|
نحو
تحليل دراماتورجي
للنص
الدرامي
تاليف
أحمد بلخيري
الإهداء
إلى الذين يزعجهم
اجتهاد غيرهم.
تقديم
توخيت من هذا الكتاب بسط أدوات رؤية منهجية، اعتمادا على مرجعية
غربية، لقراءة وتحليل النص الدرامي بالخصوص. لذلك فان المصطلحات
المشكلة لهذه الرؤية، لا تركز إلا على المصطلحات الدرامية المتعلقة
بالبنية الدرامية النصية. والسبب الداعي إلى التركيز على النص
الدرامي، هو ما لاحظته من نقص في الدراسات والتحاليل المنصبة على
هذا الأخير، على الصعيد المغربي، إن لم تكن منعدمة. والمقصود
بالدراسات والتحاليل، هو تلك التي تروم تشريح البنية الدرامية من
الداخل دون إسقاط، كيفما كان شكل تلك البنية الدرامية.
إن هناك أحيانا حديثا عن النص الدرامي المغربي، أو العرض المسرحي
المغربي، أو الإخراج المسرحي المغربي، كل ذلك بصفة عامة. يعتمد هذا
الحديث العام في صياغته أحيانا على ما ترسخ في الذاكرة، وليس على
نصوص أو عروض مسرحية محددة، كالحديث عن الكتابة الدرامية في
السبعينيات مثلا. في هذه الحالة، يحضر التاريخ وينتفي التحليل
"النصي"، التاريخ كما تتصوره الذاكرة، وليس تحليل الوثائق أي
النصوص الدرامية والعروض المسرحية. ولذلك، هناك ندرة في تحليل
النصوص الدرامية والعروض المسرحية، اعتمادا على مناهج محددة
وواضحة. نصوص درامية وعروض مسرحية محددة، يمكن الرجوع إليها
لاختبار نجاعة وأدوات التحليل. وهي ندرة تكاد تشبه العدم. فضلا عن
هذا، هناك أيضا غياب للأبحاث الأنثربولوجية في مجال المسرح بالمغرب
لحد الآن، باستثناء بحث يتيم قام به عبد الله حمودي، الذي يمتلك
فعلا خلفية معرفية نظرية وتكوينا أنثروبولوجيا، عن "بوجلود" ("بلمون").
هذا البحث منشور في كتابه "الشيخ والمريد".
بناء على هذه الملاحظة، رأيت أنه من المفيد أن أساهم في إنجاز
تحليل لنصوص درامية. تعتمد مساهمتي، التي أرجو أن تكون مجدية من
الناحية المنهجية بالخصوص، على التحليل الدراماتورجي المستفيد من
السيميولوجيا. وهذا الكتاب ليس إلا مدخلا منهجيا لها. وهو مقسم إلى
فصلين، الفصل الأول عبارة عن توطئة. أما الفصل الثاني فتم فيه
تقديم أدوات ومصطلحات التحليل الدراماتورجي، اعتمادا على كتاب
ميشيل برونر
Michel
Pruner
"تحليل النص المسرحي" "L’analyse
du texte de théâtre"
الصادر بفرنسا سنة
2001.
إن رهان هذا الكتاب يتعلق بتحليل البنيات الدرامية، شكلا ومحتوى،
وليس البحث في جزء من أجزائها فقط، كالبحث في الميتامسرح،
الذي هو بحث مضموني. يبحث هذا البحث الخاص بالميتامسرح عن قضايا
المسرح الممسرحة. وكم نحن في أمس الحاجة إلى تحاليل للنصوص النقدية
وبنيات النصوص الدرامية والعروض المسرحية والفرجات، تعتمد على هذه
الخطوة المنهجية بالضبط، تفاديا للإسقاط وخطاب المصلحة، اللذين لا
ينتجان معرفة صحيحة نابعة من النصوص نفسها دون سواها. وسيظهر هذا
جليا في توطئة هذا الكتاب. في هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى
استعمال ورواج مفهوم "علم النص". وهو مفهوم غايته النظرية
والإجرائية تتلخص في تحليل النصوص تحليلا داخليا دون إسقاط. كيفما
كانت طبيعة ونوعية "النص".
يمكن القول بأن موضوع التوطئة، في هذا الكتاب، موضوع جديد ومسكوت
عنه. ورغم أن منطلقي وموضوع اشتغالي فيه، وفي غيره، هو النصوص فقط،
فقد تنجم عنه، مع ذلك، ردود فعل انفعالية. إذ مازالت ملامح التفكير
التقليدي المعادي للجديد والفكر النقدي والحرية الفكرية، رغم
المظاهر المتدثرة بالحداثة؛ المنطلق من الأشخاص وليس من النصوص،
المتسم بالانفعال والذاتية، راسخة ومتجذرة في بعض العقليات
المشتغلة بالبحث والنقد المسرحيين بالمغرب اليوم. قلت ردود فعل
انفعالية، وليس المناقشة والفكر النقدي المعرفيين المطلوبين،
لأنهما من صميم الحداثة والاجتهاد العقلي. ومن نافلة القول، في وسط
علمي فعلا لا قولا فقط، التأكيد على أنه ليس بالمجاملة والمدح
والانتحال (وله صور متعددة) يتقدم العلم !.
هناك أدلة عديدة جدا في المتن البحثي والنقدي المسرحيين المغربيين
تدل على ذلك. ومنها، على سبيل المثال، القول بـ "ظهور نسخ عربية
للبيرانديلية والبريشتية، وظهور صيغ جديدة في الكتابة كالمرتجلة
والتأليف الجماعي للنص...".
فمن خلال هذا الكلام، والسياق الأصلي الذي ورد فيه، يبدو أن شكل
المرتجلة في المسرح شكل جديد ظهر في المغرب. ولذلك فهو غير مسبوق
في المسرح الغربي. غير أن الدارسين للمسرح، يعرفون بأن المرتجلة،
بوصفها شكلا دراميا ومسرحيا، ظهرت أول مرة لدى الغربيين. من هؤلاء
الباحث والمبدع محمد الكغاط، الذي لم يدع بأنه جاء بـ "صيغة جديدة"
أي شكل مسرحي جديد. ذلك أنه تحدث في مقدمة هذا النص الدرامي
(المرتجلة الجديدة) عن بعض التيارات المسرحية الغربية، التي لجأت
إلى الارتجال باعتباره تقنية مسرحية، كما رجع إلى مصطلح الارتجال
في معجم بافيس.
فكيف يجوز اعتبار أعمال من تأثر من المسرحيين العرب ببيرانديلو أو
بريشت نسخا، من حيث الشكل، ونفي النسخ، من حيث الشكل أيضا، عن
أعمال من كتب في إطار المرتجلة في المسرح المغربي بالخصوص؟. إن هذا
كيل بمكيالين. لكن صاحب هذا الكيل، في صفحة لاحقة، تحدث عن
الارتجال المسرحي في الغرب. إلا أنه لنفي النسخ -وهذه هي لغته- قال
إن محمد الكغاط له "مفهومه الخاص للمرتجلة والأسباب التي دفعته إلى
خوض تجربة كتابية من هذا النوع". وحتى أولئك الذين تأثروا
ببيرانديلو أو بريشت، لكل واحد منهم مفهومه الخاص للبيرانديلية أو
البريشتية، والأسباب التي دفعته إلى خوض تجربة كتابية من هذا النوع
أو ذاك، قد تكون فنية، أو غير فنية، أو هما معا. وفي هذا الإطار،
هل يجوز تجريد نصوص درامية لسعد الله ونوس من الإبداعية، والحكم
عليها بأنها نسخ للبريشتية فقط؟. وأنا هنا لا أحكم على أي تجربة
كتابية بالنسخ أو عدمه، لاسيما إذا كان هذا
الحكم بدون دليل نصي يدعمه، فضلا عن عموميته. وإنما أحلل لغته فقط.
إن النسخ تقليد وليس إبداعا كما هو معروف. كما أن المعارضة
Pastiche
تقليد أيضا، لأنها نسج فني وفق نموذج موجود سلفا تحاكيه.
والكيل بمكيالين اتضح أيضا حينما أشار، بخصوص مصطلح ميتامسرح، إلى
"أن نهاد صليحة نفسها لم تأت بجديد بقدر ما عملت هي كذلك على تحوير
بعض التعريفات التي يقدمها بافيس في معجمه المسرحي" (ص95).
وبالمقابل، نوه بباحث مغربي لدوره في "تداول المصطلح" (ص94)،
كما قال. هذا علما بأن هذا الباحث المغربي لم يتحدث ولم يورد أي
تعريف عن مصطلح ميتامسرح. ولكنه ذكر عنوان كتاب مانفرد شملنغ
M.Schmeling
"ميتامسرح وتناص- مظاهر المسرح داخل المسرح"، دون توثيق، في الهامش
وليس في المتن؛ حيث كان الحديث في هذا الأخير عن تقنية "المسرح
داخل المسرح" في مسرحية عبد الكريم برشيد "عطيل والخيل والبارود"،
وليس عن الميتامسرح. إذن، ذكرت كلمة ميتامسرح التي جاءت في العنوان
فقط. ومعنى هذا أن هذا الباحث المغربي لم يوردها باعتبارها مصطلحا،
قد يكون في حاجة إلى تعريف، ولم يتحدث عن"تجليات الممارسة
الميتامسرحية" (ص94)
في النص الدرامي "عطيل والخيل والبارود" لعبد الكريم برشيد، اللهم
إلا إذا اعتبرت تقنية "المسرح داخل المسرح" هي "الميتامسرح". وفي
هذه الحالة، لا يجوز للباحث أن يخلط بينهما.
وحسب حسن يوسفي، في "المسرح في المرايا"، فقد قدمت نهاد صليحة
تحديدات وتعريفات تتعلق بمصطلح الميتامسرح، وان اعتمدت على معجم
بافيس. أما الباحث المغربي في كتابه المقصود فلم يورد أي تحديد أو
تعريف يتعلق بهذا المصطلح الأخير. ومع ذلك، انتقدت تلك التحديدات
والتعريفات. والذي لم يقدم أي شيء في هذا الإطار، نسبت إليه إشارات
له "فضل إيرادها" (ص94).
فلهذا الفضل رغم عدم التحديد والتعريف، ولتلك النقد رغم التحديد
والتعريف. وحتى لو فرضنا أن هناك إشارات بالفعل، فإنها ستكون إما
منقولة أو مترجمة، ولذلك ليست جديدة. لقد استعمل حسن يوسفي كلمة
"إشارات" لانعدام التحديد والتعريف. هكذا يبدو أن الموقع يساهم هو
أيضا في رسم الصورة. ومن خلال عدد من المعطيات والمؤشرات، يبدو أنه
تم استغلاله بشكل جيد لهدف مصلحي غير علمي.
ومهم جدا الإشارة، من قبل يوسفي، إلى "أن نهاد صليحة لم تأت بجديد
بخصوص مصطلح ميتامسرح، وإنما اعتمدت على معجم بافيس". انطلاقا من
هذه الفكرة، يبدو مفيدا إنجاز بحث علمي موثق، يتعلق بما أخذه هذا
الباحث المغربي المومأ إليه، في الكتابة الشخصية وليس المترجمة، من
مصطلحات وتعريفات، دون الإشارة إلى المصدر أحيانا كثيرة (لا أريد
أن أضيف إلى كلمة "كثيرة" كلمة "جدا"، لأن القضية موجودة لكنني لم
أقم بإحصاء قد يخول أو لا يخول لي استعمال هذه الكلمة الأخيرة) من
معجم بافيس دون الإتيان بجديد. أقول هذا الكلام بكل موضوعية (انظر
على سبيل المثال توطئة كتابي هذا).
لقد سبق لي، فيما يخص هذه النقطة بالذات، أن أشرت إلى الفهم
والتطبيق والاستيعاب والمرجعية الغربية، كما استعملت جملة "إن بعض
المصطلحات حدد فنيا وتاريخيا"، والفعل هنا في صيغة المبني للمجهول،
في كتاب "المصطلح المسرحي عند العرب" (ص184)،
توخيا للحقيقة التي يتطلبها المقام. هذا، ومن المفيد الإشارة إلى
أن "المسرح داخل المسرح" تقنية، أما "الميتامسرح" فمضمون. والباحث
المغربي المقصود، كان يتحدث عن التقنية وليس عن المضمون.
وإذا كان حسن يوسفي يؤاخذ نهاد صليحة على كونها لم تأت بجديد،
واعتمدت على غيرها في هذا المصطلح، دون إشارة إلى المصدر، فكم هو
عدد المصطلحات التي أخذها حسن يوسفي، مع تعاريف لها أحيانا، في هذا
الكتاب فقط دون الإتيان بالجديد، ودون الإشارة إلى المصادر؟ أو
الإشارة إليها، ثم تبني تصور بناء عليها يعتبره تصوره الخاص، كما
لو كان هو واضعها. ذلك أنه حدد "تصوره" عن الميتامسرح اعتمادا على
مصطلحات غيره. وهذه المصطلحات هي: المضاعفة، التأمل الذاتي، البنية
الموضوعاتية، البنية الخطابية. لذلك، فبدلا من استعمال هذا
التعبير: "لذا فإن تصورنا للميتامسرح يقوم على..." (ص35)،
كان من اللازم، حرصا على الأمانة العلمية، استعمال تعبير من قبيل :
"لذا فإن التصور الذي أتبناه، اعتمادا على المصطلحات المشار إليها
سابقا، هو الذي يقوم...".
لذلك، فإن من أهداف هذا الكتاب تجاوز هذه الوضعية الأخيرة، وضعية
المجاملة والمدح وعدم الحرص على الأمانة العلمية، بالبحث المعرفي
المشتغل على النصوص فقط. وهنا أعلن بأنني وجدت نفسي، وأنا أكتب هذه
التوطئة، في مفترق طريقين؛ طريق التلمذة وما تتطلبه، في التصور
التقليدي للتربية، من خضوع وتبرير وقلب للحقائق أحيانا؛ وطريق
الحقيقة، الحقيقة المؤكدة بالوثائق والنصوص، وليست الحقيقة
المجردة. فلم أتردد لحظة واحدة في اختيار والارتباط بالحقيقة
الماثلة أمامي المعززة بالشواهد والأدلة النصية. وإذا كانت طريق
التلمذة لدى الغير معبدة، وتغري بالسير المريح والسريع، بل والتمتع
بمباهج الطريق، رغم الحالة الميكانيكية المتردية للسيارة أحيانا،
لاسيما في هذا الوقت بالضبط الذي أكتب فيه هذا الكتاب -وإذن،
فالفضل في هذا يعود إلى الطريق وليس إلى السيارة- فإن طريق الحقيقة
غير معبدة أصلا، ولذلك فالسير فيها شاق جدا ومحفوف بكثير من
المخاطر، وتتخللها الكثير من الحفر والنتوءات. لعل من بينها أن
يبقى الذي سلكها معزولا وغريبا ومهمشا. لا لشيء سوى أنه آثر أن
يبقى وفيا لحريته، وامتثل لمفهوم البحث العلمي الذي يقتضي
الموضوعية والتجرد حتى مع النفس، فما بالك بالآخرين. وآثر نظافة
اليد، مع الحاجة، على التملق والانتهازية، دفاعا عن استقلالية
البحث العلمي في مجال المسرح. وفضل أن يكون موجودا بذاته لا بغيره،
دون حجر أو وصاية؛ مع الاعتراف لذي الفضل بفضله، وان تحول هذا
الفضل إلى قمع. لكنه، مع ذلك، يجني فائدة عظيمة لا تقدر بثمن. هذه
الفائدة هي الكشف عن الحقيقة التي حجبتها الغشاوة التي سببتها
المباهج. والحقيقة يصونها التاريخ، وهي مطلوبة لذاتها؛ أما المباهج
والراحة فوقتيتان زائلتان. ولهذا السبب بالذات، تم اختيار الحقيقة
والتضحية بالخضوع والمباهج. يمكن القول بأنها رؤية مثالية في زمن
غير مثالي، ولكنها رؤية تؤدي إلى بحث يمكن وصفه بالعلمي. إن العلم
والحقيقة متلازمان، أما العلم والمصلحة الشخصية فمتخاصمان. ولا
يمكن الحديث عن "بحث علمي" إلا إذا تم فك الارتباط بين هذين
الأخيرين.
أخيرا، لا بد من التنصيص على أن الاختلاف في الرأي والتصور
والتحليل، لا يعني أبدا عندي عدم احترام الأشخاص. إن موضوع اشتغالي
ليس الأشخاص، وإنما اجتهاداتهم وإبداعاتهم المسرحية. وقد أشرت إلى
هذا في كتاب "الوجه والقناع في المسرح"، وأذكر به مرة أخرى هنا.
هذه الاجتهادات والإبداعات ليست متعالية على التحليل والمناقشة
والنقد، وكذلك اجتهاداتي. وبدلا من اختلاق خلفيات ونوايا قد تلصق
بهذه التوطئة عند باحثين ونقاد مسرح محددين، حين تعوزهم الحجج
النصية -رغم أنني شخصيا ضحية الخلفيات والتسرع والقمع الفكري حتى
قبل نشر كتاب "الوجه والقناع في المسرح"- ليكن الحوار المعتمد على
وسائل الإثبات والحجج، أي على النصوص المقنعة والمفحمة. لذلك أرجو
أن تتم الاستعاضة عن محاكمة النوايا بقراءة النصوص.
الفصل الأول
تــوطـئـة
من خطاب المصلحة إلى
خطاب العقل
لقد حرصت على التنصيص على أن الإطار المنهجي والمصطلحات المرتبطة
به، في عمومها، المعتمد في هذا الكتاب، مستوحى من كتاب ميشيل برونر.
ومرد هذا الحرص يعود إلى الأمانة العلمية أولا. وثانيا، هو أنني
لاحظت أن هناك مصطلحات مسرحية، وبالجملة أحيانا، تنقل من مصادر
غربية، وتقدم عنها تعاريف، وتوظف دون الإشارة إلى تلك المصادر.
وحينما تروج في الوسط الثقافي المغربي، يحدث لبس كبير ومغالطة
مقصودة. ينشأ عنهما وهم أكبر، وهو الاعتقاد بوجود "علم المسرح"
اليوم بالمغرب. هذا الوهم تغذيه وسائل صناعة الأسماء، التي ترسم
عنها (الأسماء) صورة وتكرسها، وتدافع عنها باستماتة، مادامت
المصلحة قائمة، لهدف غير ثقافي. بينما البحث الذي يمكن وصفه بكونه
علميا، هو ذلك الذي يسعى إلى أن يكون منهجيا، مع اعتماد صاحبه على
أدوات مضبوطة نظريا وموظفة بمعزل عن الذاتية، مع تحديد مصادرها، إن
كانت مأخوذة وليست موضوعة. يقبل صاحبه بمراجعة اجتهاده، كلما جد
جديد في ميدانه، بعيدا عن المصلحة الذاتية الضيقة والانفعال. ولا
يجد أي غضاضة في ذلك. بل بالعكس، يعتبر ذلك تعبيرا واضحا وصريحا عن
تمسك المراجع لاجتهاده، والقابل لانتقاد هذا الاجتهاد –الانتقاد
الثابت والمؤكد بالنصوص- بالروح العلمية.
على أنه إذا كانت لهذه الصناعة فائدة إعلامية وقتية ومحدودة، في
وقتنا الراهن، فإن الأمر ليس كذلك على المدى البعيد، على الصعيد
المعرفي؛ إذ لا بد للحقيقة أن تنكشف يوما ما. وإذا كنا لحد الآن
-وهذا على الصعيد العربي- لا ننتج المصطلحات المسرحية، الإنتاج
الناتج عن الأبحاث التطبيقية من لدن الباحثين والنقاد، وإنما
نستهلكها، فإنه قد تم الإيحاء أحيانا بكون الناقل لمصطلحات مسرحية
هو الذي أنتجها أي وضعها. والحال أننا لا ننتج المصطلحات المسرحية
لأننا لا ننتج العلم، علم المسرح. ونحن لا ننتجه لأننا لا نقرأ ولا
نحلل النصوص والعروض المسرحية قراءة وتحليلا يمكن نعتهما
بالعلميين، استنادا إلى قراءات وتحاليل منهجية داخلية غير إسقاطية
وغير اختزالية. ذلك أن ممارسة التحليل هي التي تؤدي إلى إنتاج
المصطلحات المسرحية. لهذا فإن السائد هو الأخذ وليس العطاء. وهذه
قضية لا تخص البحث والنقد المسرحيين المغربيين فقط. ذلك أن "جل
الممارسات النقدية الحديثة عند العرب سجينة الأخذ، محظورا عليها
العطاء"
لافتقارها إلى بعديـن : بعد نقدي وبعدي أصولي (ابيستمولوجي) حسب
عبد السلام المسدي.
ولأن الغربيين يقرؤون ويحللون مسرحهم فإنهم ينتجون العلم، علم
المسرح، الذي يتشكل، كسائر العلوم، من المصطلحات. بينما يقتصر
دورنا نحن، لحد الآن، على استخدام أدواته بعد أخذها منه. لذلك،
فإنه من السابق لأوانه أن نقول إن لدينا علما هو علم المسرح. وهل
ينشأ هذا العلم من الايديولوجيا والتعميم والذاتية والانتحال؟.
وحتى هذا الاستخدام يكون أحيانا بطريقة يجوز وصفها بكونه غير
سليمة، إذ قد تستعمل مصطلحات مسرحية في غير أماكنها المناسبة التي
من أجلها وضعت. وقد أشرت إلى هذا في مقدمة كتاب "الوجه والقناع في
المسرح"،
وقدمت أمثلة على سوء الاستخدام هذا. كما أن هناك من يلهث وراء
"موضة" ترديد مصطلحات بعينها، دون استيعاب نظري أحيانا، الأمر الذي
ينتج عنه سوء التطبيق أيضا. وقد حصل هذا فعلا لمصطلح أنثروبولوجيا
المسرح. هذا الفرق بين الإنتاج والاستهلاك، هو الذي دعاني إلى أن
أفرق في كتابي "المصطلح المسرحي عند العرب "بين المصطلح المسرحي
العربي والمصطلح المسرحي عند العرب. فقد قلت فيه : "إن عنوان هذا
البحث هو "المصطلح المسرحي عند العرب"، وليس المصطلح المسرحي
العربي. والفرق بينهما عند القارئ اللبيب واضح لا لبس فيه".
وعليه، فقد نقرأ -مثلا- أن المصطلح المسرحي كذا كما يعرفه فـلان
(المغربي) هو... الخ، فينخدع البعض، لا سيما الذين لم يتمكنوا من
الاطلاع على هذه المصطلحات في مظانها الأصلية، أو كما يوحي بذلك
السياق النصي اللغوي الذي استخدم فيه ذلك المصطلح. والأمانـة
العلمية تقتضي الإشـارة إلى هذه المظان. والواقع، أنه لم يعرف
شيئـا (بضم الياء وتشديد الراء وكسرهـا)، ولكنه ترجم دون إشـارة
إلى ذلك. فـي هذا الإطار، يمكن ذكر عدد من هذه المصطلحات المسرحية
التي ينطبق عليها ما سبقت الإشارة
إليه. وهذه عينة تمثيلية غير حصرية : الأشكال ما قبل مسرحية
-الفضاء النصي أو الدرامي -الفضاء الركحي- فضاء اللعب (عوض الفضاء
اللعبوي، الذي هو ترجمة حرفية لمصطلح
L’espace ludique)
- الفضاء الداخلي- الميتامسرح
Metathéâtre–
النصوص الصغيرة
Les
micros-textes-
النصوص التحتية
Les sous
textes-
المسرحة - الكتابة الجدولية – سوء التفاهم
Le quiproquo
- الشيكيصامبا الخ. إن هذا التقسيم الفضائي، على سبيل المثال، ليست
إنجازا مغربيا. وإذا كان يونس لوليدي قد أشار إلى المصدر الغربي
الذي عنه أخذ هذا التقسيم في كتابه "الميثولوجيا الإغريقية في
المسرح العربي المعاصر"،
وهو "معجم المسرح" لباتريس بافيس، فإن غيره لم يفعل ذلك. ذلك أن
حسن المنيعي استعمل هذه المصطلحات نفسها في كتابه "المسرح المغربي
(من التأسيس إلى صناعة الفرجة)"
دون إشارة إلى المصدر الذي أخذ منه هذه المصطلحات.
وحتى هذه الترجمة قد لا تفي بالقصد المطلوب دائما. ومثال ذلك ترجمة
مصطلح
Suspense
في النقد المسرحي المغربي تارة بالمماطلة وتارة بالتشويق. والناظر
في أمر هذه المماطلة وهذا التشويق، يلاحظ أن المماطلة قد تكون
مصحوبة بالألم والملل، بينما يقترن التشويق باللذة والمتعة. ويبدو
أن هذا هو المراد من المصطلح في وضعه.
في هذا المناخ، لا عجب إن صارت المقالات المترجمة المتضمنة في كتاب
صادر سنة
2003
هو "المسرح فن خالد"،
وقد بين فيه المترجم، حقيقة، أنه مترجم، وإن لم يكشف عن مصادر
الترجمة، وهو أمر غير مستساغ في البحث العلمي، لذلك كان من الضروري
الكشف عن هذه المصادر، أو على الأقل ذكر المانع من ذكرها- والغالب
على الظن أنها مصادر صحفية بسبب قصر تلك المقالات - "تأليفا"، وهذا
ما يوحي به أسلوب مقالة صحفية، و"اشتغالا" على قضايا، و"تدرجا" "من
الخوض في المفاهيم الأولية حول المسرح والدراماتورجية والجنس
الدرامي إلى الانتقال إلى ما هو أعمق ممثلا في البعد السيكولوجي
للظاهرة المسرحية كما تترجمها قضية خلود المسرح في ارتباطه بمفهوم
حرية الإنسان".
هذا، رغم أن المقالات الموجودة في الكتاب مقالات مترجمة، ورغم أن
المترجم أفصح فيه عن ذلك بنفسه.
وعليه، لا وجود، في مقالة حسن يوسفي المشار إليها، لفعل ترجم، أي
النقل من لغة إلى لغة أخرى؛ وبدل ذلك هناك أفعال "اشتغل" و"انتقل"
و"تدرج"، في سياقات لغوية تفيد التأليف وليس الترجمة. هذا الكتاب
المترجم، صار، عند هذا الأخير، جزء من "مشروع جماعي" (حسب ما كتب
)، تساوى فيه التأليف والترجمة والانتحال. فصار لمدلولات هذه
المفاهيم الثلاثة الأخيرة مدلول واحد !. لا فرق فيه بين الكتابة
الشخصية والمترجمة والمنحولة.
وفكرتا خلود المسرح وحرية الإنسان مأخوذتان من مقالة مترجمة هي :
"المسرح فن خالد" لبيير ايمي توشار. إلا أنهما نسبتا إلى المترجم
في مقالة حسن يوسفي. أضف إلى ذلك، أنه لا يصح استعمال مفهوم التدرج
هنا، والسبب في ذلك هو أن هذه المقالات لا تربطها وحدة الموضوع.
وإنما هي مقالات متفرقة حول مواضيع مختلفة مرتبطة بالمسرح. وقد
لاحظت أن ثلاث مقالات منها، تتعلق بالثقافة الإيطالية؛ فهل كانت
الترجمة من اللغة الإيطالية مباشرة؟. إن الأمر ليس كذلك بكل تأكيد.
في هذا السياق، نقرأ أيضا: "أما كتابا "المسرح والارتجال" و"المسرح
والسيميولوجيا" فقد خصصهما للمسرح الغربي".
وفاعل هذا الفعل الأخير يعود على حسن المنيعي. وقد لاحظت بأن
الجدول الذي تضمنته مقالة يونس لوليدي تصدرها هذا الكلام : "وإذا
أردنا أن نحصر المواضيع التي تعرض لها في كل دراسة من هذه الدراسات
نجد : "المسرح الملحمي- مسرح هارولد بنتر- مسرح جورج شحاذة..."
الخ. ثم "وتناول المنيعي بالدراسة المسرح الأمريكي نظرا لكون
أمريكا عرفت حركة مسرحية جد متميزة، ولها خصوصيتها التي لا تخفى
على المهتمين بالمسرح العالمي. هذه الخصوصية تتجلى بوضوح في توظيف
تقنية الارتجال في العمل المسرحي".
و"تطرق د. المنيعي للتطور التاريخي الذي عرفه المسرح الأمريكي منذ
1929
ولأهم التحولات التي طبعته...".
وقال كذلك : "يقدم المنيعي في إطار الدراسات التي خصصها للمسرح
الغربي أسماء لها وزنها داخل الحركة المسرحية العالمية، واستطاعت
أن تغير ثوابت هذه الحركة. وقد عمل د. المنيعي في تناوله لهذه
الأسماء على تقديم صورة مصغرة ومكثفة لحياة الشخصيات التي كان لها
الأثر الواضح في مسيرة هؤلاء المبدعين. كما أنه ذكر أهم أعمالهم
المسرحية بغيـة استخـلاص أهم الـمميزات التي تـميز مسرحهم. ومن بين
الأسماء البارزة التي تعرض لها د. المنيعي نذكر برتولد بريشت الذي
تحدث عنه في مقالتين هما : "برتولد بريشت والمسرح الملحمي" و"أخطاء
ارتكبت في حق بريشت" هذا المبدع الذي شغل الكثير من النقاد
والدارسين بمسرحه الملحمي، واحتلت مسرحياته مكانة متميزة.
كما تحدث د. المنيعي عن "جورج شحاذة" في دراسة تحت عنوان "جورج
شحاذة ومسرح البراءة". هذا المبدع الذي كان يدعو في مسرحه إلى
البراءة والطفولة بلغة تحمل الكثير من الإيحاءات والصور النابعة من
شاعريته حيث يمثل في الوقت نفسه الواقع والحلم.
كما خصص د. المنيعي دراسة "لأدوارد ألبي" الذي يحتل مكانة متميزة
في المسرح الغربي بفضل أعماله الجادة والعميقة وبفضل تمرده في
أعماله المسرحية على المسرحية التقليدية ذات الفصول الثلاثة، حيث
أن جل أعماله ذات فصل واحد، وهو الشكل الذي ارتضاه حتى أصبح ميزة
أساسية من مميزات فنه.
وفي دراسة بعنوان "جان جنيه ومسرح الأوهام" تحدث د. المنيعي عن هذا
المبدع وعالمه الدرامي الشديد الثراء والمتعدد الآفاق والمستويات
أنه عقل متوقد لا يكف عن تأمل ذاته وتأمل العالم من حوله أنه
المبدع المسرحي الذي ناصر القضية الفلسطينية وقضية الزنوج، ونظر
إلى الحضارة الغربية نظرة احتقار واشمئزاز.
وتحدث د. المنيعي عن "يوري ليوبمون" الذي ضمن مسرح "تاجانكا" حيث
تهيمن على أعماله فكرة الحرب باعتباره كان جنديا لعدة سنوات. ومن
بين التقنيات التي نهجها "يوري" في إخراج مسرحياته: غياب الديكور،
وجعل الاكسسوارات تحمل الكثير من الإيحاءات، والبراعة في استخدام
الإنارة، وتركيزه على المرئي (Le
visuel)
لأن المسرح في نظره لا يوجه إلى أشخاص لا يبصرون.
ثم تحدث د. المنيعي عن "هارولد بنتر" ليبين كيف عاش ويلات الحرب
والدمار لذلك التزم في حياته بالسلم وجعله شعارا في حياته ومسرحه،
مما يبين سبب رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية. ويوظف هذا المبدع في
أعماله المسرحية الحوار اليومي والكلام العادي مما يجعل لغته تتميز
بالواقعية والسخرية في الوقت نفسه كما يوظف مواقف مأساوية ليبين
تناقضات الإنسان، ويوظف أخرى هزلية ليفسر دواخل النفس البشرية.
وهكذا يمكن القول في نهاية هذه النقطة المتعلقة بدراسة د. المنيعي
للمسرح الغربي بأنه ركز في دراسته لكل شخصية من الشخصيات السالفة
الذكر على جانب معين. فهو ركز عند حديثه عن "جان جنيه" مثلا على
التفاصيل المتعلقة بحياته لأنها كانت سببا في تحول وجوده برمته.
وركز في دراسته "لجورج شحاذة" مثلا على جانب كان له الأثر البليغ
في توجهه المسرحي، هذا الجانب هو كتاباته الشعرية. وركز عند حديثه
عن "ادوارد ألبي" مثلا على اهتمامه بدور المخرج في المسرح. وكان د.
المنيعي أثناء تركيزه على هذه الجوانب في حياة هؤلاء المبدعين يقوم
بتحليل مركز لبعض أعمالهم حتى يتمكن من إظهار المميزات الأساسية
لتجاربهم المسرحية".
كنت مضطرا إلى هذا الاقتباس، رغم طوله، لأن كل فقرة من فقراته
تتعلق بكاتب مسرحي معين. هؤلاء الكتاب المسرحيون منهم الألماني (بريشت)،
ومنهم اللبناني الأصل (جورج شحاذة)، وهو شاعر يبدع باللغة
الفرنسية، ومنهم الأمريكي "ادوارد ألبي"، ومنهم الفرنسي "جان
جنيه"، ومنهم الإنجليزي (هارولد بنتر)، ومنهم السوفياتي (يوري
ليوبموف).
أسجل أولا الأفعال التالية الموجودة فـي كلام يونس لوليدي، وهـي :
-ركز –تطرق –تناول –يقدم –عمل –ذكر –تعرض –تحدث –خصص –يبين –يقوم
بتحليل -يتمكن. وكلها أفعال تتعلق بفاعل واحد هو حسن المنيعي. ولا
وجود ضمنها لأفعال ترجم ولخص واعتمد. هذا، فضلا عن "دراسة"
و"دراسته" و"تركيزه" و"تحليل مركز لبعض أعمالهم". والضمير الهاء
يعود على نفس الفاعل السابق ذكره. كل هذا يدل على أن تلك المقالات
من الكتابة الشخصية لهذا الأخير، حسب لغة يونس لوليدي. لكن الحقيقة
خلاف ذلك تماما، فكل المقالات في الكتاب كتبت إما بالاعتماد على
كتاب بعينه، أو ترجمت أو ترجمت ولخصت، حسب ما هو مبين في كتاب
"المسرح والارتجال"
نفسه. وإن لم يشر المترجم في غلاف الكتاب إلى أنه مترجم.
لم يستعمل يونس لوليدي أفعال ترجم ولخص واعتمد. واعتبر أن هذا
الكتاب الأخير تضمن فقط أربع مقالات مترجمة من أصل أربع عشرة
مقالة. ذلك أنه قال : "وإذا أردنا أن نقوم بعملية إحصائية للمقالات
التي ترجمها د. المنيعي سنجد أنه ترجم
11
مقالا في كتابه "التراجيديا كنموذج" ومقالا واحدا في كتابه "آفاق
مغربية" ومقالتين في كتابه "نفحات عن الأدب والفن" وأربع مقالات في
كتابه "المسرح والارتجال" وثماني مقالات في كتابه "المسرح
والسيميولوجيا"".
وهذا يدل على أن عشر مقالات، من أصل أربع عشرة مقالة، تندرج في
إطار الكتابة الشخصية. إلا أن الواقع ليس كذلك. والجدول التالي
يوضح ذلك :
|
الكوميديا المرتجلة وحدود الحداثة. |
مقالة مترجمة عن انيس أليفرتي. |
|
أسطورة الارتجال المسرحي. |
نص مترجم عن مشيل برنار. |
|
المسرح والارتجال. |
مترجمة عن جاك جيمي. |
|
مسرح الاكواريوم وتقنية الارتجال. |
مترجمة عن أ.د. لكوست. |
|
أماكن الارتجال أو المسرح ومحاولة البحث عن فضاء جديد. |
كان الاعتماد في هذه المقالة على دراستين الأولى لبرنار
دورت والثانية لاميل كويفرمان. |
|
المسرح الأمريكي بين الارتجال والعمل الجماعي. |
المصدر غير مذكور. |
|
اتجاهات مسرحية أمريكية. |
نص ملخص عن كتاب: المسرح (سلسلة بوش "الجيب" الفرنسية عدد 1-
446)، وكتاب تاريخ المسرح لفيتو بانولي. |
|
برتولد بريشت والمسرح الملحمي. |
جل الأفكار مترجمة عن كتاب المسرح (أدما- سلسلة كتاب الجيب/
عدد 4461). |
|
أخطاء ارتكبت في حق بريشت. |
المصدر غير مذكور. |
|
يوري ليوبموف ومسرح تاجانكا. |
كتبت هذه المقالة بالاعتماد على مجلة "الفن الحي" ودراسة حول
ليوبموف نشرت في إحدى المجلات الفرنسية. |
|
جان جنيه ومسرح الأوهام. |
المصدر غير مذكور. |
|
جورج شحاذة ومسرح البراءة. |
كتبت هذه المقالة بالاعتماد على كتاب "تاريخ المسرح الحديث"
لجنفييف سيرو وكذا على مقالة للكاتب أندري ألتير. |
|
مسرح هارولد بنتر. |
مترجمة وملخصة عن كلود بينييز. |
|
ادوارد ألبي... والوساطة بين النص والجمهور. |
المصدر غير مذكور. |
هذه هي المقالات التي تضمنها كتاب "المسرح والارتجال". وباستثناء
ثلاث مقالات لم تذكر مصادرها، فضلا عن مقالة "أخطاء ارتكبت في حق
بريشت" وهي الرابعة، ومن المحتمل أن ذلك مجرد سهو أو خطأ تقني
فيها، فان المترجم أفصح في الكتاب، وبلغته، عن كونه ترجم أو لخص أو
اعتمد. والذي يقوي هذا الاحتمال، هو كون المترجم قد سبق له أن نشر
المقالة المتعلقة ببريشت في مجلة "أقلام" مع الإشارة إلى كونها
مترجمة، بينما لم يتم التنصيص على كونها كذلك في هذا الكتاب
الأخير. مع ملاحظة أن مقالة "برتولد بريشت والمسرح الملحمي" ومقالة
"اتجاهات مسرحية
أمريكية"، ربما ترجمتا من مصدر واحد. ذلك أن العدد الذي وردت فيه
هذه الأخيرة، الذي منه
ترجمت، هو نفسه المعتمد في المقالة الأخرى، وان كان هناك خطأ تقني
في كتابة الرقم. وعليه، فان كل مقالات الكتاب مترجمة أو في حكم
المترجمة، وليست أبحاثا شخصية للمترجم.
هذا عن كتاب "المسرح والارتجال". أما عن كتاب "المسرح
والسيميولوجيا"،
فقد ذكر لوليدي أن مقالات "المسرح وسيميولوجيا التواصل" و"سيميولوجيا
المسرح التي تبحث عن ماضيها" و"مشاكل التحليل البنيوي والسيميائي
للشكل المسرحي" و"دور ثانوي : المتفرج" وليس "الدور الثانوي
للمتفرج" و"التمسرح" هي مقالات مترجمة. وإذن كل المقالات. ومع ذلك،
قال عن الكتابين : "أما كتابا "المسرح والارتجال" و"المسرح
والسيميولوجيا" فقد خصصهما للمسرح الغربي"،
دون التدقيق في محتوى فعل "خصص" في هذا الاستعمال، الذي يوحي بأن
الأمر يتعلق بكتابة شخصية غير مترجمة.
ثم قال : "ولم يكتف د. المنيعي في مشروعه النقدي العام بتقديم
دراساته الشخصية عن المسرح المغربي والعربي والغربي، وإنما عمل على
ترجمة مجموعة من الدراسات النقدية".
فعلا، لقد ترجم حسن المنيعي عددا مهما من المقالات المتعلقة
بالمسرح الغربي. وكانت تلك الترجمات مهمة بالنسبة للقارئ المغربي،
إذ عرفته باتجاهات وتيارات مسرحية غربية عديدة. لكن، وحسب اللغة
المستعملة في هذا الكلام الأخير، فإن لحسن المنيعي دراسات شخصية
منشورة عن المسرح الغربي غير مترجمة. والسؤال : هل له فعلا دراسات
شخصية غير مترجمة منشورة عن المسرح الغربي؟. الجواب هو أنه لا وجود
لوثائق منشورة تثبت ذلك، باستثناء مقالتين موجودتين في كتاب "التراجيديا
كنموذج"،
الأولى عنوانها "من التراجيديا اليونانية إلى التراجيديا الحديثة"
، والثانية عنوانها "مسيرة المسرح". وهذه الأخيرة تتكون من أربع
صفحات ونصف. ولذلك من الصعب الحديث عن هذه "المسيرة" في صفحات
قليلة. وقد هيمن فيهما معا المنهج التاريخي. وقد يكون أصلهما
محاضرتين ألقيتا على الطلبة. والسبب الداعي إلى هذا الافتراض، هو
أن عددا من المقالات الموجودة في كتاب "المسرح والارتجال"، إن لم
تكن كلها، ألقي فعلا على الطلبة.
بناء على ما سبق، فإن هذا التعبير التالي غير دقيق. يقول لوليدي :
"تناول
المنيعي أيضا بالدراسة المسرح الأمريكي نظرا لكون أمريكا عرفت حركة
مسرحية جد متميزة، ولها خصوصيتها التي لا تخفى على المهتمين
بالمسرح العالمي".
إنه غير دقيق لأن الفعل المناسب هو ترجم وليس تناول. وهل يمكن
"تناول" المسرح الأمريكي -وغيره- دون الاعتماد على المصادر
والمراجع؟.
سبقـت الإشـارة إلى أن المقالة المعنونة بـ : "أخطاء ارتكبت في حق
بريشت" لم تتم الإشارة إلى كونـها مترجمة في الكتاب. ومعلوم أنها
نشرت بمجلة "أقلام"
تحت عنوان : "أخطاء ترتكب في حق برخت ملخص بحث للأستاذ كلود روا.
تلخيص حسن المنيعي". والفرق بين ما ورد في المجلة المذكورة
و"المسرح والارتجال"، هو تغيير زمن الفعل الموجود في العنوان من
المضارع إلى الماضي. وكذلك إغفال ذكر، في الكتاب، أن الأمر يتعلق
بتلخيص؛ وتغيير اسم برخت ببرشت؛ وتغيير طفيف في النقط والفواصل؛
واستبدال "الاستتيك" بـ "الجمالي" في هذا التعبير : "في عالم
الاستتيك للإخراج المسرحي"؛ واستبدال "كما نرى ذلك من خلال الأبيات
التالية التي ضمنها ذكرى فتاته مارى التي كانت عزيزة لديه"، بـ
"كما نرى من خلال الأبيات التالية التي ضمنها ذكرى فتاة كانت عزيزة
لديه"؛ و"كان مدافعا ومقننا لفن ممل قامت (يوجد هنا خطأ مطبعي، لأن
كلمة قامت غير مستعملة في اللغة العربية. ولذلك فان الصحيح هو قاتم
بدل قامت) ذي صبغة تربوية"، بـ"كان مدافعا ومقننا لفن ذي صبغة
تربوية"؛ و"الشهود" بـ "المتفرجين "؛ و"بيد أننا نرى ذلك الرجل
يصرح"، بـ "بيد أننا نراه يصرح"؛ و"يقل من مقصوده" بـ "ينقص من
هدفه"؛ و"تحفزنا إلى التلذذ" بـ "تحفزنا الى الاستمتاع"؛ و"في
ميدان العقول"، بـ "وفي ميدان المعقول"؛ و"مجرد التذاذ" بـ "مجرد
متعة"؛ و"وهذا الالتذاذ فني كامن في الحكمة"، بـ "أما هذه المتعة
الفنية فإنها تكمن في الحكمة"؛ وحذف كلمة "الصافي" من هذا التعبير
: "الشعور الخالص الصافي المهذب"؛ وحذف كلمة "الانطلاق" من هذا
التعبير : "للوصول إلى الصفاء والانطلاق"؛ وتغيير تعبير بآخر، إذ
تم تغيير هذا التعبير "لا إلى الجمود والفتور"، بـ"إدراك آفاق
الانعتاق". وهي تغييرات طفيفة شكلية لا تمس الجوهر، وإن كانت كلمة
الشهود ليست هي كلمة المتفرجين من حيث المعنى خاصة.
هذه المقالة التي نشرت بمجلة "أقلام" في ديسمبر
1964،
وليس "آفاق" كما كتب سعيد الناجي -وهذا مجرد سهو منه، لأنه أشار
إلى "أقلام" في موضع آخر من مقالته- أخذ منها هذا الأخير فقرة،
وصدرها بهذه الجملة "قال حسن المنيعي". وهذه هي الفقرة : "نشير إلى
خطأ يرتكب في حق بريخت وهو الاعتقاد أنه كان مدافعا ومقننا لفن ممل
قامت
ذي صبغة تربوية يهدف فقط إلى حشو الأذهان "بعبر أسطورية" بيد أننا
نرى ذلك الرجل يصرح أن : "اللذة التي تتملكنا أثناء المشاهدة هي
ضرورة وكفيلة لبيان غرض المسرح، فمن المستحيل أن نرتقي برسالة هذا
الفن إلى أقصى ما هو عليه ونصيره سوقا تباع فيه مبادئ الوعظ
والأخلاق لأن ذلك يقل من مقصوده..".
وعليه، فان الفاعل النحوي والفاعل في الكتابة في فعل "نشير" و"نرى"
هو حسن المنيعي والكاتب الأصلي معا !.
والحقيقة أن المترجم لم يقل ولم يشر، ولكنه ترجم. والمشكلة هـي أن
سعيد الناجي بنى أيضا على تلك الفقرة المنسوبة إلى حسن المنيعي
حكمين. هما أولا : "أثبت النص المستشهد به أن التفكير النقدي عند
حسن المنيعي كان مخالفا للاطمئنانات النقدية منذ الستينات. في تلك
المرحلة كان النقد المسرحي في مرحلته الواقعية ذات الامتدادات
الايديولوجية التي قادته إلى إسقاط مفاهيم خارجية على ظاهرة
مسرحية".
والسؤال المهم هنا : هل فعلا كان نقد حسن المنيعي في تلك الفترة
بعيدا عن "الواقعية ذات الامتدادات الايديولوجية" ؟. ثانيا "لقد
اندرج نص كلود روا في سياق النقد المسرحي المغربي في الستينات يوجه
انتباه المسرحيين المغاربة والعرب إلى القراءات المغلوطة التي ما
فتئوا يلوون بها عنق برشت ومسرحه الملحمي".
لنلاحظ أولا الإشارة إلى صاحب النص الأصلي أي كلود روا، ومعنى ذلك
أن المترجم والكاتب الأصلي هما معا فاعل واحد، عنده. وهذه مغالطة
واضحة. ذلك أنه جعل الكاتب الأصلي والمترجم سواء في إنتاج النص، عن
طريق تأويل، لا بد أن يؤدي إلى طرح سؤال عن الدافع إليه. ولولا هذا
الدافع لما كان هذا التأويل وهذه المساواة. غير أنه كيفما كان
التأويل، فان المترجم يبقى مترجما، ليس في هذه الحالة فقط، وإنما
في كل الأحوال؛ وإلا عد كل مترجم مشاركا لصاحب النص الأصلي في
إنتاج النص. وهل هذا جائز علميا؟.
وفيمـا يتعلـق بالحكم الثاني، أتساءل عن هؤلاء المسرحيين المغاربـة
بالخصوص، الذين كانوا (وليس ما فتئوا، لأن هذا يفيد الاستمرار إلى
حين كتابة هذه المقالة أي إلى سنة
1995)
يلوون بـ "قراءاتهم المغلوطة" "عنق برشت ومسرحه الملحمي"؟، وما هي
الوثائق التي تثبت ذلك؟. أخذا بعين الاعتبار زمن نشر هذه الترجمة،
وهو سنة
1964.
والمفترض أن هؤلاء المسرحيين المغاربة المقصودين، عنده، كانوا بين
1956
و1964.
هذا إذا اقتصرنا على المغاربة فقط. مع ضرورة الإشارة إلى أن
المترجم، حين ترجمته لهذه المقالة (سنة
1964)،
كان في بداية حياته الثقافية. ولو لم يكن في بدايتها، لما استعمل
كلمة "الشهود" عوض المتفرجين، مع ما بينهما من اختلاف في المعنى،
التي صححها المترجم نفسه في مرحلة لاحقة. ومثل هذا التعثر في
البداية عادي، لأن الإنسان لا يولد متعلما أو مثقفا أو مختصا في
ميدان من ميادين المعرفة.
يقول سعيد الناجي أيضا: "ومرت قرابة ثلاثة عقود ولم ينتبه إلى
خصوصية برشت البعيدة عن السياسة إلا ندرة نادرة من المسرحيين
العرب".
بناء على هذا الرأي، يرى هذا الأخير أن المسرح البريشتي بعيد عن
السياسة، لذلك فهو مسرح لذة ومتعة فقط. وأنا لست هنا بصدد مناقشة
هذه الفكرة الآن، انطلاقا من نصوص بريشتية نفسها إبداعية وتنظيرية
مترجمة، ولكنني أتساءل : أي منهما العمدة في فهم مسرح بريشت، هل
نصوص بريشت أم تأويل سعيد الناجي؟. وهل لهذا الأخير فهم واحد
للمسرح الملحمي؟. جوابا عن هذا السؤال الأخير، أقول إن لهذا الأخير
فهمين لهذا المسرح. وهما معا موثقان انطلاقا من كتابته. الفهم
الأول يبعد المسرح الملحمي عن السياسة، ولذلك فهو مسرح غير سياسي
أي مسرح لذة ومتعة فقط. وهو الفهم المعبر عنه سابقا. والفهم الثاني
يبينه هذا الكلام المأخوذ من كتابه "التجريب في المسرح". يقول هذا
الأخير : "يجمع مبدأ التغريب بين تنظيم الفضاء المسرحي وترتيب
الأدوات فيه، وبين المتفرج وقواعد التفرج الجديدة، من أجل إحداث
التوازن بين عنصر المتعة وعنصر التعليم في المسرح. كان هذا التوازن
يخدم بوضوح الأهداف الاجتماعية والسياسية التي تبناها المسرح
الملحمي".
إن التوازن المقصود هنا، هو توازن بين المتعة والأهداف الاجتماعية
والسياسية. وعليه، فالمسرح الملحمي ليس بعيدا عن السياسة في هذا
الفهم الثاني. والفهمان معا لشخص واحد !. فأي منهما يدخل في إطار
الفهم المغلوط للمسرح الملحمي؟، إذ لا بد أن يكون أحدهما كذلك
منطقيا. ثم، ألا يوجد في هذا الكلام تناقض واضح؟ أم أن هناك تغيرا
في الفهم؟ وأي منهما "العلمي" !؟.
والآن، أريد أن استشهد بهذه الفقرات المأخوذة من كتاب "التراجيديا
كنموذج"، لها ارتباط بما نحن بصدده الآن. تقول الفقرة الأولى : "إن
برخت يمدنا في الفقرات الأولى من "الاورجانون الصغير للمسرح" ببعض
الإشارات الواضحة المتعلقة بطبيعة اللذة المسرحية ودورها، وهذه
الصفحات تبدو بعيدة عن التفريق بين اللذة والسياسة، بل تجمع كل
العنصرين".
وتقول الفقرة الثانية : "إن المتعة والتسلية ترتبطان بما اصطلح على
تسميته
بالبنية الفوقية أو محور الايديولوجية، ذلك أن البورجوازية لا تخطئ
باستعمالها بعض أنواع التسلية كسلاح ايديولوجي يمكنها من إبقاء
سيطرتها، بل تلجأ كثيرا إلى ذلك، ومن ثم فهل يتحتم علينا في هذا
الحال أن نعارضها بمبدأ التسلية الخالصة الايديولوجية أو
اللابورجوازية؟ إن كل تسلية لها علاقة خاصة بصراع الطبقات، ومتى
نظرنا إلى القضية عن كثب، فإننا سندرك أن أية تسلية مهما كانت لا
يمكن أن تكون "محايدة"".
أما الفقرة الثالثة فتقول : "وهذه الاقتراحات تحاول بالأحرى أن
ترسم في مادة المسرح خطة سياسية نتمنى أن تكون هادفة، من ميزاتها
تحديد وضعنا إزاء باقي التيارات المتبعة حاليا، وتجنب انغلاق ثقافي
لا فرق بينه وبين اللبيرالية الجمالية: أي أننا نقترح خطة بريختية
-أو بريختية جديدة- نستطيع إثراءها بدون شك، خطة تكون جادة واقعية
وقابلة للاستعمال، يلزمها أن تأخذ مكانها في سياسة ثقافية ذات
أبعاد فسيحة، ذات صبغة لبيرالية. بيد أنه يجب أن يتوفر في نطاق هذه
اللبيرالية -هذه اللاآلية- تنافس "وتعايش لا-سلمي"، وذلك لنتمكن من
إبراز وفرض سياسة فنية واستتيكية جديدة سيكون لها دور في عملية
الصراع من أجل تغيير العالم.
وفي رأينا أن هذه أنجع وسيلة ستساعدنا أثناء مباشرة التحليل
والممارسة السياسية على أن نحترس من الضيق العمالي واليساري وكذا
من لامبالاة الانتهازية اليمينية".
هذه الفقرات مأخوذة كلها من مقالة واحدة عنوانها "حول مسرح بريخت"،
وهي موجودة في كتاب "التراجيديا كنموذج". كتبها جان بيير فانسان
وترجمها حسن المنيعي. وقد نشر هذا الكلام في الأصل سنة 1969
بفرنسا. ونشر مترجما بالمغرب سنة
1975،
أي بعد أزيد من عقد من الزمن، بالنسبة لمقالة "أخطاء ترتكب في حق
برخت". ماذا نجد في لغة هذا الكلام المقتطف الأخير؟. نجد : اللذة -
السياسة تجمع- البنية الفوقية - التسلية سلاح ايديولوجي -
البورجوازية - صراع الطبقات - خطة سياسية - انغلاق ثقافي -
الليبرالية الجمالية - خطة بريختية - بريختية جديدة - واقعية -
سياسة ثقافية - فرض عناصر سياسية وفنية واستتيكية جديدة - الصراع -
تغيير العالم - الممارسة السياسية - الضيق العمالي واليساري -
الانتهازية اليمينية. والحقل الدلالي الذي تندرج فيه جلها هو الحقل
السياسي والايديولوجي، الذي لا يكتفي هنا بالتحليل، وإ نما يتجاوزه
إلى الممارسة. ويمكن القول، بناء على تلك اللغة، أن هناك رغبة في
تجديد البريشتية في نهاية الستينيات في فرنسا، تحافظ على طابعها
السياسي. فهل هذه البريشتية أو البريشتية الجديدة هنا مجردة من
السياسة؟. وهل هي قراءة مغلوطة للبريشتية؟ ومن ترجمها؟. وهنا لا بد
من وضع في الحسبان زمن الترجمة ونشرها، وهو السبعينيات من القرن
العشرين في المغرب، حيث كان المسرح الملحمي البريشتي منتشرا في
مسرح الهواة بالخصوص.
وإذا افترضنا أن المترجم -وهذا مجرد افتراض- أراد، من خلال
ترجمته، التوجه إلى المسرحيين المغاربة في السبعينيات من القرن
العشرين، فإنه يحق لنا أن نتساءل : هل أراد من تلك الترجمة التصحيح
أم التعريف؟. وهل هذا التصحيح أو التعريف -انطلاقا من النص- يعزل
المسرح البريشتي عن أساسه السياسي؟. وما هو الدليل على أن الرغبة
كانت هي التصحيح؟. أما دليل التعريف فهو النص نفسه. لكن التصحيح
يقتضي الاستناد إلى نص أو نصوص تكشف قراءتها وتحليلها عن فهم
"مغلوط" للمسرح البريشتي.
علاوة على ما سبق ذكره، نجد في مقالة "برتولد برشت والمسرح
الملحمي" في كتاب "المسرح والارتجال"، المنشور عربيا سنة
1992،
ما نصه : "وانطلاقا من هذا الاعتقاد، فان مسرح برشت ينطوي على دروس
وتعاليم سياسية جاءت لتقلب مفاهيم المسرح التقليدي".
هناك إقرار إذن بكون هذا المسرح ينطوي "على دروس وتعاليم سياسية"،
بالنسبة لصاحب الفكرة الأصلي على الأقل، تميزه عن المسرح التقليدي.
فهل نقول إن المترجم يشترك وإياه في هذه الفكرة؟. وإذا كان الجواب
بالإيجاب، فإن المترجم لا يفصل بين المسرح الملحمي والسياسة.
وعليه، هل نقول إن المترجم كان له فهم صحيح سنة
1964
للمسرح البريشتي، يعتبر فيه هذا الأخير مسرح لذة ومتعة فقط، وفهم
آخر مغلوط سنة
1992
يربط هذا المسرح بالسياسة؟. وعليه، بدل أن تتعمق وتتطور معرفة
المترجم بهذا المسرح كان العكس، حسب هذا المنظور.
قال سعيد الناجي أيضا إن مقالات إدريس الكتاني "عن سلطان الطلبة"
جاءت بعد كتاب "أبحاث في المسرح المغربي". وهذا ما يوحي به أسلوب
التعبير لدى هذا الأخير. ذلك أنه قال بالحرف : "كان ذلك المشروع
عنوانا لمرحلة قادمة للنقد المسرحي، وتغريبا نقديا لما راج من
خطابات نقدية، اللهم إلا بعض الأبحاث المنفردة التي استأنفت
(لنلاحظ جيدا فعل استأنفت) آنذاك الحديث عن أشكال الفرجة الشعبية
دون ربطها بالفرجة المسرحية. (مقالات ادريس الكتاني حول سلطان
الطلبة في جريدة السعادة مثلا)".
إن "المشروع" المقصود هنا، الذي كان "عنوانا لمرحلة قادمة" هو كتاب
"أبحاث في المسرح المغربي". وفعل استأنف يدل على أن إدريس الكتاني
لاحق وليس سابقا، وكذلك كلمة "آنذاك"، أي زمن نشر كتاب "أبحاث في
المسرح المغربي". وقد نشرت طبعته الأولى سنة
1974.
لكن الحقيقة خلاف ذلك. أولا من خلال إشارته إلى جريدة السعادة.
وثانيا أن مقالات إدريس الكتاني نشرت في مجلة "الرسالة" المصرية في
أعدادها
310،
325،
326
أكتوبر
1939،
لما كان هذا الأخير طالبا بجامعة القرويين. وقد أعيد نشرها في مجلة
"آفاق" السنة الثانية، العدد الأول والثاني سنة
1966.
وتم تصديرها بما يلي : "من تقاليدنا الحضارية الفريدة في تاريخ
العالم: سلطان الطلبة المهرجان الطلابي العظيم الذي استمر ثلاثة
قرون ثم تلاشى في عهد الاستقلال".
وإذا كان إدريس الكتاني لم يستعمل مصطلح فرجة، فإنه استعمل مصطلح
"مسرحية شعبية". وإذا كان غيره نقل من وثائق بشكل موثق، وهذا ليس
عيبا، فهو قد قال فيها : "هذا وصف موجز لهذه العادة الرائعة
سجلنـاه
معتمدين على ما شاهدناه وسمعناه، لا على ما قرأناه".
وقد كتب عن فرجة "سلطان الطلبة" بمجلس (في كتاب حسن المنيعي "أبحاث
في المسرح المغربي" مجلة) سياحة خريف
1967
من لدن محمد الحجوي، وكتب عنها محمد السليماني بجريدة السعادة
3
جوان
1916
عدد
1248،
وكذلك كتب محمد الأوراري مقالة عنوانها "حول نزهة الطلبة" بجريدة
السعادة
27
جوان
1916
عدد
1264،
حسب ما هو موجود في كتاب "المسرح المغربي قبل الاستقلال"
لمصطفى بغداد.
وتجدر الإشارة إلى أن المترجم لم يشر إلى مصدر وكاتب مقالة:
"المسرح الأمريكي بين الارتجال والعمل الجماعي". وأغلب الظن أن هذا
ليس إلا سهوا أو خطأ تقنيا. ذلك أن المترجم ذكر، في تقديمه للكتاب،
أن المقالات التي توجد فيه مترجمة. وأود أن أشير أيضا إلى أن بعضا
من تلك المقالات، سبق أن ألقي على طلبة السلك الأول في الجامعة.
وقد رجع حسن المنيعي في كتابه "أبحاث في المسرح المغربي" إلى مقالة
محمد الحجوي وغيره، كما هو موجود في هذا الكتاب الأخير. ولا بد من
الإشارة هنا إلى ما كتبه "الاثنوغرافيون والمؤرخون الأجانب"
منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عن "سلطان
الطلبة". ولذلك، لا
يصح القول بكون حسن المنيعي "افتتح" "البحث في سلطان الطلبة
باعتباره فرجة بلورها المخزن"،
أو بكونه هو "الرائد" في مجال دراسة بعض الظواهر الفرجوية
المغربية. أضف إلى ذلك أنه لم يدرس الظواهر الفرجوية التي تضمنها
كتابه "أبحاث في المسرح المغربي" مباشرة، وإنما الصحيح هو أنه أرخ
لها اعتمادا على دراسات وأبحاث غيره. وهذا أمر عادي في المنهج
التاريخي.
أود كذلك أن أشير إلى مقالة أخرى لسعيد الناجي، عنوانها : "النقد
الذهني في المسرح المغربي".
لنلاحظ أولا تركيب هذا العنوان. فمن خلال التركيب اللغوي، يدل
العنوان على الرغبة في البحث عما سماه "النقد الذهني" من صلب
المسرح المغربي، أي من خلال النصوص والعروض المسرحية. لكن ما هو
موجود في متن المقالة مخالف لما يوحي به العنوان. إذ كان المتن
متعلقا بكتب نقدية، منها المترجم وغير المترجم. والنقد المسرحي ليس
مسرحا !. في تلك المقالة جاء ذكر كتاب "الجسد في المسرح"
في سياق لغوي يوحي بأنه تأليف، رغم أن المترجم أعلن أنه مترجم.
لذلك ساوى سعيد الناجي بين هذا الكتاب الأخير و"المسرح وفضاءاته"
لمحمد الكغاط.
هذا، علما بأن هذا تأليف وذاك ترجمة. وهذا هو العنوان الفرعي الذي
جمعهما في تلك المقالة : "النقد الذهني وتحديث المنهج". هذا
العنوان الفرعي منسجم مع متن المقالة، وإن كان هناك تساؤل عن معنى
النقد الذهني؟ وما هو هذا المنهج الذي أريد تحديثه؟. وهل المقالات
الموجودة في كتاب "الجسد في المسرح" يوجد فيها منهج واحد؟. وهل
المنهج الموجود في المقالات المترجمة الموجودة في هذا الكتاب
الأخير، على فرض وجوده - أي المنهج- هو للكتاب الأصليين أم
للمترجم؟.
بالنسبة لكتاب "الجسد في المسرح"، يوضح الجدول التالي طبيعة
المقالات الواردة فيه، هل هي من الكتابة الشخصية، أم هي مقالات
مترجمة:
|
الحركة جوهر المسرح لدى غوردن غريك. |
بيير باسكيني. |
|
الجسد الراقص. |
كاترين اسبيناس. |
|
الجسد الكرنفالي. |
أندري كلافل. |
|
الممثل جسد الفرجة. |
جان دوفينيو (تلخيص وترجمة). |
|
المسرح وترويض الجسد. |
بيتر بروك. |
|
الجسد في مسرح الضحك الشعبي. |
بقلم: آلان جيرو (ترجمة وتلخيص). |
|
فرجة الجسد في مسرح صمويل بيكيت. |
ماري كلود هوبير.
Marie
Claude Hubert |
|
الإخراج المسرحي تطوره ومحاولته مسرحة الجسد. |
دراسة لأندري فاينستاين وجورج بانو (إعداد وترجمة). |
|
الساموراي (أو ) دراما الشعور. |
أنطونان أرطو. |
يتضمن العمود الأول في هذا الجدول عناوين المقالات المتعلقة
بالمسرح الموجودة في الكتاب، مع ضرورة الإشارة إلى أن العنوان
الأخير يتعلق بنص مسرحي قصير لأرطو. أما العمود الثاني فيتضمن
أسماء الكتاب الأصليين. ولذلك فان المترجم لم يدع بأنه مؤلف، وبأنه
اشتغل على المواضيع التي تطرقت إليها تلك المقالات. ولكنه أشار، في
غلاف هذا الأخير، إلى أن الأمر يتعلق بـ (إعداد وترجمة). بل إنه
استعمل أحيانا، كما هو واضح من الجدول، عبارتي (تلخيص وترجمة،
وإعداد وترجمة)، وإن لم يذكر مصادر الترجمة.
وعليه، لا يجمع بين كتابي "الجسد في المسرح" و"المسرح وفضاءاته" لا
الموضوع ولا المنهج. إن "الجسد في المسرح" تجميع لعدة مقالات
مترجمة، وهي لكتاب مختلفين، منهم الباحث المسرحي ومنهم المخرج
المسرحي. بينما الأمر لبس كذلك بالنسبة لكتاب "المسرح وفضاءاته"،
الذي هو تأليف وليس ترجمة. فضلا عن كونه يتسم بوحدة الموضوع.
والسؤال الجوهري هنا، هو هل تلك المقالات الموجودة في كتاب "الجسد
في المسرح" هي من النقد المسرحي المغربي ؟. فهل صار -على سبيل
المثال- جان دوفنيو
J. Duvignaud،
الباحث الفرنسي في سوسيولوجيا المسرح، مغربيا ! ؟. وما علاقة
كتابته بما سمي (النقد الذهني)؟. وما المراد بهذا الأخير؟. هل هو
نقد يجري في الذهن أي غير مكتوب، أم أن موضوعه الذي يشتغل عليه
مجرد وخيالي؟. وهل تتم قراءة وتحليل ما يجري في الذهن أم ما هو
مدون على الورق أو معروض على الخشبة؟، وهل الاشتغال في البحث
والنقد المسرحيين يكون على موضوع مجرد وخيالي؟. وهل، مع هذا
التساؤل الأخير، يجوز الحديث عن البحث العلمي؟. وما علاقة هذا
النقد الموصوف بالذهني بسوسيولوجيا المسرح؟، وكذلك ما علاقته
بالجسد في حالة تمثيل والإخراج المسرحي؟. وهل يجوز وصف بحث مسرحي
موضوعه الفراغ أو الخيال -حسب قوله- بكونه متميزا؟.
هذه أسئلة تبدو لي جوهرية وأساسية. وقبل تقديم مفتاح يمكن من معرفة
المراد بهذا النقد الذهني، يجب التنبيه إلى أن سوسيولوجيا المسرح
عامة، ومنها سوسيولوجيا المسرح عند جان دوفينيو، بل إن البحث
والنقد المسرحيين، بصفة عامة، يكون موضوعهما موجودا بالفعل ومحددا
وليس خياليا. أما المفتاح المشار إليه، فيبرزه هذا الكلام المقتطف
من مقالة سعيد الناجي المشار إليها سابقا. يقول فيها هذا الأخير:
"هذا التميز النقدي يسم أغلب المطارحات النقدية التي أشرنا إليها،
حيث نلفي انهماكا بالكشف عن علاقة المسرح بالجسد ومساهمة هذا
الأخير في توطيد هوية المسرح المجرد، أي دون انتمائه إلى المسرح
المغربي، ونجد انشغالا بفضاءات المسرح وامتدادات برشت، وكأن النقاد
بدأوا يشتغلون على مسرح متخيل يحلمون به غير موجود بالفعل في
التجربة المسرحية بالمغرب".
ينسب سعيد الناجي في هذا الكلام كتاب "الجسد في المسرح" لحسن
المنيعي. ذلك أن هذا الأخير -حسب قول سعيد الناجي- انهمك في (وليس
انهمك بـ) الكشف عن علاقة المسرح بالجسد. ولذلك، فان هذا الكتاب
الأخير من النقد المسرحي المغربي، أي ليس ترجمة؛ حاول فيه حسن
المنيعي -حسب سعيد الناجي- توطيد هوية مسرح مجرد، أي مسرح غير
مغربي. وحسب منطوق بعض الكلمات (مسرح مجرد، مسرح خيالي، يحلمون،
غير موجود) فان حسن المنيعي اشتغل على موضوع خيالي. ولما وجد أن
محتوى الكتاب لا يتعلق بالمسرح المغربي فعلا، وضع افتراضا تتضمنه
الجملتان الأخيرتان. حيث يبدو أن النقاد المغاربة، المقصودين في
مقالته، ومنهم حسن المنيعي، يشتغلون (لنلاحظ جيدا فعل "يشتغلون")
على مسرح غير موجود أي "مسرح متخيل" يحلمون به. وسبب هذا الافتراض
يعود بالضبط إلى اعتبار سعيد الناجي "الجسد في المسرح" كتابة شخصية
وليس مترجما. علما بأن المقالات، التي يتضمنها هذا الكتاب الأخير،
لم يشتغل فيها أصحابها على مسرح مجرد ومتخيل، وإنما على مسرح كان
موجودا بالفعل.
أمام هذه الحالة، لا بد من مراعاة زمن وظروف كتابة وهدف عدد من
المشاركين في كتاب "الكتابة النقدية عند حسن المنيعي"، الذي هو في
الأصل تجميع لمواد ندوة. وحين تحليل عدد من المقالات فيه، يتضح
تأثير الزمن والظروف التي كتبت فيها والأهداف على لغتها. ولو لم
يكن لها تأثير لما تمت الإشارة إليها هنا. إزاء هذا الوضع، هل يجوز
الحديث عن "بحث علمي" ؟.
وأنا لا أقلل من دور أي أحد، ولكنني أحلل نصوصا موجودة بالفعل،
انطلاقا من لغتها فقط. كما أنني لا أقلل من أهمية الترجمة نفسها.
ويجب القول بأن هذه الترجمات وغيرها للمترجم، كان لها دور هام في
نشر الثقافة المسرحية بالمغرب. لكن من أبجديات البحث العلمي
التمييز بين الكتابة الشخصية والترجمة.
واللافت للانتباه هنا، هو أن المعني بالأمر استمع وقرأ كل هذا،
لكنه لم يبادر إلى إنجاز دراسة تصحيحية، تضع الأمور في إطارها
الصحيح، أو على الأقل التنبيه إلى ذلك. لاسيما وأن هؤلاء الذين
"يلوون أعناق النصوص" والمصطلحات (مصطلح الأنثربولوجيا على سبيل
المثال) بل والكتب، كما هو ثابت بالنص، مريدون. لكن، يبدو أن
الرغبة تغلبت على التنبيه والبحث العلمي. ومنطلقي في هذا الاستنتاج
هو النصوص فقط.
ووصف "مريدين" تشخيص لوضع قائم. وانطلاقا منه أتساءل: هل بإمكان
المريد أن يمارس نقدا معرفيا تجاه اجتهاد شيخه، أو يدرسه بموضوعية
وتجرد، كما هو، دون تدخل لا للمصلحة ولا للعاطفة؟. والمراد من ذكر
الشيخ والمريد هنا، وعلاقة العنف الرمزي والخضوع التي تنشأ بينهما،
حسب المنظور التقليدي، أيا كان هذا الشيخ وهذا المريد، ليس بهدف
الإحالة على المجال التعليمي، وإنما المراد من هذا الذكر هو
الإحالة على المجال الثقافي والبحث العلمي خاصة، حينما لا يتمكن
"الباحث" تجاه اجتهاد شيخه من التمسك بأهم مبدأ في البحث العلمي،
وهو الاستقلالية في الاجتهاد والرأي والبحث. إذا أمكنه ذلك، ساعتها
يتحول إلى منتج للمعرفة وباحث، باحث عن الحقيقة، وليس مريدا مرددا
أو مبررا.. فإذا نظر المريد إلى ذلك الاجتهاد بوصفه مريدا، يكون
بينه وبين الحقيقة حجاب. وفي هذه الحالة، هل يجوز -مرة أخرى-
الحديث عن بحث علمي؟. إن البحث العلمي هو أصلا بحث عن الحقيقة، وان
كانت هذه الأخيرة نسبية. وهل يجوز، في عصر الحداثة، التعامل مع
النقد المعرفي بعقلية الشيخ التي ترفض هذا النقد؟. وما هي الحداثة
إن لم تكن ممارسة النقد المعرفي العقلي؟.
و عليه، ليست هناك كتابة نقدية أو بحثية أو مترجمة منيعة عن النقد.
وأنا لا أتحدث هنا، في هذه التوطئة، إلا عن الكتابة المترجمة، وليس
عن الكتابة الشخصية. وبديهي أن النقد يمكن أن يشملهما معا. هذا،
علما بأن مفهوم المناعة، في هذا السياق، يتنافى مع مفهوم الحداثة.
ذلك أن مفهوم المناعة هنا يجعل من الكتابة النقدية أو البحثية أو
المترجمة مقترنة بـ"المطلق" وليس بالنسبية. وهذا هو جوهر الفكر
التقليدي.
بناء على كل ما سبق، أتساءل : متى يتم الانتقال من خطاب المصلحة
والعلاقة الشخصية إلى خطاب العقل في مجال البحث المسرحي بالمغرب؟.
وإذا كان ميدان العلاقة الشخصية، في هذه الحالة، وميدان السياسة
كذلك هو المصلحة، التي هي من طبيعته، وهذا أمر عادي، فان أداة
البحث العلمي هي العقل من حيث هو عقل. لا يجب أن يتأثر لا بالمصلحة
ولا بالعلاقة الشخصية. وهذا لا يعني أن الباحث عليه أن يتجرد من
مواطنته، ويبتعد عن ممارسته لمستلزماتها، كلا أو جزء، في الحياة إن
أراد؛ وإنما عليه أن يتجرد من كل ما يعرقل البحث العلمي. بل إن
الباحث الحقيقي، المتمسك بأصول البحث العلمي حقيقة، هو الذي ينتقد
ويستدرك ذاته نفسها واجتهاده، إذا ظهر ما يدعو إلى ذلك. فكيف يكون
الأمر بالنسبة لاجتهادات الآخرين؟.
إنني وأنا أقوم بهذا التحليل -في هذه التوطئة- المعتمد على النصوص
فقط، ومادة النصوص البحثية والنقدية الأساسية هي اللغة، التي هي
موضوع تحليلي، أدرك بأنه، رغم ذلك، قد تكون له ردود فعل شخصية
-استبعد أن تكون معرفية، وأرجو أن تكون معرفية- عند بعض الباحثين
في مجال المسرح بالمغرب. وهذا يكشف صعوبة الظروف الثقافية لممارسة
البحث بعقل حر الآن أحيانا، بجدية ومثابرة، حينما يكون الموضوع
متعلقا بالبحث والنقد المسرحيين المغربيين. لاسيما إذا كان هذا
الموضوع متعلقا باجتهادات وعطاءات ثقافية لباحث وناقد ومترجم مرتبط
بحساسية غير ثقافية، إما بالاندماج أو التعاطف، لها امتدادات في
مجالات ثقافية. تتخذها هذه الحساسية قواعد خلفية لها، مستعملة في
مجال الثقافة أساليب ليست من طبيعتها، بحثا عن الأشياع والأتباع.
علما بأن ماضي هذه الحساسية ليس مماثلا لحاضرها، بعد أن امتحنها
الواقع، وبعد أن تم الانتقال من الخطاب إلى الممارسة. فتبين أن
هناك فرقا بينهما. هنا يكون تسخير الثقافة في صراع ظرفي غير ثقافي،
بالمعنى الحصري لمفهوم الثقافة. وهذا يتنافى مع الحداثة الثقافية.
وهي، أي تلك الحساسية، تستعمل لمحاربة الرأي المخالف والحر شتى
الوسائل والأساليب، على "الخشبة" وفي الكواليس، رغم أنها ليست
طرفا. وهذا يؤكد، وبالملموس، أن جوهر التفكير التقليدي، المحارب
للرأي المخالف والحر، مازالت له قلاع في حياتنا المعاصرة. هذه
القلاع تعيد إنتاج تفكير الزاوية بأساليب وتقنيات جديدة. وعلى هذا
الأساس، يجوز القول بأن ما تغير لديها هو الشكل، أما الجوهر فبقي
واحدا : قمع الفكر الحر.
وهنا لا بد من التذكير بأن هدف الثقافة، والبحث العلمي خاصة، هو
الحقيقة ولو في نسبيتها. هذه النسبية تفتح المجال أمام تعدد الآراء
والاجتهادات، التي يخصب أو ينتقد أو يصحح بعضها البعض الآخر. وهذه
هي الفائدة المرجوة من الحرية الفكرية والاستقلال الثقافي، بعيدا
عن التنميط والرأي الواحد. وهنا بالذات يكمن الدور الطليعي للثقافة
والبحث العلمي. هذه الحرية هي بالضبط التي نقلت الغرب من ظلمات
القرون الوسطى إلى أنوار النهضة والتقدم والحداثة. ثم إن الاختلاف
في الآراء والأفكار لا يعني الطعن في الأشخاص، إلا بالنسبة للذين
ينظرون إلى الثقافة بمنظور ذاتي أساسه المصلحة، حيث يحسبون أن نقد
اجتهادهم -النقد المعرفي- مس بهم باعتبارهم أشخاصا وبها. في هذه
الحالة، يعتبر التحليل النصي والنقد المعرفي والكشف عن الانتحال
"عدوانا".
وهذا منظور تقليدي للثقافة. كل ذلك لا يمكن أن يؤدي إلا إلى
التقليد، وتكريس التخلف الثقافي، ومحاربة الاجتهاد العقلي. هكذا
تتبدى مكشوفة مفارقة لافتة للانتباه. ذلك أنه في الوقت الذي ينهل
هؤلاء من ثقافة غربية، لا تعتبر النقد المعرفي والمناقشة العقلية
عدوانا، بل سبيلا للتطوير، يلاحظ لدينا الآن العكس. فهل يتعلق
الأمر بتجذر التقليد ؟. إذا كان الجواب بالإيجاب فإن هذا يدعو،
وبإلحاح، إلى الفصل التام بين الشخص وعطاءاته الثقافية. فليس نقد
ومناقشة هذه نقدا ومناقشة للشخص.
أضف إلى ذلك، أن لكل مجال خصوصياته. وعدم التمييز بين المجالين،
وعدم ترك المجال الثقافي حرا ومستقلا، يعني وضع عائق حقيقي، يقف
أمام تقدم المعرفة المسرحية والنقد المسرحي اليوم بالمغرب والمعرفة
والثقافة بصفة عامة. من تجليات هذا العائق، في هذا الأخير، ما تم
الكشف عنه في هذه التوطئة. وما كان لهذا الموضوع أن يطرح هنا، لو
تعلق الأمر بأبحاث وترجمات باحث ومترجم مستقل. وما كان أن يطرح
أيضا لو لم تكن له تداعيات خارج الحقل الثقافي الصرف. لكن رغم
الصعوبات والعراقيل المتعددة الأشكال، لا ينبغي، مع ذلك، الاستسلام
لتوجه يجعل من الثقافة ذيلا وخادما في معركة تتخذ من المناورة
سبيلا لها، مع ما يصاحب تلك المعركة من انعكاسات سلبية على اللغة
الواصفة بالنسبة للمندمجين أو العاملين لفائدة تلك الحساسية، وليس
لفائدة استقلال الثقافة وحريتها من حيث المبدأ. ليس اقتناعا بها،
وإنما طلبا للمكافآت والامتيازات. إن سبيل البحث العلمي واللغة
الواصفة الدقة والوضوح وليس المناورة والمجاملة والمدح. لا ينبغي
الاستسلام مادام الدافع دافعا ثقافيا خالصا، ومادام الأمر متعلقا
بالحرية الفكرية. هذه الحرية لو لم يتمسك ليسينج (1729-
1781)
الألماني بها -على سبيل المثال- لما تمرد على أستاذه جوتشيد (1700-
1766).
وهو "لم يكتف بإعلان العصيان على أراء أستاذه، ولكنه أنكر عليه
أيضا دوره، ويرى أنه أضر بالمسرح الألماني أكثر مما أفاده".
فكيف هو حال "البحث العلمي" في مجال المسرح بالمغرب اليوم؟. الجواب
تقدمه هذه التوطئة. وهو جواب تحليلي موثق، وليس مجرد رأي أو موقف.
على أنه من الواجب الإشارة إلى أن الأمر فيها يتعلق ببحث معرفي،
أساسه التجرد والموضوعية. ولذلك فكل شيء فيها موثق ومضبوط.
في هذا الإطار، أشير إلى أنه سبق لي أن قمت بتحليل لكتاب "المسرح
وفضاءاته" لمحمد الكغاط. وقد استمع هو نفسه إلى هذا التحليل، قبل
وفاته (1940-
يونيو
2001)،
في ندوة عقدت لمناقشة الكتاب بالخميسات نهاية
1998.
وفور انتهائي من إلقاء تحليلي أبدى إعجابه به، ونوه به أمام
الحاضرين. وقال بالحرف : "إنك فتحت لي أفقا جديدا للبحث". وقد بدأ
كلامه بكلمة "شكرا" بنبرة خاصة. وهذا التحليل منشور في كتابي
"دراسات في المسرح".
وكذلك قمت بتحليل كتاب "الشخصية في المسرح المغربي بنيات وتجليات"
لعز الدين بونيت. وهو منشور أيضا في كتابي السابق الذكر، وكانت
الأمور عادية. وما أظن أن الباحثة السوفياتية ألكسندروفنا
بوتينتسيفا، لو تمكنت من قراءة تحليلي لكتابها "ألف عام وعام على
المسرح العربي"، المنشور فيه أيضا، ستمتعض وتنـزعج منه، لاسيما إذا
كان التحليل معززا بالحجج. كما حللت كتبا أخرى أيضا، وهذا منشور
ومعروف. لكن في هذه المرة شعرت بالرغبة في الانتقاص من حريتي،
وبالتالي تجريدي من جزء من ذاتي منذ نشري لكتاب "الوجه والقناع في
المسرح". لكن التاريخ علمنا أن المثقفين الأحرار، وبفضل إصرارهم،
هم الذين أضاءوا دروب الحرية الفكرية المظلمة بشموعهم المضيئة،
وليس قناصي الفرص ومنتهزيها. ولئن قست الظروف على هؤلاء المثقفين
الأحرار أحيانا، فإن التاريخ أنصفهم.
وهنا أقول إني لا أستهدف أي "مشروع"، إن كان هناك فعلا مشروع في
مجال البحث المسرحي بالمغرب، بالمعنى الذي يفهم من كلمة مشروع لدى
محمد عابد الجابري، الذي لديه فعلا مشروع يتوخى منه نقد العقل
العربي. ولكنني أحلل نصوصا تحليلا معللا وموثقا، حسب اجتهادي
ومنظوري. ولذلك فأنا لا أقدم آراء، بل أقوم بتحاليل تتعلق بنصوص
موجودة بالفعل، التي إليها يكون الاحتكام، إن كانت هناك زلة أو خطأ
غير مقصودين، من الواجب تصحيحهما من قبلي أو من قبل غيري، دون تحجر
أو تعصب أو انغلاق على الذات. ثم إنني ضد الانتحال وضد من يزكيه،
لأنه غير مقبول علميا وأخلاقيا. ولا يمكن لأي باحث حقيقي، الذي
ينشد الحقيقة وليس المصلحة، سواء أكانت هذه الأخيرة معنوية أم
مادية، إلا أن يكون ضده. وحتى إذا كان هناك مشروع وخضع للمناقشة
والتحليل والنقد، فما هي المشكلة هنا؟ لاسيما إذا خضع هذا المشروع
المفترض لنقد مرتكز على أسس معرفية. ألا تتطور المعرفة بالمناقشة
والتحليل والنقد؟.
وأود أن أشير هنا، رغم أنه لا قياس مع وجود الفارق، إلى أن مشروع
محمد عابد الجابري خضع للتحليل والحوار والمناقشة والنقد، كما هو
واضح في كتابه "مواقف".
في هذا الإطار، أود أن أقتطف مثالا دالا على ذلك. قال كما عبد
اللطيف عن مشروع الجابري : "يمكن أن نتبين من السرد الاستعراضي
السابق أننا أمام باحث منخرط في حقل الممارسة الفلسفية المعاصرة،
وهو يحاول
بواسطة الأدوات المتبلورة داخل هذه الفلسفة مواجهة التراث العربي
والايديولوجية العربية المعاصرة، ومعضلة التأخر الثقافي العربي.
لكنه في نفس الوقت يتحدث عن "استقلال الذات العربية"، وهو يتحدث عن
هذا الاستقلال في خاتمة الخطاب العربي المعاصر، ويعيد نفس الحديث
بصورة مكثفة في الخلاصات الأساسية التي يقدمها في الجزء الثاني من
نقد العقل العربي وهو يربط دفاعه عن "استقلال الذات العربية" في
الخطاب العربي المعاصر بنقده للنماذج النظرية المرجعية التي تؤطر
ممثلي الايديولوجية العربية المعاصرة.
نحن نشعر بغرابة هذا الموقف لأنه يؤشر على ازدواجية كنا نعتقد أن
أبحاث الجابري لا تدخل في دائرتها، نقصد بالازدواجية هنا نقده
للنماذج، واستعانته بالنماذج، سواء في التفكير أو في البرهنة أو في
النتائج المتوصل إليها.
لقد انتقد الجابري المنظومة المرجعية الغربية، اللبيرالية
والماركسية الدوغمائية، وقد أطلق عليها اسم "سلف الليبرالي
والماركسي العربي". وانتقد المنظومة العربية والإسلامية "سلف
الشيخ"، وأثناء نقده للمنظومات المرجعية المذكورة كان يستعين
بالتراث الفلسفي الغربي في أبعاده النقدية (استعارته لمفاهيم نماذج
تحليلية فلسفية معاصرة وهيمنة إيحاءات النهضة الأوروبية على مشروعه
النقدي ككل). ويدعو إلى تتميم ما بدأته الرشدية والخلدونية ومباحث
الأصول التي أنتجها الشاطبي، فهل يتعلق الأمر بتوفيقية جديدة؟ وهل
"الاستقلال" المقصود مزيج من قبيل ما ذكرنا؟".
في الفقرة الأولى من هذا الكلام المقتطف تحديد للقضية موضوع
المناقشة، وهي استقلال الذات العربية من جهة، واستعمال أدوات الغرب
المعرفية من جهة أخرى. ثم إبداء ملاحظات، ومنها استعارة مفاهيم من
الغرب، وتقديم انتقادات في صيغة تساؤلية بالنسبة لبعضها.
ومع ذلك، لم يشمئز الجابري من التحليل والحوار والمناقشة والنقد.
ولكنه واجه كل ذلك بالحوار، الحوار العقلاني وليس العاطفي. وكان كل
ذلك، أي التحليل والحوار والمناقشة والنقد، سواء بالنسبة للجابري
أو محاوريه، مبنيا على أسس معرفية؛ حيث لا مكان للمدح والمجاملة
على حساب البحث والنقد، وحيث كانت مناقشة التصورات والأفكار
اعتمادا على النصوص وحدها دون سواها. وقد قال عن مناقشات وانتقادات
المساهمين المتعلقة بمشروعه الثقافي، ومنها مناقشات وانتقادات كمال
عبد اللطيف : "كان هؤلاء متابعين للدراسات والأبحاث الابستيمولوجية
مما جعل مناقشاتهم للمشروع مناقشة العارفين المتابعين" و"كانت
تدخلاتهم مساهمات حقيقة في
المشروع نفسه".
وقد تبين لي، من خلال قراءتي لتلك التدخلات، أنها كانت تركز على
الجانب المعرفي فقط، في إطار حوار عقلاني رفيع المستوى. ولم يتم
إقحام أي اعتبار غير الاعتبار الثقافي الخالص.
وعودة إلى البحث المسرحي بالمغرب اليوم، يبدو لي أن الأمر، في
نهاية المطاف، يتعلق بمواجهة الحقيقة للمصلحة، والحداثة للتقليد
المقنع بالحداثة. ومواجهة توجه لآخر، أحدهما ينطلق من النصوص،
وثانيهما ينطلق من الأشخاص. وطبيعي أن يكون الاختلاف بينهما، وذلك
لاختلاف المنطلقات.
وهناك أمر آخر أود أن ألفت النظر إليه، وهو أن قارئ المتن البحثي
والنقدي المسرحي المغربي قد يجد أحيانا في بعض المقدمات ذكرا
للعلوم الإنسانية وعلاقة النقد المسرحي بها. لكن المتن نفسه يخلو
من استعمال علم من تلك العلوم، بل قد يكون هذا المتن مشحونا
بالمواقف الايديولوجية حينا، ومتأثرا بالعلاقات الشخصية حينا آخر.
فيغدو ذلك الاستعمال من قبيل الاستهلاك لا غير. ويحدث أن يشوب ذلك
المتن خليط نظري يصل أحيانا إلى حد التناقض.
كما قد يصادف القارئ لهذا المتن عبارات من قبيل : "لقد صار لزاما
على المسرحيين المغاربة..."
و"على المسرح المغربي أن يتبنى نبض الشارع المغربي..."
و"على المسرحيين المغاربة ألا ينسوا أن الجمهور يتكون من فئتين
اثنتين..."
و"سيأتي علينا يوم ينقرض فيه الذين يمارسون المسرح الآن ولن نجد
لهم بديلا".
وهي عبارات، فضلا عن عموميتها ولغة الإلزام التي تتنافى مع حرية
الإبداع، ترتبط بدعوة وليس بالتحليل، وفق المفهوم الذي سيتم التطرق
إليه في المدخل المنهجي في هذا الكتاب. والدعوة إبداء لرأي شخصي
وليست تحليلا. لذلك كانت العبارات السابقة قد تصدرتها عبارات أخرى
تركزت حول الذات، وهي : "إنني لا أنكر..." و"هذا لا يعني أنني
أرفض..." و"أرغب في كوميديا تعتمد ضحكا يأتي كمتنفس أو تحرير...".
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لا يوجد تصور واحد وموحد للمجتمع،
فحتى المسرح الذي ينعت بكونه تجاريا (وهو كذلك) يقدم نفسه اليوم
بالمغرب باعتباره "مسرح الشعب" و"مسرح الحي" !.
وقد لاحظت أن المعلومات والأفكار والمصطلحات، التي يتم نقلها أو
ترجمتها أو اقتباسها من كتب غربية تتسم عموما بالدقة، والفصل بين
الذات والموضوع. وبالمقابل، حينما يتعلق الأمر بعطاء شخصي تحضر
الذات (مع تضخيمها باستعمال ضمير "نحن" للدلالة على المفرد
المتكلم)، والتعميم أحيانا. وهذه مفارقة جديرة بالبحث والتأمل. ولا
تعوزني الأدلة في هذا الصدد. وأكبر دليل على هذه المفارقة هنا هو
اعتبار الترجمة "تأليفا"، أي كتابة شخصية. فهل الكتب المسرحية
الغربية، التي اعتمد أو رجع إليها عدد من الباحثين المغاربة اليوم
في مجال المسرح، تجعل الترجمة تأليفا؟ أي هل تجعل الترجمة كتابة
شخصية للمترجم؟. ألا يتم التمييز في تلك الكتب بين الترجمة
والكتابة الشخصية؟.
بناء على كل ما سبق، هل يمكن الذهاب إلى حد التساؤل فيما إذا كانت
العقلية السائدة في البحث المسرحي بالمغرب هي عقلية الزاوية، وليست
عقلية البحث العلمي؟. إذا كان الجواب بالإيجاب، يبدو ضروريا تخليص
اللغة الواصفة، في مجال المسرح بالمغرب، من كل ما اعتراها من
اعتلالات. وهذا في أفق القيام بأبحاث علمية جديرة بهذا الوصف.
تعتمد على العقل وليس على العاطفة، أسوة بالبحث الفلسفي بالمغرب،
الذي يبدو أنه قطع شوطا مهما في درب العقل والعقلانية.
الفصل
الثاني
مدخل منهجي
نحو تحليل
دراماتورجي
يمكن القول بأن التحليل الدراماتورجي للنص الدرامي تحليل يرتكز، في
المقام الأول، على البنية الدرامية. يحاول هذا التحليل الإمساك
والغوص في كل العناصر المكونة لتلك البنية، باحثا عن طرائق تشكلها
ودلالاتها دون إسقاط. ولذلك فان القيام بهذا النوع من التحليل،
يتطلب معرفة دقيقة بهاته البنية الدرامية، والانتباه حتى لأبسط
جزئية فيها. وكما أن لكل دال مدلولا - بغض النظر عن طبيعة الدال-
يتضمن أيضا كل دال درامي مدلولا، يرتبط بتلك البنية نفسها. ومفهوم
التحليل، المحدد هنا بكونه دراماتورجيا، يفيد تفكيك وتشريح البنية
الدرامية إلى عناصر وأجزاء، ثم تقديم رؤية تركيبية لها. إن الهدف
من هذا التحليل هو الوقوف على كيفية تركيب ونسج تلك البنية فضلا عن
دلالاتها، أي الإمساك بأسرار النص الدرامي وآليات الخطاب وكيفية
اشتغاله لإبلاغ رسالته.
هذا الإمساك لا يتحقق باستعمال المقاربات التي تعتمد على الإسقاط
والتحليل الخارجي، سواء كان هذا الخارج مرجعا فرديا، أي ذاتا بشرية
فردية، أم مرجعا عاما(المجتمع)، ولكن يتحقق بفضل المقاربات التي
تعتمد على التحليل الداخلي. من هنا اكتسب مفهوم التحليل
الدراماتورجي قيمته وأهميته. وهو مفهوم جديد وحديث يستعمل بوصفه
أداة لسبر أغوار البنية الدرامية تحديدا.
هذا المفهوم يتكون في الحقيقة من مفهومين مترابطين هما : التحليل
والدراماتورجي. والعلاقة اللغوية النحوية الجامعة بينهما هي علاقة
صفة بموصوف. ومحتوى كل منهما جديد وحديث في الثقافة العربية
المعاصرة. وإذا لم يظهر المحتويان إلا فيها، مقارنة مع نظيرتها
الثقافة العربية القديمة، فمن المؤكد أن المحتويين انحدرا إليها من
الثقافة الأوروبية.
دليل ذلك، أن لكلمة تحليل في "لسان العرب"
ارتباطا في معناها بالتصور الديني الإسلامي، ذلك أن هذا المعنى
يتعلق بالحلال الذي هو نقيض الحرام. وسائر الكلمات المشتقة من مادة
"حلل"،
في ذلك اللسان، لا صلة لها إطلاقا بالمعنى المتداول اليوم في النقد
الأدبي والفني المعاصر. إن معنى التحليل المتداول اليوم في هذا
النقد، تم تحديده في المعجم الفرنسي "Le
petit Robert".
في هذا المعجم الفرنسي المذكور، تم تحديد الاسم "تحليل" "Analyse"
باعتباره "عملية ثقافية الهدف منها تفكيك أثر أو نص وعناصره
الأساسية، من أجل معرفة العلاقات القائمة بينها وتقديم خطاطة عن
الكل". ولم يقتصر هذا المعجم على الإشارة إلى ارتباط كلمة "تحليل"
بالأثر والنص عموما، ولكنه أشار أيضا إلى أن "التحليل" يتعلق
بمحتوى الكلمة الواحدة، انطلاقا من المعاني التي يمكن أن تكتسبها
في سياقات متعددة. ثم إن التحليل "فحص برهاني الغاية منه التمييز
بين العناصر"، وفي هذا الصدد يكون الكلام عن تحليل الرغبات، تحليل
المعتقدات والأحكام...
ولم يخرج الفعل المشتق "حلل" "Analyser"
من الاسم السابق عن هذا الإطار الدلالي. إنه يعني القيام بالتحليل
والدراسة والفحص. هذا علاوة على معنى التحليل في الرياضيات.
هكذا يتضح كيف أن كلمة تحليل لها مضمونان مختلفان اختلافا جذريا،
ولكل منهما مرجعية تختلف إحداهما عن الأخرى. إن مضمون كلمة تحليل
في
الثقافة العربية القديمة، كما تم بيان ذلك، ذو ارتباط بالتصور
الديني الإسلامي. وعليه، فلا علاقة لهذا المضمون دلاليا بكلمة
تحليل المتداولة في الخطابات النقدية العربية المعاصرة. إن مدلولها
القديم لا يفيد تحليل نص أو أثر أو جملة أو كلمة. ولكن مدلولها
مرتبط بتعامل اجتماعي وعقائدي مقبول في ذلك التصور.
ولا شك، أن المعنى المتداول اليوم الخاص بالكلمة المقصودة في النقد
الأدبي والفني العربي المعاصر يقطع مع المعنى العربي القديم. إن
هناك انتقالا من مرجعية عربية إسلامية قديمة إلى مرجعية أخرى غربية
لا علاقة لها بالدين، وإنما هي مرجعية عقلانية.
هاته المرجعية العقلانية هي منطلق وأساس النظر في الكلمة المعنية
في المعجم الفرنسي السابق الذكر. وانطلاقا منها تم تحديد العقل
التحليلي بكونه ينظر إلى الأشياء من خلال العناصر المكونة لها.
وعليه، فإنه ينظر إلى الأشياء في ذاتها، كما هي.
نستنتج إذن -بناء على ما سبق- أن مفهوم التحليل اليوم لا يكون
المنطلق فيه تصور قبلي، بغض النظر عن طبيعة هذا التصور، يحدد الهدف
المراد الوصول إليه سلفا؛ وقد يكون هذا التصور قاعدة لإصدار حكم أو
أحكام. ولكن المنطلق هو الرغبة في استكشاف مكونات موضوع التحليل عن
طريق وصفها وصفا يعتمد على الملاحظة. وعلى هذا الأساس، يكون
التمييز بين الإسقاط والتحليل، وبين هذا الأخير والانطباعات
الشخصية.
ولئن كان "لسان العرب" قد نظر إلى مفهوم التحليل من منظور ديني
إسلامي، فإن "المعجم الوسيط"
حافظ على هذا المنظور، لكنه أضاف إليه جديدا. يتمثل هذا الجديد في
تحليل الجملة والتحليل النفساني. ومفهوم التحليل في هذا الجديد
يتناسب مع مفهوم التحليل في المعجم الفرنسي السابق الذكر. مع
الإشارة إلى أن "المعجم الوسيط" لم يتضمن عددا من المعاني الجديدة
المرتبطة باشتقاقات المادة الأصلية نفسها. دليل ذلك أن المعجم
الفرنسي أورد مفهوم المحلل
L’analyste
وحدده في كونه يتعلق "باختصاصي" في نوع من التحليل. بينما اقتصر
"المعجم الوسيط" على ترديد مفهوم المحلل وفق المنظور الديني
الإسلامي. ولذلك فان هذا المعجم الأخير جمع بين مرجعيتين
متباينتين. ومرد هذا الجمع يعود إلى الارتباط بثقافتين مختلفتين.
مصدر إحداهما الدين، ومصدر ثانيتها العقل.
لقد طرأ على مفهوم التحليل جديد في الثقافة العربية المعاصرة. هذا
الجديد وليد تطور المعارف والعلوم والانفتاح الثقافي. ورغم شيوعه
في عدد من الكتابات والدراسات العربية المعاصرة اليوم، فإن ذلك لا
يعني أنه واضح وضوحا كافيا، بحيث لا يختلط بغيره كالانطباع
والإسقاط مثلا. إن هذا الأخير يفيد إخضاع موضوع "التحليل" لتصور
قبلي. هذا التصور يكون حاجزا دون إنتاج معرفة تحليلية نصية حقيقية،
تشتغل على موضوعها بعيدا عن الخلفيات الايديولوجية والذاتية.
هكذا، يبدو كيف أن التحليل هو في الحقيقة تفكيك بنية إلى أجزاء
وعناصر، بهدف معرفة كيفية تركيبها ودلالتها. وهذا لا يتحقق إلا
بالفصل التام بين الذات والموضوع، بين المحلل
L’analyste
وموضوع التحليل. وهذه قاعدة أساسية بالنسبة للتحليل الذي يسير في
طريق العلم.
والتحليل ليس هو إصدار حكم. غير أنه إذا كان مجديا إصدار حكم فلن
يكون إلا بعد إنجاز الخطوة الرئيسية والضرورية، وهي التحليل ذاته.
وهذا يدل على أن الحكم يعقب التحليل ولا يتصدره منطقيا، وليس على
صعيد الكتابة بالضرورة. وكل حكم صادر في غياب التحليل الملموس، أي
الحجج والبراهين النصية، هو حكم غير معلل، وانتفاء التعليل يعني
انتفاء التحليل.
كانت الفقرات السابقة متعلقة بمفهوم واحد هو التحليل دون زيادة
أية صفة. أما الآن فسأنظر في شأن هذا التركيب : التحليل
الدراماتورجي. إن الصفة "دراماتورجي" تقوم بحصر مفهوم التحليل في
إطار محدد. لذلك فإنها ضيقت من شساعته. ثم إنه منها اكتسب نوعيته
هنا. ولأن الأمر كذلك، وجب علينا أن نقوم بفحص مدلول هذا الدال :
"الدراماتورجي".
إن تركيب هذه الصفة، على المستويين الصوتي والصرفي، يدل على أنها
غير عربية في الأصل. وهذا لا يحتاج إلى بيان، لأنه بين بنفسه. لذلك
لا نبحث لها عن وجود مفترض في الثقافة العربية القديمة، مثلما كان
الأمر مع مفهوم التحليل. إنها حديثة في الثقافة العربية. أما أصلها
فهو اللغة اليونانية. في هاته اللغة الأخيرة، هناك عدة كلمات تشتق
من الفعل اليوناني
Dram
أي فعل، ومنها الكلمة/الصفة، الصفة المذكورة آنفا.
إضافة إلى تلك الصفة، هناك أيضا الدراما
Le drame
ودرامي
(Dramatique
Dramatikos)
ودراماتورج Dramaturgos
Dramaturge))،
والدراماتورجية (Dramaturgéo
Dramaturgie).
كل هذه المصطلحات تنحدر من جذر واحد. لكنها تختلف في اللواحق. هاته
الأخيرة أساس التمييز بينها صوتيا ومعنويا. فكلمة
Dramaturgos
اليونانية تتركب من
Dramato
وergos.
الأولى تعني، حسب "المعجم المسرحي" لماري الياس وحنان قصاب حسن،
العمل المسرحي؛ والثانية تعني الصانع. وعليه، فان الكلمة المركبة
منهما تدل على الصانع، صانع العمل المسرحي، أي المبدع المسرحي
وبالتحديد المؤلف. غير أن الكلمة المقصودة اكتسبت مدلولا جديدا في
العصر الحديث. هذا المدلول ينعت بكونه ألمانيا. ذلك أنها لم تعد
تدل على مؤلف النص الدرامي، وإنما على الشخص الذي يهيئ نصا دراميا
ليغدو قابلا للمسرحة. هذا الأخير، يضع في اعتباره العرض المسرحي.
لذلك فهو يعتني بجميع الشروط التقنية والفنية اللازمة حين الإخراج
المسرحي.
وسواء تعلق الأمر بالمعنى الأول أم بالمعنى الثاني لكلمة
دراماتورج، فان الـذي يهم المحلل ليس الصانع ولكن صنعته. هاته
الصناعة المسرحية هـي
موضوع التحليل الدراماتورجي.
ولهاته الصناعة، كسائر الصناعات، لغتها. إنها اللغة المسرحية.
وهاته الأخيرة، كما هو معلوم، مكونة من لغات متعددة، تتكامل فيما
بينها لإنتاج المعنى والدلالة المسرحية. لذلك فهاته اللغات أجزاء
في بنية هي البنية المسرحية. والسؤالان المركزيان هنا هما : هل
اشتغل البحث المسرحي المغربي، لحد الآن، على مكونات هذه البنية أو
البنيات أم على حواشيها وهوامشها أي على ما يحيط بها؟. وهل تم فعلا
ذلك الاشتغال، مع افتراض وجوده، بلغة تحليلية وفق ما تم بيانه
هنا؟.
قبل الجواب عن هذين السؤالين، من المفيد تحديد مكونات اللغة
المسرحية. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أنه أضحى شائعا
اليوم بأن هذه الأخيرة تتكون، في الحقيقة، من لغات وليس من لغة
واحدة، تختلف هذه اللغات في وسائل التبليغ. غير أنها تتضافر فيما
بينها لتحقيق التواصل المسرحي. وهو تواصل حي ومباشر بين الخطاب
المسرحي المعروض والمتلقي. ومادامت هذه اللغات تختلف في الوسائل،
التي قد تكون ألفاظا أو إشارات أو حركات أو أصواتا أو صورة
سينمائية أو أيقونة أو موسيقى الخ.. فإن كل لغة لها سننها الخاص.
وعلى المحلل أن ينتبه إلى كل هذه اللغات، والتفاعل الحاصل بينها،
ووظائفها داخل الخطاب المسرحي. وعليه، يبدو واضحا، من خلال هذا
الكلام الأخير، أن هذا الخطاب يعادل العرض المسرحي. وهذا الأخير
يتكون من النص الدرامي مضافا إليه نص الإخراج المسرحي.
والنص الدرامي يتركب بدوره من صنفين من النصوص هما : نص الحوار
الدرامي أو خطابات الشخصيات، ونص الإرشادات المسرحية أو خطاب
المؤلف الدرامي. غير أن هذا الخطاب الأخير يسقط من التحليل حين
تحليل العرض المسرحي، اللهم إلا إذا كان الأمر متعلقا بمقارنة في
هذا المجال، أي مقارنة خطاب الإرشادات المسرحية النصية وكيفية
تعامل المخرج المسرحي معها. ولذلك فإن تحليل نص درامي هو تحليل
لهذين الخطابين تحليلا كليا وشاملا وليس جزئيا. هنا يمكن أن نتحدث
عن "عرض مسرحي" بالقوة وليس بالفعل، تجري وقائعه وأحداثه و"مشاهده"
في الذاكرة دون مشاهدتها. والحوار الدرامي يقتضي حدثا دراميا
وحكاية، وحتى اللاحدث، أي الحدث المتشذر، يعتبر حدثا دراميا؛ كما
تعتبر اللاحكاية، أي الحكاية المتشذرة، في النص الدرامي حكاية
درامية. ذلك أن الحكاية في المسرح الغربي المعاصر، وخاصة في مسرح
العبث، تلاشت، وتلاشى معها الحدث. وقد بينت أبحاث غربية أن سبب هذا
التلاشي يعود إلى أزمة الشخصية المسرحية.
وأزمة
هذه الأخيرة، بالنسبة لمسرح العبث، مرتبطة بأزمة الموضوعات التي
نتج عنها اللاتواصل، ومن ثم اللاحكاية. "فقد كان المسرح يحكي،
ولمدة طويلة، "قصة" : كانت "الحكاية" مملكتها إلى درجة أن العقدة
بدت مكونة للنوع. وفي الأصل كانت المحاكاة الأرسطية: كان المسرح
"تقليدا" لحدث، وشيئا فشيئا، منذ بداية القرن
(القرن
العشرون)، صارت هذه الأخيرة مجزأة وذرية. (...) ودون العودة إلى
كلايست
Kleist
أو بوشنر
Buchner،
كانت هناك خطوة أولى نحو التخلص من الايهام الواقعي. مع ومنذ بيكيت
تحول الموضوع إلى هيكل. ما هي عقدة "في انتظار غودو"؟ و"المغنية
الصلعاء" أو "الكراسي" ليونيسكو؟.
(...) إن "أزمة الموضوع "تتغذى بالاعتبارات التاريخية
والايديولوجية. ماذا "يحكى" مع رعب وتعقد الواقع؟.(...) إن تحطيم
الحكاية غير منفصل عن أزمة الشخصية".
ولم يهتم مسرح الهابنينغ "Happening"
بالحكاية، ذلك أن هذا المسرح هو "شكل للعرض المسرحي مرتجل أو عفوي،
لا يسعى لا إلى سرد حكاية، أو عرض أحداث أو شخصيات. وهو يمزج بين
الموسيقى والرقص والإنارة لهدف واحد، هو إنجاز حدث واحد غير متكرر،
استدعي الجمهور للمشاركة فيه".
هذا المسار الذي قطعته الحكاية في المسرح لا يتعلق إلا بالمسرح
الغربي، وليس بالضرورة بالمسرح العربي ومنه المسرح المغربي. هذا
الأخير، على الأقل، لا توجد عنه، إلى حد الآن، دراسة نصية لها،
تجلو تراكيبها فيه وتحولاتها إن كانت هناك تحولات.
والحكاية في حاجة إلى شخصيات مسرحية. وهذه الأخيرة تتطلب فضاء
وزمانا معينين. ثم إن الشخصية المسرحية تتطلب إشارات خاصة بملامحها
سواء تعلق الأمر بلباسها أو بنيتها الخارجية أو عمقها الداخلي.
ومعلوم أن رسم هاته الملامح قد يكون في الحوار الدرامي، وفي
الإرشادات المسرحية التي هي خطاب المؤلف الدرامي كما هو معروف. على
أن هذه الإرشادات المسرحية لا تتعلق فقط برسم ملامح الشخصية
المسرحية، ولكن أيضا بالزمن والفضاء، الفضاء الدرامي النصي بصفة
خاصة. وعليه، فان الإرشادات المسرحية قد تتضمن رسم ملامح الشخصية
وتحديد الزمن والفضاء الدرامي النصي الخ.
بناء على ما سبق، يمكن القول بأن النص الدرامي يتكون من الشخصية
المسرحية النصية والحدث والحكاية والحوار الدرامي والزمن والفضاء
(هذه العناصر هي أساس أو العمود الفقري للغة الدرامية) والإرشادات
المسرحية... وعلى هذا الأساس، فان النص الدرامي يتكون من الحوار
الدرامي والإرشادات المسرحية. ولذلك فان تحليل نص درامي هو تحليل
لهذه العناصر بالذات.
أما لغة العرض المسرحي فتتكون من اللغة الدرامية ووسائل الإخراج
المسرحي الفنية : موسيقى، رقص، غناء، ماكياج، قناع، سينوغرافيا،
جسد، نبرات الصوت الخ. إن ما تضمنته الإرشادات المسرحية على مستوى
الألفاظ، يصير هنا متحققا بالفعل. وقد ثبت أن المخرج المسرحي
المبدع لا يكون أسيرا لها، وإنما يمكن أن يتصرف فيها حسب حسه الفني
ومخيلته الإبداعية، تصرفا يخضع لرؤية فنية وفكرية تضع في الحسبان
التناسق والانسجام المطلوبين بين مختلف لغات العرض المسرحي :
لفظية، حركية، موسيقية، جسدية الخ. والعلاقة بين النص المكتوب ونص
العرض المسرحي. و"هي علاقة سيرورة تتشكل تدريجيا عبر تدريبات
لتنتهي هذه المرحلة بتحديد نص التشخيص وبداية العروض المفتوحة
للجمهور دون الوصول إلى العرض النهائي، وذلك بعد تعرية النص الأصلي
من زوائده وإعداده للعرض". هذه العملية تستمر "حتى الوصول إلى
سيادة نص عرض نهائي".
ونتيجة لذلك، تكون هناك "حالة متشابكة من التأويلات يقع على ترددها
الدلالي وعي المتفرج التجربيبي
بين معرفته السابقة عن النص، وبين ما قدمه نص العرض عند تحويله من
شكل كتابي إلى شكل كتابي أخر أعد خصيصا ليقدم رؤية جديدة وعلاقات
تأويلية متجددة، صنعت بعيدا عن مبدع النص الأصلي مع الأخذ في
الاعتبار ما يدفع به الإخراج من معان جديدة بسبب تجسيد النص
المكتوب وإدخال عناصر فنية جديدة عليه لا تعتمد على الحوار المكتوب
فقط، وهي علاقة لا يمكن تجاهلها في تحليلنا".
إن التحليل المقصود في هذا الكلام الأخير يتعلق بتحليل العرض
المسرحي.
بناء على ذلك، هناك كتابة لفظية تقوم على الحوار الدرامي
والإرشادات المسرحية، وكتابة إخراجية تتعلق بالعرض المسرحي؛ تختلف
هذه الأخيرة عن الكتابة السابقة في كونها لا تقتصر على هذا الحوار
الدرامي، حيث تنتقل فيها الإرشادات المسرحية من الوجود اللفظي إلى
التجسيد الفعلي. هنا تضاف عناصر فنية جديدة لا يمكن إغفالها في
التحليل تحليل العرض المسرحي. وانطلاقا من ذلك، فان تحليل عرض
مسرحي ليس في الحقيقة تحليلا لعنصر من عناصره، وإنما يتعين على
التحليل أن يقوم بتحليل وتشريح مختلف لغات العرض المسرحي المكونة
للغة المسرحية أو الخطاب المسرحي. هذا التحليل يضطلع بأمرين،
كلاهما أساسيان، إذ يتم تحليل كل عنصر على حدة، كالكشف عن الأنماط
الموسيقية المستعملة في العرض المسرحي على سبيل المثال، ثم تحليل
طريقة ارتباطها بباقي عناصر اللغة المسرحية الأخرى، ووظائفها في
العرض المسرحي. وعلى هذا الأساس، فان كل عنصر من عناصر اللغة
المسرحية يكون في مرحلة أولى بنية، يتعين تفكيكها وتحليلها. وفي
مرحلة لاحقة، يشكل هذا العنصر جزء من بنية، هي بنية العرض المسرحي
أو الخطاب المسرحي. ونفس الأمر كذلك بالنسبة للملابس مثلا، إذ
يتعين النظر إلى نوعيتها، هل هي ملابس تاريخية أم واقعية أم
تجريدية؟ ثم ما علاقتها بالحكاية والشخصية المسرحية وباقي مفردات
اللغة المسرحية؟.
على أنه من الممكن دراسة جزء من أجزاء الخطاب الدرامي وتحليله
تحليلا داخليا. هذا التحليل قد يكون في مرحلة أولى تحليلا عموديا
أو تزامنيا يتعلق بخطاب مسرحي واحد، يعقبه تحليل أفقي يتعلق بمراحل
تاريخية مختلفة، أو انطلاقا من نصوص درامية أو عروض مسرحية مختلفة
في مرحلة ثانية. ومن هنا، يكون استخلاص ما يمكن أن يترتب عن هذا
التحليل الأفقي من خلاصات ونتائج. وفي هذا الصدد، يمكن - مثلا-
تحليل الحكاية أو الشخصية المسرحية أو الفضاء أو الزمن في المسرح
المغربي. يكون ذلك إما انطلاقا من نص درامي واحد أو عدة نصوص
درامية، تنتمي إلى حقبة زمنية واحدة أو عدة حقب مختلفة.
من هذا المنظور، أشرت في مقدمة كتابي "دراسات في المسرح" إلى
التحليل النصي المفصل والدقيق. وقد كان في ذهني تصور عن هذا النوع
من التحليل، الذي تفتقر إليه الثقافة المسرحية المغربية، وربما
العربية أيضا. وهو تحليل مرتكز على تصور نظري محدد ذهنيا، يجعل من
النص الدرامي نفسه موضوعا للتحليل دون إسقاط. كيفما كان نوع أو
طبيعة هذا الأخير.
ساعتها لم أكن أنطلق من نموذج مكتوب ماثل أمامي. لكن بعد ذلك، صدر
كتاب لميشيل برونر
Michel Pruner
سنة
2001،
عنوانه: "تحليل النص المسرحي" "L’analyse
du Texte de Théâtre".
نشر الكتاب في بداية سنة
2001،
وقد كتبت مقدمته في نهاية سنة
2000.
وقد وجدت فيه تجسيدا فعليا، في خطوطه العريضة ومرتكزا ته الأساسية،
لما كنت أتصوره حينئذ. وضع هذا الأخير فيه خطاطة، وقام بجمع
المصطلحات الدرامية مصحوبة بتعريفات واستشهادات نصية تتعلق بالنص
المسرحي، الذي يفيد عنده النص الدرامي. والتي يتعين على المحلل أن
يقوم بتحليله ومقاربته اعتمادا عليها. هاته الخطاطة والمصطلحات
والاستشهادات هي كل مادة كتابه المشار إليه. في هذا الكتاب كانت
استشهاداته من نصوص مسرحية غربية عديدة. لكنه، مع ذلك، لم يحلل نصا
دراميا بعينه في الكتاب.
ورغم ذلك، وبالنظر إلى أهمية هذا الكتاب في تحليل النص المسرحي أي
النص الدرامي عنده، واستفادة صاحبه، من خلاله، من الاجتهادات
السيميولوجية في تحليل الخطاب، وبصفة خاصة تحليل الخطاب الدرامي،
سأقدم تعريفا إجماليا يتعلق به، يساعد منهجيا في التحليل التطبيقي
الذي سأقوم به.
في هذا الكتاب، قسم النص المسرحي إلى قسمين همـا النص الموازي
Le
paratexte
والنص
Le texte.
يتكون النص الموازي من العنوان، الذي تكون مهمته هي التعيين أو
الإخبار أو لفت الانتباه. لكن العنوان وحده ليس كافيا أحيانا، إذ
يجب ربطه بالمؤلف. ذلك أن هناك مثلا "ماكبث" ليونيسكو و"ماكبث"
لشكسبير؛ كما أن "أمفيتريون
38"
"Amphitryon
38"
لجيرودو تذكر بأن
37
أخرى سبقتها، من بينها واحدة لبلوت وثانية لكلايست وثالثة لموليير.
بالإضافة إلى العنوان، يتكون النص الموازي أيضا من النوع
والمقدمة. لقد كانت تراتبية الأنواع تقوم على أساس الاختلافات
الاجتماعية والأفعال أو الأحداث : تتقابل التراجيديا، حيث يجب أن
تكون المواضيع مرتبطة "بالأفعال النبيلة"، وحيث يكون الأبطال
مشهورين ولهم وضع متميز، مع الكوميديا، التي تتطرق للحياة الخاصة
بواسطة شخصيات موجودة في الواقع اليومي؛ وهذه تتميز أيضا عن
التراجيكوميديا، التي تمزج في نفس الحدث بين الشخصيات النبيلة
والشخصيات المنحدرة من أصل اجتماعي متواضع أو رعوية.
لكن دراماتورجيي القرن العشرين تخلصوا من هذه التصنيفات، فزال
مصطلح النوع. وإذا كان المسرح المسمى مسرح الشارع ما زال يستعمل
التسمية التقليدية كوميديا، فان أغلبية الكتاب يقتصرون على استعمال
"مسرح" أو "نصوص". وبعضهم استعمل أسماء غريبة.
وفي القديم، أي العصر الإغريقي، كانت النصوص المسرحية عموما
مسبوقة بنوع من المقدمة، والتي هي نوع من الفهرس، اعتبرها أرسطو
ضرورية. هذا التقليد تمت استعادته في العصر الكلاسيكي، ذلك أن
كورناي قدم أمثلة عن هذه المقدمات التي تلخص نقطة الانطلاق. وقد
تضمنت معارك مثل المعركة الخاصة بالدراما الرومانسية. وقد وضع هيجو
مقدمات لكل أعماله الدرامية. كانت أطولها مقدمة كرومويل.
ومن الصعب عدم أخذ العنوان والنوع والمقدمة في الحسبان، فهي لم
تستغل دائما في التحليل المسرحي.
أما النص المسرحي فيتكون من الإرشادات المسرحية والحوار.
الإرشادات المسرحية
هاته الإرشادات المسرحية قسمت بدورها إلى إرشادات أولية
Didascalies
initiales
و"هي التي تصنف اللائحة الأولية للشخصيات الموجودة في المسرحية،
حاملة في الغالب تحديدات تتعلق بعلاقة القرابة أو التراتبية
الموجودة بينها، وأحيانا إرشادات تتعلق بسنها، طباعها، ملابسها؛
وكذلك مجموعات الشخصيات، أسمائها، النظام الذي ذكرت فيه، تراتبيتها
الاجتماعية...".
وإرشادات وظيفية
Didascalies
fonctionnelles،
"هذه الإرشادات تحدد" براغماتية الكلام"" (أوبرسفيلد)، أي القاعدة
المتعلقة بهوية من يتكلم، قبل كل جواب. وهي الشرط الأساسي لفهم
الحوار. وتحدد أيضا التقسيمات الدراماتورجية الكبرى للأثر (فصول أو
لوحات)، ومختلف وحدات اللعب (مشاهد، متواليات، أجزاء). ويمكن أن
تكون لها أحيانا عناوين.
وإرشادات تعبيريةDidascalies
expressives
. وهي تصلح بوصفها وسائط بين الكتابة واللعب المسرحي. هذه
الإرشادات تحدد الأثر الذي يرغب الكاتب في إنتاجه انطلاقا من النص.
وهي تتوجه إلى القارئ، داعية إياه إلى "اكتشاف اللعب المسرحي من
القراءة" (موليير). وهي تتعلق بطريقة النطق (رفع الصوت ) والإيقاع
(فجأة) الخ. ويمكن أن تعبر عن الإحسـاس الذي يحـدد الجواب
(حزين).... وإرشادات نصية
Didascalies
textuelles،
ذلك "أن الكتاب يوردون أحيانا إرشادات مسرحية داخل النص نفسه. كما
هو الشأن بالنسبة لمسرح شكسبير، حيث معظم المعلومات المخصصة
للممثلين توجد داخل الحوار".
الحــــوار
لقد استشهد برونر بقولة لهيجل
Hegel،
تبين أهمية الحوار في المسرح. هذه القولة هي "إن الحوار هو الذي
يجسد صيغة التعبير الدرامي بامتياز".
وعن خصوصية الحوار المسرحي، قال برونر إن الأمر يتعلق بنص مكتوب
لينطق. وإذا كان الحوار المسرحي يقلد اللغة المنطوقة، فقد تتخلله
غالبا العناصر التالية : الإعادات، الغمغمات، النقص، الهفوات أو
زلات اللسان والتخمينات. هذا، مع احتمال أن تكون مقصودة : إن نص
فيليب مانيانا "Inventaires"،
المكون من مقابلات مسجلة، أعيدت كتابته من قبل المؤلف، الذي وضع
صيغا غير صحيحة وترددات أو توقفات دالة، لإبراز شفوية الخطاب
بطريقة أفضل.
وتتميز اللغة المسرحية عن اللغة المكتوبة بالاستعمال الخاص
للأسلوب المباشر. ذلك أن الحوار يكتب في المسرح داخل نظام يتعلق
بالحاضر: يتموضع المتكلم دائما في الراهن (هنا والآن ). وهو يتقاسم
ذلك مع مخاطبه. وعليه، فان الماضي يكون مقصيا، اللهم إلا إذا تعلق
الأمر بالسرد. ولذلك، فالضمائر تكون هي : أنا / أنت، ولو أنه في
بعض النصوص الدرامية هناك استعمال لضمير الغائب.
وعند برونر" فان النسيج النصي يكون مركبا في الغالب من عدة أجزاء،
حسب الأنواع
Les genres
والعصور وكذلك المؤلفين. إنه مقسم إلى فصول، لوحات، مشاهد،
متواليات أو تقسيمات أخرى"
(ص18). هذه الأصناف المختلفة المتعلقة بتقطيع النص الدرامي، تعود
إلى اعتبارات جمالية وكذلك أسلوبية.
ويرتكـز
التمسرح علـى
الغيريـة.
مـن
هنا جاء ذكر مصطلحين مهميـن
وتوضيحهمـا.
هـذان
الـمصطلحـان
همـا
: التلفـظ
الـمـزدوج
La
double énonciation،
والتـلـقـي
الـمزدوج
La
double destination.
بالنسبة للمصطلح الأول، فإن
المتفرج يسمع ويرى شخصيتين تتحاوران (بفضل تدخل ممثلين يمنحانهما
واقعا فيزيقيا)؛ خلفهما هناك متلفظ آخر غائب : إنه الكاتب الذي
يخاطب الجمهور بواسطة شخصياته. وبخلاف الرواية والقصة، حيث تكون
الحوارات، حينما توجد، مفسرة أحيانا من قبل السارد الذي يتولى
أمرها، فإن
الأمر في الحوار المسرحي يتعلق دائما بتبادل لفظي مباشر بين
الشخصيات، يكون مقدما بدون وسيط. لا يستطيع الكاتب أن يتكلم أبدا
باسمه.
وفيما يتعلق بالمصطلح الثاني، فان للحوار المسرحي دائما متلقيين.
ذلك، أن الكاتب يخاطب الجمهور في نفس الوقت الذي تتكلم فيه شخصياته
فيما بينها. ولذلك، يكتشف المتفرج خطابا يبدو كما لو أنه ليس موجها
إليه. وقد اعتبره بيير لارطوما
P. Larthomas
"لغة مفاجئة". فكل شيء يجري كما لو أن المتفرج فاجأته سلسلة من
الحوارات، في نفس الوقت الذي يمكن أن نفاجأ
ونسمع أقوالا متبادلة دون مشاهدة حضورنا (أخذ برونر هذا الكـلام
-كما هـو
مبين في كتابه ص21-
من كتاب "Le
langage dramatique"
لـ
P. Larthomas).
هذا التلقي المزدوج للخطاب المسرحي، يحدد وضعية المتفرج تجاه الحدث
الدرامي. فحينما تكون الشخصيات أقل معرفة من الجمهور تجاه ما يحدث،
يقال إن هناك
تشوفا
Surplomb
للجمهور. ذلك، أن هذا الأخير يتوقع ما سيحدث للأبطال. إنه يرى الفخ
المنصوب الذي ستقع فيه شخصية ما. وهو واحد من وسائل الكوميديا
القائمة على الاختلال
Décalage
: فبسبب أن الجمهور يعرف بأن أرغن
Argan
(في "مريض الوهم" لموليير) تظاهر فقط بأنه ميت، فإنه يضحك ملء
شدقيه لمظاهر فرح بيلين
Béline
حيـن
إعلان أنـها
أرملـة.
وكذلك الشـأن
بالنسبـة
لسوء التفاهم
Le quiproquo،
حيث يمتلك الجمهور قبلا مفتاح سوء تفاهم، لا تعلم الشخصيات عنه
شيئا.
وإذا كانت وضعية الشخصيات مشابهة لوضعية المتفرجين، واكتشاف
المعلومات يكون متزامنا لديهما، فإن التشويق
Le suspense
يكون في أقصى درجة. هنا يكتشف الأبطال والجمهور، في نفس الوقت،
تطور الحدث؛ فيكون هذا الأخير مشدودا إلى المفاجأة التي تسببها
التحولات. إنه في نفس مستوى انفعال الشخصيات، لذلك يتوحد معها. في
هذه الحالة، يصل التوتر الدرامي إلى الذروة.
إن الحوار يشكل جوهر المسرح. إنه هو الذي يخلق الحدث ويجعله ينمو،
وعبره توجد الشخصيات. لكن، لا يجب أن ننسى بأنه ليس سوى نظام من
العلامات ضمن أنظمة أخرى. ورغم أنه لا يشكل إلا جزءا من المسرح،
فان تحليله ضروري بكل تأكيد.
بنية الفعل الدرامي
إن المسرح –حسب برونر- هو فضاء ظل أو خيال
Simulacre.
ذلك أنه يقدم للمشاهدة ويجعل غير الموجود حاضرا. هذا التمثيل، الذي
ميزه أفلاطون عن السرد، تقليد -محاكاة– لأفعال خيالية متتابعة
تكتمل بواسطة كائنات حية، حيث تظهر السلوكات كيف تتفاعل مع
الأحداث. إن الفعل يوجد في قلب الحدث المسرحي. يذكر الاشتقاق (صفة
درامي تنحدر من الفعل الإغريقي
Dram
: فعل) بأن الدراما تقلد أشخاصا يفعلون شيئا ما. وقد حدده أرسطو
حين حديثه عن التراجيديا بأن الأمر يتعلق بـ : "تقليد لفعل تام
كامل يخص مزاجا، تقليد يكون عن طريق شخصيات فاعلة، وليس بواسطة
السرد".
وقد قسمت بنية الفعل الدرامي إلى:
1-
نظام النص
الدرامي
L’organisation du texte dramatique
2-
ترتيب الفعل
الدرامي
L’agencement de l’action
dramatique
3-
النمو
الدرامي
La
progression dramatique
يكون انتظام النص الدرامي عن طريق الحكاية والفعل أو الحدث
والحبكة. إن الحكاية هي مجموع الأفعال أو الأحداث التي تشكل القصة
المحكية. والفعل يتعلق بما يقدمه النص المسرحي للمشاهدة على
الخشبة. وتحدد الحبكـة التسلسل الخـاص للأحـداث. وقد أخذ الباحـث
التعريف الـمتعلق بالحكايـة، التي تنحدر مـن المصطلح اللاتيني "Fabula"
مـن "Le
Robert"،
حيث تم تعريفها فيه بكونها تدل، بصفة عامة، "على تتابع للأحداث
التي تشكل العنصر السردي لأثر".
وفي المسرح الإغريقي، كانت تستعار الحكاية من أسطورة معروفة سلفا
من لدن الجمهور. وهي "مجموع الأفعال أو الأحداث المنجزة" كما قال
أرسطو. وعند بريشت تعد الحكاية قلب الفرجة المسرحية. إن الحكاية
إذن، هـي مجمـوع الأفعـال المتحققة في النص المسرحي. وهناك نصوص
مسرحية معاصرة تلاشت فيها الحكاية مثل "نهاية اللعبة" "Fin
de partie"
لبيكيت
Beckett.
ولا بد للفعل من فاعلين. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه "لا يجب
الخلط بين الشخصيات والفاعلين. ذلك أنه يمكن أيضا أن يكون الفاعلون
من المجردات: أفكار أو قيم (الحب)، أو أشياء (قبعة إيطالية)، أو
شخصية جماعية (الجوقة في التراجيديا القديمة)"
(ص29).
وقد استحضر المؤلف النموذج العاملي متحدثا عن فائدته وحدوده. ومن
هنا تتضح استفادة التحليل الدراماتورجي من السيميولوجيا. إن
السيميولوجيا هي، كما هو معروف، علم العلامات. واللغة المسرحية
ليست سوى شبكة من العلامات، تتضافر فيما بينها لإبلاغ خطاب أو
رسالة.
هذا النموذج العاملي الذي يتكون، كما هو معروف، من المرسل
والمتلقي، والذات والموضوع، والمساعد والمعارض، يتيح إمكانية إنجاز
مقاربة مباشرة للبنية العميقة للحدث أو الفعل. كما أنه -كما يرى
الباحث- يمنح فائدة دراسة الشخصيات، ليس باعتبارها ذات طبائع خاصة،
وإنما باعتبارها وحدات تنتمي إلى منظومة شاملة للحدث، حسب شبكة من
العلاقات. وهذه هي فائدته. أما عن حدوده، فالأمر يتعلق بعموميته.
ذلك أن وظيفتي المرسل والمتلقي، تعودان غالبا إلى مجردات. الحي،
القانون، أيروس أو إلاه، كلها تحتل بكثرة خانة المرسل، لكن
الرهانات تبقى غامضة.
وقد لاحظ بأنه "غالبا ما تختلط الذات بالبطل رمز المسرحية. والحال،
أن هناك حالات مشهورة شكلت، مع ذلك، استثناء : إن الذات الحقيقية
في "بريطانيكوس" هي نيرون"".
وبالنسبة للحبكة
L’intrigue
، فقد تحدث عن عرضها وعقدتها وتحولها وحلها. ففي مسرح، وليس في كل
مسرح، حيث يكون الفعل معروضا حسب تسلسل يتعلق بالأسباب والنتائج،
فان الأمر يتعلق باللحظة التي يشرع فيها المؤلف بتقديم العناصر
الأساسية لفهم الوضعية. يؤسس العرض
L’exposition
تعاقدا دراماتورجيا يضع قواعد الفعل أو الحدث. وبالنسبة للمتفرج،
الذي يجهل ما ذهب لمشاهدته، فان عرض الحبكة يحدد معطيات الصراع :
استحضار الماضي، تقديم الأبطال، حالة الوضعية. وكلما كانت الحبكة
مركبة، وجب أن يكون عرضها أكتر تطورا.
بناء على هذه المفاهيم الأخيرة، فإن هناك تدرجا يبدأ بالعرض، ثم
العقدة، فالتحولات، وأخيرا الحل. ومعلوم أن التراجيديا الاغريقية
تقوم على هذه الأسس الفنية. أما المسرح الذي لا يكون متسلسلا، بحيث
لا ترتبط النتائج بالأسباب، فلا يتقيد بهذه الأسس الأخيرة.
وفي إطار التنسيق الدرامي، كان التركيز على أسئلة الدراماتورجية
وتقطيع الفعل الدرامي. مفردات هذا التقطيع، التي ذكرت في الكتاب،
هي الفصل واللوحة والمشهد والجزء
Le fragment.
وبالنسبة لهذا الأخير، فإن مختلف التقطيعات الخاصة بالدراماتورجية
المعاصرة، تلجأ إلى تجزيء مقصود في الخطاب المسرحي. ذلك "أن
المؤلفين يرفضون الخضوع لمنطق وترتيب يرفض الحظ".
إن الأمر يتعلق بكولاج، كما هو الشأن لدى جان لوك كودار
Jean-Luc
Godard
في أفلامه. "إن الفعل يتكون من لحظات غير منتهية، يكون الترابط
فيما بينها، حسب الظاهر، نتيجة صدفة".
ويتشكل النمـو الدرامـي من خلال مفاهيم وحـدة الفعـل، وتعدد الفعل
"de
l’action
L’orchestration".
إن مبدأ وحدة الفعل يدل على تمركز الفعل وترابطه وفق انسجام عضوي.
وهو يتوحد حول قصة مركزية، المادة السردية المنتظمة منطقيا حسب
ضرورة خاصة. ووحدة الفعل لا تعني أن هناك فعلا وحيدا، وليست مرادفة
للبساطة. ذلك أنه يمكن أن تتدخل عدة حبكات ثانويـة، شريطة أن تكون
لها علاقات دقيقة بالفعل المركزي : لا يمكن أن تزول واحدة من هذه
الحبكات الأكسسوارات أو الثانوية دون أن تجعل النص برمته غير واضح.
وفي المسرح الالزابيتي، هناك عدة أفعال تنمو بشكل متوازي"
(ص43).
ولذلك لا وجود فيه لوحدة الفعل. ثم "إن تحطيم الإيهام المسرحي يمر
عبر تجزيئ الفعل، حيث تنتفي الخطية لفائدة تقابل المتواليات، التي
تغدو وحدات حقيقية في الأثر الفني".
وقد استلهم المسرح الرومانسي هذا التعدد.
حوافز الفعل
في إطـار
هـذه
الحوافز ميـز
الباحـث
بين المسرحيات الآلية
Pièces-machines
والمسرحيات غير الآلية
Pièces-paysages.
ذلك أنه في المسرحيات الآلية تقوم الدراماتورجيا على توتر حاد
يقود، انطلاقا من اندفاع أولي، إلى خاتمة مرعبة أو مرغوبة. يعتمد
المسرح في هاته الحالة على انتظار المتفرج، الخاضع للتشويق الناتج
عن تنسيق الأحداث، الذي يؤدي إلى النتيجة النهائية.
وفي المسرحيات غير الآلية تقوم الدراماتورجيا، بالعكس، على
وجود فجوات. هذه الفجوات تجعل من هذه الدرماتورجيا دراماتورجيا غير
آلية. هنا تتم دعوة المتفرج لاستعمال مخيلته لنسج العلاقات الممكنة
بين الأحداث وتأسيس المعنى. ويرتكز التوتر الدرامي في هاته
الدراماتورجيا على المفاجأة.
وقد ميز الباحث بين الفضاء المسرحي، والفضاء في النص المسرحي. في
إطار الفضاء المسرحي أدرج الفضاء المشهدي أو الركحي، وهو الفضاء
المادي حيث يتحرك الممثلون. وكل عصر ينظمه حسب مختلف صيغ اللعب
والشروط الاجتماعية للعرض والوظيفة المعنوية والجمالية المسندة إلى
المسرح"
(ص.45).
وأدرج فيه أيضا الفضاء الدرامي. وهذا الأخير معطى مباشر من النص
الدرامي. فكل كلام ملفوظ من قبل شخصية يكون متعلقا بمكان يغدو فورا
مكونا لمعنى الخطاب. وبالنسبـة للتحليل الدقيق، يكون التمييز بين
الفضاء الراهن
L’espace
actuel
والفضاء الافتراضي
L’espace
virtuel.
إن الفضاء الراهن يتعلق بفضاء (خيالي) الذي منه تتحدث الشخصيات،
وتلتقي في الواقع المرئي للمشهد. وقد يكون موحدا، حيث تجري وقائع
المسرحية في المكان نفسه (منزل هارباغون في "البخيل" لموليير). أما
الفضاء الافتراضي "فهو موجود فقط عبر الاستحضار الناتج عن قول أو
حركة الشخصيات"
(ص48).
ويتكون الفضاء في النص المسرحي من الإرشادات الفضائية والفضاء في
الحوار. تشكل الإرشادات الفضائية العلامة الأولى التي تؤدي إلى
تحديد الفضاء الخيالي للنص. والفضاء في الحوار هو أيضا إشارات
فضائية توجد بدورها في النص نفسه. كما تحمل الحوارات أيضا إشارات
حول العلاقة التي تربط الشخصيات بالفضاء. ويمكن لدخول شخصية أن
يتحدد من النص.
وحسب المؤلف، فان المعلومات المتعلقة بالفضاء لا تكون وظيفتها دوما
بسيطة، بل قد تتجاوز هذه البساطة، فتغدو وسيلة لفهم الفعل المسرحي.
إن اللغة الفضائية تشيد نظاما استعاريا، عبره ينبني الفعل الدرامي
نفسه. وعلى هذا الأساس، يصير الفضاء إذن رهان الفعل الدرامي نفسه.
ولم تفته الإشارة إلى تجليات أو مظاهر فضائية. وفي هذا الصدد، تحدث
عن الفضاءات المغلقة والفضاءات المفتوحة. وبين كيف أن التناوب بين
مشاهد الداخل ومشاهد الخارج، يخلق غالبا تقابلات تنير الفعل
الدرامي. هذا، فضلا عن أفقية وعمودية الفضاء. وعليه، فإن تحليل
العلاقات الموجودة بين الداخل والخارج، يكون غنيا بالمعلومات حول
اشتغال الفعل الدرامي نفسه. وهنا تبرز دينامية الفضاء.
الزمن في المسرح
وقسم الفصل المخصص للزمن الدرامي إلى ثلاثة عناصر رئيسية. وكل عنصر
تضمن عناصر فرعية. هذه العناصر الرئيسية هي: الزمن المسرحي، إعداد
الزمن الدرامي، دلالة الزمن المسرحي.
في إطار الزمن المسرحي، أشار إلى أن المظهر الزمني في المسرح
يندرج في نفس الثنائية المتعلقة بالفضاء. ذلك أنه يتواجد في العرض
المسرحي زمنان مختلفان، يجمع بينهما التنضيد
La
superposition،
دون أن يختلطا. هما : زمن العرض، المدة الزمنية المعاشة من لدن
المتفرج، وزمن الخيال. الأول يبدأ بافتتاح المسرح وينتهي بإغلاقه.
والثاني يتعلق بالحدث المعروض.
زمن العرض : إن الذهاب إلى المسرح هو الدخول في زمن مختلف عن الزمن
اليومي. ذلك أن الفرجة تؤسس لحظة خاصة مقتطعة من الزمن. يصاحبها
طقس ذو أشكال مختلفة حسب العصور. ويمكن للعرض المسرحي أن يجسد حالة
استثنائية: كانت المسابقات التراجيدية قديما تجري بمناسبة
الاحتفالات الدينية في أزمنة محددة... إن زمن العرض يكون انطلاقا
من هنا/الآن. وهو يتميز بحضور المتفرجين. ويحدث أن لا يعرض العرض
المسرحي إلا مرة واحدة: إنها حالة مسرح الهابنينغ
Happenening
مثلا. وقد يعرض مرات متعددة (منذ أربعين سنة و" المغنية الصلعاء"
تعرض كل مساء في مسرح
La Huchette
بباريس ).
الزمن الدرامي
هنا يكون تمييز زمن الأحداث المعروضة. وهو زمن مضاعف، إنه يغطي في
الوقت ذاته كثافة زمنية وكرونولوجية. إن الزمن المعروض يجري وفق
إيقاع معين. ولكل فعل بداية ووسط ونهاية، أي كرونولوجية. يجري
الزمن حسب مدة قابلة للقياس، متعلقة بالأحداث المعروضة. هذه
الأخيرة، يمكن أن تمتد عبر مرحلة واسعة. في ميلودراما "ثلاثون سنة
أو حياة لاعب" لفكتور دوكانج
Victor
Ducange
تقع أحداث المرحلة الأولى سنة
1790،
وتلك المتعلقة بالمرحلة الثانية سنة
1805،
والثالثة تجري
15
سنة بعد ذلك. وبالمقابل، يمكن للفعل أن يكون ضيقا من حيث الزمن:
"الكترا" لجيرودو
Giraudoux
تبدأ بنهاية النهار وتنتهي حين بزوغ الفجر. وبصفة عامة، فان زمن
الخيال أطول من زمن العرض.
إعداد الزمن الدرامي
إن الزمن أكثر تجريدا من الفضاء. ووجوده يتطلب أن يقال. هذا القول
يكون إما بواسطة الإرشادات، أو بواسطة خطاب الشخصيات. إن الإرشادات
تقدم عددا من الإشارات المتعلقة بالزمن. هذه الأخيرة، تتعلق أولا
بالعصر المرجعي الذي اختاره المؤلف لكي يتأسس عليه الفعل. وتتعلق
كذلك بحضور الشخصيات التاريخية (نيرون، ريشار الثالث)، أو
ميثولوجية (أندروماك، الكترا). وأيضا عناوين عدد من النصوص.
وتحمل الملابس والديكور أيضا معلومات عن العصر الذي تجري فيه أحداث
الفعل. وكذلك الفصول والشهور والساعات، حيث يسجل المؤلفون، غالبا
بطريقة مضبوطة، مرور الزمن واللحظة، اللذين يجري فيهما الفعل أو
الحدث. وبالنسبة لخطاب الشخصيات، فان الحوار يقدم عددا كبيرا من
الإشارات الزمنية. ويمكن للشخصيات أيضا أن تقدم معلومات حول
كرونولوجية الأحداث.
دلالة الزمن المسرحي
وارتباطا مع الفضاء، فان تعدد العلامات الزمنية يدل على أهمية
الزمن في الدراماتورجيا. وكل مؤلف يقترح مقاربة مركبة وشخصية،
ترتكز عليها جماليته. ويتطلب التحليل انتباها حادا إلى كل المظاهر
المتعلقة بالزمن. ولا يقتصر الأمر على الإشارات الزمنية، ولكن أيضا
على الحقول المعجمية والنحوية (استعمال الأزمنة الفعلية
Temps
verbaux،
والظروف
Adverbes
الزمنية، والاستعارات الزمنية).
إن تنظيم الفعل في الزمن يخلق انطباعا يتعلق إما بالبطء أو السرعة،
بالمفاجأة أو التكرار، بالغوص تارة في الماضي، وتارة في المستقبل،
أو بالبقاء في الحاضر. وبصفة عامة، إن الزمن دائما، في المسرح، هو
محرك التشويق. ذلك أنه عن طريق استعماله، يلعب الكاتب على انتظار
المتفرج.
الشخصية
بعد الإشارة إلى أصل مصطلح الشخصية، الذي انحدر من الكلمة
اللاتينية
Persona،
التي تعني القناع، قسم الباحث هذا الفصل المخصص للشخصية إلى قسمين
رئيسيين. كل قسم منهما قسم بدوره إلى عناوين فرعية. كان عنوان
الفصل الأول هو: مقاربة الشخصية؛ وكان عنوان الفصل الثاني وظيفة
الشخصية.
مقاربة الشخصية
ليست الشخصية إلا إيهاما مقترحا على المتفرج أو القارئ. إنها كائن
ورقي، ومصنوعة من الحركات المكتوبة، وتبنى في خيال القارئ انطلاقا
من العناصر المكونة لها التي يقدمها النص. وخلافا للشخصية في
الرواية، فان الشخصية في المسرح تملك حضورا جسديا وحقيقيا عن طريق
لحم وصوت ممثل. وبالنسبة للهوية، فان الشخصية تقدم بوصفها كائنا
خياليا محددا بواسطة الأفعال المتعاقبة التي من المفروض أن تنجزها.
ووجودها الافتراضي يستخلص من معايير فردية مختلفة، من المناسب أولا
الكشف عنها. وهي : الاسم، والحالة المدنية، والوضع الاجتماعي،
والخصوصية. ففي التراجيديا كانت أسماء الشخصيات في الغالب مستعارة
من التاريخ أو الميثولوجيا، ملوك أو أمراء أو أبطال حرب أو أنصاف
آلهة. وكانت هذه الأسماء تؤسس العنصر الذاتي العادي للآثار الفنية
التي تحملها. وفي المسرح المعاصر فان اسم العلم
Onomastique
يتغير حسب المؤلفين. إن لشخصيات بيكيت
Bekett
أسماء غريبة وألقابا مختلفة: هام
Hamm،
كلوف
Clov،
كراب
Krapp...
وكانت شخصيتا "عاشقا المترو" لطارديو
Tardieu
تسميان فقط : هي وهو. وفيما يخص الحالة المدنية للشخصية فان
المؤلفين يقدمون أحيانا بعض التحديدات حول هوية شخصياتهم. وابتداء
من القرن الثامن عشر، ضاعف الكتاب من الإشارات الخاصة بحياة
شخصياتهم. وتكون المعلومات المتعلقة بالوضع الاجتماعي غالبا عديدة.
ففي المسرح الكلاسيكي، فان الوضع الاجتماعي للشخصيات يجعلها متفردة
بطريقة واضحة. ومن بريشت في "السيد بونتيلا وخادمه ماتي" إلى جونيه
في "الخادمات"، ومن غرامبرج
Gramberg
في "المحترف" إلى كولتيس
Koltés
في "معركة الأسود والكلاب"، فان المؤلفين يدرجون هم أيضا الفعل
الدرامي في الصراعات الناتجة عن المواجهات الاجتماعية. وعند بيكيت،
فان جدلية السيد والعبد تجد عبر هذا الزوج بوزو/ لوكي
Pozzo/ Lucky
بعدا استعاريا يعود مسرحيا حقيقة بواسطة الحبل الذي يربطهما.
والشخصيات تكون ذات ملامح تمييزية تجعلها متفردة. كما أن ظهور
الشخصيات يمكن أن يكتمل بواسطة إشارات حول الملابس، التي تكون لها
قيمة رمزية. ذلك أننا نعرف وضعها الاجتماعي وشخصيتها
Sa
personnalité
بفضل هذه التفصيلات المتعلقة بالملابس. إضافة إلى هذه الإشارات
الخارجية، يضيف الكتاب مجموعة من العناصر التمييزية الخاصة بالمزاج
وعيوب أو فضائل الشخصية. هذه الملامح النفسية والمعنوية تمنحها
تفردا وخصوصية.
وعن العلاقات بين الشخصيات، قال الباحث إن الشخصية المسرحية نادرا
ما تكون وحيدة. إنها تتفاعل مع غيرها، ولا توجد إلا عبر التقابل مع
باقي الشخصيات التي تمنحها دلالتها. الحبيب لا يوجد إلا بوجود
المحبوب، وكذلك الشأن بالنسبة للسيد والخادم... وغالبا ما تقدم هذه
الشخصيات في إطار أزواج
Couples.
إن الأمر يتعلق بعلاقة غرامية (روميو وجولييت)، أو علاقة أبوية :
أب / ابن، أو أم / بنت، أو سيد / خادم...
وبالنسبة لوظيفة الشخصية، قال إن لهذه الأخيرة وظيفة أساسية في
التنظيم الدرامي. إنها تلعب دورا في الفعل الدرامي سواء كانت
أساسية أم ثانوية. وبعيدا عن كل سببية معنوية أو نفسية، فان كل
شخصية تتحدد انطلاقا مما تقوم به، ليس باعتبارها ذاتا مجردة وسابقة
Préalable،
ولكن بوصفها إنتاجا.
ويتيح النظام العاملي إمكانية تحديد علاقات التأثير الرابطة بين
الشخصيات. إن الشخصية تقدم أولا باعتبارها فاعلا. وعبر الهوية
الخيالية يتأسس اسمها، وفي مجالها النصي تنجز الوظائف الأساسية.
ومع مختلف المحاور التي تحدد الوظائف التركيبية المتدخلة بالتتابع
في نمو الفعل (مرسل / متلقي، ذات / موضوع، مساعد / معارض )، يمكن
النظام العاملي من وضع كل شخصية في شبكة علائقية. هذه الشبكة تجعل
الشخصية منسجمة أو متعارضة مع باقي الشخصيات. وعليه، فان الذات لا
توجد إلا في إطار علاقة الرغبة التي تحملها تجاه موضوعها، والمساعد
لا يوجد منطقيا إلا بحضور معارض يعاكس بحث الذات.
ويكون للشخصية دور. هذا المصطلح الأخير غير منفصل في أصله عن النص
المكتوب للشخصية (اشتقاق المصطلح يعود إلى لفافة
Rouleau
من الخشب يكون مثبتا عليها نص الممثل)، يحدد الوظيفة الخاصة
المفروضة على الفاعل
L’acteur
، الذي يجب عدم خلطه بالممثل في هذه الحالة. إنه يسمح "بالانتقال
من سنن عاملي مجرد إلى التحديدات الملموسة للنص" (أوبرسفيلد).
هذه الوظيفة تكون غالبا محددة بواسطة سنن أو شفرات تدون في تاريخ
المسرح : الاستعمالات والأنماط. ذلك أن شخصيات الكوميديا ديلارتي
(أرلوكان، بانطالون، سكاراموش) هي نتاج تقليد مسرحي موروث عن أسلوب
للعب لدى ممثلي عصر مرتبط بدقة بخيال اجتماعي. إن الدور يتلاءم مع
مختلف الضغوط، ولو أنها منفصلة عن السياق الخاص الذي أنتجها، التي
تقدم باعتبارها تحديدات لا يمكن تفاديها مثل بخل بانطالون على سبيل
المثال. هذه الملامح التمييزية تحدد ليس فقط الظهور المسرحي
للشخصية (ملابس، حركية)، ولكن أيضا اشتغالها المسرحي. هذا، ويمكن
للشخصية الواحدة أن تؤدي أدوارا متعددة في النص الدرامي الواحد.
وعن الممثل والشخصية، رأى الباحث أنه ليس الممثل هو الذي يدخل في
جلد الشخصية، لسبب بسيط وهو أن هذه ليس لها، تحديدا، جلد؛ ولكن
الشخصية هي التي تتجسد عبر ممثل. عملية التجسيد هذه تنجز انطلاقا
من اللحظة التي يقوم فيها الممثل، وهو أولا قارئ للنص، بإبراز شخص
خيالي يمنحه وجودا زمن العرض.
وبعد أن تحدث عن الاندماج والتباعد، وعن سيكولوجية كائن ورقي "رغم
صعوبة الكلام عن سيكولوجية شخصية مسرحية" (ص86)
وعناصر أخرى، تحدث عن أزمة الشخصية في المسرح المعاصر.
ذلك أن رفض المحاكاة
Mimesis
منذ خمسين سنة، أدى إلى وضع موضع تساؤل جذري لوضعيتها. إن التقليل
من الشخصية ابتدأ مع جاري
Jarry.
ذلك أن عدم الواقعية النفسية للدمى، كما هو الشأن بالنسبة للأب
أوبو والأم أوبو، منح لأفعالها عشوائية تدل على اعتباطية السلطة
السياسية. ومع مسرح العبث في الخمسينيات، تفتت الشخصية أكثر : في
"المغنية الصلعاء" فقدت هويتها. لقد فقدت الشخصية المعاصرة غالبا
اسمها، إذ تحولت إلى رقم أو وظيفة غامضة.
كان عنوان الفصل السادس، وهو الأخير في الكتاب، هو : الخطاب
المسرحي. تضمن هذا الفصل ثلاثة محاور رئيسية. وقسم كل محور إلى
عناوين فرعية.
هذه المحاور هي:
(1) أشكال الخطاب،
(2) براغماتية الخطاب المسرحي،
(3) رهانات النص المسرحي.
أشكال الخطاب
إن للخطاب المسرحي تلفظا مزدوجا، ذلك أنه عبر الشخصيات يتم ايصال
خطاب المؤلف، الذي يتوجه إلى متلقي مختفي ولكنه دوما مفترض، إنه
المتفرج. هذا الخطاب المسرحي يقدم غالبا في شكل حوار، أي تبادل
لفظي بين الشخصيات. ويمكن أحيانا أن يتحول إلى مونولوج. هنا، أي في
المونولوج، تخاطب الشخصية نفسها. وقد اعتبر غالبا في العمق غير
درامي. لكنه يتيح للمؤلف إمكانية إضاءة رهانات وضعية، والكشف عن
حوافز الشخصية، وتيسير التبئير الداخلي. تحت اصطناع كلام يقال بصوت
مرتفع، لكن يفترض أن لا يسمعه أحد، يفصح الدراماتورج عن الصراعات
التي تتوزع الشخصية : حينما كان هاملت مترددا ولم يستطع المرور إلى
الفعل، عبر مونولوجـه الشهيـر، كائـن أم غيـر كائـن، تلك هـي
المسألة،
To be, or
not to be, that is the question،
عن المعضلة التي يجب حلها. ولو أنه تعبير غنائي عن اضطراب وتوتر
داخلي في لحظة شديدة، فان خطاب الشخصية يتوجه في الحقيقة إلى
المتفرج، وينقل إليه عناصر لإدراك الفعل الدرامي.
والحوار هو تبادل لفظي بين شخصيتين. وهو يقدم بوصفه محادثة خاضعة
لنفـس القوانين الموجـودة في الحياة. وقـد ميز الباحث بين الحـوار
المزيف
Le Faux
dialogue،
والحـوار الثنائـي
Le duo،
والمحـادثـة
La
Conversation،
والحوار المتعدد.
Polylogue
إن الحوار المزيف يبدو ظاهريا كما لو أنه حوار، غير أن الأمر ليس
كذلك، لأن الشخصيات لا تستند إلى حوار حقيقي. إن هذه الحالة موجودة
في عدد من حوارات التراجيديا، حيث يتحدث البطل إلى مخلص له، ليس
لهذا المخلص سوى الاستماع إلى الخطاب دون إبداء وجهة نظره. وقد
استعمل هذا الحوار المزيف في الدراماتورجية الكلاسيكية لتجنب
استعمال المونولوغات تحديدا.
ويمكن للحوار أن يتخذ شكل حوار ثنائي
Duo،
يكون غالبا غنائيا، حيث تغني شخصيتان، بشكل متناسق، معبرتين عن
حبهما أو ألمهما. وقد استشهد بحوار من هذا النوع مأخوذ من "السيد"
لكورناي. وبالنسبة للمحادثة، قال
أنه
في الحوار المسرحي تنتظم الأجوبة السريعة وفق متواليات تناسب
سياقات الكلام. هذه الأجوبة السريعة تكون متسلسلة منطقيا. وتبادلها
يكون في معظم الأوقات مجموعة متوازنة، حيث كل شخصية تتدخل بالتناوب
حسب تسلسل يسعى إلى إعادة إنتاج حيوية محادثة وأحيانا محادثة
عادية. أما بالنسبة للحوار المتعدد، فتكون مجموعة من الشخصيات
مشاركة في هذا التبادل الحواري. لذلك تغدو البنية مركبة. يمكن لهذا
الحوار أن يكون ثلاثيا أو رباعيا أو سداسيا أو مجموعة من الأصوات
المتعددة. وقد قدم مثالا عن كل منها.
براغماتية الخطاب
المسرحي
ينتظر انطلاقا من هذا العنوان -يقول برونر- بحث آليات الحوار
ورهانات اللغة التي تستعملها الشخصيات، بواسطة الكلام، للتأثير
المتبادل فيما بينها. إن اشتغال الحوار هنا يقتضي مراعاة :
أ) شروط التلفظ
Les
Conditions d’énonciation،
ب) الافتراضات
Les
Présupposés،
ج) التضمينات
Les sous -
entendus،
د) المقول وغير المقول
Le
dit et le non dit،
هـ) الصمت
Les silences.
وقد عرف هذه المصطلحات على الشكل التالي:
ا) شروط التلفظ
لابد في تحليل الحوار المسرحي من وضع في الحسبان أولا شروط التلفظ،
التي في إطارها يتم إنتاج هذا الأخير أي التلفظ. ذلك أن كل تبادل
للكلام بين متخاطبين يفترض علاقة خاصة، تمنح للحوار لونه ونكهته
ودلالته.
ب) الافتراضات
في تحليل النص المسرحي، كما في كل محادثة، من الضروري أخذ بعين
الاعتبار الافتراضات التي تتخلل الحوار، وتكون متعلقة إما بالتلفظ
أو الملفوظ. لكي يسخر دون جوان من معايير المجتمع، ويتحرر من ضغوطه
(أي ضغوط المجتمع)، كعادته، حث مخاطبه على القيام بواجباته، وذلك
بهدف جعله ينسى بأن له حقوقا.
جـ) التضمينات
تساهم التضمينات في اشتغال الحوار بطريقة أخرى. وهي نتيجة العلاقات
بين الملفوظ والسياق. وقد ذكر عنها صورتين. الأولى تكون انطلاقا من
قوانين الخطاب والوضعية، حيث تستنج شخصية معنى ثانيا مما تسمعه.
والثانية تتعلق بما لم يقل بطريقة مباشرة في خطاب الشخصية.
د) المقول وغير المقول
إن خطاب الشخصية لا يقول كل شيء. إنه يتجنب أيضا ذكر ما هو بديهي
لدى المخاطب. فلا تذكر سوى العناصر التي تبدو وثيقة الصلة بالحوار.
ولذلك فان أخذ غير الملفوظ بعين الاعتبار تنبثق عنه أسئلة مدهشة.
ومن المفيد الإشارة إلى أن آن أوبرسفيلد خصصت الفصل الخامس لغير
المقول، والفصل السابع لمقول الحوار في المسرح في كتابها "قراءة
المسرح
III
الحوار في المسرح".
هـ) الصمت
إن الصمت ضروري في لعب الممثل، ذلك أنه يكون عنصرا مهما في الحوار
إلى درجة أننا - يقول برونر- لاحظنا ظهور "دراماتورجية الصمت" في
العشرينيات (القرن العشرين) (J.J.
Bernard
). ومثلما هو داخل في التوزيع الموسيقي، فان الصمت يشكل جزءا من
النص المسرحي. إنه هو الذي يسمح بإنشاء إيقاع للتلفظ وهيكلة
القطائع الخالقة للتوتر الدرامي. ويكون تارة معبرا عنه (إرشادات،
نقطة التشويق، تعيينات نصية)، وتارة يترك لحدس الممثل والمخرج
المسرحي.
طرق الحوار
لنمو الفعل الدرامي أو الحدث الدرامي، يستعمل الحوار الدرامي نفس
الطرق التي تستعمل في المحادثة العادية. إن الشخصيات تتكلم أو تمزح
تسعى إلى الإقناع أو نفي التهمة عن نفسها، تختلف أو تتصالح. لكن،
وخلافا لما يجري في الحياة، فان فعالية اللغة المسرحية تكون
مضاعفة. ذلك أن الشخصيات تقدم باعتبارها تؤثر في غيرها بواسطة
أقوالها وخططها، فإن المؤلف هـو الذي ينظم كـلام شخصياته. وخطاب
هذه الأخيرة يؤثر أيضا في الجمهور. ولذلك، فإن تحليل الحوار
المسرحي يجب أن يدرس الآليات التـي يخضع لها هذا الأخير. وفي هذا
الإطار، تحدث الباحث عن التسلسل
Les
enchaînements.
ذلك أن الحوار الدرامي يتكون من أجوبة متسلسلة على شكل حوار. هذا
الحوار يمكن أن يكـون، بهذا القـدر أو ذاك، منسجمـا، والانقطـاعات
Les
interruptions،
والإعـادات
Les
répétitions.
هذه الإعادات تتعلق بتكرار نفس العنصر اللغوي، وهي تسجل بواسطة
انتظامها الهواجس المستبدة بالشخصيات.
وتحت عنوان : "دراماتورجية الكلام"، ذكر الباحث أنه في المسرح يكون
الكلام فعلا. وهذا يدل على أن خطاب الشخصية هو وحده القادر على
المرور من وضعية إلى أخرى، ومن حالة إلى أخرى. لكن الكلام هو أيضا
وسيلة الفعل. إنه مستعمل لنقل معلومات ضرورية في نمو الفعل. وهو
وسيلة تواصل بين الشخصيات فيما بينها مثلما هو وسيلة نقل المعلومات
إلى المتفرجين أو القراء. ويحدث أحيانا أن يتوجه الخطاب أولا إلى
هذا المتلقي الذي هو الجمهور. ويمكن أن يكون في صيغة برولوج
Prologue.
رهانات النص المسرحي
يضطلع النص المسرحي بثلاث وظائف
: وظيفة درامية، ووظيفة شعرية، ووظيفة تواصليـة. بالنسبة للوظيفة
الدرامية، إن النص المسرحي هو أولا الذي يحمل الفعل
L’action
وأحيانا يفسره. إن الحوار محمل بمعلومات واضحة أو مضمرة تتعلق
بجريان الفعل أو الحدث. لكن -وهذه هي الوظيفة الثانية- للنص
المسرحي أيضا وظيفة شعرية. ذلك أنه يستعمل، مثل أي نص أدبي، كل حيل
أو مهارات الكتابة، استعارات
Métaphores،
كنايات
Métonymies،
وهو بذلك يستجيب لغاية جمالية. هذا، علما بأنه يكتب أحيانا شعرا.
وأخيرا، يحقق النص الدرامي وظيفة تواصلية، ليس فقط بين الشخصيات،
ولكن أيضا بين الدراماتورج والجمهور. إن المسرح منتج للمعنى، وهو
يتضمن عبر العرض خطابا عن العالم. والملاحظ، من خلال اللغة
الاصطلاحية التي يستعملها برونر، أن النص الدرامي والنص المسرحي
هما شيء واحد. وعند أكرم اليوسف فـي كتابه "الفضاء المسرحي دراسة
سيميائية"، النص المسرحي هو العرض المسرحي. يقول : "إلا أن النص
المسرحي، يختلف عن النص الدرامي جذريا في كون رسالته موجهة لا إلى
"ذوات" منفردة ومستقلة في المكان والزمن، بل إلى "ذوات" جمعية،
ترتبط مع بعضها البعض في علاقة (نحن / الآن / هنا). كما أن هذه
الرسالة تنتج عموما بواسطة تعدد - قنوات إعلامية من موسيقى وحركة
وديكور وإضاءة.. الخ. إضافة إلى الأنساق اللغوية التي تميز خطاب
النص الدرامي".
عبر الفعل المعروض، يحكي المسرح حكاية. وتحليل الحوار يسمح بادراك
تطور الوضعية. وبأن النص واضح جدا بحيث لا تترك كتابته أي شيء في
الظل؛ أو بالمقابل، تترك مساحة واسعة لإبداع القارئ. إنه من الممكن
تحديد ما جرى بين بداية ونهاية كل لحظة في النص المسرحي، ارتباطا
بالمعطيات المقدمة بواسطة الحوار. هذا العمل المراجعاتي، لمتوالية
بعد متوالية، دقيق : تارة تظهر الأخبار غزيرة؛ تحمل أقوال الشخصيات
عددا كبيرا من المعلومات عن العلاقات التي تربط فيما بينها، عن
ماضيها، وعن مشاريعها؛ وتارة تكون الأخبار قليلة، يشتغل الحوار إذن
وفق غموض إلى إقصاء القارئ أو المتفرج. وفي النسيج الموضوعاتي يكون
ضروريا الكشف بدقة عن ماذا تتكلم الشخصيات.
إن الخطاب المسرحي هو ما يوحي به كلام في العالم، ما يقوله عن نفسه
وعن العالم. وبعيدا عن كثرة الموضوعات التي تتكلم عنها النصوص
المسرحية، فان الحوار يشيد، في الواقع، عالما مفترضا في ارتباط مع
العالم المعاش. كانت مثلا رؤية شكسبير رؤية اليزابتية للعالم. وقد
أشار الباحث إلى أن هناك طرقا متعددة لقراءة النص المسرحي.
وتحت عنوان "من النص إلى المشهد"، ذكر بأن كل نص مسرحي يكون مخصصا
ليعرض على الخشبة. ومع ذلك، هناك كتاب يبدو أنهم يرفضون العرض:
موسي
Musset
صنف مجموع إبداعه الدرامي تحت اسم "فرجة في المقعد"، وتحدث لوركا
عن مسرحه الذي نعته بـ : "المسرح المستحيل". في الواقع، إن الأمر
يتعلق، في غالب الأحيان، بآثار فنية هي في قطيعة مع الشفرات
المسرحية لعصرها. وحينما يحدث وتعرض لاحقا، فان تلك العروض تكون
مدهشة. وبصفة عامة، وكيفما كانت أهداف ونوايا الكاتب، فان النص
المسرحي يكون مخصصا للعب. كما بين علاقة النص بالإخراج المسرحي،
حيث لا يجب أن يكون هذا الأخير مجرد ترجمة لذاك. ولا يتعلق الأمر
بتجسيد لنص، ولكن بالتساؤل عما لا يقول. إن المرور إلى المشهد ينتج
عنه ظهور سلسلة من الأسئلة غير المنتظرة، تنير بطريقة مختلفة النص،
وتؤدي إلى ميلاد تفسير جديد كل مرة. وهنا يكمن بقاء النص.
نحو شعرية للنص
المسرحي
كانت خاتمة الكتاب هي هذا العنوان الدال في حد ذاته : "نحو شعرية
للنص المسرحي". وهذه الشعرية لا تحدد معالمها وأدواتها إلا من النص
المسرحي نفسه. ولذلك حرص هو بنفسه على تجميع تلك الأدوات
الممستخرجة من صلب هذا الأخير. فالنص المسرحي ليس وسيلة للتواصل
فقط، ولكنه يؤسس لغة فنية فتكون له وظيفة شعرية. وعلى التحليل أن
يضع فـي الحسبان هذه المادة الشعرية، التي هي قاسم مشترك بين كل
أثـر أدبـي : الاستعارات، الكنايات أو كل الصور الرمزية التي تمنح
للنص المسرحي بعدا، يسمح له بالتأثير في القارئ، ليس فقط على مستوى
الدلالات، ولكن أيضا في إطار المحسوس. وعليه، فكل وسائل المقاربة
التي يتيحها التحليل النصي للآثار الأدبية يجب استعمالها. إن البعد
الشعري لنص مسرحي، دون إغفال اشتغاله الدرامي، هو في النهاية الذي
يمنح له قوته وفعاليته. إن مسرح شكسبير هو التعبير الواضح عن هذا
الانصهار بين تمسرح محكم وإبداع شعري في كل اللحظات : كتابته
المركبة، التي تمزج بين خشونة اللغة المنطوقة وبراعة الحذلقة
الأكثر أناقة، وحيث الاستعارات تضاعف الإيحاءات والأصداء المعبـرة،
تحول الأثر الفنـي برمتـه إلى "استعارة متطورة" حسب قول
W. Knight.
وكل دراماتورجية تتميز بمحيط شعري ينتمي إليها في الجوهر.
بناء على كل المصطلحات التي تضمنها كتاب برونر، يلاحظ أنها موضوعة
بناء على تحاليل داخلية، ومستخرجة من صلب النصوص الدرامية. وهي
نتيجة للبحث النصي الشامل لكل مكونات النص الدرامي، بدءا من أرسطو
إلى هذا العصر. وإذن، فليس هو الذي وضعها بناء على قراءاته لتلك
النصوص، بل لا يمكن أن يكون قد وضعها باحث بمفرده. وإنما هي حصيلة
تاريخ من البحث والاجتهاد والتراكم المعرفي في مجال المسرح لدى
الغربيين، بدء من أرسطو إلى الآن. فمصطلحات من قبيل : الحبكة
والعقدة والحل والشخصية والنموذج العاملي مثلا، هي بالتأكيد ليست
من وضع برونر. ولكن دوره في هذا الكتاب هو استيعاب المصطلحات
الدرامية وفرزها عن بقية المصطلحات المسرحية الأخرى، والبحث، في
المسرح الغربي، عن مقابل نصي لكل مصطلح موجود في كتابه. وقد قدم
أحيانا عن كل مصطلح مثالا، وأحيانا أخرى أكثر من مثال، مراعاة
للتطورات الفنية المتعلقة به أي بالمصطلح. وهذه النصوص/الاستشهادات
كلها مأخوذة من نصوص مسرحية غربية، قديمة ومعاصرة. ثم إن هذه
المصطلحات منتقاة انتقاء يتلاءم مع بنية النص الدرامي على الخصوص.
لذلك لا وجود في جهازه الاصطلاحي لمصطلحات تتعلق بانثروبولوجيا
المسرح على سبيل المثال، لأن عمله هنا ليس داخلا في إطار هذه
الأخيرة. كما أنه لا وجود في الكتاب للإسقاط والتعميم. غير أنه
يمكن أن تكون هناك مصطلحات مسرحية نصية، أي مرتبطـة بالنص الدرامي،
لم يشر إليها. منها مثلا الحـوار الشعـري
La
stichomythie،"
وهو حوار يكون من الشعر إلى الشعر (أو من شطر
شعري إلى شطر آخر)".
ولأنه ينطلق من النص الدرامي الغربي، لم يتطرق إلى دور الأغنية
الشعبية في البنية النصية، ووظيفتها، ووضعيتها مع باقي أجزاء هذه
البنية. وكذلك الأمر بالنسبة للأشكال ما قبل المسرحية، التي قد
توظف في النص الدرامي.
ورغم أنه سعى إلى التركيز على أدوات تحليل النص الدرامي فقط، فقد
تخللت هذه الأدوات، وهذا قليل جدا، أدوات تتعلق بالعرض المسرحي.
يتجلى هذا في حديثه عن زمن العرض. وقد كان هذا في إطار حديثه عن
الزمن المسرحي بشكل عام. وقد يكون الدافع إلى ذلك هو الرغبة في
التمييز،
بشكل دقيق، بين الزمن الدرامي وزمن العرض المسرحي.
إضافة إلى ما سبق ذكره، يمكن القول بأن برونر استفاد من التحليل
البنيوي والتحليل الدراماتورجي للنص الدرامي. هذا علاوة على
استفادته من السيميولوجيا. وقد انعكس ذلك بوضوح على الجهاز
الاصطلاحي الموجود في كتابه، إذ لا وجود لمصطلحات مسرحية، تتعلق
بخارج هذا النص الأخير. والتحليل البنيوي يتقاطع "بشكل ما مع
الدراسة الدراماتورجية للعمل المسرحي، لكنه يشكل إغناء له في نفس
الوقت. (...) وتعتبر دراسة الباحث الفرنسـي جاك شيرير
J. Scherer
في كتابه "الدراماتورجة الكلاسيكيـة فـي فرنسـا" (1950)
من الدراسات التي مهدت للربط بين هذين المنهجين في التحليل".
وقد عـاد برونر إلى هذا الكتاب مثلما عاد إلى كتـب أعقبتـه تدخل في
نفس الإطـار. ومنهـا، على سبيل المثال، كتاب : "Sémiologie
du théâtre"
لكـاوزن
Kawzen
.T،
و"Le
langage dramatique"
للارطوما
P. Lartomas.،
وكتب لأوبرسفيلد...
هذا على صعيد العلاقة بين المنهجين السابقي الذكر. أما على الصعيد
الأدبي بشكل عام، "وبما أن الشكلانيين الروس قد شغفوا بالبحث عن
القوانين الداخلية المنظمة للعمل الأدبي، فقد استخدموا بكيفية
عملية أول قاعدة في كل تحليل بنيوي، ألا وهي قاعدة استكشاف
العلاقات الداخلية المتجذرة في الموضوع".
إن الموضوع المقصود عند كابانيز هو النص الأدبي، والبحث داخله يكون
عن الأدبية. لكن الموضوع المقصود عند برونر، وكذلك في البحث
التطبيقي الذي سأقوم به، هو النص الدرامي. ولذلك فان البحث يخص
الدرامية، أي الخصوصيات الفنية التي تجعل من النص الدرامي دراميا.
ورغم الاختلاف في الموضوع فان القاعدة المنهجية واحدة.
ليست الغاية من هذا العرض النظري هي استنساخه كما هو، في التطبيق،
ولكن الغاية هي الاستفادة منه والاسترشاد به. والسبب هو أن هذا
العرض النظري هنا، تنبع اجتهاداته، في أصله، من استشهاداته من نصوص
مسرحية غربية موجودة بالفعل دون إسقاط، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى،
فإنه من الواجب أن تكون المصطلحات المسرحية في خدمة التحليل، لا أن
يكون النص الدرامي في خدمة المصطلحات الدرامية. فلولا وجود الأول
لما وجدت الثانية. لذلك، ليس من الضروري مثلا البحث عن معادل أو
أشباه ونظائر لأزمة الشخصية في المسرح الغربي (مثل شخصيات بيكيت
على سبيل المثال) في المسرح المغربي أو العربي. وأنا هنا لا أتحدث
عن التقليد أو الاقتباس أو الاستنبات وما شابه ذلك، وإنما عن
التأليف. إن سياق هذين المسرحين الأخيرين (المغربي والعربي عامة)
ليس هو سياق ذلك.
والجدير بالإشارة هو أن برونر استفاد في صياغة كتابه من دراسات
وأبحاث غربية عديدة. بينما مازلنا نحن نخطو الخطوات الأولى في طريق
تحليل النصوص الدرامية بعقل تحليلي، ينتج قراءة داخلية تحليلية
شاملة. والمراد بالقراءة الداخلية التحليلية الشاملة، هي تلك
المتعلقة بالنص الدرامي الواحد، والتي يمكن القيام بها بالنسبة
لنصوص
درامية مغربية أو عربية أخرى. في هذا الإطار، أتساءل، انطلاقا من
كتاب "بيبليوغرافيا المسرح المغربي"،
الذي تضمن فهرسا لنصوص درامية مغربية مطبوعة على شكل كتاب؛ هذا،
ناهيك عن النصوص الدرامية المغربية المنشورة في بعض المجلات.
أو التي قد تكون مخطوطة أو مرقونة أو مخزنة على الحاسوب، أو التي
يمكن أن تظهر مطبوعة علـى شكل كتاب بعد نشر تلك البيبليوغرافيا، كم
من النصوص المسرحيـة
المغربية التي خضعت لقراءة من هذا النوع؟.
إن استعراض الكتب المغربية المتعلقة بالبحث والنقد المسرحيين،
وقراءتها من الداخل، يبرزان جليا أننا لم نقم، لحد الآن، بقراءة
النصوص الدرامية المغربية قراءة داخلية تحليلية شاملة، إلا فيما
ندر. وهذا النادر شاذ، بمعنى أنه قليل جدا.
إن الحصيلة واضحة، إذ مازال النص الدرامي المغربي، المطبوع على
الأقل، والذي تتوفر فيه الأسس الفنية الضرورية في الكتابة
الدرامية، في حاجة إلى قراءات وتحاليل منهجية منتجة غير
اختزالية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنه لا يجوز تبرير الاختزال
بالحيز الصحافي، ذلك أن الباحث باحث وليس صحافيا.
والقراءة المنهجية أو التحليل المنهجي لا بد أن يرتكز على أدوات
تدعى المصطلحات. هذه الأخيرة لا بد كذلك أن تكون حمولاتها
المفهومية مضبوطة وواضحة على الصعيد النظري، تجنبا لكل خلط أو
التباس، وتفاديا لسوء التطبيق على الصعيد الاجرائي. وقد تكفل هذا
المدخل المنهجي بتحديد الإطار المنهجي والجهاز الاصطلاحي المرتبط
بتحليل النص الدرامي. وسيكون هذا الجهاز وذلك الإطار أساس التحليل
التطبيقي، الذي آمل في إنجازه في كتاب لاحق، يكون استمرارا لهذا
الكتاب.
لائحة المصطلحات
|
الأشكال ما قبل
-
المسرحية |
Les formes pré
-théâtrales |
|
-
الإخراج المسرحي |
La mise en scène |
|
-
الإرشادات المسرحية
|
Les didascalies
théâtrales |
|
-
الإرشادات التعبيرية |
Les didascalies
expressives |
|
-
الإرشادات النصية
|
Les didascalies
textuelles |
|
-
الإرشادات الوظيفية |
Les didascalies
fonctionnelles |
|
-
الأكسسورات |
Les accessoires |
|
-
الإنارة |
L’éclairage |
|
-
البنية الدرامية |
La structure
dramatique |
|
-
التبئير |
La focalisation
interne |
|
-
التحليل |
L’analyse |
|
-
التحليل الدراماتورجي
|
L’analyse dramaturgique
|
|
-
التقطيع |
Le découpage |
|
-
تعدد الفعل |
L’orchestration de
l’action |
|
-
التشويق |
Le suspense
|
|
-
ترتيب الفعل الدرامي |
L’agencement de l’action
dramatique |
|
-
التراجيديا |
La tragédie
|
|
-
التراجيكوميديا |
La tragi-comédie |
|
-
التلفظ المزدوج |
La double
énonciation |
|
-
التلقي المزدوج |
La double destination
|
|
-
الحبكة |
L’intrigue
|
|
-
الحكاية |
La fable
|
|
-
الحوار |
Le dialogue
|
|
-
الحوار الثنائي |
Le duo |
|
-
الحوار المزيف |
Le
faux dialogue
|
|
-
الحوار المتعدد |
Le polylogue
|
|
-
حوافز الفعل |
Les ressorts de
l’action |
|
-
الخطاب المسرحي |
Le
discours théâtral |
|
-
الدال |
Le signifiant
|
|
-
درامي |
Dramatique
|
|
-
دراماتورج |
Dramaturge
|
|
-
الرسالة |
Le message
|
|
-
الزمن الدرامي |
Le temps
dramatique |
|
-
الزمن المسرحي |
Le temps théâtral
|
|
-
زمن العرض |
Le temps de la
représentation |
|
-
زمن الخيال |
Le
temps de la fiction |
|
-
سوء التفاهم |
Le quiproquo
|
|
-
سلطان الطلبة |
Sultan Tolba
|
|
-
السيميولوجيا |
La sémiologie |
|
-
السينوغرافيا |
La scénographie |
|
-
الشخصية |
Le personnage |
|
-
الشعرية |
La poétique
|
|
-
الشيكيصامبا |
Le shikisamba
|
|
-
العرض |
L’exposition |
|
-
العرض المسرحي |
La représentation
théâtrale |
|
-
طرق الحوار |
Les procédés du
dialogue |
|
-
الفرجة |
Le spectacle |
|
-
الفعل (الحدث) |
L’action |
|
-
الفصل |
L’acte |
|
-
الفضاء الدرامي (النصي) |
L’espace dramatique
(textuel) |
|
-
الفضاء الركحي |
L’espace
scénique |
|
-
فضاء اللعب |
L’espace ludique |
|
-
الفضاء الداخلي |
L’espace
intérieur |
|
-
القناع |
Le masque |
|
-
الكتابة الجدولية |
L’écriture tabulaire
|
|
-
الكولاج |
Le collage |
|
-
الكوميديا |
La comédie
|
|
-
اللغة الدرامية |
Le langage
dramatique |
|
-
اللغة المسرحية |
Le langage
théâtral |
|
-
اللوحة |
Le tableau |
|
-
الماكياج |
Le maquillage |
|
-
المحاكاة |
La mimesis
|
|
-
المدلول |
Le signifié |
|
-
المعارضة |
Le pastiche |
|
-
المسرحة |
La théâtralisation
|
|
-
المسرح الملحمي |
Le théâtre
épique |
|
-
مسرح العبث (اللامعقول ) |
Le théâtre de
l’absurde |
|
-
مسرحية شعبية |
Représentation
populaire |
|
-
المسرحيات الآلية |
Les pièces-
machines |
|
-
المسرحيات غير الآلية |
Les pièces
–paysages |
|
-
المشهد |
La scène |
|
-
المهرجان |
Le festival
|
|
-
الميتامسرح |
Le métathéâtre |
|
-
الميتاتواصل |
La
métacommunication |
|
-
النص الدرامي |
Le texte
dramatique |
|
-
النص المسرحي |
Le texte
théâtral |
|
-
النص الموازي |
Le paratexte |
|
-
النصوص التحتية |
Les sous textes |
|
-
نظام النص الدرامي |
L’organisation
du texte dramatique |
|
-
النموذج العاملي |
Le modèle
actantiel |
|
-
النمو الدرامي |
La
progression
dramatique |
|
-
النوع |
Le
genre |
|
-
وحدة الفعل |
L’unité de
l’action |
لائحة المراجع
بالعربية
- الكتب
-
ابن منظور. لسان العرب. ج/11. دار صادر.
-
إنيس أليفرتي وآخرون. المسرح والارتجال. دار قرطبة. الدار
البيضاء. المغرب. ط/1. 1992. ترجمة حسن المنيعي.
-
أحمد بلخيري. الوجه والقناع في المسرح (إعداد وترجمة).
البوكيلي للطباعة. القنيطرة. المغرب. ط/1. 2003.
-
أحمد بلخيري. المصطلح المسرحي عند العرب. البوكيلي للطباعة
والنشر. القنيطرة. المغرب. ط/1. 1999.
-
أحمد بلخيري. دراسات في المسرح. مطبعة فضالة. المحمدية.
المغرب. ط/1. 2001.
- أكرم اليوسف. الفضاء المسرحي دراسة سيميائية. دار مشرق –
مغرب. سوريا.ط /1. 1994.
-
أمبرتو ايكو وآخرون. المسرح والسيميولولوجيا. مطبعة ديكارت.
ط/1. 1995. ترجمة حسن المنيعي.
-
أنطونيو غرامشي وآخرون. المسرح فن خالد (وهوعنوان مقالة بيير
ايمي توشار). مطبعة سيدي مومن. الدار البيضاء. المغرب. ط/1.
2003. إعداد وترجمة حسن المنيعي.
-
ايريش كيستنر. مدرسة الدكتاتور (مسرحية). سلسلة "إبداعات
عالمية" (الكويت). عدد 344. أكتوبر 2003. ص/10. ترجمة إقبال
القزويني. مراجعة عطية العقاد.
- جان دوفينيو
وآخرون. الجسد في المسرح. مطبعة سندي. مكناس. المغرب. ط/1.
1996. إعداد وترجمة حسن المنيعي.
- جان لوي
كابانيز. النقد الأدبي والعلوم الانسانية. مطبعة النجاح
الجديدة. الدار البيضاء. المغرب. ط/1. 2002. ترجمة عبد الجليل
بن محمد الأزدي.
-
حسن بحراوي. المسرح المغربي بحث في الأصول السوسيوثقافية.
المركز الثقافي العربي. ط/1. 1994.
-
حسن المنيعي. أبحاث في المسرح المغربي. مطبعة صوت مكناس. ط/1.
1974.
- حسن المنيعي.
المسرح المغربي(من التأسيس الى صناعة الفرجة). منشورات كلية
الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز. فاس. المغرب.ط/1. 1994.
-
حسن المنيعي. التراجيديا كنموذج. مطبعة النجاح الجديدة. الدار
البيضاء. ط /1. 1975. في هذا الكتاب توجد مقالات، أغلبها
مترجم.
- حسن يوسفي. المسرح في المرايا. منشورات اتحاد كتاب المغرب
(بدعم من المكتب الإعلامي الكويتي بالرباط). ط/1. 2003.
-
الحسين المريني. من ثنايا الذاكرة. البوكيلي للطباعة والنشر.
القنيطرة. المغرب. ط/1. 2002.
-
سعيد الناجي. التجريب في المسرح. دار النشر المغربية. الدار
البيضاء. المغرب. ط/1. 1998.
-
سعيد يقطين. قال الراوي البنيات الحكائية في السيرة الشعبية.
المركز الثقافي العربي. ط/1. 1997.
-
عبد الله حمودي. الشيخ والمريد. دار توبقال للنشر. الدار
البيضاء. المغرب. 2000. ط/2. ترجمة عبد المجيد جحفة.
- عزالدين بونيت. الشخصية في المسرح المغربي بنيات وتجليات.
مطبعة المعارف الجديدة. الرباط. المغرب. ط/ 1. 1992.
-
ماري إلباس وحنان قصاب. المعجم المسرحي. مكتبة لبنان ناشرون.
بيروت. لبنان. ط/1. 1997.
- محمد الكغاط.
المسرح وفضاءاته. البوكيلي للطباعة. القنيطرة. المغرب. ط/1.
1996.
- محمد قاسمي
ومصطفى رمضاني. بيبلوغرافيا المسرح المغربي. مؤسسة النخلة
للكتاب. وجدة. المغرب. ط/1. 2003.
-
محمد عابد الجابري. مواقف (من ملفات الذاكرة الثقافية). رقم
19. شتنبر 2003.
-
محمد سبيلا. دفاعا عن العقل والحداثة (حوارات). منشورات الزمن.
2003. رقم 39.
-
مصطفى بغداد. المسرح المغربي قبل الاستقلال. منشورات الرهان
الآخر. ط/1. ما ي.2000
-
المعجم الوسيط. ج/1. ط/2.
- يونس لوليدي. الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي
المعاصر. مطبعة أنفو برانت. فاس. المغرب. ط /1. 1998.
-
يونس لوليدي. المسرح والمدينة. مطبعة سيدي مومن. الدار
البيضاء. المغرب. ط/1. 2002.
- المقالات
-
ادريس الكتاني. من تقاليدنا الحضارية الفريدة في تاريخ العالم
: سلطان الطلبة المهرجان الطلابي العظيم الذي استمر ثلاثة قرون
ثم تلاشى في عهد الاستقلال. آفاق. عدد خاص بالقصة بالمغرب.
السنة الثالثة. العدد الأول والثاني. 1966.
- خالد أمين. مرتجلة محمد الكغاط بين الاحتفاء بالجسد
وتفكيكه، في : المرتجلة في المسرح الخطاب والمكونات (مؤلف
جماعي). مطبعة ألطوبريس. طنجة. المغرب.2003. ط/1. 2003.
-
علاء عبد الهادي. قراءة في مفهوم بتر بروك للمسرح. "علامات"
(السعودية). المجلد الثاني عشر. الجزء 47. مارس 2003.
-
سعيد الناجي. تغريب النقد المسرحي عند حسن المنيعي، في :
الكتابة النقدية عند حسن المنيعي.. (مؤلف جماعي). منشورات
اتحاد كتاب المغرب فرع فاس. مطبعة البلابل. فاس. المغرب.ط/1.
- سعيد الناجي.
النقد الذهني في المسرح المغربي، في : مجلة "الثقافة
المغربية". العدد 8. ماي 1999.
- كلود روا.
أخطاء ترتكب في حق برخت. أقلام. السنة الأولى. العدد 7.
ديسمبر. 1964. ترجمة حسن المنيعي.
-
يونس لوليدي. تجليات الفعل النقدي عند حسن المنيعي. في :
الكتابة النقدية عند حسن المنيعي (مؤلف جماعي). منشورات اتحاد
كتاب المغرب فرع فاس. مطبعة البلابل. فاس. المغرب.ط/1.
*
بالإضافة
إلى
:
- حسن يوسفي. النقد المسرحي بالمغرب الرهان المعرفي. جريدة
"الاتحاد الاشتراكي" (الأحد 1/6/2003 (فاتح يونيو).
بالفرنسية
-Le petit Robert
- Anne Ubersfeld. Lire
le théâtre III le dialogue de théâtre. Ed Belin. 1996
-
Anne Ubersfeld. Les termes clés de
l’analyse du théâtre.Ed du seuil. Paris. 1996.
- Alain Couprie. Le théâtre. Ed Nathan.
Paris.1995.
- Marie- Anne Charbonnier.Esthétique du
théâtre moderne. Armand Colin/ Masson. Paris.1998.
- Michel Pruner. L’analyse du texte de
théâtre. Ed Nathan. Paris.
2001.
المؤلف : أحمد بلخيري
الكتاب : نحو تحليل دراماتورجي للنص الدرامي
لوحة
الغلاف : الفنان عبد الحفيظ مديوني
الطبعة الأولى : 2004 الدار البيضاء – المغرب
السحب
: مطبعة رانو الدار البيضاء
الإيداع القانوني : 2004/2003
ردمك
: 5 - 0674 – 0- 9954
جميع
الحقوق محفوظة للمؤلف
|