلة أم كاظم بأنها ظنت في البداية
أن الوليدة قد فارقت الحياة بسبب طول التعسر ولذلك لم تطلق صرختها
تلك ولكنها اطمأنت الى أنها حية حين وجدتها تتحرك ..
أمر غريب أ ليس كذلك ؟
الجد فاضل : وما وجه الغرابة في ذلك ؟ الغرابة ذاتها تستغرب مما
يحدث هذه الأيام ! ولو قدر لي أن أروي حكايتك قبل نصف قرن ،وأقول
للناس أن بغداديا رزق بطفلة وأخذ يوزع الحلويات ابتهاجا بهذه
المناسبة لرجموني بالأحذية لأنني كما سيظنون أسخر منهم أو لأنني
مجنون وقح.
سمير : لكلِّ زمانٍ دولةٌ ورجالٌ يا حاج !
الجد فاضل : هذا صحيح فالزمان يجري كنهر دجلة ولكنه أحيانا يشح
بخيره فيموت الناس عطشا وأحيانا أخرى يفيض فيُغرِقُ ويُدمِرُ ..
الحاج محمد : دجلة أكثر شبها بالدولة وليس بالزمان من هذه الناحية
..
الجد فاضل : لا أعتقد ذلك لأن دجلة نبع خير وسبب حياة . تلك قاعدته
التاريخية على الرغم من تقلباته التي تدخل في الإكسبشن[13]
أي في .. في.. في الاستثناء .أما الدولة فلا خير فيها أبدا،
وأحيانا تكون شرا لابد منه . إنها أشبه بوحش يستمتع بعذاب ضحاياه
ويتغذى من خيرات الأرض ليزداد قوة وقسوة فينشر الموت شمالا وجنوبا
شرقا وغربا .
فاضل : حذار يا جدي لقد دخلتَ في المحظور !!
الجد فاضل : لا تخف نحن نتكلم عن وحش من صنع خيالنا وعن الدولة
المجردة وليس عن الحكومة .
فاضل : اللهم احمنا من وحوش الخيال قبل وحوش الواقع ، على الأقل
وحوش الواقع لها أنياب مرئية ، نراها فنهرب منها أما وحوش الخيال
فمشكلتها عويصة وتحتاج الى نظارات من نوع خاص ، أليس كذلك ؟.. (
الى سمير ) هل قررت أن تبيت هذه الليلة في بغداد إذن ؟
فاضل : أجل ولهذا سأترك العود هنا وأمر عليكم غدا صباحا لآخذه معي
وسأذهب الآن لحجز سرير في أحد الفنادق القريبة ..
الحاج محمد : لو لم تكن أوضاعنا مقلوبة رأسا على عقب كما ترى
،لدعوتك للمبيت عندنا ..
سمير : دايم وتسلم يا حاج محمد ، أنتم لا تحتاجون لتجربة ..
فاضل : انتظر ! سأعوض عليك المبيت فأنت مدعو معي الليلة على سهرة
خاصة على شاطئ دجلة ..
سمير : إذا كان الأمر هكذا فأنا موافق .
الجد فاضل : سهرة طيبة ولكن حاذِرا من الاقتراب من الوحش .. إنه
يتنـزه كثيرا -آز ذي سي[14]-
على شواطئ دجلة هذه الأيام (مرددا أغنية مشهورة ) : على شواطي دجلة
أمر يا منيتي وقت الفجر ..حذارِ من الوحش يا شباب !
فاضل : ( محتدا ) جدي !..ألا تكف عن هذا الكلام ؟ ستؤدي بنا الى
كارثة ..من يتكلم كثيرا عن الوحش يقع في غرامه فيكون قريبا من
أنيابه وقد يفترسه .
الجد فاضل : لن يجد فيَّ ما يمكن افتراسه ..( الى سمير ) هل فهمت
الآن معنى الحزورة أيها الشاب ؟
سمير : أية حزورة يا عم ؟
الجد فاضل : حزورة الطاسة ببطن طاسة وبالبير غطاسة .. حزورة رهين
الحصارين ،حصار الداخل وحصار الخارج .. هل نسيت أبا العلاء المعري
؟
الحاج محمد : هل داهمتك ذكريات حصار الكوت مجددا ؟ ألا تريد أن
تنسى ؟
الجد فاضل : أنسى ؟ وهل انتهى الحصار، وصار في عداد الذكريات أم
إننا ما زلنا نحياه؟ كل ما تغير هو أن بلدة "كوت الإمارة" الصغيرة
أيام الجنرالين طونزند وخليل باشا أصبحت وطنا كبيرا اسمه العراق ،
بلد ترصده الأقمار الاصطناعية وتمسحه بالسنتمتر فيما تدور في داخلة
مطحنة مرعبة للحم البشري ..أعطني قطعة حلوى يا فاضل أشغل بها لساني
اللعين قبل أن يذهب بكم جميعا الى جهنم .
فاضل : (مقدما له قطعة حلوى ) تفضل يا جدي ، هذه ثالثة قطعة تأكلها
اليوم أخشى عليك الإصابة بالسكر .
الجد فاضل : (ممسكا بقطعة الحلوى ) من حسنات الحصار الشبيهة
بحسنات الطاعون إنه قضى على أمراض كثيرة كان العراقيون يعانون منها
كمرض السكر وضغط الدم والبدانة والتبذير والبطر...ثانكس غود
[15]!
الحاج محمد : وهل رأيت أو سمعت بشعب آخر غيرنا يأكل كل هذا العدد
من المأكولات المتنوعة خارج الدار : في الطرقات والأزقة وعلى شواطئ
الأنهار ولا ينقرض من أمراض التخمة ؟ هل نسيت بائع اللبلبي وهو
يصيح على قدر الحمص المسلوق والمنقوع مع الكركم الأصفر : مالح وطيب
لبلبي .. وقريبا منه بائع الباصورق ..باصورق، باصورق مدخن ومالح
باصورق ، أما بائع الشلغم .. بالمناسبة ،أبو محمد ما هو اسم الشلغم
في الفصحى ..؟
الجد فاضل : الاسم نفسه تقريبا مع إبدال السين شيناً والغين جيما.
إنه سلجم ويصح أيضا اللفت .
الحاج محمد : وبائع السلجم في الشتاء وهو يصيح : درمان الصدر
ياشلغم ودرمان كما قيل لي كلمة فارسية تعني الدواء ..و لا تنس بائع
النبق وبائع الخس .. خس أبو الطوبة يا خس ..وبائع العنبر ورد ،و
بائع الدوندرمة وبائع البيض والأبيض وبائع البالوتة والنامليت
وبائع الفجل جاويش العشاء .. أبا محمد ما معنى جاويش .
الجد فاضل :يعني شاويش أي عريف المائدة .
الحاج محمد : وبائع التكي أي التوت ،وبائع بيض اللقلق والشعر بنات
وبائع الجرك والداطلي والبادم والمريس والشكرلمه.. كما قال الرصافي
رحمه الله : أشياء ليس لنا سوى أسمائها أما معانيها فليست تعرف
..وبائع اللوبية المسلوقة والشامية وبائع الخيار وبائع السميط
وبائعات القيمر وبائع الجمار وبائع اللبن وبائع الشربت زبيب ونقيع
النومي بصرة .حتى الأطفال كانت لهم حلوياتهم الخاصة التي يصنعونها
بأنفسهم ويجلسون في الطرقات لبيعها كالعسلية والدوندرمة المنزلية
..ألا تلاحظون يا جماعة إننا كنا نحتاج الى شعب آخر لكي يطهو ويجهز
ويبيع لنا كل هذه المأكولات، ولكننا كنا نفعل ذلك الى جانب ما كان
علينا أن نفعله في المعتاد ؟ أليس في هذا الأمر شيء من عبقرية
شعبية تقاوم المجاعات والأوبئة ؟
سمير : أنا أعتقد ، ولا تزعل مني يا عم أبا فاضل ،لو لم نكن نضيع
أوقاتنا في ملء كروشنا بكل هذه المأكولات وسواها لكنا اليوم في
المستوى الحضاري الذي بلغته فرنسا أو على الأقل إيطاليا ..
الجد فاضل : لا أعتقد ذلك .. ثمة سلاسل وقيود تمنعنا من التقدم حتى
لو صمنا عمرنا كله ،وامتنعنا تماما عن الطعام والشراب والسرير .سبب
تخلفنا يا سمير ليس في الباصورق أو العسلية بل في تلك السلاسل
والقيود ..
سمير : ماذا تقصد بالسلاسل والقيود يا حاج ؟
الجد فاضل : إنها سلاسل و قيود بعضها داخلي، نما وتراكم في الذاكرة
عبر العصور، نتيجة تاريخ طويل من القمع والغزو الخارجي والأوبئة
والفيضانات وقيود أخرى خارجية صنعها لنا الحاكم الشرطي و الوزير
الشرطي ورجل الدين الشرطي والتاجر الشرطي والراقصة الشرطية والمثقف
الشرطي ..
فاضل : أراك تبرئ الاستعمار الغربي من حصته في جريمة تخلفنا
وتأخرنا الحالي ..
الجد فاضل : الاستعمار هزم وانتهينا منه في بدايات القرن العشرين
..هو نفسه اعترف وسلم بهزيمته ولكنه لا يكف ولن يكف عن إلحاق
الأذى بنا أو القيام بمحاولات الإزعاج ضدنا ولكننا عمليا هزمناه
منذ زمن بعيد ..بمعنى إن تخلفنا ليس جريمة غربية أولا وأخيرا بل
نتيجة شرقية أولا وغربية ثانيا ..
سمير : إذا كنت تقصد بالقيود والسلاسل التي منعتنا من التقدم
الحضاري خصوصيات مجتمعنا ، فالسؤال هو لماذا لم تمنعنا هذه
الخصوصيات من التقدم والبناء الحضاري في زمن الدولة العباسية مثلا
؟
الجد فاضل : لم تمنعنا الخصوصيات من التقدم في العهد العباسي لأننا
كمجتمع كنا أحرارا آنذاك وغير مستعبدين من العصابة التي سطت على
الدولة وحلت محلها .. وكان المجتمع الحر يقاوم بثوراته وانتفاضاته
العديدة حتى تلك الفاشلة انحراف و طغيان الدولة وهمجيتها ..
والدليل هو أن الفلاح العراقي البسيط والمواطن العادي حافظ على
كرامته وكبريائه الإنسانية حتى خلال فترة الاضطهاد الاستعماري الذي
مارسه الغزاة البريطانيون .. نعم ، كان العراقي محاصرا في مدينة
الكوت مثلا ،ولكنه ظل محتفظا بكرامته وكبريائه القادمتين من العصر
العباسي رغم الجوع والأمراض وفرق الإعدام البريطانية والتركية
والملكية العراقية فيما بعد والحبل على الجرار، هل تريدون أن
تسمعوا مختصرا لتاريخ الشعب العراقي بثلاث لغات ؟ حسن إذن . إنه :
فاير ، آتاش ، نار ، فاير ، آتاش ، نار
[16]. ! هذا هو في الواقع مختصر
تاريخ الشعب العراقي في القرن العشرين ، ومازال الرمي مستمرا ..
(إظلام )
المشهد الثالث :( وللعراقيين كرامة أيضا )
مجموعة من الأسرى العراقيين يعملون في تشييد تحصينات عسكرية
بريطانية وحفر خنادق تراقبهم ثلاث مجندات شقراوات )
المجندة 1: ها ؟ هل اقتنعتِ الآن يا مس آرثر بذكاء الفكرة التي
اقترحتها على السيد العقيد ؟
المجندة 2 : أنصحك يا مس كرين بالابتعاد عن الغرور لأنه يكسب
العسكري ملامح لا إنسانية تشبه ملامح الحصان الميت . ثم ماذا
استفدنا نحن ؟ ماذا استفدت أنا ؟ كنت قبل أن آتي الى هنا بسبب
فكرتك الذكية أعمل في مكان مريح ومحترم في قسم الاتصالات ، و ها
أنا الآن أقف في الشمس اللاهبة أراقب هؤلاء العرب الحمقى
والشبيهين بقردة مصابة بالسل .
المجندة 3: العمل هو العمل سواء كان في الفردوس أو في الدرك الأسفل
من الجحيم .. ولكني أعتقد إن الصحبة الطيبة تخفف كثيرا من جوانبه
السيئة كالشعور بالتعب واللاجدوى وما الى ذلك .
أسير عراقي 1: يا ست هل يمكنني أن أذهب لقضاء الحاجة ؟ إنني مريض
.. أعاني من الإسهال ؟
المجندة 2: ماذا يريد هذا العربي ؟ ماذا قال ؟
المجندة 1: إنه يدعوك الى الذهب معه الى السرير ..
المجندة 2( ضاحكة ) آه حقا ! قولي له إنني سأمنحه قطعة حلوى شهية
إن فعلها حقا معي على الطريقة العربية ( يتضاحكن )
الأسير العراقي 1: ماذا قلت يا ست ، ماذا قلت يا باجي ..اللعنة !(
الى بقية الأسرى ) بأية كلمة أو صفة يجب أن نخاطب المرأة
الإنكليزية ..
الأسير 2: ألا نقول نحن العراقيين للرجل الإنكليزي يا صاحب ؟ قل
لها إذن يا صاحبتي ، قل لها يا خاتون ، يا عزيزتي ..
الأسير3 : بل قل لها يا عجيزتي فذلك يليق بها وبالإمبراطورية ..
الأسير 2: ولكنها معدومة العجيزة كما ترى ولا تصلح شياً ولا طبخا.
الأسير 3 : ولا يهمك يا أبو عبود ، يمكن أن تستعملها كمشهيات قبل
أن تدخل على الخالة أم عبود !!
( هرج ومرج وضحك بين الأسرى )
المجندة 1: كفوا عن الثرثرة حالا وعودوا الى العمل .. لقد تجاوزتم
الخط الأحمر ولو ترجمت ما قلتموه الآن لأطلقت عليكم النار جميعا
..أما أنت فاذهب لقضاء حاجتك وعد بسرعة ولكن كن حذرا فالجنرال
طونزند يتصيد الأتراك الذين يذهبون للتغوط عند شاطئ النهر في مثل
هذا الوقت .
الأسير 1: شكرا لك يا.. يا .. يا خاتون .. شكرا لك يا صاحبة أجمل
عينين في الفرقة السادسة من جيش صاحب الجلالة .
الأسير 3: وأخيرا وجد فيها شيئا يستحق المديح ، ابن الحبابة !(يضحك
الجميع )
المجندة
(الى الأسير 1) خذ هذه الجكليتة إنك تستحقها ( ترمي إليه بقطعة من
الحلوى ولكن الأسير يتركها تسقط في الوحل ويختفي )
المجندة 2: ماذا دهاه لماذا فعل ذلك ؟
المجندة 3: ماذا قال ؟
المجندة 1: تعال ، هيه أنت ، تعال الى هنا !
الأسير1: نعم يا ست ، يا سستر ! ماذا هناك ؟
المجندة 1: لماذا تركت قطعة الحلوى تسقط في الوحل ومضيت ؟ ألست
جائعا كالجميع هنا ؟ ألا تشعر بالحاجة إليها ؟
الأسير 1: أما إنني جائع فهذا صحيح ،ولكنك يا خاتون رميتها إلي كما
ترمى العظمة الى كلب مصاب بالجرب وليس كما تقدم سيدة كريمة قطعة
حلوى لرجل أسمعها كلمة طيبة ! أ هكذا تفعلون في صالونات لندنكم ..
المجندة 1: اذهب ، اذهب من هنا حالا .. أنا أيضا ذاهبة ولن تروا
وجهي بعد اليوم .
المجندة 2: ماذا حدث لك يا مس كرين ؟ هل قال لك هذا الصعلوك سيئا ؟
هل شتمك ؟
المجندة 1: على العكس لقد أسمعني ما لم اسمعه من جنتلمان حقيقي حتى
الآن . لقد امتدح جمال عيني . ولكنني كنت فظة و خنزيرة معه ..حسبت
إنني أكافئه بحبة الحلوى ولكنه احتج على حركتي الخالية من الذوق
وثار لكرامته ..
المجندة 3: كرامته ؟ هل قلت كرامته ؟ وهل لهؤلاء المخلوقات كرامة ؟
المجندة 1: نعم ، وأكثر مما تظنين ! ولهذا السبب لن ننتصر عليهم
انتصارا نهائيا ذات يوم حتى ولو استمرت حربنا معهم أربعة قرون كحرب
الفرس والإغريق . قد ننجح في احتلال بلادهم يوما ما، ولكننا سنرحل
عنها في النهاية صاغرين و مرغمين .. أنا راحلة .. سأنسحب من اللعبة
مبكرا،. لقد فهمت قواعدها ونتائجها وليس من الإخلاقي في شيء أن
أستمر بل سأنسحب احتراما لإنسانيتي ولإنسانيتهم..( ترمي السوط من
يدها وتختفي ) .
المشهد الرابع :( حين يكون الانتقام فنا )
على شواطئ دجلة ليلا . فاضل وسمير وصديق ثالث هو المطارد حسين
ورابع هو عمانوئيل أمام كانون طبيعي " على الأرض " لشيِّ السمك
وسماط عليه زجاجات خمر و مازات مختلفة .
سمير ( بعد فترة من الصمت ) لا أدري لماذا لم أجلب معي العود لكنا
تسلينا به بدلا من هذا الصمت الثقيل.
فاضل : فعلت حسنا حين تركته في الفندق فبعد قليل يدب دبيبها الى
موضع الأسرار
[17]ويتدفق الكلام ومع الكلام تتحول
الأصابع الرقيقة التي تلف بالحرير الى مخالب نسر شرس أو براثن أسد
قد تجعل العود المسكين حطاما .
حسين : معك حق ! المرء لا يستطيع أن يتوقع ما سوف يحدث حين يكون
صاحيا هذه الأيام فكيف إذا كانت جمجمته تدور .
عمانوئيل : هذا بشكل عام ، أما معنا نحن العراقيين فالأمر أشبه
بالقانون أو القاعدة التي تضبط جلسات الأنس والسهرات الكحولية..
نبدأ عادة بالتحذير من السياسة والخوض في مستنقعاتها ، ومع الكأس
الأول تنتهي الى الفشل كل محاولاتنا للبحث عن موضوع آخر، ومع الكأس
الثالث نصل الى عتبات الاستعمار والظلم والقهر، أما إذا انتصفت
السهرة فستكون الحكومة هي الطوطم الذي ندور حوله .
سمير : ( الى حسين ) ها ؟ كيف حالك الآن يا حسين ؟ لا شك في أنك
تشعر في الأمان هنا بعد مطاردات النهار ؟
عمانوئيل : ألم أقل لكم ؟ لقد بدأنا مبكرين هذه الليلة وقد ننتهي
بكارثة .
حسين : خليها على الله ! لكثرة ما تعرضت لمخاطر الاعتقال والاغتيال
بدأت أفقد الشعور بالأمان وعدم الأمان الاستقرار وعدم الاستقرار .
يمكنك أن تقول لقد تساوت لدي الأشياء والمشاعر .
عمانوئيل : ولكن ماذا يريدون منك ؟ وأنت ؟ لم كل هذا العناد ؟لقد
نصحناك طويلا بترك هذا الأمر وقلنا لك لقد تخلى الجميع عن الجميع
ومن نجا بجلده تحول الى متاجر بآلام الناس في عواصم الغرب.
حسين : أقسم لكم إنني لا أمارس أي نشاط معارض للحكم وهم يعرفون ذلك
تماما . وفي الأصل فإن القوى التي كانوا يخشونها تبخرت والميدان
فارغ الآن .. ولكنهم لا يريدون أن يصدقوا .. لقد أوصلوا لي تهديدا
أخيرا قبل أيام يقولون لي فيه بأنني سأعدم رميا بالرصاص وفي أي
مكان أضبط فيه ما لم أسلم نفسي خلال ثمان وأربعين ساعة . قلت
لوسيطهم ولماذا بالرصاص وأنا لست عسكريا ؟! فضحك وقال لي: أنت هكذا
قطعة من الرفض والاحتجاج . وحينها تيقنت من إنهم سيقتلونني قريبا
.إنهم لا يريدون أن يصدقوا أنني فعلا تركت السياسة والتفت الى
أسرتي أعينها على الحياة القاسية، حياة الحصار التي لا تطاق.
سمير : لا أعتقد أن للموضوع علاقة بالتصديق أو عدمه . إنهم لا
يريدون البقاء لمن لا يذعن لهم .حتى لو صح أنهم علموا أنك لا تشكل
خطرا راهنا عليهم ، ولا تعمل ضدهم اليوم، فهم يعرفون أن وجود رافض
سابق لم يتم تركيعه بعد سيلد رافضين آخرين ذات يوم .
فاضل : اللعبة بدأت تفلت من أيديهم .ما يحدث هذه الأيام أمر لا
علاقة له بالاضطهاد السياسي ولا بمحاولات سلطة ما الحفاظ على
بقائها بقوة القمع .. لقد أنجبت الدولة قطيعا رهيبا من الوحوش
وأطلقته على المجتمع . أصبح الانتقام سببا ودافعا مهما لأعمال
القمع والاغتيال والقتل تحت التعذيب .. شيء لا يمكن تصوره لقد صار
الانتقام فنا .. نعم، صار فنا كسائر الفنون . وإلا فكيف تفسرون قصة
قتلهم للمحامي نادر الربيعي ؟ لماذا قتلوه بتلك الطريقة الهمجية
البشعة ؟
سمير : من هو نادر الربيعي ؟
فاضل : هل تذكر العجوز المسكينة التي مرت اليوم علينا في المحل
وكانت ..
سمير : تحمل صورة وتسحب خلفها صرة ، أليس كذلك ؟
فاضل : نعم ، هي تلك ، لقد قطعوا ابنها المحامي أمامهما هي وزوجها
العليل بالمنشار الكهربائي .. قطعوه أمامهما حيا بالمنشار
الكهربائي .. فسقط أبوه ميتا في الحال وُجنَّتْ الأم فورا .. وهاهي
تدور وتطوف في أسواق بغداد كنبوءة شريرة قادمة من كهوف زمن سحيق
ولى .. زمن سحيق مشبع بالعويل والدم والظلام .
حسين : ولكن لماذا فعلوا به ذلك ؟ ما هي جريرته ؟
فاضل : هنا يتكشف العبث ، عبث القتل وتحولات الانتقام الى فن ساقط
لا إنساني .. السبب يا صديقي هو أن المحامي المذكور شتم كبيرهم .
نعم شتمه بلسانه ثم زاد على ذلك وتحداهم ، تحداهم وتحدى الموت !
حسين : الذي لا أستطيع فهمه هو هدف القتلة من ارتكابهم لتلك
الجريمة .. لا أدري كيف أوضح لك تساؤلي : المنتظر في حالة كهذه ،
هو أن يعذب الابن أمام والده أو والدته إذا كان الجلاد يريد أن
ينتزع اعترافا من الوالد أو من الوالدة أو من كليهما كما في هذه
الحالة .. ولكن الجلاد لا يهدف الى ذلك . أو قد يلجأ الجلاد الى
تعذيب أو اغتصاب شخص ما أمام شخص آخر يستهدفون انتزاع أسرار منه،
وهنا أيضا فالحالة لا تنطبق على ما حدث .. لقد قتلوا الابن أمام
والده الشيخ العليل بالقلب ووالدته العجوز وهما اللذان لا علاقة
لهما بالحالة وليس هناك من هدف ..
فاضل : بلى كان هناك هدف ، وهدف شيطاني .. لقد أرادوا إذلال نادر
بأن يقتلوه أمام والديه وأن يجرحوه روحيا فيجعلونه هو المسؤول عن
عذابهما مع إنه الضحية ..
سمير : فعلا .. إنها طريقة شيطانية في التفكير والفعل ..
حسين : ماذا سيفعلون بي أنا إذن وأنا المتهم برفع السلاح بوجههم
قبل عدة سنوات ؟
عمانوئيل : اسمع يا فاضل .. إنني أدرك أحزانك ، أدرك أحزانكم وهي
أحزاني أيضا ولكنك ستؤدي بنا جميعا الى كارثة .. صحيح إننا الآن في
منطقة نائية على شواطئ دجلة ولكن للظلام آذان ..انظر ، انظر الى
هناك ..هل ترون ما أرى ؟ ما هذه الجمرات المتوهجة هناك .. ؟
سمير : لا تخف إنه زورق لصيادي أسماك وتلك الجمرات الصغيرة سكائرهم
..
(ضوء بعيد يتحرك بانسيابية في عمق الركح وصوت خرير وترقرق مياه )
صوت بعيد : مرحبا يا شباب !
سمير وفاضل وعمانوئيل وحسين : مرحبا.
عمانوئيل : تفضلوا عيوني !
صوت : تسلم أخي تسلم ..هنيئا ..
حسين : كيف هو صيدكم الليلة ؟
صوت : إن شاء الله خير ..ماذا يشرب الأخوان ؟ أسود أم أبيض ؟
حسين : تستطيع القول شرابنا مُشكل ..أسود وأبيض ومستكي ..
صوت : المهم أنه يدير الجمجمة .. بصحتكم شباب .. بصحتك يا أخ حسين
!
حسين : ماذا ؟ وتعرف اسمي أيضا ..بصحتك أخي (ينهض واقفا و يرفع
كأسه ..صوت رصاصة قريبة جدا يسقط حسين منكفئا وبيده الكأس ويهدر
صوت محرك الزورق السريع )
فاضل : ما هذا ؟ ماذا حدث ؟
عمانوئيل: قتلوه .. قتلوه ..حسين قتل ، حسين قتل (يحتضن حسين الذي
غطت الدماء وجهه وملابسه ).لماذا تكلمت ؟ لماذا رددت عليهم ؟ هؤلاء
السفلة الوحوش .(صارخا باتجاه النهر ) وحوش أنتم وحوش . لا علاقة
لكم بالعراق . انتم أبناء الشيطان ، أفاعي خرجت من جحيم ملعون ..
قتلة . تعالوا اقتلوني أنا أيضا ، تعالوا أيها الجبناء الغدارون .
فاضل : (مهدئا عمانوئيل ) اهدأ يا عمانوئيل .. اهدأ .. إذن فقد كنا
مراقبين طوال الوقت ..يا لهم من سفلة وجبناء لا يتقنون سوى فن
الطعن في الظهر والاغتيال عن بعد !
عمانوئيل : ما نفع الكلام لقد قتلوه .. قتلوا حسين .
سمير : حسين يقتل كل يوم ، كل يوم ، هيا لنهرب وإلا أجهزوا علينا
كلنا .
فاضل : لا تخشى شيئا لن يعودوا ، إنهم جبناء ويشبهون الأفاعي ،
يلدغون ويختفون بلمح البصر.
(يحملون جثة حسين ويختفون ، صوت سيارة تنطلق بسرة ، صوت إطلاقة
أخرى مختلف قليلا.. تعبر أم نادر المسرح بخطى واهنة ، مرهقة ،
مطأطئة الرأس .. ومبتسمة بغموض .)
(إظلام )
المشهد الخامس ( أسطورة النمر والمعزة )
الجنرال طونزند ومرافقه الشخصي وهو جندي هندي دقيق الملامح نحيل
البدن في برج محصن على شاطئ دجلة. الجنرال يطلق رصاصة باتجاه
النهر ثم يسحب بندقيته ويناولها للمرافق ليعبئها برصاصة أخرى
وبانتظار ذلك ينظر بمنظاره العسكري نحو الضفة الأخرى من دجلة )
طونزند : رياضة جميلة ها؟كم وغدا تركيا اصطدنا هذا الصباح ؟
المرافق : الذي سقط توا هو الرابع يا سيدي .
طونزند : أف ، إنه ينهض أبن العاهرة .. إصابته بليغة دون ريب . كم
هو مقرف أن يموت الإنسان وهو ..وهو يقضي حاجته ؟ ما رأيك أيها
العريف آهمساكاما؟
المرافق : الأمر كما تقول سيدي الجنرال ، إنه مقرف جدا .. ولكني لا
أفهم يا سيدي لم تفعل ذلك ؟ أ هو الحرص على نظافة النهر وصفاء
الطبيعة العذراء ؟
طونزند : أنتم الهنود أمة ميئوس منها تماما مثل كل الأمم الشرقية .
لأنكم تضعون للظاهرة سببا واحد حتى ولو كانت تحتمل وجود ألف سبب !
خذ على سبيل المثال الهرجة التي صنعتموها لنا حول موضوع لحم الخيول
. لقد رفض أكثركم تناوله وفضلوا معاناة الجوع الضاري . والغريب :
لم يمتنع الهندوس الذين تحرم ديانتهم أكل اللحوم بل جاراهم في
رفضهم زملاؤهم المسلمون . لماذا ؟ والسبب واحد دائم : لأن أكلها
حرام دينيا . وحتى بعد أن استحصلنا فتاوى من البانديت الأكبر
للهندوس ومن إمام جامع "دلهي" للمسلمين تبيح للجياع المحاصرين
تناول اللحوم رفض البعض . لماذا ؟ لأن تلك الفتاوى وصلت باللاسلكي
وغير معروف إن كانت موقعة أم لا . ثم يأتي أحدهم يلومني لأنني
وافقت على تنفيذ حكم الإعدام اليوم بثلاثة من هؤلاء الخونة الذين
حاولوا الفرار الى خنادق الترك .. نعم أيها العريف آهمساكاما ربما
كان الحفاظ على نظافة ذلك النهر من براز الأتراك داخلا في مجموعة
أو سلة الأسباب ولكن كان يمكنك التفكير بأسباب أخرى ..
المرافق : مثل ماذا يا سيدي ؟
طونزند: خذ عندك يا أمير الأذكياء : فكر مثلا بإضعاف الروح
المعنوية للجنود والمراتب الأتراك . ثانيا تكبيدهم خسائر في العدد
بثمن سهل ،ثالثا مقاومة الملل والعزلة في خندقنا. رابعا التدرب على
إطلاق النار على الأهداف الحربية المتحركة ،خامسا وهذا سبب مهم
الاستمتاع بتلك اللذة الفائقة التي يحوزها المقاتل وهو يجهز على
العدو.
المرافق : ولكنك لا تقاتل العدو يا سيدي الجنرال بل تقتـله .
طونزند : لا فائدة ، أنتم - الشرقيين- دائما هكذا ، تصنعون العسل
من رحيق الكلمات والعواطف .. وما هو القتال إن لم يكن قتلا ..
المرافق : هل تعني يا سيدي عدم وجود فرق بين القتل والقتال ؟ ولكن
حتى في اللغة ثمة فرق .أما في الممارسة فالقتال فعل يشترط وجود
طرفين ندين متكافئين الى هذه الدرجة أو تلك أما في القتل فالأمر
كما أعتقد مختلف ..
طونزند :طالما ستنتهي اللعبة بجثة وبطل فالأمر سيان .. الحياة
بسيطة فلماذا تعقدونها بالمشاعر الكئيبة والشروط العاطفية العقيمة.
المرافق : الحياة بسيطة ، ربما كانت كذلك في عيون الأطفال
والحيوانات العجماء ولكنها أكثر تعقيدا من الموت تحت نظرات الحكيم
.
الجنرال : أنتم - الشرقيين - آخر من يحق لهم الكلام عن العلم
والحكمة .
المرافق : عن العلم ربما ،وخصوصا إذا كان لصيقا بالمعدن وفنون
التركيب التي أبدعتم أنتم الغربيون فيها وهذا مثالها ( يريه
البندقية ) . أما الحكمة فهي شرقية قلبا وقالبا .الحكمة بنت الشرق
وأمه معا ولا علاقة لها بالغرب .
الجنرال : ماذا ؟ لأول مرة في حياتي أسمع تفريقا كهذا بين العلم
والحكمة .
المرافق :بل حتى في داخل الحكمة ثمة تفريق بين حكمة الذكاء وحكمة
الإشراق .بالمناسبة يا سيدي الجنرال هل تحفظ اسمي كاملا ؟
طونزند : نعم ، اسمك آهمسا كاما ، أليس كذلك ؟
المرافق : ذكرتك مدهشة سيادة الجنرال .. ولكن هل تعرف معنى هاتين
الكلمتين : آهمسا كاما ؟
طونزند : الآن فقط عرفت إنهما كلمتان وليس كلمة واحدة .. أما
معناهما فكيف لي أن أعرفه وأنا لا أجيد سوى لغة جدتي ؟ تواضع قليلا
يا آهمساكما وقل لي من لطفك ما معنى آهمسا كاما ؟
المرافق: آهمسا كاما يا تشارلس تعني اللاأذى .. ثم تطورت الكلمة
وصارت لها مشتقات منها الود والحب ..أما كاما فتعني المتعة أي إن
اسمي يعني بلغة جدتك هو متعة اللاأذى ,,
طونزند : تماديت كثيرا يا أيها العريف بوغيز حتى ناديتني باسمي
الأول .. بوسعك أن تشكر السماء لأن مزاجي رائق هذا اليوم وإلا لكنت
ثقبت لك رأسك برصاصة .. هِمْ .. شيء مضحك والله ..ومع ذلك أعود
فأسألك عن خرافتكم تلك المتعلقة بالتفريق والتمييز بين العلم
والحكمة ؟ كيف تفسر هذا الأمر ؟.. ولا تثرثر كثيرا فالوقت أزف .
المرافق : هل تسمح لي أن أوضح لك الأمر بمثال حكاية الراهب الذكي
شين سيو والأمي هوي نينج. ( الجنرال يهز رأسه موافقا ) اسمع إذن
أيها الولد تشارلس ( الجنرال يتميز غيظا ) طلب المعلم هونج جين
من مريديه نظم قصيدة تفصح عن مدى فهمهم للاستنارة فكتب الراهب
المعروف بأنه حاد الذكاء المقطوعة التالية :
الاستنارةُ
الجسمُ هو شجرةُ البوذي ،
والعقلُ يشبهُ مرآة تنهضُ صافيةً ،
فاحرصْ على تألقها طوالَ الوقتِ ،
ولا تسمح لذرة تراب بأن تعلق بها .
وكان هوي نينج فتى أميا كلفه المعبد بالعمل في كوخ صغير . كان
مكلفا بفصل الرز عن السبوس .شاهد هوي نينج المقطوعة الشعرية مكتوبة
على الجدار فطلب من أحدهم أن يقرأها له . و قُرئت له فنظم مقطوعة
أخرى يناظر فيها شين سو وطلب من صبي أن يكتبها على جدار المعبد
وفيها يقول :
ليس البوذي كالشجرة ،
والمرآة لا تنهض في أي مكان ،
ولا وجود لشيء واحد أساسا ،
فأين إذن تعلق ذرة التراب ؟
وحين شاهد المعلم هونج جين المقطوعتين مخطوطتين على جدار المعبد
أدرك بأن الفتى الأمي هوي نينج هو المستنير وليس الراهب الذكي شين
سيو فقرر أن يكون الأول هو المكلف باستمرار سلسلة الحكماء و جعل
منه المعلم السادس[18]
طونزند : ( يتثائب ) طريفة هذه الحكاية على الرغم من إنني لم
أفهمها تماما .كأنها آتية من العالم الآخر ! هكذا أنتم دائما ،
عندما يهزمكم المنطق تلجأون الى نسج الخرافات ..لقد ذكرت لك عدة
أسباب لهذا الفعل الحربي الذي نقوم به الآن ولكنك تخليت عن كل شيء
وحاولت استنباط منطق خاص بك تسميه الحكمة المستنيرة أو الإشراقية .
المرافق : أرجو أن يأذن لي سيدي الجنرال بأن أصحح عبارة نطق بها
وهي ( الفعل الحربي الذي نقوم به الآن ) فالصحيح هو( الفعل الحربي
الذي تقوم به أو تقومون به) أما أنا أو نحن فلا نختلف كثيرا، من
حيث الجوهر، عن آلاف العرب العراقيين الذين يعملون في تشييد
التحصينات وحفر الخنادق .وليسمح لي سيدي الجنرال أيضا بأن الأسباب
التي ساقها ،وربما الأسباب الأخرى التي لم يذكرها مجتمعة، قد تبرر
ما تقوم به ظاهريا ومنطقيا ولكنها لن تجعل منه فعلا صائبا تحت ضوء
الوجدان الإنساني ..وأرجو أن يغفر لي سيدي الجنرال مناداتي له
باسمه الأول المجرد فقد فعلت ذلك عن قصد وهدفي إثارة غضبك قليلا
قبل سماع القصة والشعر ليرسخ ما تسمعه مني عميقا في تلافيف الذاكرة
الخضراء..
طونزند : هل ستعود الى حكاية الإنسان مخلوق نباتي أصلا وقد منعه
العقل من أن يقتل ، لقد فلقتني يا آهمسا كاما بهذه الأغنية .
المرافق : وبشكل خاص من أن يقتل عبثا .فالإنسانُ إنسانٌ والنمرُ
نمرٌ والماعزُ ماعزٌ . بمعنى أن جوهر الإنسان ليس قاتلا بل مسالما
ولكنه قد يتطبع به ،والتطبع ليس نهائيا بل هو قابل للإصلاح والقلب
. يقول أهل الحكمة عندنا إن طبيعة الخطأ الذي يؤدي الى العبودية
والمعاناة وهو الخطأ الذي يجب تصويبه من خلال ضبط النفس من خلال
ممارسة اليوغا .ولو أذنت لي لوضحت لك الأمر بأسطورة هندية قديمة عن
النمر والمعزة.
طونزند : يا لك من موسوعة أساطير على ساقين يا آهمسا كاما! حسنا،
احكها ، ولكن لتكن الأخيرة لأننا سنذهب الى مكتب القيادة بعدها .
المرافق: ولي رجاء صغير يا سيدي .
طونزند : ما هو ؟
المرافق: أن لا تطلق النار وأنا أروي الحكاية .
طونزند : لك ذلك ، إلا إذا ناديتني باسمي الأول المجرد .
المرافق :لا ، لن أفعل ذلك ،فلن أحتاج لتلك الحيلة لإثارة غضبك ..
إذن : كانت أم النمر قد ماتت وهي تضعه . وتركت النمر الوليد وحيدا
في الدنيا .ولحسن الطالع فأن المعزاة كانت رحيمة ،وتبنت النمر
الصغير، وراحت تعلمه كيف يلتهم العشب بأنيابه القاطعة وكيف يثغو .
ومرَّ الوقت ، وحَسِبَ النمر أنه كباقي قطيع الماعز . وذات يوم
هاجم نمر عجوز القطيع ، وهرب الماعز كافة باستثناء النمر المعزة .
وفيما النمر العجوز يقترب، بدأ الصغير يحس بالوعي بنفسه ويشعر بعدم
الارتياح .ولكي يخفي وعيه بنفسه بدأ يثغو قليلا ،ويقضم بعض العشب
(المرافق الهندي يقلد حركات قضم العشب والثغاء ) فصرخ به النمر
العجوز بغضب : ويحك أيها الأحمق ما هذا الذي تفعل ؟ فواصل الصغير
قضم العشب والثغاء ( يعود المرافق الى تقليد الثغاء وقضم العشب )
وعندها استبد الغضب بالنمر العجوز وقبض على عنق النمر المعزة
وحمله الى بحيرة قريبة وأمسكه بإزاء الماء وأمره بأن يتطلع الى
نفسه وصرخ به :أهذا وجه نمر يشبه القدر أم وجه مستطيل كوجه العنز
؟ثم حمله النمر العجوز الى كهفه ودفع بقطعة كبيرة من اللحم الأحمر
الريان الطازج بين فكيه وفيما تقاطرت السوائل الى معدة النمر
الصغير شرع يحس بقوة جديدة وعنفوان جديد فشرع بالعواء المخيف كنمر
شرس .عوووو
طونزند : (ضاحكا ) ولكني لم أفهم مغرى هذه الأسطورة أيضا.
المرافق : لا يمكنك فهمها إلا إذا قلبتها ، أو انقلبت أنت .. هل
يسمح سيدي ( يتقدم منه مادا يده )
طونزند : ماذا تريد ؟ البندقية ؟
المرافق: رصاصة واحدة يا سيدي !
طونزند : خذ .. لنر ماذا ستفعل ؟ أيها الحكيم المسالم المزيف .
المرافقة ( يصوب البندقية الى السماء يعلو صوت محرك طائرة مزدوجة
الجناح يطلق النار فيشتد الصوت .)
طونزند : عليك اللعنة لقد أسقطتها . أسقطت طائرة للعدو ! يا لك من
محارب رائع ( الصوت يشتد ) هيا بنا الى الخارج لئلا تسقط الطائرة
علينا وتجعلنا كبابا هنا .
(المرافق يقذف بالبندقية باشمئزاز الى الأرض وكأنه يقذف أفعى . )
طونزند: ماذا تفعل ؟ لا تترك البندقية هنا أيها الأحمق وإلا ضاع
عليك وسام القديس جورج للشجاعة .
( المرافق ينتبه الى نفسه وكأنة كان في غيبوبة ثم يتلقط البندقية
ويهرع خارجا مع الجنرال طونزند )
( إظلام تدريجي واستمرار صوت محرك الطائرة حتى المشهد
التالي . )
المشهد السادس
( محاولة لتفسير جوع الطفلة بهيجة )
محل الحاج فاضل ، فاضل منهمك في عمل ما ، الجد فاضل يقرأ كتابا
باللغة الإنجليزية . تعبر أم نادر المسرح محدثة صوت يشبه أزيز
الطائرة ، ينتبه فاضل وجده إليها. تختفي . فيعودان لما كانا فيه
.يدخل رفيق بسيطة وهو مسؤول حزبي و رجل أمن متنفج اسمه الحقيقي
سعيد .)
سعيد : السلام عليكم .
فاضل : (بلا حماس وبصوت أقرب الى الغمغمة ) سلام ..
سعيد : (الى العجوز ) كيف حالك حجي فاضل ؟
الجد فاضل : ( يغمغم بصوت غير مفهوم )
سعيد : (مقتربا من فاضل ) إذا سمحت يا أخ فاضل ..
فاضل : خير ؟ تفضل ؟ هل هناك مشكلة ؟
سعيد : لا ، سلامتك ، ليست هناك مشكلة ولكنني أعتقد بأن استمرار
هذه المرأة المسكينة بالطواف في أزقة المحلة ليس لائقا .
الجد فاضل : ليس لائقا بجنابك ؟
سعيد : لا حجي ، ليس لائقا بالمحلة وبها هي أيضا .
فاضل : اسمع سيد سعيد ، أنا أعرف أنك مسؤول حزبي و رجل أمن ولكنك
لست مختارا للمحلة، ولا بد إنك تعلم بأنني ليست من أقارب هذه
المرأة أو مسؤولا عنها . وهكذا فأنت توجهت الى العنوان الخطأ ..
وأرجو أن لا تكرر ذلك .. يا أخي، لماذا لا تذهب إليها مباشرة
وتقول لها ما تريد؟
سعيد : لأني أعرف أنك تودها .. أو لنقل إنك تشفق عليها .. هل تنكر
ذلك ؟
فاضل : وهل الإشفاق على عجوز مسكينة جُنَّتْ ، وأنت تعرف لماذا
جُنَّت ، جريمة ؟ ما عندي قلته لك فلا تؤخرني عن عملي من فضلك
..نحن نعمل ونجري كالوحوش من أجل ضمان لقمة الخبز لعوائلنا في هذا
الزمن الزفت والحصار اللعين ، وليس لدينا وقت نضيعه في اللت والعجن
.
(يدخل سلمان بن الحجية وبيده جريدة يناولها للعجوز فاضل البغدادي
ثم يشرع بتنظيف أثاث المحل والآلات الموسيقية
الجد فاضل : لعنة الله على الحصار وعلى الذين تسببوا فيه !
سعيد : سمع الله من فمك يا عمي أبو محمد .لا أحد يستحق لعنة الله
أكثر من الأمريكان .
فاضل : الأمريكان يستحقون لعنة الله حقا ،ولكن لأسباب أخرى ! و لكن
لا يمكنك إقناعي بأنهم هم وحدهم من تسبب في مأساة العراقيين .
سعيد : ( وقد بوغت تماما ) كيف ذلك ؟وهل نحن من فرض الحصار على
العراقيين ألسنا عراقيين ونعاني من شرور الحصار ؟
فاضل :سأتكلم معك اليوم بصراحة وليكن ما يكون بعدها . قل لي متى
فرض الحصار قبل أو بعد الثاني من آب 1990 ؟
سعيد : وأنا أيضا سأكون صريحا معك وأقول :فرض الحصار بعد الثاني من
آب 1990 وبالضبط بهدف معاقبة العراق العظيم على شجاعته وجرأته
وإقدامه الفعلي على الدفاع عن حقوقه التاريخية في منطقة تعتبر
محرمة وداخلة ضمن محميات العدو الاستعماري الغربي .ماذا في ذلك ؟
نحن ندفع ثمن الدفاع عن كرامة أمة ، أمة بكاملها ..هل العراق هو
الدولة الوحيدة التي خاضت حربا في التاريخ ؟ ألمانيا واليابان
مازالتا تدفعان غرامات الحرب العالمية الثانية حتى الآن ،وعلى
الأرض الألمانية يوجد في يومنا هذا اثنا عشر ألف جندي أمريكي أما
القواعد الأمريكية المفروضة على اليابان فتكاد تحولها الى مستعمرة
حقيقية فاقدة للسيادة .. هل تريد منا أن نتخلى عن كرامة الأمة ؟
الحاج فاضل : أنا رجل عجوز وقدماي على حافة القبر ولقد أكلت حصتي
من خبز العراق وزيادة ، ولذلك سأقول لك كلمتين وافعل بي ما شئت
بعدها . لو كنتم يا رفيق بسيطة ، ولا تزعل مني لمناداتك بهذا
الاسم فالناس كلها تناديك به سرا، ثم إنني لم ولن أزعل ممن
يناديني بحجي مستر كما تعلم .أقول لك إذن : لو كنتم تؤمنون بأن
هذه الأمة كريمة فعلا، وأن كرامتها من كرامة أبنائها لكنتم رحمتم
هؤلاء الأبناء . لكنتم رحمتم هؤلاء الناس . لكنتم سمحتم لهم
بالدفاع عن أنفسهم وأطفالهم وبلادهم في وجه البربرية الغربية .
لكنتم أطلقتم سراح الناس لتنتج وتدافع عن تاريخها ولحمها الحي .
لقد أردتم أن تنتصروا على أقسى عدوان مسلح شنه الغرب على بلد شرقي
في القرن العشرين بواسطة الشعارات والزعيق وفرق الإعدام التي كانت
تقتل الأبرياء وتطلق سراح الجبناء الحقيقيين مقابل رشوة دسمة . إن
المرء ليكاد يجن وهو يرى طريقتكم في حوض هذه الحرب : لقد دفنتم
شبابنا في أعماق الصحراء دون غذاء أو ماء أو غطاء جوي وألهبتم
ظهورنا بالسياط والخطب العصماء . وبعد أن حدث ما حدث وحلت الكارثة
خرجتم من جحوركم تغنون : ما أحلى النصر بعون الله !! أي نصر هذا
الذي تجلدون به الشهداء والأرامل والأيتام ؟ أي نصر هذا الذي
تبصقون به على إنجازات البلد المدمرة وثرواته المسلوبة كغنائم حرب
بموافقتكم وتواقيعكم المهزومة ؟ كيف تريدون أن تنتصروا وقد
استعبدتم واضطهدتم الناس كل الناس حتى من وقف في خندقكم ؟
سعيد
( مقاطعا ومتوجها بالخطاب الى فاضل ) يا أخي ، بلد يعيش ظروف حرب
وعدوان ، الله وأكبر ! بلد مستهدف علنا بالتدمير والتقسيم ونزع
السيادة . بلد كهذا وبغض النظر عن اسمه ، هل تعتقد أن على قيادته
أن توزع الزهور على المشاركين في هذا العدوان مباشرة أو غير مباشرة
.
الجد فاضل :أنتم لا تستهدفون المشاركين الفعليين من بعض العراقيين
في العدوان والذين يعيشون عيشة الأمراء في فنادق لندن وواشنطن
ويوقعون على عقود بيع العراق شبرا فشبرا وبئر نفط بعد بئر مقابل أن
يصلوا الى السلطة على متن الدبابات الأمريكية . إنكم لا تستهدفون
هؤلاء بل تستهدفون غيرهم ممن يريدون تحرير الشعب حتى يتصدى لأعدائه
الغربيين ومدمري بلاده وناهبي خيراته وقاتلي شبابه ..وأنت تعرف
تماما من أقصد ، ولا بد إنك سمعت بما يحدث في أزقة بغدد الخلفية
وعلى شواطئ دجلة وفي قرى الجنوب والشمال.
فاضل ( مواصلا ) .. ثم قل لي، بالله عليك ،كيف تستطيع قيادة ما أن
تنتصر في حرب وهي تقييد أيادي جنودها بالحبال والسلاسل وتحرم شعبها
من أبسط مظاهر الحرية .
سلمان : صباح الخير يا حرية .. أنت تريد الحرية لتكون وزيرا أو
نائبا في البرلمان وهو يريد أن يحتكر كرامة الأمة في شخصه المحترم
، ولكن هل فكرتم في طرف آخر ؟ طرف لا يفهم شيئا من كل هذا ولكنه
يجوع ويأكله المرض بسببكما معا و دون أن تكون له علاقة بما يحدث ؟
لماذا تجوع أختي بهيجة وعمرها سبعة أعوام فقط و دون أن تعرف
السبب ؟ ما علاقة بهيجة ببطولات لا تفهم منها شيئا ؟ قد تكون
بطولاتكم وشعاراتكم مهمة ، وقد تكون لها فائدة ما، دور ما في حياة
البلد ، ولكن لماذا يجب أن تجوع بهيجة وما العلاقة بين هذا وذاك ؟
سعيد : صار لسانك طويلا يا بن الحجية وأصبحت تفهم في السياسة .
سلمان : على العكس ، يا عمي سعيد ،أنا أغبى إنسان في السياسة . أنا
حمار حقيقي ولا أستطيع أن أكتب أكثر من سطر ونصف في درس الإنشاء ،
أنا أكره السياسة . ولكني أتساءل لماذا أجوع أنا وغيري من الأطفال
الفقراء والناس العاديين ويصاب بالتخمة غيرنا؟
سعيد : لماذا لا توجه سؤالك هذا الى جورج بوش ؟
الحاج فاضل : هذا هروب من المشكلة . مثلما من حقك أن تطلب منه أن
يطرح سؤال الجوع على بوش فإن بوش يقول الأمر نفسه . ما رأيك بحل
وسط فيه بعض العدالة ؟
سعيد : كيف ؟
الحاج فاضل : أن يطرح سؤاله على الجميع : عليك وعلى بوش وعلى
المتاجرين بالسياسة في لندن .على الجميع وأنا من هذا الجميع .
سعيد : أنا أتكلم عن كرامة أمة ومصالح شعب وأنتم تتكلمون عن طفلة
جائعة في السابعة من عمرها.
الجد فاضل : من يعجز عن إشباع طفلة في السابعة أو يتسبب بإجاعتها
بحماقاته ليس جديرا بالدفاع عن كرامة نملة وليس أمة !
سعيد : أنا أتكلم عن ..
فاضل : وأنا أتكلم عن حرية هذا الشعب التي بدونها لا يمكن الدفاع
عن شيء .
سلمان : وأنا جائع ، جائع ، جائع .
الجد فاضل : كان يوجد في العراق عام 1968 ثلاثون مليون نخلة .
سلمان : وأنا جائع ، جائع ، جائع .
الجد فاضل : وما زال يوجد في العراق ثلاثة أنهار كبرى .
سلمان : وأنا جائع ، جائع ، جائع .
الجد فاضل : وفي العراق اليوم ثاني احتياطي للنفط في العالم .
سلمان : وأنا جائع ،جائع ، جائع .
الجد فاضل : وفي العراق اليوم غاز وكبريت ومعادن أخرى .
سلمان : وأنا ..
(يدخل رجل بالزي البدوي )
الخليجي : السلام عليكم ..من منكم رفيق بسيطة ؟
سعيد
(يرد
الحضور السلام على الرجل و يهرع إليه سعيد مرتبكا ومتوترا ) أهلا
أهلا أخي ، تفضل معي ..(يجذبه بشدة )
الخليجي: على مهلك يا رجل !أنا من طرف الأستاذ أبو يعرب وجئت بخصوص
موضوع الكلى ..
سعيد : تفضل ، تفضل .. سنتحدث عن كل شيء فيما بعد .. ( الى
الموجودين في المحل) يا جماعة انسوا ما سمعتموه مني قبل قليل،
وأنا سأنسى ما سمعته منكم .. متفقون ؟بالمناسبة يا أخ فاضل، سمعت
بأن ابنتك بغداد مريضة وإنها تعاني من بعض التشوهات والاضطرابات
،يمكنك الاعتماد عليَّ .. أنا في الخدمة، فنحن أبناء محلة واحدة
..إذا كنت بحاجة الى دواء أو خدمة طبية فأنا رهن إشارتك ..وداعا ..
انسوا ما ثرثرنا بصدده قبل قليل، بالنسيان تجدوا الأمان..انسوا ،
انسوا تصحوا ! ( يطلق ضحكة مفتعلة )
سلمان ( يتقدم من قوس الركح ) و بهيجة هل يمكنها أن تنسى جوعها ،
أن تستعيض عن الخبز بالبطولات ،وعن الحليب بالكلام عن الكرامة
والحرية ؟ كيف يمكن نسيان الجوع وهو يحفر في داخلنا كالجرذ ؟
الجد فاضل : فاضل .. من أين علم هذا التافه بالتشوه والاضطرابات
التي تعاني منها الصغيرة بغداد ألم نتفق على أن يظل الأمر سرا ؟
فاضل : لا أدري من أين علم بالأمر ..ثم إن هذا الموضوع ليس عارا يا
جدي . طفلة صغيرة ولدت بتشوه بسيط . إنه مجرد خط أحمر قاتم يقسم
جبينها عموديا ، في الوسط تماما ..إما صمتها المستمر وإغلاقها
عينيها فهي أمور مؤقتة كما قال جميع الأطباء الذين فحصوها وعاينوا
حالتها ..
الجد فاضل : آمل ذلك ..وأنت أيها الفتى ألا تذهب لتحصيل رزقك
اليوم ؟
سلمان : سأذهب بعد قليل . إنني انتظر أن ينضج الذباب لآخذه وأبيعه
في سوق الطيور
فاضل : ماذا ؟ أنت أيضا دخلت ميدان تجفيف الذباب ؟
سلمان : وماذا في ذلك ؟كثيرون يفعلون ذلك ..طالما هناك بغداديون
أغنياء يريدون طعاما لطيورهم النادرة ولديهم ما يدفعونه من نقود
لقاء ذلك فلماذا لا نجفف لهم الذباب؟ هل هو حرام كلحم الخنزير ..؟
الناس تبيع كلاويها ودمها وعيونها يا عمي لكي لا تموت من الجوع ..
تعيش ناقصا عضوا أفضل من أن تموت بجميع أعضائك .. أليس الأمر
منطقيا حجي ؟ أنا ذاهب الآن ..
فاضل : قبل أن تذهب ، قل لي هل تعرف شيئا عن هذا الرجل الذي حضر
الآن ؟
سلمان : مَن ؟ أبو الغترة البيضاء والعقال المقصب ؟ (فاضل يهز
رأسه مؤيدا )لقد قال علنا إنه جاء من أجل الكلاوي ،فلماذا تسألني ؟
ألم تسمع ؟
فاضل : بلى سمعت . أعرف إنه جاء من أجل شراء كلى من فقراء الحي
.يالها من تجارة عجيبة بأعضاء الجسد البشري ..ولكني لا أعرف بأية
عائلة يتعلق الأمر .
سلمان : يمكنني التحقق من ذلك خلال دقائق .
فاضل : اذهب إذن ولك الحلاوة .
سلمان : وما مصلحتك أنت ؟ هل تفكر بدخول الميدان ؟ يقال بأنه سوق
مربح .
فاضل : اخرس يا غبي ! أنا؟ أنا أتاجر باللحم البشري الحي ؟ أنا يا
حمار ؟ ( يندفع باتجاه سلمان فيهرب هذا الأخير ويحتمي بالعجوز
فاضل البغدادي )
الجد فاضل : اهدأ يا فاضل ، الصغير لا يفهم هذه الأمور .كان عليك
إفهامه بهدفك ..
سلمان : والله كنت أمزح. أعرف إنك أشرف ألف مرة من أن تفعل ما
يفعله رفيق بسيطة ولكن ..أردت المزاح معك يا عمي فاضل.
فاضل : وهل تعرف لماذا يسميه الناس رفيق بسيطة ؟
سلمان :الناس كلها تعرف لماذا . هل تظنني بهلول بغداد ؟ .. كلما
يطلب منه أحدهم شيء يقول: بسيطة رفيق . إذا رشاه أحدهم من أجل
التجاوز على القانون قال له: رفيق بسيطة ! وإذا وسطه أحدهم من أجل
حل مشكلة لا حل لها ، قال له : بسيطة رفيق ! فلان سيعدم يا سعيد
فهل يمكنك إنقاذه .. بسيطة رفيق ولكن الثمن مائة ورقة زرقاء وكل
ورقة تعني مائة دولار أمريكي
فلان سيدخل شحنة من الجبن المصري المضروب والمتعفن فهل يمكنك أن
تجعلها فاخرة أو على الأقل صالحة للاستعمال البشري يا رفيق سعيد ؟
بسيطة ياول والثمن ربع المحصول .. يومها أصيب بالتسمم في القسم
الداخلي لجامعة بغداد عشرون فتاة عراقية ..دع عنك الفايض ..حجي
مستر ،كيف نقول الفايض بلغة أجدادنا الفصحى ؟
الجد فاضل : الربا يا سلمان وهو حرام بنص الآية. بسم الله الرحمن
الرحيم :وأحل الله البيع وحرم الربا ..سورة آل عمران الآية 130
.وقوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : الذين يأكلون الربا لا
يقومون إلا كما يقوم من يتخبطه الشيطان . سورة البقرة 275 ..
سلمان : أما سوق الأدوية ومواد البناء وتهريب النفط ومزارع الدواجن
فحدث ولا حرج والحبل على الجرار .
فاضل : اسمع ،أريد منك أن تذهب وتعرف العائلة المستهدفة . لعلنا
نستطيع مساعدتها ونثنيها عن ارتكاب هذه الجريمة المخجلة .
سلمان : طيارة .. سأعود بعد دقائق .. وأنت حجي.. دو يو وونت أني
ثنغ إيلز[19]
؟
الحاج فاضل : لا شكرا وليدي !فقط ناولني تلك المظلة المعلقة هناك
؟
سلمان : وماذا ستفعل بها ؟ هل تريد أن تقوم بإنزال جوي ؟
الحاج : وت أسلي كوشن[20]
! هات المظلة ملعون ،طولك متر ولسانك مترين !
سلمان : لا تغضب حجي مستر..(يناوله المظلة .. الحاج فاضل يتأمل
المظلة مستغرقا بعمق .. يفتحها .. يرفعها على رأسه .. يتلاشى الضوء
ببطء )
الفصل الثالث
المشهد الأول :التحصينات البريطانية حول مدينة الكوت .. الخنادق
مغمورة بالوحل ومياه الفيضان والمطر .. الجنرال طونزند يقف حاملا
مظلة مطرية أمامه يقف شاب بملابس مدنية له ملامح الجد فاضل .. إنه
هو ..بينهما كلب ممد على حمالة طبية بيضاء . ورجل بملابس رثة يجلس
على الأرض .
طونزند :سبوت .. سبوت .. يا عزيزي الشجاع سبوت .
( الكلب يصدر هريرا ضعيفا )
طونزند : إنه حي . يا ألهي إنه حي .. متى يصل ذلك الطبيب اللعين ؟
مستر فاضل هلا سألت هذا الرجل البائس كيف عثر على كلبي ، فليكرر
علينا روايته الشيقة وبتفاصيل أكثر من فضلك .
المترجم ( مخاطبا الرجل العراقي ) الجنرال يسألك كيف عثرت على
كلبه .
الرجل : أوهوووه ، لقد قلت لك ذلك ، حكيت لكم القصة ثلاث مرات .
هل يريدني أن أحلف له على القرآن ؟
المترجم : اسمع يا رجل كن هادئا وتكلم بوضوح لكي تنقذ رأسك من
الرصاص البريطاني.
طونزند : ماذا يقول ؟ ماذا قلت له ؟
المترجم : لقد نصحته بأن يكون واضحا وصريحا ..
طونزند : حسنا فعلت ..هيه . فليتكلم .
المترجم : هيا تكلم يا رجل .
الرجل :آمنتُ بالله ! كنت قاصدا مكبس السوس خلال القصف التركي
الشديد هذا اليوم لأحضر بعض الشعير منه طعاما لعائلتي (المترجم
يترجم بصوت خفيض ما يقوله العراقي للجنرال طونزند وهذا الأخير يهز
رأسه هزات خفيفة )
المترجم : الجنرال يقول لك : أنك كنت تسرق .
الرجل : أسرق ؟ طيب، وحتى إذا كنت أسرق، فما شأن الإنكليز حين يسرق
العراقي شعيرا عراقيا من عراقيين ؟ الناس تموت في أزقة وأحياء
الكوت البائسة والشعير مكدس هناك لا أحد يستعمله كغذاء سوى بغلة
الحارس حمد .قل له أيها الترجمان، قل له ،إن الشعير يتعفن في مياه
الفيضان وأن بغلة حمد سمنت وأصبحت أضخم بغلة في العالم لكثرة ما
التهمت من الشعير ..
طونزند : أيها الجندي !
الجندي 1: ( يدخل ويؤدي التحية العسكرية ) نعم سيدي .
طونزند : أخبر مسئولي الإعاشة بضرورة إحضار ما تبقي من الشعير وتلك
البغلة في مكبس السوس حالا، يجب أن أذوق هذه الليلة شيئا من حساء
تلك البغلة السمينة .
الجندي : أمرك سيدي الجنرال( يؤدي التحية ويخرج ).
المترجم : ثم ماذا حصل ؟
الرجل :ملأت جرابا كان معي بالشعير وعدت وفي الطريق وفيما كانت
قنابل الأتراك تدوي سمعت نباحا في كوخ بائس هناك .. هل ترى ذلك
الكوخ ؟ إنه هو .. ذهبت الى هناك فوجدت الكلب ، كلب الجنرال . إنه
سبيت كلب الجنرال طونزند ،من لا يعرفه في الكوت ..؟ كان يرتعش ذعرا
،وقد أصابته شظية كما اعتقد .أسرعت الى داري وأعطيتهم جراب الشعير
.ثم ذهبت الى أقرب موقع عسكري وأخبرتهم .. وتعرفون ماذا حصل بعد
ذلك .
المترجم : الجنرال يسألك لماذا ذهبت الى دارك أولا ؟ ألم يكن
الواجب يحتم عليك الاهتمام بالكلب وإسعافه ثم تذهب الى دارك فيما
بعد ؟
الرجل : ماذا ؟ وهل يرضى الله بذلك ؟ هل يرضى الله بأن أترك أطفالي
يتضورون جوعا وأهتم بكلب إنكليزي اسمه سبيت ؟ اسأله أيها الترجمان
، اسأله ماذا كان سيحصل لو لم أخبرهم بمكان وحال الكلب ؟ هل هذا
هو جزائي ؟ (المترجم يهمس ببعض كلمات للجنرال)
طونزند : هل قال ذلك حقا ؟ قل له بأن يغرب عن وجهي وإلا ثقبت
جمجمته بالرصاص .
المترجم : اذهب الى حال سبيلك يا رجل. الجنرال يقول لك اذهب .
الرجل : (وكأنه لا يصدق ما سمع ) أذهب .. ؟ هل أذهب .؟
المترجم : (غامزا بعينه ) اذهب قبل أن يغير رأيه ويجعلك جثة ..
الرجل: (يرفع يده بالتحية ويختفي ) شكرا، شكرا سيادة الجنرال .شكرا
لك يا أخ .
طونزند :لم يصل الطبيب اللعين بعد ! سيموت سبوت .. سيموت . بسبب
الغباء العربي الذي تحالف اليوم مع الإهمال البريطاني سيموت كلبي
العزيز .
المترجم : لو سمح لي سيادة الجنرال بسؤال..
طونزند : ماذا؟ تفضل .
المترجم : هل تجد الأمر عادلا من الناحية الإنسانية حين يكون
الاهتمام بكلب، بمجرد كلب أضعاف الاهتمام بالبشر؟ بأناس أسرى ؟
بجنود محاصرين جيء بهم من أقاصي العالم ؟
طونزند :أولا سبوت ليس مجرد كلب ، بل هو كلبي أنا ،كلب الجنرال
طونزند .وثانيا ، أنت تساوي بين جميع الأطراف ، وهذا هو اللاعدل
بعينه . ثم إن تعيين إعاشة الجندي كاف جدا فهو يتألف يوميا من :
450 غراما من اللحم ومثله من الخبز و85 غراما من قديد الخنزير
والزبدة والجبن و170 غراما من البطاطا و114 غراما من البصل و71
غراما من المربى و28 غراما من الشاي و14 غراما من الملح .
المترجم : هل هذا تعيين الجندي الهندي أيضا ؟
طونزند : بصراحة تعيين الجندي الهندي أقل من ذلك بقليل ..لقد
راعينا أن سكان المناطق الحارة كالهنود يستهلكون غذاء أقل من سكان
المناطق الباردة كالإنكليز .
المترجم : ولكن الجميع الآن في جحيم واحد هو جحيم الحصار حيث تلتهم
أجساد الناس أمراض الاسقربوط والبربيري والزحار واليرقان ويتغذى
البعض على الأعشاب والديدان . ألم يمت الجنرال هوكتن قبل أيام من
جراء تناول وجبة فيها بعض الأعشاب السامة ؟
طونزند : لا أردي أية لعنة حلت بذلك الطبيب الغبي ؟ لماذا لم يصل
حتى الآن ؟
المترجم : إضافة الى ذلك مازالت المحكمة العسكرية التي شكلتها أيها
الجنرال ترسل بالناس الى فصيل الإعدام كل يوم . اليوم فقط أعدمتم
اثني عشر عراقيا ..
طونزند : لقد كانوا جواسيس يزودون الأتراك بأسرارنا .
المترجم : وأعدمتم أمس عددا من جنودكم الهنود .
طونزند : أولئك كانوا خونة حاولوا الفرار الى خنادق الأتراك لأسباب
دينية .
المترجم : وربما لأسباب غذائية .. فالتعيين اليومي الذي ذكرته أصبح
رمزيا .. صحيح أنه كان بالكميات التي ذكرتها في بداية الحصار ولكنه
الآن لا يكاد يسد الرمق ..ثم إنكم لا أريد أن أقول تسرقون غذاء
الأهالي بل تصادرونه بقوة السلاح .
طونزند : أنت تعرف إننا كنا نشتريه منهم بأعلى الأثمان وأنت نفسك
تعرف ذلك ألم نشتر منزلكم بسعر خيالي لنجعل منه مستشفى ؟
المترجم : وهل كان بإمكاننا أن نرفض بيعه لكم ؟
طونزند : ( يجس صدر الكلب بيده ) لقد أصبح تنفسه منتظما .. شكرا
للسماء .ولكن أين ذهب ذلك الطبيب اللعين ؟
(يدخل جندي 2. يؤدي التحية )
الجندي 2 : سيدي الجنرال . ثمة عسكري تركي يرفع راية الهدنة ويقترب
من خنادقنا .
طونزند : اسمحوا له بالمرور ثم اعصبوا عينيه جيدا وأحضروه الى هنا
بسرعة.فلينقل جنديان الكلب سبوت بعناية الى المستشفى الميداني
وسألتحق به بعد قليل . استعد أيها المترجم .. لدينا عمل لك .
بوسعك استعمال مواهبك اللغوية الآن أما مواهبك السياسية فضعها في
مكان آخر مؤقتا.. ولكن كن حذرا فهؤلاء الترك مخادعون .
المترجم : وهل توجد شعوب مخادعة وأخرى طيبة وثالثة كريمة ورابعة
تحب اللون الأزرق ؟
طونزند : وهل تعتقد العكس ؟ هل يمكنك أن تساوي مثلا بين النبل
الإنكليزي والتفاهة الفرنسية ؟وهل الكرم الذي تشتهرون به أنتم
العرب يتساوى مع البخل الإيرلندي ؟
المترجم : هذه التعميمات يا سيادة الجنرال لا علاقة لها بالعلم ولا
بالتاريخ فمن المستحيل إثبات أن جميع الإرلنديين ،ولأنهم إيرلنديون
، بخلاء .ثم من قال بأن العرب كرماء جميعا لأنهم عرب . لتعلم يا
سيادة الجنرال أن لدينا كتابا طريفا كتبه عالم عربي مشهور قبل أكثر
من ألف عام وعنوانه "البخلاء" يحكي فيه قصصا وطرائف عن هذه الفئة
من الناس ربما لا تجد لها مثيلا في ثقافات الشعوب الأخرى .
طونزند : عالم عربي تقول، ويؤلف عن البخل عندكم كتابا ؟ لا ريب في
أنكم أحرقتموه حيا نكالا لما قام به .
المترجم : كلا على العكس فلم يمسسه أحد بسوء وظل يؤلف ويكتب ويقرأ
حتى سقطت عليه مكتبته الهائلة ذات يوم فمات تحتها ..
طونزند : إنك تذهلني . ما اسمه هذا العالم ؟
المترجم : اسمه الجاحظ يا سيادة الجنرال .(يدخل جنديان يقودان
الضابط التركي معصوب العينين .
الجندي 2: إنه الضابط التركي يا سيدي .
طونزند : حسن حلوا العصابة عن عينيه (يحل أحد الجنديان العصابة عن
عينيه . المترجم والجنرال يستمران برفع مظلتيهما مفتوحتين على
الرغم من توقف تساقط المطر منذ فترة طويلة )
(الضابط التركي ينظر الى المترجم ينزل هذا الأخير المظلة لتستر
وجهه )
طونزند : حسن أيها الضابط قدم نفسك .
الضابط التركي : أين أنا ؟ لماذا عصبتم عيني ؟
طونزند :آه ، حسن ،أنت تتكلم الإنكليزية إذن، هذا أمر جيد سيسهل
التفاهم بيننا مباشرة ولكنه سيحرم أحدهم من إثبات مواهبه !
المترجم : هل يمكنني أن أنصرف الآن ؟
طونزند : لا.. يمكنك البقاء فقد نحتاج إليك عند حدوث إشكال ما أو
سوء فهم معين .حسن ، سألتَ لماذا عصبوا عينيك أيها الضابط ، إنها
إجراءات أمنية مشروعة . ويسرني أن أبلغك بأنك الآن في حضرة الفريق
تشارلس طونزند قائد الفرقة السادسة والقطعات البريطانية الملتحقة
بها .. هيه ؟ ما هي طلباتكم ؟
الضابط التركي : كلفتني قيادتي بأن أبلغكم رغبتها في هدنة قصيرة
لكي يتمكن الطرفان المتحاربان خلالها من جمع ودفن جثث القتلى ونقل
الجرحى الى أماكن العلاج .
طونزند : لسنا بحاجة الى هدنة كهذه فلا جثث لدينا في خنادقكم ..أما
إذا كنتم تريدون هدنة لجمع جثث جنودكم ممن ساهموا في هجوم يوم أمس
على تحصيناتنا فلكم ذلك وخصوصا تلك الجثث والأشلاء العالقة
بأسلاكنا الشائكة . وماذا أيضا .
الضابط التركي : كما كلفتني قيادتي بأن أبلغكم نبأ وفاة الضباط
البريطاني الأسير الرئيس غربن من ضباط الفوج البنجابي 67 قد توفي
متأثرا بجراحه وسنوصل لكم جثته خلال الهدنة .
طونزند : آه حسن، كان مقاتلا شجاعا الضابط غربن ..قل لي أيها
الضابط . هل تعرف كم يبلغ المشير فوندر غولتس المستشار العسكري
الألماني التي يقاتل الى جانبكم ..كم يبلغ من العمر ؟
الضابط التركي : لقد احتفل المشير فوندر غولدس قبل أيام بعيد
ميلاده السادس والسبعين .وقد علم بأنك أمرت بإيقاف القصف المدفعي
الذي استهدفه قبل فترة وكيف أنك بررت ذلك الأمر بشدة إعجابك به
.وقد تأثر قائدنا نور الدين باشا نفسه بموقفك ذاك ..
طونزند : آه .. ماذا أسمع ؟ نور الدين نفسه ..حسن أيها الضابط خذ
.. هذه علبة سكائر فاخرة من نوع ماسبيرو أرجو أن تنقلها له هدية
مني مع مشاعري الطيبة ..
الضابط :حسن يا سيدي سأفعل ذلك .
طونزند :حسن .. وداعا أيها الضابط التركي ستكون الهدنة طوال هذا
اليوم ، أي لما تبقى منه وستنتهي عند حلول الظلام ، وبالضبط عند
الساعة السابعة مساء.. أيها الجندي أعصب عينيه ورافقه الى المنطقة
التي استلمته فيها ليعود الى خنادق جيشه ..
(الجندي يعصب عيني الضابط التركي ويقوده خارجا )
طونزند : هيا بنا أيها المترجم الهمام ، لنبحث لك عن عمل في مكان
آخر ،يبدو أن طالعك سيئ هذا اليوم..ما رأيك أن ترافقني الى
المستشفي الميداني لنلق نظرة على العزيز سبوت ؟
المترجم : إذا كنت سيئ الطالع مع الأتراك فلم أترجم معهم شيئا فهل
ستظن بأن طالعي سيتحسن وأصبح مترجما للكلاب ؟
طونزند : ( يضحك بصخب ) ماذا قلت ؟ ماذا ؟ مترجم للكلاب ؟ من ينظر
الى وجوهكم المتجهمة أيها العراقيون ويدقق في هيئاتكم الجافية لا
يظن إنكم مرحون و بارعون في صنع النكات الى هذه الدرجة .. هيا ،
هيا بنا الى المستشفى لنرى ما الذي فعله الطبيب بالعزيز سبوت
.
(إظلام )
المشهد الثاني :
( الطبيب يقاوم السماسرة واليورانيوم )
عيادة حديثة لطبيب أطفال ، ذلك واضح من رسومات الأطفال على
الجدران . الصغيرة بغداد ممدة على سرير الفحص . هادئة مغمضة
العينين . الطبيب يواصل فحصها بالسماعة فيما وقف والدها فاضل عند
رأسها تقابله أمها سكينة .على مقربة منها ثمة عربة يدوية صغيرة
لحمل الأطفال .
الطبيب : ( يرفع السماعة من أذنيه والحيرة بادية عليه . يتناول
دفتر ملاحظات طويل ويستل قلما ) منذ متى لاحظتم هذا الخط الأسمر
المحمر على جبين الصغيرة ؟
فاضل : منذ اليوم الذي ولدت فيه يا حكيم .
سكينة : كان في البداية خفيفا لونه أقرب الى الوردي ثم أخذ يغمق
شيئا فشيئا .
الطبيب : والأعراض الأخرى كارتفاع الحرارة وإغماض العينين ، منذ
متى بدأت ؟
فاضل : إغماض العينين لاحظناه منذ يوم ولادتها ، أما اضطراب درجة
حرارتها فمنذ أسبوع فقط .
الطبيب : كم عمرها الآن ؟
سكينة :ثلاثة أشهر وأربعة أيام .
الطبيب : هل ظهرت هذه الأعراض على واحد من أطفالكم الآخرين أو أي
فرد من أفراد عائلتكم ؟
فاضل : دكتور ، أنت تعرف عائلتنا جيدا فأنت طبيب العائلة تقريبا
.لم تمر هذه الحالة في عائلتنا مطلقا ..
الطبيب :والله لا أدري ماذا أقول لك يا أبو كريم[21]
. هذه الحالة لم تمر علي في حياتي كلها . ولكن اطمئن فبالنسبة
لإغماض العينين الأمر بسيط وقد يتعلق السبب بنوع من الحساسية
للضوء الساطع . هذه الحالة موجودة وتختفي بمرور الزمن وتقدم الطفل
في العمر . بالنسبة لموضوع الصوت وعدم بكائها فحصت حنجرتها فكانت
سليمة لا يوجد أي احتمال لإصابة عضوية أو تشوه خلقي .( الى سكينة
)ماذا بالنسبة للرضاعة ؟ هل ترضع بشكل طبيعي ؟
سكينة : قليل يا دكتور . ترضع مرة واحدة في النهار وأخرى في الليل
ولمدة قصيرة لا تتجاوز دقيقتين أو ثلاث .
الطبيب : ترضعينها رضاعة طبيعية أم اصطناعية ؟
سكينة ( تنظر الى فاضل متسائلة ) لم أفهم .
فاضل : الدكتور يقصد ترضعينها من صدرك أو بالرضاعة المميّة ؟
سكينة : لا ، لا، من صدري دكتور . كل أولادي أرضعهم من صدري .
(تدخل ممرضة حاملة ظرفا ورقيا كبيرا )
الممرضة : الأشعة دكتور !
الطبيب : شكرا يا ميساء .( تخرج الممرضة . الطبيب يعلق الأشعة على
اللوح الحليبي اللون ويضيئه . يحدق فيها لثوان ثم يعود لكتابة بعض
الملاحظات )
فاضل : طمئني يا دكتور .. خير ؟
الطبيب : خير إنشاء الله . لا أعتقد بأن الحالة خطيرة ..الأشعة لا
تشير الى أية إصابة مرضية أي تشوه خلقي أيضا . كل شيء طبيعي .يبدو
إن هذا الخط ليس إلا تشوه جلدي خلقي إذا ظل كما هو ليس له أي تأثير
ويمكن فيما بعد إزالته بعملية تجميلية بسيطة ..
سكينة : وإذا لم يظل كما هو يا دكتور ؟
الطبيب : كوني متفائلة يا سيدة ليس هناك ما يبرر قلقك هذا .. على
كل حال سأكتب لك بعض الأدوية المتوفرة هنا في المستشفى أو في
صيدليات بغداد ومنها تحميلات لخفض الحرارة وقطرات لزيادة شهية
الآنسة المحترمة . ما اسمها قلت لي ؟
فاضل : اسمها بغدادُ يا دكتور.
الطبيب : جميل ..اسم جميل . لم يستعمله أحد من قبل كما أظن .. ماذا
كنت أقول ؟ أما بالنسبة للدواء الأهم وهو نوع من المضادات الحيوية
لتسمم الإشعاعي فعليك أن تبذل جهودك للحصول عليها من الخارج .
فاضل : وهل تظن بأن الصغيرة مصابة بالتسمم الإشعاعي يا دكتور؟
الطبيب : إنه مجرد احتمال قد يصح وقد لا يصح ،وعموما سنعرف
الحقيقة بعد إجراء تحليل معقد للبلازما قريبا .. لا بد وأنك سمعت
بمئات الحالات من الإصابة بالتسمم الإشعاعي باليورانيوم المنضب !
حسن . ضعي الآنسة بغداد في عربتها يا سيدتي واسبقي زوجك الى صالة
الانتظار ..
(فاضل يساعد زوجته على وضع لطفلة في العربة ويرافقها الى باب
العيادة . الطبيب يكتب الوصفة الطبية . ثم يكتب ورقة أخرى .يعود
فاضل الى حيث مكتب الطبيب)
الطبيب : تفضل بالجلوس يا أبو كريم .. ( يجلس فاضل ) خذ هذه هي
وصفة الدواء المتوفر هنا أو في صيدليات بغداد .. وهذا هو الدواء
غير المتوفر .
فاضل : ولماذا هو غير متوفر ؟
الطبيب : ماذا ؟ كأنك قدمت توا من بلاد الواق واق . ألا تعلم بأن
البلد محاصر واستيراد الدواء والكثير من المواد بل قل أغلب المواد
اللازمة لاستمرار الحياة ممنوع؟
فاضل : أعرف أن هناك حصار وأن أغلب المواد ممنوعة التصدير الى
العراق ولكن لم يدر بخلدي إنهم سيمنعون في يوم ما دواء قد ينقذ
حياة طفلة صغيرة لا علاقة لها بما يجري في عالم الكبار والعقلاء ،
ألست هذا جنونا ؟
الطبيب : ها قد دار بخلدك الآن .. فاضل ، اسمعني جيدا (بصوت هامس
)هذه وصفة أخرى من الطب الشعبي . اذهب بها الى السيد هادي النوري
وهو يحضرها لك . إنها مفيدة ومجربة في علاج امتناع الرضيع عن
الرضاعة ..
فاضل : ( مذهولا ) طب شعبي ؟ السيد هادي النوري ؟
الطبيب : ما لك تغيرت هكذا ؟ ألا تعلم بأن هذا الذي يسمونه الطب
الشعبي هو الطب الحقيقي الذي قدمه أجدادنا للعالم، و عالجت به
البشرية عللها وأمراضها قرونا طويلة قبل أن تلجأ للتداوي بالسموم
ذات الأصل المعدني ؟ هل تعلم ماذا قال أحد الأطباء العرب القدماء
عن هذا النوع من الأدوية ؟ لقد قال إن أدوية المعادن السامة لا
تُقَوِّم جانب من البدن إلا بهدم جانب آخر منه ، هذا هو ما نسميه
في الطب الحديث بالأضرار الجانبية أو المضاعفات العلاجية لبعض
الأدوية ..عموما لستَ ذاهبا الى هناك من أجل الدواء فقط بل من أجل
شيء آخر .. قل لي ! ما حكاية بيع الأعضاء البشرية السارية في البلد
هذه الأيام ؟
فاضل : يقال الكثير من الكلام حول هذا الأمر وحتى هذا المستشفى
الذي تعمل فيه يرد ذكره في الكلام ..
الطبيب : دعك مما يقال عن هذا المستشفى، فنحن نراقب ونرصد الحالة
بدقة شديدة ،وقد ضبطنا عددا من ضعاف النفوس ممن تورطوا في بعض
الأمور ووجهنا لكم إنذارات سرية صارمة ..ولكن قل لي ما هي
معلوماتك عن محلتكم . سمعنا بأن عددا من العائلات الفقيرة مستهدفة
وأن الضباع السماسرة يلوبون حولها.
فاضل : (بتردد سرعان ما يتلاشى ) والله يا دكتور .. لا أدري ماذا
أقول لك . لقد فاجأتني بطرق هذا الموضوع ( صمت قصير ) ولكن من أجل
صحة الناس سأقول لك ما أعرفه وليكن ما يكون ..في الحقيقة هناك رجل
أمن معروف ومعه بعض الأشخاص يحاولون إغراء بعض الأسر المعوزة لتقدم
على بيع كلى بعض أفرادها .وقد جاء قبل أيام شخص من دولة خليجية
وقبله بأم وصل شخص يبدو إنه من دولة عربية أخرى من دول المغرب
العربي واتصلا بذلك السمسار المدعو سعيد والمعروف باسم رفيق بسيطة
.. وبعد تحريات واستفسارات تمكنا من التعرف على إحدى الأسر
المستهدفة وهي أسرة أبو رجاء .. وهو عامل سكك أصيب إصابة عمل
أقعدته وله أربعة أطفال فكيف يستطيعون العيش براتب التقاعد الزهيد
؟.. لذلك بادرنا الى تقديم المساعدة والنصح الى تلك الأسرة ،حيث
أقنعنا صاحب البيت الذي يسكنونه بخفض الأجور الى النصف وفعل الرجل
ما طلب منه بشهامة .وبادر بقال المحلة فشطب ما تراكم له من ديون
عليهم بعد أن سددنا نحن جزءا منها وشرحنا له حال تلك الأسرة ؟
وحين حاصر السمسار تلك العائلة بالإغراءات والوعود البراقة وكان قد
وطد العزم على شراء كلية من أبي رجاء نفسه وكلية أخرى من أكبر
أبنائه واقترب أبو رجاء من الرضوخ وقفت زوجته أم رجاء وقفة شجاعة
وهددت السمسار رفيق بسيطة بصوت مرتفع بأنها ستقتله بيديها إن تمت
الصفقة ثم تقتل نفسها ..
الطبيب : رائع ، ممتاز .. لقد أعدت الأمل الى نفسي .. هذا الشعب لا
يموت يا فاضل ..اسمع ! الحقِ الآن بزوجتك وبعد أن توصلها اذهب الى
محل السيد هادي وهناك ستعلم الكثير .. .. يجب عليكم أن تشددوا
المراقبة .. راقبوا تحركات ذلك الضبع السمسار وحاولوا تطويق
خطورته .. عليكم معرفة جميع الأسر المستهدفة .نحن هنا نسيطر على
الوضع جيدا ..
فاضل : (مادا يده مصافحا ) طيب حكيم ،شكرا جزيلا ولكن قل .. من نحن
و مَن هم ؟
الطبيب : نحن مَن نحن ،وهم مَن هم ! هل طرأ تغيير ما على طرفي
معادلة الحياة والموت ؟
المشهد الثالث : (الأجداد الأطباء يزدادون حضورا )
محل لبيع الأعشاب والمواد الطبية الشعبية .. السيد هادي النوري
يلقي درسا على ثلاثة من مساعديه :
الشيخ هادي النوري : ( ممسكا بمجلد عتيق ضخم مواصلا الإملاء منه
على مساعديه ) ..ثم نكسر تلك الفصمات أو نويات التمر الست ونغليها
مع مقدار كوب من الماء لمدة قصيرة . نتركها لتبرد وتصفو، ونحليها
بالسكر إن وجد ويتناول منه المريض ساخنا مرتين في اليوم ولمدة
أسبوعين . ويمكن التأكد من هذا الدواء المزيل للرمل والمفتت للحصى
بجمع بول المريض في زجاجة ونتركه حتى الصباح فنرى الرمل والحصى
المفتت في قاعه .
وهذه وصفة أخرى .
عباس : لحظة يا مولانا لو سمحت !
الشيخ النوري : ماذا هناك يا عباس ؟
عباس : سأبري قلمي يا شيخ.
الشيخ النوري : هيا بسرعة .. إذن هذا هو الدواء الثالث الذي سأمليه
عليكم لمعالجة وإزالة الرمل والحصى في الكلى والمثانة أما موضوع
حصى المرارة فسنعود إليه فيما بعد فهذه الأمراض غدت منتشرة وشائعة
في المناطق التي ستقصدونها في سفركم القريب . إنها منتشرة في
الجنوب والفرات الأوسط بل وحتى في الشمال ..وإذا ما عثرتم على
إصابات كثيرة بأمراض أخرى فعليكم تسجيل أعراضها بدقة وإبلاغي بها
في أقرب فرصة لأرسل لكم الأدوية والمعلومات العلاجية الخاصة بها
.. وبالمناسبة ، هذه الوصفات الطبية التي نكتبها الآن من أي كتاب
يا مهند ؟
مهند : من كتاب ( يتردد ) من كتاب تسهيل المنافع للشيخ داود
الأنطاكي ..
الشيخ النوري : الله الله عليك يا مهند ! لقد شرقت وغربت فأعطيت
الشيخ داود ما ليس له وسلبت من إبراهيم بن أبي بكر الأزرق كتابه "
تسهيل المنافع ".. هل لديك إجابة يا علي ؟
علي : من كتاب تذكرة أولى الألباب للشيخ الضرير داود الأنطاكي يا
شيخ.
الشيخ لنوري : أحسنت ! أين أنت يا عباس ؟ أ لم تنتهِ من بري قلمك
؟
عباس : نعم يا شيخي أنا جاهز .
الشيخ النوري : (مواصلا الإملاء ) نأخذ حوصلة دجاج وهي التي يدعوها
البعض قونصة ونشقها ثم ننزع من داخلها القشرة الرقيقة ونغسلها -
تلك القشرة -بالماء البارد ونضعها في الشمس حتى تجف وتصير نظير
الخبز اليابس فنطحنها ونستعملها بالمقدار التالي : نصف ملعقة صغيرة
يبلعها المريض بعد لفها بورقة رقيقة جدا أو برشامة ثم يشرب بعدها
كوب من ماء الليمون وذلك مرتين في اليوم لمدة أسبوعين .
عباس : هل تنفع حوصلة الديك في هذه الوصفة يا شيخ أم يجب أن تكون
دجاجة ؟
الشيخ النوري : إذا كان ديكا مخنثا وخنفوسا تنفع حوصلته أما إذا
كان ديكا هماما مثلك فلا فائدة منه ولا من حوصلته ( يضحك الجميع )
.
علي : الحمد لله لأن الموضوع يتعلق بالحوصلة وليس بأي عضو آخر !
الشيخ النوري : ديك و دجاجة وجوز الهند ! شيء مضحك !
عباس : لا تزعل مولانا إنه مجرد سؤال !
الشيخ النوري : سؤالك كان يمكن تبريره يا عباس لو قلنا حوصلة دجاجة
ولكنني قلت حوصلة دجاج ودجاج اسم جنس ، أليس كذلك ؟ ماذا كتبت أنت
دجاج أم دجاجة ؟
مهند : أراهن انه كتب بطة !
عباس : و لماذا أكتب بطة ؟ هل لأني معجب بمشية جدتك البدينة ؟
الشيخ النوري : كفى هذا التلاسن يا شباب ولنعد الى ما كنا فيه ..
أين كنا ؟ آه ..إليكم هذه الوصفة الخاصة بحصى المرارة . اكتبوا يا
طلبة العلم : يعصر الفجل الأبيض ويصفى ماؤه ويأخذ منه ثلاثة أرباع
الكوب ويضاف إليها ربع كوب من الحليب ويشرب الدواء مرة في الصباح
ومرة أخرى في المساء ويداوم على هذا العلاج لمدة شهر فلا يبقى أثر
للحصى في المرارة .
لتحقيق الشفاء بفضل الله تعالى يجب تجنب أكل المالح وأكل المقالي
وشرب القهوة . و بالنسبة لتحضير الدواء يجب عصر الفجل في وقت
تناوله حتى لا يتغير طعمه وتفسد رائحته حين يعمل ويترك لزمن طويل .
الوصفة الأخيرة لهذا الصباح سنأخذها من القانون للشيخ بن سينا وهي
لعلاج فقر الدم والملاريا وستحتاجون إليها كثيرا . مستعدون ؟
أصوات : نعم .. مستعدون ..( يدخل أحد الزبائن )
الزبون : السلام عليكم .
الجميع : ( يردون السلام بعبارات متقاربة النص .)
الشيخ النوري : أهلا ، أهلا بالأخ صبري .. قم يا علي لترى ما حاجة
عمك صبري وسننتظرك .
صبري : لا يا شيخ هادي لو تلطفت ، أريد أن أكلمك أنت ..ولا صغرا بك
يا ولدي علي.
الشيخ هادي : حلت البركة .. أنا قادم ( ينهض من مجلسه ويقترب من
الزبون صبري )
صبري : جئتك بخصوص موضوع ابن أختي محسن .. أنت على علم بحالته وقد
وصفت له دواء منذ شهر وقد ساعده ذلك كثيرا ولكن حالته عادت وانتكست
من جديد ..
الشيخ هادي : كيف انتكست ؟ هل عاد لخلع ملابسه والصراخ ؟
صبري : الأمر أسوأ من ذلك هذه المرة ، لقد زاد على ذلك كله أنه أخذ
يضرب ويؤذي نفسه ..
الشيخ هادي : هذا المرض يسمونه الاستيهام .. هو مرض ليس خطيرا إذا
أحسن علاجه . هل يمكنك إحضار محسن نفسه الى هنا ؟
صبري : ممكن ، سأفعل بمجرد أن تهدأ حالته سآتي به الى هنا .
الشيخ هادي : وأريدك أن تقنعه بأنه سيكون مساعدا لي في العمل في
الدكان ..
صبري : لماذا ؟ هل سيبقى طويلا هنا ؟
الشيخ هادي : سأقول لك كلَّ شيء فيما بعد .. أزرع في ذهنه هذه
الفكرة وأحضره الى هنا ..واستمر بإعطائه الأعشاب المهدئة التي
أعطيتها لك .
صبري : حاضر يا حكيم ،والله أنت الوحيد الذي تليق بك هذه الكلمة ..
أطال الله عمرك و لك شكري الجزيل.
الشيخ : لا شكر على واجب . في أمان الله .
صبري : في أمان الله يا شيخ ،مع السلامة يا شباب .
( مساعدو الشيخ يردون على تحية الوداع بعبارات متقاربة ويعود
الشيخ الى مجلسه ويفتح المجلد الضخم الذي كان يملي منه )
الشيخ النوري : أين كنا يا أولاد ؟ ها تذكرت .. إنها وصفة فقر الدم
والملاريا ،اكتبوا إذن .. يغلى مقدار عشرين عرقا من حشيشة
الأترونجية أو القنطريون في أربعة أرطال من الماء يعني تقريبا
لترين ونتركها تغلي حتى تصبح رطلين أي لترا واحدا. نصفي المغلي
،ثم نضيف إليه مقدار كوب من الخمر الأحمر الحلو ونتركه يغلي مرة
أخرى مع الخمر حتى يصبح لترا واحدا ، ويأخذ منه المريض فنجان قهوة
صباحا وآخر مساء قبل الطعام . وفي حال عدم وجود القنطرون تغلى قبضة
من شوك الجمل أي القصوان في لتر ماء ثم يصفى ويؤخذ منه باردا أثناء
النهار .ويشرب بدل الماء وهذه الوصفة ليست فعالة كسابقتها ضد فقر
الدم ولكنها مفيدة وتحتاج الى زمن أطول وهي مفيدة أيضا في إذابة
الأملاح ومعالجة القرحة في المعدة ..
مهند : هل صحيح يا شيخ أن محسن السريع سيعمل معنا هنا ؟
الشيخ هادي : أجل سيعمل معنا ، ولكن وجوده هنا سيكون نوعا من
العلاج .. محسن مصاب بمرض نفساني وسوف أحاول معالجته بطريقة
التجسيد .
عباس : ما هذه الطريقة يا شيخ ؟ هذه أول مرة اسمع فيها أن الطب
الشعبي يمكن أن يعالج الأمراض النفسية .
مهند : كيف ؟ ألم تسمع بمعالجة المجانين والمصابين بمس عن طريق
السحر والقراءات في الكتب الدينية ؟
الشيخ هادي : تلك شعوذة يا مهند وليس علاجا . العلاج النفساني
ومنه طريقة التجسيد هو ما قام طبيب بغدادي في زمن الخليفة المأمون
. هل سمعتم بهذه الحكاية ؟
( يدخل فاضل )
فاضل : السلام عليكم .
( الجميع يردون السلام .)
فاضل : هل هذا هو محل الشيخ هادي النوري ؟
الشيخ هادي : أهلا وسهلا وصلت .. قم يا عباس لخدمة الزبون .
فاضل : أنا فاضل بن الحاج محمد جئت من طرف الطبيب نبيل التميمي .
الشيخ هادي ( ينهض ويقترب من فاضل ) يا أهلا وألف مرحبا بك
وبالدكتور نبيل . تفضل ، تفضل ( يصافحه ويقوده الى حيث كان
يجلس ) ماذا كنا نقول ..
علي : حكاية الطبيب البغدادي أيام الخليفة المأمون وكيف عالج مريضا
نفسيا .
الشيخ هادي : اسمع معنا هذه الحكاية ثم أتفرغ لك بعدها إن شاء الله
.كان المريض مصابا بمرض غريب ،فهو يتوهم بأنه يحمل على رأسه جرة
فخارية مملوءة بالزيت . كان يسير هكذا ( يضع يديه على رأسه بهيئة
من يحمل شيئا ) ويحاذر أن تسقط منه تلك الجرة الوهمية . وحين بدأت
حالته تسوء نتيجة سخرية الناس منه ،اضطر والده وكان تاجرا كبيرا أن
يحدث بأمره بعض الأطباء في بغداد . فقال له أحدهم : دواؤه عندي
أبعث به إلي . ( الى فاضل ) هل تشرب شيئا ؟ اذهب يا علي واحضر
مشروبا للضيف .
فاضل : لا ، والله ، لقد تناولت شربت زبيب للتو .. شكرا لك يا شيخ
هادي .
الشيخ هادي : نعود الى حكايتنا .. بدأ الطبيب ومساعدوه يتعاملون مع
المريض على أساس أنه يحمل فعلا جرة زيت على رأسه ،بل إنهم رسخوا
ذلك الوهم في ذهنه ، وصاروا يفسحون لجرته المزعومة المكان
،ويساعدونه على حملها أو طرحها وذات يوم طلب الطبيب من المريض أن
يرافقه في مشوار وطلب من أحد مساعديه أن يحمل جرة زيت حقيقية
ويختبئ في موضع مزدحم بالناس عينه له . وحين بلغ الطبيب ومريضه
ذلك الموضع غمز مساعده فخرج هذا مسرعا وهو يحمل جرة الزيت ودهم
بقوة المريض حتى سقطا كلاهما في الطريق وانكسرت جرة الزيت وهنا بدأ
المساعد ،وكما أفهمه أستاذه الطبيب ،بالاعتذار من المريض زاعما أنه
لم يكن يقصد كسر جرته وأنه مستعد لتعويضه بما يطلبه من مال . وهنا
تدخل الطبيب وصالحهما على مبلغ من المال ثم طلب من المريض أن
يحتفظ بشظية من جرته للذكرى ففعل وهكذا تخلص المريض من مرضه وشفي
شفاء تاما بفضل الله وذكاء الحكيم البغدادي .
فاضل: متى حدثت هذه القصة يا شيخ ؟
الشيخ النوري : حدثت قبل أكثر من ألف عام هنا في بغداد ، بغداد
المأمون وليست بغداد الحجاج !
علي : ولكن الحجاج مات قبل تأسيس وقيام بغداد يا شيخي !
الشيخ النوري : دعك من هذا ، أنا أتكلم عن حجاج آخر .. التاريخ ملئ
بالحجاجين يا علي !
مهند : هه ،وماذا تعتزم أن تفعل يا شيخي مع محسن السريع ؟ هل
ستجعله يخلع ملابسه ويجري في الشارع العام وهو يصيح بندائه
المشهور : ثيران مجنحة في الباب الشرقي .. ثيران مجنحة في الباب
الشرقي ؟
الشيخ هادي : سنرى ماذا سنفعل فيما بعد ، فقد يلهمني الله حلا أو
وصفة ننقذ بها هذا الشاب من الجنون .والآن حدثني يا سيد فاضل عن
حاجتك .. لقد اتصل بي الدكتور نبيل التميمي وشرح لي العارض الذي
تعاني منه ابنتك ولكني أفضل أن أسمع ذلك منك أنت مباشرة .
فاضل : والله يا شيخ لا أدري ماذا أضيف لما قاله لك الطبيب التميمي
، ولكن يمكنني أن أقول أن تحليل الدم الذي ظهرت نتيجته اليوم تؤكد
أن لهذا العارض علاقة بما يسمونه التسمم الإشعاعي . لابد وأنك سمعت
بأمراض اليورانيوم المنضب المنتشرة هذه الأيام في العراق .
الشيخ هادي : نعم وقد مرت عليَّ حالات عديدة ..وللأسف فلم أسجل
نجاحا واحدا مع جميع الحالات التي تدخلت فيها ..
فاضل : لا أملَ إذن ؟
الشيخ هادي : لا تيئس من رحمة الله . المشكلة هي أن هذه الأمراض لا
سابقة لها و لم يرد لها ذكر في كتب الطب والأخبار التي بين أيدينا
. الطب كما تعرف علم تراكمي ساهمت فيه كل شعوب الأرض ولكن هذه
الأمراض الحديثة لا تنتمي الى تاريخ البشر .. ربما تنتمي لتاريخ
الشياطين الذين اخترعوا وسائل الموت والخراب الحديثة هذه .
فاضل : ما العمل إذن يا شيخ ؟
الشيخ : أولا سأصنع لك خلطة طبية خاصة ببعض الأمراض الجلدية
،وعلينا أن نجرب أكثر من خلطة هذا أولا ، وثانيا فهؤلاء المساعدون
الثلاثة سيقومون بجولة بعد أيام في كل أنحاء البلاد كما دأبنا على
أن نفعل ، يعالجون الناس ويجمعون الوصفات والمعلومات الجديدة
ويلتقون بإخواننا في هذه المهنة ،وسوف أطلب منهم أن يذهبوا معك
لرؤية الصغيرة بأعينهم و سوف يحاولون أن يبحثوا خلال جولتهم في
أنحاء البلاد عن حالة مشابهة تم علاجها وشفيت . ما رأيك ؟
فاضل : هذا فضل لك عليَّ لن أنساه أبدا يا شيخ هادي وسوف تكون أجور
سفر الأخوان على حسابي هذه المرة فأرجوك لا تحرمني من هذا الشرف
والثواب .
الشيخ هادي : لا عليك ، إنك عجول كما يبدو ..سنحضر الآن الوصفة
الأولى للمحروسة . ما اسمها ؟
فاضل : سميتها بغداد يا شيخ .
الشيخ هادي : بغداد ؟ لا أعرف أحدا سبقك الى هذه التسمية في عصرنا
هذا أما في القرون الخوالي أيام كانت بغداد ، بغدادنا ، عاصمة
الدنيا وقبلة الأنظار ، مثابة العقول ومهوى القلوب والأفئدة فقد
كانت واشتهرت كاسم علم للأناث.. هيا يا عباس اذهب الى بستان السيد
راضي أبو خشب واجلب لنا من هناك حمل من ورق الدفلى الخضراء .وأنت
يا مهند جهز قليلا من حبة حلوة وقطران وقشر الحية .. أعتقد إن ما
عندنا من قشر الحية قد نفد ، اذهب وتأكد فإن لم تجد منه شيئا اقترض
قليلا منه من خليل العطار قرب سوق الشورجة .
فاضل : هل أمر عليكم غدا يا شيخ ؟
الشيخ : تفعل حسنا ، عد غدا في الصباح و ستكون الخلطة جاهزة .
فاضل : مع السلامة إذن ، هل تأمرني بشيء يا شيخ .
الشيخ هادي : سلم لي على والدك الحاج محمد وقل له يوصيك الشيخ هادي
بالصبر والجلد في كل حين . مع السلامة يا ولدي ( ينهض الجميع
ويتفرقون ببطء ..إظلام )
المشهد الرابع: ( كيف تحول صانع الموسيقى الى صانع توابيت )
محل الحاج محمد فاضل . الحاج محمد منشغل بالعمل على إصلاح أوتار
آلة عود ، يدخل فاضل يخلع سترته ويرتدي مئزر العمل .تبدو عليه
أمارات الحزن والانشغال .
الحاج محمد : ماذا حدث لك اليوم ؟ حتى السلام لم تعد تلقيه ..
فاضل : السلام عليكم .. اعذرني يا أبي .حالتي النفسية كما تعرف في
غاية السوء .
الحاج محمد : ما الأخبار؟ هل اتفقت مع الرجل على جلب الدواء من
الخارج للصغيرة ؟
فاضل : لقد وعدني بذلك وهو كما تعلم رابع شخص أكلمه في الموضوع
ويعد بجلب الدواء دون نتيجة ..
الحاج محمد : هل مررت على البيت ؟ أم جئت مباشرة من موعدك ؟
فاضل : مررت على البيت قبل أن آتي الى هنا .. حرارتها مازالت
مضطربة ترتفع وتنخفض . الخط على جبينها تحسن قليلا . أصبح أقل
قتامة و وأفتح من السابق .
الحاج محمد : معنى هذا إنها في حالة أحسن من السابق . أمس تحسنت
رضاعتها واليوم ها أنت تلاحظ تحسنا في التشوه على جبينها . أما
اضطراب درجة حرارتها فسوف يزول إن شاء الله .. ( يدخل " سعيد "رفيق
بسيطة مجتاحا المسرح وخلفة رجلان يحملان حملا من الألواح الخشبية
)
سعيد : السلام عليكم ..هنا، هنا .. ضعوا الأخشاب هنا يا شباب ..
نعم هنا ( الرجلان يضعان ألواح الخشب ويخرجان )..
الحاج محمد : ما هذا يا سعيد ؟ ما هذه الأخشاب ؟ أ هكذا تقتحم
محلات الناس دون استئذان ؟
سعيد : إنها الضرورة ، الضرورة يا حاج محمد .. ومع ذلك فأنا مدين
لك بالاعتذار ..إنني آسف لما حدث . لندخل الآن في صلب الموضوع .
الحاج محمد : عن أي موضوع تتحدث ؟ وما هذا الخشب الذي جلبته الى
هنا ؟
سعيد : الموضوع باختصار إننا قررنا أن تكون أنت من يتولى صناعة ما
نحتاج إليه من توابيت صغيرة ، توابيت للأطفال ضحايا الحصار .لقد
قررت القيادة أن يتم تشيعهم، أقصد تشييع الأطفال الشهداء في
جنازات جماعية هنا في شارع الرشيد ..وقد قررنا ..
فاضل : ( بحزم وعصبية واضحة ) ومن أنتم حتى تقرروا وتتدخلوا في
حياة الناس وخصوصياتهم ؟.. اسمع سعيد .. خذ أخشابك وارحل من هنا
حالا قبل أن افقد السيطرة على أعصابي وارتكب حماقة ما ..
الحاج محمد :( معترضا طريق فاضل ) اهدأ يا فاضل .. لنفهم ما
الموضوع .. ابني سعيد، هذا المحل ،كما ترى، ليس محلا للنجارة .
إنه محل لصناعة وتصليح الأدوات الموسيقية ..هذه واحدة . الثانية هي
أنني وكذلك ولدي فاضل لا خبرة لنا في نجارة وصنع التوابيت , فالله
يرضى عليك خذ أخشابك من هنا وابحث عن نجار يلبي طلبك .
سعيد : أفهم من كلامك إنك ترفض التشريف الذي تقدمه لك القيادة
وترفض القيام بهذا الواجب المقدس ؟ هل أفهم أنك وابنك هذا ترفضان
تنفيذ أوامر الحزب والدولة ؟ طيب يا حاج محمد لك ما تريد فما أنا
إلا مجرد رسول وما على الرسول إلا البلاغ .سأذكر رأيك في التقرير
الذي سأرفعه للقيادة بكل أمانة .. أنا مجرد رسول .
الحاج محمد : لماذا لا تريد أن تفهم ؟ لقد قلت لك إنني لست نجارا
ولا معرفة لي بصنع التوابيت . لماذا تريد توريطنا ؟ هل تهددني
بتقريرك ؟ هل تعرف عاقبة التقرير الذي ستكتبه ؟
فاضل : لا تتعب نفسك يا أبي . هذا الرجل مجرد عبد مأمور .. دعه
يكتب ما يكتب فلا يوجد قانون في الدنيا يجبر الفنان على أن يكون
دفانا ولا صانع الأدوات الموسيقية نجار توابيت .
سعيد : مختصر الكلام ،أنتما ترفضان إذن تنفيذ القرار . أليس كذلك
؟
الحاج فاضل : لا حول ولا قوة إلا بالله .ماذا أقول له الآن ؟
(يندفع فاضل باتجاه سعيد شاهرا مفكا أو آلة مشابهة ، وفي نفس
اللحظة تدخل أم نادر وتهجم على سعيد . تمسك برأسه وتعضه من أنفه .
الحاج محمد وابنه وقد أخذتهما المفاجأة يحاولان تخليص سعيد من أم
نادر .. يفلحان في ذلك بعد جهد جهيد . وجه سعيد مغطى بالدماء
..جسد أم نادر يتشنج ، ترتعش ثم تسقط أرضا وتهمد التشنجات ..
فاضل : أم نادر .. خالة أم نادر ..هل تسمعينني ؟
سعيد : ( صارخا من الألم) أنفي ، أنفي ، قطعت أنفي .. قطعت أنفي
هذه المجنونة .. سأقتلها ، سأنتقم منها .. سألقنها درسا لن تنساه (
يتوقف بعض المارة والفضوليين للتفرج نميز منهم سلمان بن الحجية
ومهند مساعد الشيخ النوري .فاضل يمسك برسغ أم نادر ثم يسقطه على
صدرها )
فاضل : لن يكون بإمكانك تلقينها أي درس .. لقد ماتت .
فاضل : ماتت ؟ كيف ؟ قطعت أنفي وماتت ؟ هل يعني إنني لن أستطيع أن
أنتقم منها ؟ هل سيضيع حقي ؟
الحاج محمد : ( يخلع مئزره يغطي به جثة أم نادر ) رحمك الله يا أم
نادر .. الموت في حالتك نعمة ..( يتوجه نحو ألواح الخشب ) تعال
وساعدني يا فاضل ..وأنت يا سعيد اذهب الى المستشفي وعالج أنفك ..
سعيد : وماذا بخصوص التوابيت ؟
الحاج محمد : اطمئن .. سنبدأ بتابوت لهذه المسكينة وبعد ذلك سنرى .
سعيد : ماذا ؟ تصنع لها تابوت من خشب الدولة ؟ وهي التي جدعت أنفي
؟ لا لن أسمح بذلك أبدا .
الحاج محمد : سعيد ، استهدِ بالله و دع الطبق مستور . هذه المرأة
أحق بخشب الدولة وحديدها ونفطها كله وأنت تعرف السبب . ثم إنها
رحلت عن عالمكم هذا ، وسترتاح أنت خصوصا من مراقبتها وتتبع خطواتها
..
سعيد : سأمر غدا في مثل هذا الوقت لآخذ المجموعة الأولى من توابيت
الصغار .. غدا في مثل هذا الوقت ( يخرج وهو يغطي وجهه المدمي
بمنديل) .
الحاج محمد : يا الله يا جماعة انتهت الفرجة .. ليذهب كل منكم في
طريقه . وأنت يا سلمان اذهب الى دارنا واخبر النساء هناك بما حدث
وليأت بعضهن لاهتمام بجثمان المرحومة .
فاضل : ( يقترب من كومة الألواح ويشارك والده في اختيار عدة قطع )
لقد جدعت أنفه حقا يا أبي .
الحاج محمد : نعم ،رأيت ذلك . لقد انتزعت بأسنانها نصف أنفه ،
وتركت على وجهه علامة ستصاحبه طوال عمره .
فاضل : لماذا فعلت ذلك ؟ هل كانت تعاني من نوبة نفسية ما؟ هل كانت
تدافع عني ؟ أم إنها كانت تعرف سعيد وتعرف مسئوليته عن مأساتها
العائلية ؟
الحاج محمد : هذه الأسئلة كلها قد تكون صحيحة ولكن المهم الآن هو
إننا تحولنا من صناع أدوات فرح الى نجاري توابيت ..زمن عجيب .
فاضل : أعترف بأنك فاجأتني بموافقتك على طلبه أخيرا !
الحاج محمد : لم يعد هناك خيار آخر . ثمة جثة حقيقية ،ثمة حاجة إذن
الى تابوت .والشاطر هو من ينجح في إنقاص عدد الجثث جثة أخرى .
(تدخل مجموعة من النسوة يحطن بجثة أم نادر ، يدخل أيضا سلمان بن
الحجية وهو يدفع الجد فاضل البغدادي على عربته ..إظلام تدريجي
لعموم الركح وعمود ضوئي يسلط على الجد فاضل وهو على عربته يشتد ضوء
العمود تدريجيا ثم يخفت ببطء حتى يحل الظلام التام . )
المشهد الخامس : (طونزند يقترب من النهاية )
(مقر قيادة القوات البريطانية المحاصرة في الكوت . أصوات انفجارات
وقصف مدفعي بعيد مصحوبة بصوت سقوط أمطار غزيرة .الضباط والجنود في
حركة دائبة بطيئة تارة و سريعة متشنجة تارة أخرى . يدخل الجنرال
طونزند وبيده حزمة أوراق . يقترب من المترجم فاضل البغدادي :
طونزند : (يلقي رزمة الوراق على المنضدة الصغيرة التي يجلس إليها
المترجم ) خذ أيها السيد المترجم . ترجم هذه التعليمات الى اللغة
العربية وبعد أن تنتهي من ذلك اطبعها على الآلة الكاتبة ثم سلمها
الى الضابط رتشارد ولسن ليتدبر أمر طباعتها بمئات النسخ و توزيعها
بعد ذلك في كافة أرجاء المدينة .
المترجم : أيها السيد الجنرال ،الناس تموت من الجوع بمعدل خمسة عشر
شخصا في اليوم والزحار والأمراض الأخرى تحصد نفس العدد تقريبا فمن
يستطيع أن يقرأ أو يهتم بتعليمات مكتوبة ثم من يستطيع أن يقرأ أصلا
.
طونزند : من فضلك لست هنا لمناقشتك حول هذا التفصيل أو ذاك . إنك
مجرد مترجم أسند إليك عمل محدد فإما أن توافق على القيام به أم
ترفض ؟
المترجم : أنا أولا إنسان يا سيادة الجنرال . وإنسان من هذه الأرض
ومن هؤلاء الناس الذين يموتون ولست مترجما يشتغل بالأجرة .
طونزند : حسن . أقترح عليك أن تترجم هذه التعليمات الآن وأن تشبع
رغبتك في المناقشة والمناكفة فيما بعد ..( يستدير الجنرال فيما
ينصرف فاضل البغدادي الى الترجمة على مضض ) أيها العقيد جون كلارك
أرجو أن تجهز ورقا وآلة طابعة وتستعد .سأملي عليك شيئا .
الضابط كلارك :الورق جاهز في الآلة يا سيدي ويمكنك أن تبدأ الإملاء
.
طونزند : حسن جدا ، أكتب إذن : الى القائد إيلمر . أشكر لكم
وللقوة التي تقودونها مساعي البسالة والإقدام التي بذلتموها لفك
الحصار عني وأبثكم عطفي وشعوري الخالصين .
-أوضح لكم مرة أخرى ما ذكرته لكم في 8 آذار من أن القوة الاحتياطية
التركية التي سارت شرقا من شمران والسن على ضفة دجلة اليمنى كتيبة
خيالة شاهدتها بأم عيني وهي تعبر جسر الحي وشاهدنا مائتي جندي ماش
على الضفة اليسرى .
-ما روته لك الطائرات المستكشفة من زحف قوة العدو الاحتياطية غير
دقيق فما أكثر الغلطات التي يرتكبها الضباط الأحداث في رصدهم من
الطائرات التي تطير على ارتفاع عظيم . و يصعب على المرء في هذه
البلاد أن يقدر العدد ويفرق بين البشر والمواشي التي تسرح في
الحقول.
-لقد عزمت الآن على ذبح جانب من الدواب لأتمكن من مواصلة صد زحف
القوة التركية المرابطة في الكوت ..فإذا ذبحت الآن ألف ومائة دابة
وأنقصت زنة رغيف الخبز الذي أوزعه على القطعات البريطانية فجعلتها
عشرة أونسات بدلا من إثني عشر أونسا وأعطيت الجندي الهندي عشرة
أونسات دقيق قمح وأربع أونسات شعير للخبز في كل يوم يكفيني الشعير
الذي عندي الى 7 نيسان على وجه التقريب .
-وهكذا ستقتات القطعات البريطانية بالخبز ولحم الخيل وحدهما
والقطعات الهندية بالدقيق والشعير المحمص والسمن أما المواد
الغذائية الأخرى فستفرغ مستودعاتنا منها قبل 15 آذار .
أيها القائد إيلمر هذه هي المرة الثانية التي وعدت فيها جنودي
بقرب فك الحصار عنهم ولذلك لا بد من إنجادي قبل 7 نيسان إلا إذا
صدقت أنباء رويتر من أن الترك يطلبون الصلح فإذا تم ذلك انفك
الحصار عنا بطبيعة الحال . الفريق الثاني تشارلس طونزند .[22]
أرجو أن تصل هذه الرسالة الى القائد إيلمر هذا اليوم .
الضابط كلارك : حسنا سيدي سأبذل ما في وسعي لفعل ذلك (يستخرج ورقة
الكاربون الزرقاء ويتركها على المنضدة . يضع النسخة الأولى أمام
الجنرال لتوقيعها ثم يضعها في ظرف أصفر ويضع النسخة الثانية في
محفظة سوداء يسحبها من أحد الدواليب . يخرج الجنرال . المترجم فاضل
البغدادي يغير موضعه ويجلس الى المنضدة التي عليها ورقة الكاربون
الزرقاء بحركة تزعم اللامبالاة يختطف الورقة ويعود الى حيث كان
ويستمر في الكتابة .يدخل ضابط آخر )
الضابط (صارخا بعصبية ) أين الجنرال طونزند؟ لقد قيل لي إنه هنا .
كلارك : كان هنا حقا منذ ثوان ولكنه خرج . ماذا هناك يا عقيد
دوكلاس؟
العقيد دوكلاس : لقد انتهى كل شيء . فشل الهجوم الرئيسي الثاني
لقوات إيلمر .لقد حلت بالقوات البريطانية التي تحاول فك الحصار عنا
خسائر فادحة .. لقد انتهى كل شيء . الأتراك يحيطون بنا الآن من
جميع الجهات، وقد يشنون هجوما شاملا علينا في أية لحظة . الغذاء
والوقود على وشك النفاذ فيما قواتنا تتسلى بإعدام الفارين من
الجنود الهنود المسلمين أو إطلاق الرصاص على سكان البلدة بتهمة
التجسس وإخفاء الطعام .
المترجم فاضل: ( ينهض ويقترب من أحد الضباط ) أيها الضابط هذه هي
التعليمات التي طلب مني الجنرال ترجمتها الى اللغة العربية .
الضابط : ضعها هناك ، على مكتب الجنرال .. لا أعتقد بأن الأتراك
سيمنحوننا فرصة تعليقها على جدران الكوت على أية حال .
المشهد السادس : ( رقصة محسن السريع عاريا )
محل الشيخ هادي النوري .عتمة وظلام . ضوء واهن لشمعتين في طبق فضي
يكشف لنا عن شخص متشح بالسواد تماما واقفا . في مقابله يجلس الشيخ
هادي النوري الى منضدة طويلة خلفه ثلاثة أشباح أو هيئات غير واضحة
لثلاثة رجال . الظرف الضوئي غير مستقر ويمكن أن تتعامد خلاله أضواء
مختلفة الشدة واللون تظهر وتختفي تبعا لمضمون الحوار الداخلي لمحسن
.
الشيخ هادي : إذا كنت تسمعني يا محسن فارفع يدك اليمنى .( محسن
يرفع يده اليمنى ) ارفع يدك اليسرى (يرفع يده اليسرى) ممتاز !
والآن يا محسن .. أريد منك أن تقص عليَّ القصة كاملة . أريد أن
أسمع منك حكايتك من الألف الى الياء . كيف تورطت ؟ كيف دخلت الى
هذه اللعبة ؟ متى لصقت بك كدودة العلق ؟ لماذا فعلت ما فعلت بنفسك
؟ هل تشعر براحة أكثر وأنت تركض عاريا في الشوارع والأسواق ؟
أسمعني كل شيء .. كل شيء ..
محسن السريع : كنا جالسين في مقهى الأعيان (يزيح العباءة السوداء
التي تغطيه عن رأسه ولكنها تبقى معلقة على كتفيه ).. أنا وحميد بن
كريم الأعرج ومنير أبو راسين. كنا نلعب الدومنيو . وكان يجلس على
مقربة منا رجل حسن الملبس . عطره يضوع في شتى الاتجاهات . فجأة
تزحزح الرجل و اقترب منا ( يزيح العباءة السوداء عن كتفيه ينهض
الشيخ هادي ويسحبها نحوه ثم يطويها بعناية ) اقترح علينا الرجل
الأنيق أن نشركه في اللعب .بصراحة شككنا فيه في البداية ، ظننا أن
يكون واحدا من إياهم!! وتغامزنا محذرين ولكن تبين لنا فيما بعد
أنه ، أنه رجل غريب الأطوار لا أكثر ولا أقل . وعلى سبيل التجربة
لعب معه منير وبسهولة تمكن من التغلب عليه في ثلاثة أدوار . منير
هو الذي تغلب على الرجل . فإذا بالرجل الأنيق يخرج من جيبه ورقة
نقدية من فئة العشرة دولارات ويعطيها لمنير . قال له : خذ ،هذا حقك
. فرفض منير في البداية ،وقال له :إنني لم أراهنك أو أجعل لفوزي
عليك ثمنا . فقال الرجل : أنا فعلت ذلك يا بني ، خذ الورقة واعتبر
أنني نذرت نذرا . فضحكنا وأخذ منير المبلغ واعدا إيانا جميعا بعشاء
لذيذ على شاطئ أبي نؤاس . دخلنا بعد ذلك في جدال طويل ومتشعب حول
الحاجة الى المال والمغامرة من أجله وما حدود المغامرة وأين موقع
الأخلاق في كل ذلك .وأثناء الجدال والنقاش قال حميد .. أو ربما
منير لم أعد أتذكر بدقة أيهما هو من قال بأنه ومن أجل خمس ورقات
مستعد لعبور شارع الرشيد عاريا كما خلقه الله .
الشيخ هادي: ما معنى خمس ورقات ؟
محسن : الورقة الواحدة تعني مائة دولار وعلى عادتنا في تعريق كل
شيء واختصاره مع المحافظة على نكهة السرية عليه سميناها ورقة .
الشيخ هادي : ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟ أريد منك يا محسن أن تتذكر كل
شيء كل كلمة كل حركة قمت بها ..هيا أكمل وحاول أن تنسى إننا
موجودون هنا معك .. انسنا تماما .. حاول ..ففي ذلك شفاؤك .
محسن :(
بعد صمت قصير ) حين قال منير أو حميد ما قال ، لم أعد .. بلى، بلى
،لقد تذكرت .. كان حميد ، حميد هو من قال ذلك وحينها .. مددت يدي
الى كأس الشاي (يبدأ محسن بأداء الكلمات التي يقولها إيمائيا )
حسوت حسوة منه .. أعدت الكأس الى الصحن الصغير وخرجت الكلمات
التالية من فمي : أما أنا فمستعد لأن أقطع شارع الرشيد ركضا وأنا
عار من هنا والى الباب الشرقي من أجل تلك الخمس ورقات . أنت لا
تعني ما تقول . سمعت الرجل الأنيق يقول لي .. فشعرت بالغضب ربما
لأنه استهان بي أو لأني وجدت نفسي قد تورطت ورطة لم أحسب حسابها
..أقسم لكم بالله العظيم بأنني سأفعلها . وجدتني أقسم وكانت صورة
أمي المريضة تتسع في فضاء المقهى ، تتسع ،وتتسع ،وتتسع كسماء الصيف
.. أنينها من العلة في ليال الشتاء راح يعلو ويعلو ويتحول الى دوي
يصم أذني .. مد الرجل يده الى جيبه ..أخرج محفظته .. أخرج منها خمس
ورقات ووضعها على المنضدة وقال هذا هو ثمن التحدي ثم وضع ورقتين
الى جوار الخمس وقال وهذه هديتي لك ..ولن تخسر شيئا حتى لو تراجعت
.. هنا في هذه اللحظة كف عقلي عن العمل، ربما كان في رأسي شيء آخر
يعمل حين يكف العقل عن العمل هو الذي بدأ يحرك جسمي .. وقفت وسط
همسات صديقي المنذرة المحذرة تارة والمشجعة الساخرة تارة أخرى ..
لم أكن أسمع ما يقولان ،كانت عيناي تنتقلان من رزمة المال على
المنضدة الى فضاء المقهى الذي ملأته صورة أمي بشيلتها السوداء
وعصابتها اللامعة .. نظارتاها السميكتان ،وجهها الواسع الذي يفيض
محبة وألما وانتظارا.. أنينها العميق، الطويل، المر، يصم مسمعي .
بحركة واحدة تحررت من حذائي . فككت حزامي وخلعت سروالي ( يطبق محسن
كل ما يقول فيخلع ملابسه قطعة فقطعة ) خلعت قميصي والفانيلا
العتيقة تحته . توقعت أن أتردد حين بلغت الملابس الداخلية ..أبداً
، لم تحدث شيء من هذا القبيل . خلعت لباسي ودسسته تحت كومة
الملابس الأخرى . انتبهت الى إنني نسيت زوج جواربيَّ في قدميَّ
فخلعتهما أيضا.
ها أنا ذا ... قلت في نفسي ها أنا ذا : محسن بن جبر العاصي، أخرج
الآن الى شارع الرشيد كما ولدتني زينب بنت الحاج ناصر، و ليَّ من
العمر واحد وثلاثون عاما لا أتذكر لها طعما . وانطلقت راكضا في
الشارع باتجاه ساحة الرصافي .كان ذلك الجزء من المسافة هو الأكثر
مشقة وصعوبة .. لا ، ليس من جهة الناس ، فأنا لم أعد أرى أحدا من
البشر أمامي ، وإنما بسبب سخونة الإسفلت الذي كان يلسع باطن قدمي
العاريتين . حين بلغت انعطفت يسارا ، عبرت شارع الأمين ، أكملت نصف
دائرة حول الساحة وعدت الى شارع الرشيد من جديد . هاأنا ذا على
رصيفه الجنوبي ، أو الذي يكون على يسارك وأنت متجه الى الباب
الشرقي ،كنت أعالج لسعات إسمنت الرصيف أو إسفلت الشارع بالمزيد من
الركض بالمزيد من السرعة .كنت أركض كالمجنون لم أعد أشعر إلا
بالإسفلت اللاسع وتوهجات الشمس البغدادية تخترق مسام جسمي كلها
.وكنت أركض ، أركض وكأني أريد الخروج من الزمن ، من حدود ما هو
مادي ، ما هو متناهي ، ما هو محدود ، كنت أخرج ، أطلع ، أطير ،
أنطلق في فضاء خاص رحيم لا يخص أحدا سواي . أحلق في هواء شارع
الرشيد وأركض فأشعر بحريتي تنمو وتكبر في باطني كما طائر له ألف
جناح وجناح . حريتي تنمو وتكبر، إنها تملأني وتملأني فأكاد أنفجر
بالأضواء والهواء البارد والمياه الزلال . جف ريقي وبدأت أعاني
صعوبة في التنفس . كان العرق يغمرني، يتسرب الى عيني فيشعل فيهما
حريقا حادا له مذاق الجمر و الندم والسم ، كان العرق يسيل من
مسامي كافة ، وكان لونه ،لونه أخضر مصفرا كسم الأفاعي . هذا سم
الأحزان يا أمي .. هذا سم الأحزان يا أبي ،أنه يخرج الآن ويمنحني
شيئا من سلام وبعضا هواء ، شيئا من حرية ، ولكن حلقي جفَّ تماما
وليس من حقي أن أتوسل أو أتسول الناس جرعة ماء لأن معنى ذلك الخروج
من الرقصة إنه يعني العودة الى المحدود وخرق شرط الصعود ، الصعود ،
الصعود ..قررت أن أنسى ، أن أنسى أن لي حلق جف الريق فيه ، وزدت من
سرعتي وركضت ، و ركضت ، وكانت روحي تركض وتركض ثم هاهي ترتفع ،
تطير ، تصعد ، هاهي تحوم على بغداد كنسر أصابه سهم رائش بجرح في
الصدر فجعل ينثر دمه الأرجواني المقدس في الهواء ليتساقط من ثم
على الناس والأشجار و مويجات دجلة العتيقة .وكنت أحوم في سمائي أنا
و ها أنا أهبط رويدا رويدا، وها ..قد بلغت الباب الشرقي ..وبعدها
انقطع شعوري بنفسي و بالعالم الخارجي .. كنت قد سقطت فاقد الوعي
كما يبدو تحت شجيرة دفلى وحيدة في حديقة صغيرة قبل عبور النفق
باتجاه شارع السعدون . وحين أفقت ، كان الغروب قد حل وكان الناس
يسيرون ويتحركون كالمعتاد لم يكن أحد منهم يراني لم يكن أحد منهم
يشعر بعريي . لماذا أشعر به أنا إذن ؟ ماذا حدث للناس ؟ قمت من
رقدتي وأخذت أسير بين الناس ولكن عاريا لم يكن عريي يثير انتباه
أحد ، كانوا ينظرون إلي ولا يرونني عريانا ، أو ربما كانوا يرونني
عريانا ولا يستطيعون تصديق ما يرون أو لا يريدون تصديق ما يرون .
كان الناس غارقين في ذواتهم ومستنقعاتهم وبحيراتهم الداخلية .
وهناك ، في الباب الشرقي رأيت ما رأيت في وضوح جم وللمرة الأولى
.رأيت سبعة ثيران مجنحة تطوف وتحلق في سماء بغداد . ثيران مجنحة
جميلة بعضها أبيض كضوء القمر الصيفي والآخر أبيض ومخطط بالأسود
كحمار الوحش وثالث ذهبي له أجنحة من الشذر الأزرق الجميل وعينان من
الكهرب المشع ..ثيران مجنحة ملونة وعددها سبعة ثيران فصرخت بأعلى
صوتي
- ثيران مجنحة يا ناس .. ثيران مجنحة يا أهل بغداد .. ثيران مجنحة
جميلة ،انظروا وتمتعوا .. انظروا فقط .. أنا لا أريد منكم شيئا ..
تمتعوا بثيرانكم المجنحة .. انظروا يا ناس انظروا يا أهل بغداد .
وكنت أركض وأصيح ..أركض وأصيح حتى أمسكت بي قبضات فظة، سوداء
،معدنية وأدخلتني الظلام ..فدخلت الظلام .دخلت الظلام .دخلت الظلام
.
تضاء المزيد من الشموع تدريجيا وبما يفيد زيادة القدرة التعبيرية
للأداء فيبدو لنا محسن عاريا تماما ومثله مساعدي الشيخ مهند وعلي
وعباس وهم يركضون كل في مطرحة ثم مع اقتراب محسن من تكرار عبارة (
فدخلت الظلام ) يقتربون منه يقتربون منه يسندونه ، إنه يتداعى
يقترب الشيخ هادي وبيده عباءة بيضاء فضفاضة . الشيخ هادي
ومساعديه الثلاثة يصيحون باسم محسن منادين ، محسن يحدق إليهم ضائعا
يطلق هو لآخر صرخة رعب الشيخ هادي يلقي العباءة البيضاء عليه
فيأخذ جسده بالارتعاش والارتجاف بعنف ثم يهدأ بالتدريج ..إظلام .
الفصل الرابع
المشهد الأول : ( طونزند يقرر الاستسلام وقتل العراقيين مستمر !)
مقر قيادة القوات البريطانية . طونزند ومجموعة من ضباط أركانه .
طونزند : نعم أيها السادة ..نحن نواجه اليوم مجموعة من الأعداء
وليس عدوا واحدا هو الجيش التركي بقيادة خليل باشا . العدو الأول
هو فيضان النهر الذي أغرق خنادقنا وكون بحيرة بين خطنا الدفاعي
الأول والأوسط . العدو الثاني هو المرض والأوبئة التي بلغ معدل
خسائرنا أمامها عشرة أفراد . العدو الثالث هو الجوع الذي أنهك قوى
المقاتلين وأوهن عزائمهم وهناك القصف التركي حيث فقدنا يوم الثامن
عشر من آذار وحده اثنان وخمسين مقاتلا وأطلق الترك على مواقعنا
ثمانين قذيفة ، إضافة الى الجريمة التي ارتكبها الطيار الألماني
حين قصف المستشفى وقتل أربعة عشر مريضا وجرح ستة وعشرين . الفرسان
العرب مستمرون بشن غاراتهم على أطراف قواتنا وقد طاردوا وقطعوا كل
محاولات التسلل وتقديم العون لقواتنا إضافة الى ما يقومون به من
أعمال التجسس والمراقبة لصالح الأتراك . عدد المصابين بالزحار بلغ
اليوم خمسمائة وستين فردا . القوات البريطانية التي قادها القائد
إيلمر أصيبت بكارثة وخسائر فادحة و ها هي تتقهقر . لقد قاتلنا
وصمدنا ولكن للأسف لا توجد عمليا أية إمكانية لفك الحصار عنا ولا
إمكانية الانسحاب المشرف من هذه المدينة اللعينة الى موضع آخر
يمكننا الدفاع عنه . نعم لقد قاتلنا بشجاعة وهذا ما يعترف به قائد
قوات العدو خليل باشا .. اقرأ يا عقيد كلارك ماذا كتب هذا الشخص .
العقيد كلارك (يقرأ من ورقة أمامه ) بغداد 10 آذار سنة 1916
يا صاحب السعادة الفريق طونزند
لقد أرغمت القوات البريطانية التي جاءت لفك الحصار عنك على
التقهقر بعد معركة "الفلاحية" حيث بلغت خسارتها سبعة آلاف قتيل .
وبعد هذا التقهقر أعاد الفريق إيلمر أمس الكرة بعد استعداده لها
مدة شهر ونصف فأرغمناه على التقهقر بعد تكبده خسارة أربعة آلاف
قتيل . أما قواتي فلم تزل كافية لمواصلة الكفاح .
أما أنتم فقد قمتم بواجبكم العسكري قيام الأبطال ولكني لا أرى
بعد الآن احتمال فك الحصار عنكم . وبناء على ما علمته من الفارين
من جنودكم فإن طعامكم قد نفد والمرض تفشى بينكم .وأنتم أحرار في
أمركم فإما أن تواصلوا الدفاع عن الكوت وإما أن تستسلموا لقواتي
التي تزداد يوما فيوما . وتفضلوا أيها الفريق طونزند بقبول فائق
احترامي .
خليل باشا قائد القوات التركية في
العراق ووالي بغداد .
طونزند : أعتقد بعد هذا العرض الذي قدمته أنا والمعلومات التي يمكن
استخراجها من رسالة القائد التركي ومن واقع وحقيقة الوضع القائم
سيكون من العبث مواصلة الموت البطيء دون أفق أو أما في فك الحصار
أو الانسحاب المنظم الى موضع آخر يمكننا الدفاع عنه .ثم إن آخر
محاولة شجاعة قام بها بحارتنا على الباخرة " جلنار" لإيصال 270 طنا
من مواد الإعاشة انتهت الى الفشل حيث استولى الترك عليها وقتل عدد
من بحارتها . هل لأحدكم رأي مخالف أو ملاحظة معينة أيها الضباط .
ضابط : الأمر كما قدمته تماما سيادة الفريق ، ولكني أقترح أن نحاول
الحصول على شروط جيدة للاستسلام .
طونزند : هذا لن يكون . خليل باشا يريد استسلاما تاما دون قيد أو
شرط ومعه حق لأن غذاءنا نفد ولن نستطيع القتال بعد الآن ،هكذا فسوف
أفاوض خليل باشا في 26 نيسان وأنا عالم بأن لا كسرة خبز عندي
استند إليها في المفاوضات .
العقيد كلارك : وماذا بخصوص أسلحتنا ومنشآتنا ؟
طونزند : لقد اقترح الأتراك ترك السلاح كما هو مقابل أن يطلقوا
سراحي و تقديم بعض العناية والتعامل الجيد فلم أجد بدا من الرفض .
وعليه سيقود العقيد كلارك عملية تدمير المدافع ومختلف أنواع
الأسلحة والعتاد ومعدات التلغراف . (يدخل جندي ويؤدي التحية )
الجندي : سيدي القائد لقد ألقينا القبض على مجموعة من الرجال العرب
يقودون مجموعة من الجنود الهنود ويساعدونهم على عبور النهر
والالتحاق بالخنادق التركية .
طونزند : كم عددهم ؟
الجندي : من العرب أم الهنود يا سيدي ؟
طونزند : كلهم معا ؟
الجندي : إنهم واحد وعشرون شخصا .
طونزند : حسنا حققوا معهم وسجلوا البيانات المطلوبة عنهم ثم
أرسلوهم جميعا الى الجحيم على جناح السرعة فالحروب لها قوانينها
أيضا .. ثم حطموا الأسلحة بعد ذلك ..
الجندي : (يؤدي التحية ) أمرك سيدي القائد .(تعتيم تدريجي يصل الى
درجة الظلام التام ليتحول بعدها تدريجيا الى نور فجري أبيض حيث
نشاهد واحدا وعشرين عراقيا وهنديا معصوبي العيون أوقفوا الى جدار
كالح ووقفت أمامهم مفرزة إعدام من الجنود البريطانيين قائد
المفرزة يصرخ : فاير ! تدوي أصوات الرصاص المنطلق تتلوى أجساد
المعدومين وتتساقط في أوضاع مختلفة . قائد المفرزة يخطو بين الجثث
باحثا عن أحياء . يسدد مسدسه الى رأس أحدهم ويطلق رصاصة واحدة عليه
ينبغي أن يكون لها دوي قنبلة .إظلام سريع وتام يستمر لدقيقة كاملة
)
المشهد الثاني : ( خليل باشا ينتصر على طونزند وقتل العراقيين
مستمر !)
مقر قيادة القوات البريطانية وقد رفعت عليه الرايات البيضاء
أصوات تكبير بعيدة .الجنرال طونزند متقلدا سيفه ومسدسه ، يذرع
القاعة جيئة وذهابا وعلائم التوتر بادية عليه .يدخل العقيد كلارك .
طونزند :هل نفذت مهمتك أيها العقيد كلارك ؟
كلارك : نعم يا سيدي . لقد تم تدمير جميع قطع السلاح الصالحة
للاستعمال وأجهزة الرصد واللاسلكي .وقد تسلمت القوات التركية
بالفعل مسؤولية حماية المدينة والقائد التركي خليل باشا في طريقه
الى هنا .
طونزند :( يفك حزامه الجلدي ويضعه ومعه السيف والمسدس على منضدة
أمامه . الضباط الذين معه يحذون حذوه ) أين ذلك المترجم العراقي ؟
ليكن قريبا مني فقد نحتاج إليه .(المترجم فاضل البغدادي يقترب وهو
يغالب ضحكة أو ابتسامة ) ماذا هناك أيها المترجم ؟ ما الذي يضحكك
هكذا ؟ أضحكنا معك ؟ ألا ترى الوقت مناسب جدا للضحك !
المترجم : معذرة أيها القائد .لم أشأ الإساءة الى أحد في مثل هذا
الموقف ولكني تذكرت نكتة الشخص الإنكليزي الذي تفاخر أمام شخص
فرنسي قائلا إن الإمبراطورية البريطانية لا تغيب عنها الشمس .
طونزند : ونعرف بماذا رد الفرنسي .قال له نعم ، إمبراطوريتكم لا
تغيب عنها الشمس لكي يرى الرب ما تفعلونه بالشعوب .
المترجم : ولكنكم لم تسمعوا بماذا رد العراقي .. لقد سمع عراقي
خفيف الظل بما قاله الإنكليزي متفاخرا فقال له : بما أن الله قد
حكم على البريطانيين بدخول الجحيم فقد أراد أن يمنحهم فرصة التدرب
على الإقامة فيها تحت شمس العراق والهند . ( ضحك خفيف ومتوتر لا
يتغلب على كآبة الموقف ) والواقع ليس هذا ما يضحكني الآن بل هو شيء
آخر .
طونزند : سأجعلك تموت غيضاً ولن أطلب منك أن تقول لي ما هو .
المترجم : لست بحاجة لأن تطلب مني ذلك ..
(موكب خليل باشا يدخل القاعة يسبقه جندي يعلن عن قدومه .)
الجندي : قائد القوات التركية ووالي بغداد خليل باشا .
خليل باشا ( مقتربا من طونزند ) نهارك طيب أيها الفريق طونزند
نهاركم طيب أيها الضباط .ما كان بودنا أن يطول عذابكم كل هذا الزمن
.. ولكن ..
طونزند : (يتقدم من خليل باشا حاملا سيفه ومسدسه ) أيها القائد
خليل باشا هذا هو سيفي ومسدسي أقدمهما لك .
خليل باشا : كلا ،كلا أيها الجنرال طونزند .. هذا لن يكون أبدا .
لقد قاتلتَ وجنودك قتال الأبطال ولذلك أقول لك احتفظ بسلاحك معك
فأنت تستأهله .أما الضباط الآخرين فيمكنهم فعل ذلك كإجراء عسكري
روتيني ( الضباط يسلمون أسلحتهم الخفيفة الى جندي تركي ) .
طونزند : حسن هل نبدأ مراسيم التسليم وجرد الجنود والمراتب ؟
خليل باشا: سنفعل ذلك قريبا .. دعنا نرتاح قليلا ..( ينتبه لوجود
المترجم فاضل البغدادي ) هيه أنت هناك . ماذا تفعل هنا ؟ ( الى
طونزند ) من هذا الرجل أيها القائد؟
طونزند : إنه مجرد ..
المترجم
( مقتربا بلمح البصر مؤديا التحية العسكرية
وصارخا ) أنا الملازم فاضل حسن البغدادي من وحدة الاستعلام
والاستخبار الثالثة في ا لجيش العثماني بالأمر سيدي القائد !
طونزند : (مذهولا تماما) ماذا ؟ ملازم ؟ ملازم في الاستخبارات
التركية كان معي في مقر قواتي طوال الوقت ؟
خليل باشا: وماذا تفعل هنا يا حضرة الملازم ؟ من كلفك بهذه المهمة
؟ أنت عربي عراقي ، أليس ذلك ؟
فاضل البغدادي : نعم يا سيدي أنا عربي عراقي ولكني ملازم ثان في
الجيش وكنت هنا مع أسرتي حين ..
خليل باشا: ( مقاطعا بعنجهية ) كفى ،كفى ! قل هذا الكلام للجنة
التحقيق .أنت رجل جبان .. عربي جبان ، عرب خيانات ، لهذا السبب
رفضت دائما عودة الأسرى العرب الى صفوف الجيش التركي لماذا ؟ لأن
الشجعان بين العرب لا تتجاوز نسبتهم الواحد بالمائة أما بين
الجنود الأتراك فلا نجد بين كل ألف سوى جبان واحد .. نعم ملازم
أفندي ،لقد انتهزت الظروف فأقمت هنا فيما دماء الترك تسيل ! أنتم
هكذا دائما عرب خيانات ،حولوه الى لجنة تحقيق فورا .
ضابط تركي يرافق خليل باشا : ولكن يا سيدي القائد هذا الملازم اتصل
بنا ونظمنا معه صلة استخبارية وقدم لنا تقارير ومعلومات
استخباراتية لا حصر لها .. لقد أرسل لنا بالأمس تقرير القيادة
البريطانية بالحرف الواحد منقولا عن ورقة كاربون .. ولولا هذا
التقرير لتغير مصير الحصار تماما ..
خليل باشا : قلت يحول الى لجنة تحقيق يعني يحول الى لجنة تحقيق
..عرب خيانات !
الضابط تركي " حامل راية الهدنة ": إن كان لا بد من تقديمه الى
لجنة تحقيق فيجب أن أقدم أنا معه لأني قائده المباشر وإن كان لا بد
من إطلاق النار عليه فسوف أطلق النار على نفسي بعده فورا .. ليس
هكذا يعامل المقاتلون الشجعان .. هذه لطخة عار في جبين العسكرية
التركية والعثمانية ..لا ينبغي السماح بها أيها القائد .
طونزند ( وقد كان يستمع لترجمة من أحد معاوني لحوار خليل باشا
وضابطه ) أيها القائد خليل باشا .. هل تعرف ماذا كان الجيش
البريطاني سيفعل بهذا الملازم الشجاع الذي عاش كفدائي بين صفوف
العدو طوال هذه الفترة ؟ هل تعرف كيف كنا سنتعامل معه ؟
خليل باشا : ستطلقون الرصاص عليه فورا طبعا .
طونزند : كلا، بل سيحصل على وسام القديس جورج من الطبقة الأولى
للشجاعة مع لقب فارس منتخب و ليس بعيدا أن يمن عليه صاحب الجلالة
جورج الخامس بلقب سير.
خليل باشا : أنت تمزح دون شك.
طونزند : لو كنت أتقن أساليبكم في أداء القسم لأقسمت لك على ذلك .
خليل باشا: حسن إذن ..فلنؤجل النظر في موضوع هذا الملازم العراقي
الى وقت آخر ولننتقل الى مناقشة أمور أخرى أكثر أهمية ..( أصوات
وتكبيرات من الخارج تتعالى شيئا فشيئا مجموعة من الأسرى العرب
العراقيين يجتاحون القاعة وهم يكبرون ويهتفون باسم الإسلام و يحيون
خليل باشا ..)
خليل باشا : ما هذا ؟ ما هذا ؟ أين الحرس ؟ ما هذه الفوضى ؟ من
هؤلاء الناس القذرون؟
المترجم : إنهم سكان مدينة الذين كانوا بمثابة رهائن لدى القوات
البريطانية .. وقد مات الكثيرون منهم .. إنهم سعداء بهذا النصر
ويعبرون عن فرحتهم بذلك .
خليل باشا : أنت ! مَن سمح لك بالكلام ملازم أفندي .. انقلع منها
ولا تدعني أرى وجهك ثانية .. لو لم نرسل لهم عدة جثث من أصحابهم
الهاربين من المدينة وقد قطعت بالساطور لما مكثوا هنا طويلا ..أيها
الحرس أعيدوا هؤلاء الهمج الى أماكن عملهم فورا ..هيا ،هيا يا عربي
الى مكانك سر .. الى العمل . هل حسبتم الحرب انتهت .
الأسير عراقي 1: بالنسبة لنا الحرب انتهت أيها القائد، لقد قمنا
بواجبنا وأكثر، وساهمنا بصنع هذا الانتصار .. ولهذا فلن نعمل
بالسخرة بعد الآن .
خليل باشا : هل تتمرد و تعصى الأوامر ؟
الأسير عراقي 1: نحن كنا نؤدي ما يأمرنا به هذا الكافر البريطاني
لأننا أسرى لديه أما وقد أصبحنا تحت حكم أخواننا المسلمين
فالإسلام يحرم السخرة واستعباد المسلمين لإخوانهم .
خليل باشا : يا سلام يا عراقي أفندي ! لسان طويل عقل صغير ..هكذا
أنتم عرب خيانات . قلت لكم ذلك . أيها الحرس خذوا هذا الكافير ومن
يرفض العمل معه وأرسلوهم الى جهنم فورا ودون محاكمة ..
الأسير العراقي 1 :( مباعدا بينه وبين دوره ) الآن فقط فهمت صرخة
بدر الرميض شيخ بني مالك بوجه الضابط التركي أحمد بك أوراق الذي
اتهم العرب بالخيانة بعد معركة "الشعيبة" حين صرخ به بدر قائلا
:أنتم الخونة للإسلام ! وتحزبكم العنصري ضد العرب كاف لمصداق قولي
! وأنتم أولى بالحرب والقتال ممن نحارب ،ولولا فتوى علمائنا
وفقهائنا لما وجدتمونا في هذه الساحات التي نقاتل فيها
[23].
طونزند : هذه المرة معك حق ولن نختلف ( يضحكان ) .
( إظلام سريع يتحول الى نور فجر ينمو باستمرار . مفرزة إعدام تركية
تصوب بنادقها لمجموعة من العراقيين معصوبي العيون وقد أوقفوا الى
ذات الجدار الكالح .قائد المفرزة يصرخ : آتاش[24]
! مجموعة العراقيين تصرخ : الله أكبر .تتساقط أجساد المعدومين .
يتجول جنود المفرزة الأتراك بين الجثث يفتشون جيوبهم ويأخذون ما
يعثرون عليه ثم يطلقون عليهم زخات من الرصاص تعتيم بطئ تتكرر خلاله
صيحات : نار .. فاير .. آتاش .. نار .. فاير ..آتاش ..حتى الإظلام
التام .)
المشهد الثالث: ( بغداد ترتقي الجلجثة )
( غرفة الزوجين فاضل وسكينة .. غرفة واسعة مؤثثة بشكل جيد . في
الوسط تماما مهد الصغيرة بغداد مرتفع ومائل بحيث يمكن للنظارة رؤية
الصغيرة وهي في المهد .تدخل سكينة وبيدها وسادة صغيرة )
سكينة : هيا يا حبيبتي! دعينا نغير لك الوسادة ..ما هذا ؟ بسم الله
الرحمن الرحيم ! بغداد فتحت عينيها .. و.. و تبتسم .. يا ألهي ..
هل أنا أحلم .. يا فاضل ..فاضل .
صوت من الخارج : نعم ، ماذا هناك ؟
( يدخل فاضا وهو يلوك شيئا )
فاضل : ماذا حدث ؟هل الصغيرة بخير .
سكينة : تعال وانظر .. ما شاء الله .. لقد فتحت عينيها ..ألا ترى
؟هل فتحت عينيها أم يتهيأ لي ذلك ؟ ألا تبتسم ؟ إنها تبتسم يا
ربي !
فاضل : نعم ،نعم .. عيناها جميلتان .. يالها من ابتسامة رقيقة لك
أيتها البغداد الحبيبة .انظري ، انظري .. إنها تحرك شفتيها .. هل
تريد أن تقول شيئا ؟ هل تريد أن تتكلم ؟
سكينة : اسمع أنت تخيفني . آ. تخيفيني . طفلة عمرها ستة أشهر كيف
تريدها أن تتكلم ..
فاضل : ولكنها تبتسم ..وتفتح عينيها على اتساعهما ..ما هذا الشيء ؟
دم ؟
سكينة : أين ؟
فاضل : هنا على جبينها بموازاة الخط الأحمر .. هل ..هل هذا دم ؟
سكينة : نعم ..دم .. هل انفتح الخط .. نعم يبدو أنه انفتح . ماذا
يجب أن نفعل الآن؟
فاضل : اهدئي قليلا أنت تشوشين عليَّ تفكيري . نعم هذا دم . الخيط
على جبين الصغيرة انفتح .. .. ماذا أرى إنها ترفع يدها .. تلوح
بها .
سكينة : يا إلهي .ما هذا ؟ ماذا حدث لصغيرتي ؟ بغداد ..بغداد
فاضل : بغداد .. بغداد ..
( خيط رفيع من الدم يسيل من المهد الى أرضية الغرفة ومع بلوغه
الأرضية ينطلق صوت مقرئ القرآن ويستمر يكرر الآية التالية حتى
نهاية المشهد : (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت ..) تعتيم تدريجي
يمكننا من رؤية فاضل وهو ينزل آلة عود كبيرة الحجم من الجدار
وينتزع منها الأوتار وسطح الأوتار . يفرش باطن العود بقطع من
القماش الأبيض يحمل جثة الطفلة الرضيعة من المهد ويضعها في باطن
العود يحمل العود .. إظلام تام )
الخاتمة : وتتألف من لوحتين :
اللوحة الأولى " الارتقاء " :فاضل يحمل تابوت الصغيرة بغداد
.الى جانبه تسير زوجته سكينة وخلفه جمهور بغداد وأسرى الكوت
..الجميع يرتقون سلما حجريا صاعدا الى الأعلى و لا تبين له نهاية
..خلال الصعود تسمع القراءات من الأناجيل .. متواشجة متداخلة
ببعضها ولكن بشكل يسمح للنظارة بسماع النص المركزي بشكل واضح ..
قراءات في الأناجيل الأربعة في نسيج صوتي متواشج :
من إنجيل متي : ولما وصلوا الى المكان المعروف بالجلجثة ، وهو
الذي يدعى مكان الجمجمة ، أعطوا يسوع خمرا ممزوجة بمرارة ليشرب
فلما ذاقها ، رفض أن يشربها فصلبوه ، ثم تقاسموا ثيابه فيما بينهم
مقترعين عليها (..) ومن الساعة الثانية عشرة ظهرا الى الساعة
الثالثة بعد الظهر ، حل الظلام على الأرض كلها . ونحو الساعة
الثالثة صرخ يسوع بصوت عظيم :" إيلي ، إيلي ، لما شبقتني ؟" أي "
إلهي، إلهي لماذا تركتني ؟" فلما سمعه بعض الواقفين هناك قالوا "
إنه ينادي إيليا !" فركض واحد منهم وأخذ إسفنجة غمسها بالخل ،
وثبتها على قصبة وقدم إليه ليشرب ، ولكن الباقين قالوا دعه وشأنه !
لنر هل يأتي إيليا ليخلصه !" فصرخ يسوع مرة أخرى بصوت عظيم وأسلم
الروح .وإذا ستار الهيكل قد انشق شطرين ، من الأعلى الى الأسفل
وتزلزلت الصخور ، وتفتحت القبور وقامت أجساد كثيرة لقديسين كانوا
قد رقدوا ، وإذ خرجوا من القبور دخلوا المدينة المقدسة بعد قيامة
يسوع .
من إنجيل مرقس : ولما جاءت الساعة الثانية عشرة ظهرا ، حل ظلام
على الأرض كلها حتى الساعة الثالثة بعد الظهر . وفي الساعة الثالثة
صرخ يسوع بصوت عظيم : ألوي ، ألوي ، لما شبقتني ؟أي إلهي ، إلهي
لماذا تركتني ؟ فقال بعض الواقفين هناك لما سمعوا ذلك " ها إنه
ينادي إيليا !" وإذا واحد قد ركض وغمس إسفنجة في الخل وثبتها على
قصبة وقدمها إليه ليشرب ، قائلا : " دعوه ! لنر هل يأتي إيليا
لينزله !" فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح . فانشق ستار الهيكل
شطرين من أعلى ومن أسفل فلما رأى قائد المائة الواقف مقابله أنه
صرخ وأسلم الروح ، قال :" حقا ، كان هذا الإنسان ابن الله !"ومن
بعيد كانت نسوة كثيرات يراقبن ما يجري وبينهن مريم المجدلية ومريم
أم يعقوب الصغير و يوسي و سالومة اللواتي كن يتبعنه ويخدمنه عندما
كان في الجليل، وغيرهن كثيرات كن قد صعدن معه الى أورشليم.
من إنجيل لوقا : وقد تبعه جمع كبير من الشعب ومن النساء كن
يولولن ويندبنه . فالتفت إليهن وقال : " يا بنات أورشليم لا تبكين
عليَّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن ! فها إن أياما ستأتي يقول
فيها الناس : طوبى للعواقر اللواتي ما حملت بطونهن ولا أرضعت
أثداؤهن وعندئذ يقولون للجبال : اسقطي علينا ، وللتلال غطنا !فإن
كانوا قد فعلوا هذا بالغصن الأخضر فماذا يجري للغصن اليابس ؟ ولما
وصلوا الى المكان الذي يدعى الجمجمة ، صلبوه هناك مع المجرمين
.ونحو الساعة الثانية عشرة ظهرا حل الظلام على الأرض كلها حتى
الساعة الثالثة بعد الظهر وأظلمت الشمس وانشطر ستار الهيكل من
الوسط وقال يسوع صارخا بصوت عظيم :" يا أبي ،في يديك استودع روحي
!"وإذ قال هذا أسلم الروح .
من إنجيل يوحنا :فأخذوا يسوع . فخرج وهو حامل صليبه الى المكان
المعروف بمكان الجمجمة وبالعبرية " جلجثة ". وهناك صلبوه ومعه
رجلين (..) وهناك ، عند صليب يسوع وقفت مريم أمه ، وأخت أمه مريم
زوجة كلوبا ومريم المجدلية فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذي يحبه
واقفا بالقرب منها قال لأمه :" أيتها المرأة هذا هو ابنك " ثم قال
للتلميذ:" هذه أمك " (..) وبعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد اكتمل
فقال أنا عطشان ليتم ما جاء في الكتاب . وكان هناك وعاء ملئ بالخل
فغمسوا إسفنجة ووضعوها في الخل ووضعوها على زوفا ، ورفعوها الى فمه
. فلما ذاق يسوع الخل قال :" قد أُكْمِلَ !" ثم نكس رأسه وأسلم
الروح .
ملاحظة ينبغي أن تنتهي القراءات المتداخلة في الأناجيل بالتركيز
على عبارات معينة وتكرارها ومنها :
ألوي ألوي لما شبقتني .
إيلي إيلي لما شبقتني .
إلهي إلهي لماذا تركتني .
يا أبي في يديك استودعت روحي .
اللوحة الثانية :" الانبعاث والقيامة " :
تنـزل سُكينة بملابس العروس البيضاء المزركشة ، يقودها فاضل بملابس
أنيقة ، بدلة العرس البيضاء، تبدو على سكينة علائم الحمل الواضحة ،
على فستانها ثمة لطخة دم قان ما زالت تتسع ببطئ شديد.. يتلى
النص الشعري التالي أثناء نزول السلم وبمصاحبة عزف رقيق وهادئ على
العود.. يتصاعد العزف ويحتد عند نهاية النص الشعري .
صوت الشاعر :
مع الفجرِ
قُبيل الحدودِ
استفاقوا
غامَ الحصى جذلا واشرأبَ الطريقُ
الى بصرةِ الرطبِ المستباحِ
أجهشَ العشبُ بالمراراتِ والنكصِ عند "السنام "
في قرنةِ الماءِ صلوا الظهيرةَ
غادروها خفافا مع الركعةِ الرابعة
بلغوا سُرة النخلِ
حامتْ الطائرات‘ سمتيةً كالجحيمِ
كان اشتعالك يا بابلَ الثائرينَ نهاراً
وكان النهارُ احتضر
حلَّ المساءُ الهزيمةُ فاحت
وحينَ المساءُ يحلُّ
يصيُر العراقيُّ آخرَ :
كوكبٌ والمساراتُ تدنو
وردةٌ والسكاكينُ تهفو
نغمةٌ والعيونُ استطالتْ شجوناً وشكا :
أيه يا ذا العراقي كنْ حذراً
زلةٌ
ويكونُ
المدى
طعنةً في الصميمِ
شمعةٌ
ويكونُ
الطريقُ
إليها ..
دليلاً ..
وعافيةً في الإياب
وكان أن دسّ كسرى نواياه
بين ثنايا الربيعِ العبيطِ الزكيِّ
فهبَّ الخريفُ سواداً ..
قالَ النخيلُ هزمنا
هدهدَ الصوتُ أطفالهُ
نسيمُ الفراتِ تثاءبَ رهقاً
ناموا جياعاً
وحينَ الصباحُ أتى ،
أذنوا :
اللهُ حيٌّ وأكبرُ .. اللهُ حيٌّ وأكبرُ .. اللهُ حيُّ وأكبرُ
كانَ الفراتُ لنا ،
ولنا كائنٌ في الغداةِ .
اللهُ حيٌّ وأكبرُ.. اللهُ حيٌّ وأكبرُ ..اللهُ حيٌّ وأكبرُ
كانَ العراقُ لهم مرةً ..
وكنا له أبداً
أبداً آبداً سيكون العراق‘
لنا
أو
لنا سيكونُ العراق !
.. تصمت الموسيقى والإنشاد ..سكينة تطلق صرخة المخاض العظيمة ،
تدخل القابلة والممرضة والمرأة الثالثة ويحملنها الى سرير قريب ..
جميع الممثلين بملابسهم المسرحية يجتاحون المسرح بفوضى ولكن بهدوء
. يحيون الجمهور . ( تعتيم تدريجي .. ستار )
انتهت المسرحية
[1]
ستكون كلمة (أبو ) المستعملة في الكنية ثابتة على حالة الرفع
بالواو
[1] ستكون كلمة (أبو ) المستعملة
في الكنية ثابتة على حالة الرفع بالواو عمدا وكما هي حالها في
اللهجة المحكية طوال النص المسرحي .
[2]
Quickly, quickly more than that !
بسرعة ، بسرعة أكثر !
[3]
Do not shout like that silly boy ! لا
تصرخ هكذا أيها الولد الأحمق !
[5]
That’s all !هذا
كل شيء !
[6]
Not only in Baghdad but also..
ليس فقط في بغداد ولكن أيضا ..
[8]
- في هذا النص المسرحي أتقصد استعمال كلمات عربية قديمة
مازالت حية في اللهجة المحكية البغدادية مثل : القبة أي الغرفة
،المزين أي الحلاق و مهفة أي مروحة يدوية صغيرة لتحريك
الهواء ..الخ .
[9]
Your identity card
بطاقة هويتك .
[10]
nice .. Really !
Very
رائع جدا ..حقا !
[11]
ورد نص هذا البلاغ في مذكرات العقيد طونزد ص356 .
[12]
his private translator
مترجمه الخاص .
[13]
Exception
الاستثناء.
[14]
As they say
كما يقولون .
[15]Thanks
god
شكرا للرب .
[16]
الكلمات الثلاث ( فاير ،آتاش ، نار ) تعني الإيعاز والأمر
بإطلاق الرصاص : الأولى "فاير " وتعني نار باللغة الإنكليزية ،
والثانية " آتاش " ولها نفس المعنى باللغة التركية .
[17]
إشارة الى بيت شعر لأبي نؤاس يقول : ولما شربناها ودبَّ
دبيبها الى موضع الأسرار قلت لها قفي .
[18]
- حافظنا على نص حكاية الراهب الذكي والفتى الأمي والمقطوعتين
الشعريتين فيها كما وردت في كتاب جون كولر ( الفكر الشرقي
القديم / ص298 وما بعدها ) أما أسطورة النمر المعزة فقد أجرينا
على لغتها تعديلات طفيفة للمحافظة على طابع النص المسرحي . وقد
وردت هذه الأسطورة في المصدر السابق أيضا ص 106 .أما اسم
المرافق الهندي آهمسا كاما فهو مؤلف من كلمتين لاهوتيتين
هنديتين : الأولى آهمسا AHIMSA
وتعني اللاأذى و من معانيها ومرادفاتها الحب ومشتقاته وكاما
KAMA
فيكون حاصل المعنى لاسمه : متعة الاأذى . مع العلم إن الاسم
الحقيقي للمرافق الهندي هو بوغيز . وبصدد حادثة خروج الجنرال
طونزند صباحا لاصطياد الجنود الأتراك فهي حادثة حقيقية رواها
البريطاني روسيل برادون في كتابه (The
siege
- الحصار ) ص194 .
[19]
Do you want any thing else?
هل تريد شيئا آخر ؟
[20]
-What a silly question !
ياله من سؤال غبي !
[21]
أذكر القارئ بأنني جمدت حركة الجزء الأول من الكنية " أب" على
الرفع بالواو : أبو ، بغض النظر عن حالتها الإعرابية المختلفة
لتسهيل الإلقاء المسرحي .
[22]
وردت هذه الرسالة " البرقية " في مذكرات الجنرال طونزند ص
479 .
[23]
وردت هذه الشهادة في كتاب (لمحات اجتماعية ..)لعلي الوردي
الجزء الرابع ص 182
[24]
آتاش : كلمة تركية تعني : نار . وهي هنا إيعاز عسكري بإطلاق
النار على المحكومين بالإعدام .
|