|
نص مسرحية ( كوكـــب البحـــــر )
تأليف : مشعــل الموســـى .
2003- الكويت .
From_Kuwait@hotmail.com
المسرحية التي حازت على أفضل نص مسرحي في مهرجان مسرح الشباب في
الكويت
والتي نظمتها هيئة الشباب والرياضة في دولة الكويت 2004 ، بجانب
الإخراج والديكور .
* توصــيف النص :
-
3 شخصيــات (
رجال : عجـوز ورجـليـن ) .
-
رؤيـة سـياسـية
تأمليـة .
المشهــــد الأول .
( قـارب خشبي ، يحـتوي على سارية
وشراع ( قديم ) قـد تم طيـّه ، محـرك ومجدافيـن . المركــب في
البحـر وعليه ثلاثــة رجــال ) .
1 : هـــا ؟! قــل لي الآن ، هـل مـن مخـرج ؟
2 : حتى هـذه اللحظــة ، لا .
1 : إذن ؟
2 : كان المحــرّك يعمل بشكل جـيد ، ولا أعـرف ما أصابـه ؟ توقف هكـذا
دون سابـق إنــذار .
1 : كــان جـيـّـد ؟!
2 : نعـــم كان جـيــّـد .
1 : هـذا يعـني بأن محـركك ليـس بممتـــازة .
2 : سيـدي ، جيـد أو ممتــاز هـذا يـرجع بالنسـبة لمفهـومي .
1 : يعنـي ؟!
2 : يعني بأنه كـان يعمل بشكـل جـيّـد ( يتـدارك ) ... م .. ممتــاز ،
أيًّـا كـان .
1 : لكــن في النهاية لا يحمل درجــة جـيّـد ، ( يبـتـسم باستهـزاء )
تجازفـون بحـيات الغيـر من أجل حفـنـة من النقـود .
2 : لا ، لا أرجـوك ، ليس إلى هـذا الحـد ،، سيـدي ، أمهلني قـليلا ً ،
سأحـاول إصلاحـه ، هــا أنا أحــوال .
1 : لـدي الســؤال إن سمحـت لي ، ممكــن ؟
2 : ( وهـو منهـمك بإصلاح المحـرك ) نعـم ، بكل ســرور .
1 : هــل توقـف أو تعطـل هــذا المحـرك قبـل هـذه المــرّة ؟
2 : ( ضاحكــًـا ) أوه ،، كثيــرًا .
1 : وهـل أصلحـتـه ؟
2 : بكل تأكـيـد ، قـد أصـلحته أكثـر من مـرّة ، بـل مـرّات عــديدة يا
سيـدي .
1 : هــذا مطمئـن .
2 : لا تخـف ولا تـرتـاب سيـدي ،
لا بـد وأن يسـر خاطـرك ، فـرزقــي ورزق عائـلتي متوقـف على هـذا
المحـرك .
1 : لكننـا على هـذه الحالـة منـذ أكثـر مـن ساعـة ، ولـم أرى أي
تـقـدّم .
2 : سيـدي أرجـوك ، دعني أعمل ما يتـوجـب علي عمله اتجـاه هـذا المحـرك
، أرجــوك .
(1 ينظـر إلى 3 باستغـراب ، ومن ثم يخاطبـه ) .
1 : مرحـبــًـا .
3 : مرحـبـًــا .
1 : منذ أن ركبنا هـذا المركب وأنت صامت ،، هـل تعـرف ؟ إني أحسـدك
على صمتـك ورباطـة جأشــك .
3 : وهــل الصّمت صــار يُحــْـسَـدْ عليــه .
1 : بالتأكيــد ، فالصّمـت من ذهـب ،، عفــوًا ، أقصــد السّــكوت .
3 : إذن ، لا بـد وأنــك سَتـَـحْـسِـد طويــلا ً .
1 : لــم افهــم ؟!
3 : ألا توافقـني بأن صمـت هـذا البحـر ( يشيـر للجمهـور ) ، يفـوق
صمتـي ؟
1 : ( يضحـك ) دبلماســي ، ومنطقــك يعجـبنــي .
( يضحـك ، ثـم ينتـبـه ) .
1 : ( بشـك ) ولكـن ، ماذا تـعـني بأنني سأحسـد صمت البحـر طويــلا ً
؟!
( 3 يـبـتســم ) .
1 : ( بارتـياب ) هـل تـقـصـد ، بأننا سنمكـث على ظهـر هــذا القـارب
طويـلا ً ؟
( 2 مخاطبــًا 1 ) .
2 : لا تتوجس يا سيدي ، فنحـن أمام معضلــة ، لكـنها لـيست بتـلك
الصعـوبة التي تتخـيلها .
1 : ( لـ1 وهـو يشيــر لـ3 بانفعال ) ألم تسمع هـذه السّيــد ؟ ألم
تفهـم ما يرمـي إليه ؟
2 : نعـم سمعـتـه ، لكن للكلام تأويــل .
1 : بل تـفـسيـر ،، ورغـم هــذا ، فــأنا لا أهتـــم .
2 : حســنـًا تـفعــل .
( صمــت ) .
1 : ( لـ2 ) هــل هـناك مراكـب أخـرى تعبـر من هـذا الاتجــاه الذي
نحـن قابعيـن فيــه ؟
2 : نعــم ، مراكـب كثيــرة ،، لكن ليــس في هـذا الوقـت .
1 : أي وقـت هـذا ؟
2 : سيـدي ، لقـد طلبت مني وبإلحاح ، أن نتوجه للضفـة الأخـرى ، وفي
هـذه الوقـت بالـذات .
1 : وما الضّيــر في هــذا ؟
2 : المراكـب لا تعمـل في هـذه الساعـة المبكـرة ، أي قبـيـل الفجـر .
1 : تعني بأن القـوارب ملتـزمة بوقـت محـدّد للعمل ؟ هـذا كـلام أجــوف
.
2: لا ، ليـس بكلام أجــوف ،
فعندما كنـّـا على الشاطئ ، رأيـت أنـت بأم عـينيك كيف كانت
المراكـب مصطفــّـة ومتراصّـة بجانب بعضـها البعـض ، كما أن
سائقـيـها نائمـون ، أمّـا على الشاطئ أو على مراكبهـم .
1 : نعــم ، كانوا كثــر ،، لكــن ، هــذا لا يعـني بأن الجميع ملتــزم
بالوقـت .
2 : بـل الجميع ملتــزم .
1 : وأنــت ، غـيــر ملتـزم ؟!
2 : بسببـك ، بسـببك لا بــد وأن أكــون غيـر ملتــزم .
1 : بسببــي ؟
2 : لا أقصد إهــانة سيـدي ، لكـن
إصرارك على الانتـقـال للضفة الأخـرى ، أرغمني على خرق الوقـت
المعتــاد للانطلاق .
1 : وبهــذا أكـون أنا سبب هـذه
الفـوضى وهــذا الخــرق ، أليـس كذلــك ؟
2 : ليـس لهـذا أي فـوضى ، لكـن
بكســري هـذا القانـون ، تكـون أنت المستـفـيــد .
1 : وأنـت أيضـًـا مستـفـيــد .
2 : نعــم ، لا أنكـر هـذا ، لكن
استـفـادتي يعـرفها الجميـع ، ( بانـزعاج ) وهـذا أمـر يـزعجـنـي .
1 : يعـرفــها الجميــع ؟!
2 : نعـم ، فـأنا أستـفـيـد من
هـذا العمل استـفــادة مالية ، ( يؤكـد ) نقـود يعـني .
1 : وأي مشكلـة في هــذا ؟
2 : ( متذمّـر ) المشكلة في أن
الجميع يعــرف أسعــارنا نحـن أصحاب القـوارب مقابـل هـذا النوع
مـن المشوايــر .
1 : ( بـثـقة ) نعـم ، نعــرف أسعــاركم جـيـدًا .
2 : ولكــننا لا نعـرف
استـفـادتكم من هـذه المشوايـر ، فلا بد من استـفــادة ، ( بخبـث )
أليـس كذلــك سيـدي ؟
1 : ( يضحـك ) عليك اللعـنة ، كيف
لك من منطق غـريب ، مع هذا فهو جميل ، وبهذه الحالــة تكون العولمة
قــد سقطـت في هــذا القــارب ،، قـل لي ، ما شأنك أنت وشأن ما
يستـفـيد منه زبائنـك؟
2 : عــولمة ( مستـنكر هـذه
المفـردة ) ؟! ( يضحـك ) شكـرًا شكرًا ،، ففي كل يـوم وساعـة ،
يصعـد معي على ظهـر هــذا القـارب أطفــال ، شيــوخ ، رجــال ، (
بحسـرة ) ونســاء ،، حيــوانات وبضـائع ، و...
1 : ( مقاطعًـا ) لكن ، متى يكـون
عـادة ً وقـت عملكــم ، أقصـد في أي ساعـة بالتــّحـديـد ؟ .
2 : مـع طلوع الفجـر ، أي بعــد سـاعة أو سـاعة ونصــف مـن الآن .
1 : ( بذهـول ) مــاذا ؟!
2 : ما الأمــر ؟
1 : هـذا يعني بأننا سننـتظـر طيلة هــذا الوقــت ، حتى يمـر بقـربنــا
أحـدهــم ؟
2 : ومن قــال لك بأنـنا سنمكـث هـنا طيـلة هـذا الوقــت ؟
1 : ماذا إذا لم تـفـلح في تصليـح هــذا المحـرّك ؟ ماذا سنـفعـل ؟
2 : هــذه... ،، مشـيئـة الله .
1 : ( يـبهـت ) نعـــم ، صحـيح .
( صمــت ، بيـنما 2 منهـمك بإصلاح المحــرك ) .
2 : ( يصـيح متـذمرًا ) أف ، أف ، لا أعــرف علـّـة هــذا المحــرّك
التعـيــس .
1 : ( بتأفف ) إن لله وأن إليه لراجعــون .
2 : كان يـتم إصلاحه ، لكن في هــذه المــرّة ... .
1 : ( بانتـباه وارتـياب ) أكمــل ، ما خطـب هـذه المـــرّة ؟
2 : آنا دائمـًا أعجـز عـن إصلاحـه ،، اللعنـة على هـذه الخـردة .
1 : ( بحـدّة ) ... هـيـه ، أنـت ؟
2 : مــاذا ؟
1 : ( مستـنكـرًا قـول رجـل2 ) دائمـًا تعجــز عـن إصلاحــه ؟!
2 : نعــــم على الــدوام ، لمــاذا تســأل ؟
1 : ألم تقـل لي منذ قليل بأن محـرّكك اللعيـن هـذا ، قد تعطل عليــك
أكثـر مـن مــرّة ؟
2 : بالضبـط ، قلـت هـذا .
1 : ألم تقــل لي أيضـًا ، بأنك أصلحـتـه أكثـر من مــرّة ؟
2 : نعــم ، هـذا ما حـدث فــعلا ً .
1 : إذن ، لماذا قلت بأنـك دائمـًا تعجـز عـن إصلاحـه ؟
2 : شخصـيـًا ،، أعجــز عـن هـذا ، لكني كنت أصـلحه على البـر ، أي عـن
رجـل مختـص .
1 : مــاذا ؟ أتـقصـد ميكانيكــي ؟
2 : نعــم ، ميكانيكــي ، فـي
ورشــة ميكانيكا مختــصة لهذا النــوع من المحركات بالـذات ، ففـي
كثيـر من الأحـيان ... .
1 : ( مقاطـعــًا ) أنت كـنت تنـاور بالمصطلحات .
2 : أي مصطلحات هـذه التي تـتحـدث عـنها سيــدي ؟
1 : أنت لم تكـن تـقصـد بأنـك ( يـؤكد ) أنت الذي قمـت بإصلاحـه
بنفـسـك ؟
2 : بالطبع لا ، أنا كنت أقصـد بأنني أصلحـتـه عنـد الميكانيكي أكـثــر
من مــــرّة.
1 : يا إلهي ، يا إلهي ، لم أكـن
أتصـوّر يومـًا ، بأني سأرافق سقـراط وأفلاطون على ظهر مركـب عتيـق
، وأنا فـي عـــرض البحــر .
2 : في هـذا الوقـت من الليـل ( يضحـك شامـتـًا ) .
1 : ( بحـدة ) أنت ، لماذا لم
تكـن واضحـًا معي في كلامك ؟
2 : ( بحـدة ) وهـل وضـوح كلامي
حينهــا ، سيجعـل مـن وضعـنا أفضـل مما نحــن عليه الآن ؟
( صمــــت ) .
2 : ( يستـذكـر ) المحركات
والآلات في هـذه الأيام أصبحـت شيء لا يحتمل ، ففي السابـق كانت
المحركات تعمل ليـل نهار دون كـلل ، فلا نشكوا من عـطل أو أدنى
خـلل ، لكن محركات هــذا الوقـت صارت عـديمة الفائـدة ، فأشكالها
جميـلة ومغــرية ، لكنهــا في واقـع الأمر ، محـركـات تعـسـة ،
سريعـة التـلـف .
1 : ( بانفعال ) ليـت يمر أحـد
الأصحاب القـوارب الأخـرى الآن ، أقـسم بأنني سأرافـقـه وسأدفع له
ضعـف ما يطلـبه من أجــر .
2 : ( بثـقة ) لن يمـر أحـدهــم الآن .
1 : تبــدو واثـقـــًا .
2 : نعـم ، فأنـا أعـرف زملائـي ،
فزملائي لا يتحـركـون ولا ينطلقـون في مثـل هـذا الوقت الباكـر ،
كما أنني أعـرف... وضعـنا جيـدًا .
1 : ( بانتـباه ) أي وضع هــذا الـذي تـتحـدّث عنـه ؟
2 : ( بملل ) ألا تعرف ما خطب هذا الشهر !!
( 1 ينظر لـ2 كناية عن عـدم معـرفة ما يـرمي إليه صاحـب
القـارب ) .
2 : ألا تعرف ما خطب هذا الشهـر ؟! أجـاد أنت ؟ نحن في شهـر عصيب ، شهر
عصيب جـدًا .
1 : ( باهـتمام وريـبة ) وما خـطب هـذا الشهــر ؟ .
2 : نحن في وقت تـشـتـد فيهِ
التيـّـارات المائية القـوية ، ولا بد وأننا قـد ابتعـدنا عـن
موقعـنا الذي كنا فيه قبل أن يتعطل بنــا هـذا المحــرك .
1 : ( بقــلق ) تـقـصد بأن
التـيارات... ، قـد جرفـتـنا بعيــدًا ؟
2 : لا شــك في هــذا ، وبعـيـدًا جــدًا .
1 : وهــل الأمـر خطيــر ؟
( 2 لا يـرد عـليه ، وكأنه قـد مل التحــاور معه )
.
1 : ( يتوجّـه لـ 3 ) هـل سمعـت ما قالـه هــذا المعتـوه ؟
3 : سمعتــه .
1 : وما العمــل ؟
3 : ( لـ 1 بثـقة ) يا شيـخ ، هــل هـناك مخـرج من هـذا المـأزق الـذي
نحـن فـيه ؟
2 : حتــى هـذه اللحـظة ،، لا .
1 : ( بعصبـية ) سحـقــًـا لك ولقاربــك .
( رجل 1 يضحك ولا يهـتم ) .
3 : ( يحـاول إسـكات 1 ) حسنـــًا حسـنـًـا، ( لـ2 ) قـل لـي الآن ، ما
إمكانية استخـدام هـذين المجـدافيـن ؟
2 : أولا ً المسافـة بعيــدة جــدًا .
1 : وثانيـــًا ؟
2 : ثانيـًا ، لا نعـرف بأي اتجــاه صــرنا .
1 : ( لـ 2 ) اللعـنة عليـك ، ألف لعـنة تنـزل بـك .
2 : ( بغضـب ) مرحـبـًا باللعـنـة ، طالما أنـت معــي .
1 : ( لـ 2 ) كيف لا تعـرف بأي
اتجــاه نحــن ؟
2 : كما تـرى ، فالسماء في هـذا
الشهـر تكون ملبدة بالغيــوم الكثيفـة ، فلا مجال لمعرفة إلى أيــن
نتـّجـه ، فلا نجـم واحـد ظاهــر لنــا ، ولا قمــر .
1 : ( بتأفــف ) أولا ً ثانيـًا
،، ( بسخـرية ) عـفــوًا ، وهـل هنــاك ثالثــًا .
2 : نعم ، فأنا كما تـرون ، رجل
عجـوز هـرم ، بالكــاد أستطيع تحريك يدي ، فكيف لي أن أجــدّف ؟
1 : هـذه ليـسـت بمشـكلة ،،
ورابعــًا .
2 : رابعـًا وهـو الأهـم ،
فالمارد الكبـير لا يسمح بأن نستخـدم المجاديف في هـذا الشهـر ،
مهما كان الظــرف ،، ممنـوع .
1 : مــارد ، نعـــم ،، ( متـفاجئ
) مــارد ؟ أي مـارد هـذا ؟ .
2 : مـارد البحـر ، المـارد
الكـبيـر .
1 : هــذا الذي كان ينقصـنـا ،
رجل معتـوه يقـودنا إلى الهـلاك والجنـون ، أي حـظٍ هـذا الـذي
قادني إلى هـذا القـارب ؟ .
2 : ( متـململ من رجـل 1 ) إن لله
وأن إليه لراجعــون ، ( لـ 3 ) لمــاذا لا تـقـل شيئـًا يا رجل ؟
هل لا تـدخـلت ؟ أرجـوك .
1 : ( لـ 3 وهـو متحـفـز ، مذهـول ) هــل هنـاك شيـئ ؟
3 : أنـت غــريب عـن هـذه المنطقـة ، أليــس كذلـك ؟
1 : ســـؤال كهـذا لا يطمئنني ، ومع هــذا ،، لا ، فأنا من هذه المنطقة
، لكني غادرتها مبكرًا وعـدت إليها كما ترياني الآن .
3 : المارد الكبيــر ، لا يسمح باستخـدام المجاديـف ، وفي هـذا الوقـت
من الشهـر تحديـدًا .
1 : ( غيـر مصـدّق ) ممتــاز ، مارد يسـن القوانيــن ، ( باستهــزاء )
وهـل هنــاك أمـرٌ آخـر ؟
3 : نعـم ، فالتيارات المائية هـذه ، تخصّـه وحــده ، فهـذه التيارات
تعمـل على خـدمتـه .
1 : أمـمـم ... كـيف هــذا ؟ (
باستهــزاء ) وضّــح لي من فضلك ، فأنتمـا كما تعرفـان ،، أنا
مجنــون ، وجاهــل أيضـًا .
3 : التيارات هـذه تكون مسخـّـرة
للمارد الكبيـر ، فهـذه التيارات الشديـدة ، تجلب له الأسماك
والأعشـاب وكل ما يعلـق تحـت وفــوق هـذا البحــر .
1 : ثـــم ؟
2 : ثم تـنجـرف هـذه الخيـرات حتى
تستـقـر عـند حضـرته ، فينتـقي منها ما يحـب ويتـرك ما يكرهــه .
1 : ( باستهــزاء ) ما يحـب وما يكــره ، جميــل ،، حسنـًا ، ( بسخـرية
) وكيف تستـقـر تلك الخيـرات ؟ هـل من حائط أو شبـاك أو أي كان ،
يعمل على إيقـاف هـذه الخيـرات عنـد هـذا المــارد الكبيــر ؟ أم
إن له أعــوان من الجـن ؟
2 : هـذا الـذي مالا يعـرفه أحـد
، فـللمـارد الكبيـر وسائله الخاصة ، فنحـن كما تـرى ، مجـرّد
أصحاب مراكـب صغيـرة خشبيـة ، لا حـول لها ولا قــوّة .
1 : جميـل ، لدي ســؤال .
2 : تفـضــل .
1 : عنـدما كنا على البـر ، هـل
تستطيع أن تحــدّد لي أي اتجـاه يسـلك هــذه التيــار ؟
2 : لمــاذا ، بماذا تـفـكـر ؟
1 : ( بسخـطـ ) أجـب فقــط ، في
أي اتجـاه يأخذنا هــذا التيـار اللعيـن ؟
( 2 و 3 يضحكـــان ) .
1 : ما المضحـك في الأمــــــر ؟
3 : لا تآخذنا يا سـيــد ، لكننا
نعـرف جيـدًا ما تـفكـر به ، فأنت ترغب بتحديـد مسارك ،، وعليه
تحـدّد اتجـاه الضفـة الأخــرى من خلال اتجـاه التيـار ، أليـس
كـذلك ؟
1 : ( بذهــول ) نعـــم ، هــذا
ما فكـرت بـه فـعلا ً .
3 : ( لـ 2 ) هـل معـك شـيئٌ ، أنـت في غـنــًا عـنــه ؟
2 : مثـل مــاذا ؟
3 : ورقــة ، أعــواد ثـقـاب ، سجائـر مثلا ً.
( 2 يـبحـث ، و3 يـبحـث أيضـًا لكن في جيـوبه ، 1
ينظر إليهما بتـفحّــص ) .
3 : حسنـــًـا ، هـذه ورقـة لا أحـتاجهــا .
1 : عجـبـًا والله أمركمــا .
( 3 يمسـك بالــورقة ، ويـقـطعها لأربعـة أوصــال
) .
3 : ( لـ 1 ) أنظــر جـيــدًا .
( 3 يــرمي أوصال الأوراق الأربعـة إلى البحـر ، بجانـب
القـارب ) .
1 : ( ينظـر ، ثم يدهـش ) مــاذا هــذا ، ما الــذي أراه ؟
3 : كمــا تــرى .
2 : هـل أدهـشـك ما رأيــت ؟
1 : كـل ورقة تذهــب في اتجــاه ، هـل يعـقـل هـذا ، كيــف ؟
2 : كمــا تـرى .
1 : تيــار ذو أربعــة اتجــاهات ؟!
2 : لا ، من قـال بأنها أربعة
اتجــاهــات ؟
1 : أنظـر ، ألم تشاهـد كيـف
الأوراق الأربع ذهبت كـل ٍ منها في اتجاه .
2 : أربع اتجــاهات ، لأنها أربعــة أوراق .
3 : ومركـبنـا الخامـس .
1 : ( بريـبة ) هذا يعني... بأنــنا لو رمينا عشــر أوراق ، هـل ستأخـذ
كـل ورقـة اتجـاه مختـلف عـن الأخـرى ؟
3 : ولو مئــة ورقــة .
1 : ( غير مصدّق ) لا ، لا ،
هنــاك أمــور لا أستطيع فهمها ، ماذا يحــدث ؟ ، ما هـذه الفـوضى
التي أنا بهـا ؟
2 : لا تجـزع ، أرجــوك .
1 : أيـًا يكـن هــذا الذي نحــن
فيه ، ( لـ2 بانتـباه ) والآن قــل لي ، لقـد ذكـرت بأن الخيـرات
تـذهـب للمارد العظيـم ...
3 : ( مقاطعــًا له ) ... الكبيـر يا سيـد ، الكبيـر .
1 : المارد الكبيــر ،، كيف يجـمعها ، مع إنها تـذهـب في عـدّة
اتجاهـات مختـلفـة ؟
3 : هـذا الـذي نحـن لا نعـرفـه ، ولا أريـد أن أعـرفه أيضـًا .
1 : ( بتحـفـز ) إسمعــا أنتـما الأثنيــن ، في البداية دخلـني شـك
بأمركــما .
2 : والآن ؟
1 : أمّـا الآن... ، دخـلني شـك
في نفـسي ، ليـت الذي أنـا به الآن هـو حلــم ،، تيـّـار ذو
اتجاهـات متعــدّدة ، ومــارد ،، هــذا أمــر مريــب .
( إظـــــلام ، صـوت عـقــارب ساعــة ) .
* * *
المشهــد الثــاني .
( ذات المشهـد السابــق ، رجل3 يتأمل ، رجل2 نائـم
، رجل1 متوتـر ) .
1 : ( يصـرخ ) يوم نحــس ، يوم
منحــوس بكل ما تحمـله الكلمة من معـنى .
2 : ( يصحو من غفـوته وهـو فـزع )
الحمد لله ، الحمد لله علـى ما أصابنــا .
1 : هــا نحـن على هــذه الحال ،
منذ أكثـر من أربــع ساعــات ، حيـث لا قمـرا ً ظاهــرا ً ، ولا
شمـسا ً .
2 : نعــم ، نعـم صحـيح هـذا .
1 : أيعـقـل هـذا ؟ كان من
المفـتـرض أن تشـرق الشمـس منذ أكثـر مـن ثلاث ِ ساعــات ، الخـلل
في عقـلي أم في ساعتي أم في القوانيـن الكونيـة ؟
2 : هــذا الأمـر مريــب فعــلا ً
.
3 : يقال ، بأن المارد الكبيـر لم
يضــر أحــدًا ، سوى قـلة قـليلة من الناس ، قلــة قليلــة لا
تكــاد تذكــر .
1 : ( باستهــزاء ) لا تكاد تذكـر
، ( بانفـعال ) عنـدما يظهـر لنا هـذا المارد سأشكـو إليه هـذه
الصحـبة .
2 : ( يضحــك ) وهـل ستـقـدم إليه
شكــوى ؟
1 : نعــم ، سأقـدم إليه شـكوى ،
( لـ 2 ) وبسبـبك أنت بالتحديــد .
3 : تقــول القصـص ، بأنه مهــيب
ومخيـف بنفـس الوقــت ، فالألسـن تـنعقـد حيـن المثـول عند حـضرتـه
، بالكــاد يـتحـرك اللسـان في الفــم .
1 : ما هــذا الجنــون .
3 : ( لـ 2 ) هـل تعـتـقـد بأنـنا
نتـوجه إليــه الآن ؟
2 : لا بـد مــن هــذا ، فلا خلاص
من هـذه التيـارات ، ولا بــد وأن هـذه التيارات تذهــب بنا إلى
حضرتــه .
1 : ( بجـزع واستهـزاء ) حضرتـه ،، نعــم ، حضرتــه .
3 : هـل من الممكـن معـرفـة مكان المــارد إن وصـلنا إليه ؟
2 : هـناك دلالات ، يقــول
بعضهــم ، إن نخـلة تظهــر في وسـط البحـر ، نخـلة حمـراء اللـون .
1 : ( بتـشكك ) تـقـصـد جـذع نخلــة طافٍ على سطح البحــر ؟
2 : لا ، بل نخلـة نابـتة في
وســط البحـر ، جـذعها وأوراقها ظاهـرة فوق السطح ، وجـذورهـا
ضاربة بالقــاع .
1 : ( بذهـول ) نخلـة نابتـة في وســط ماء مالح !!
2 : بالضبـط .
1 : نخلة حمــراء اللــــون أيضـًا ؟
2 : حمـراء كـلون الــدّم ، ولونها الأحمر ظاهـر ومشع رغــم ظلام
الليــل الدامـس .
1 : ( بيـأس وعــدم تصديــق ) عقـلــي .
3 : ( باهـتمـام ) أكمــل .
2 : ولماذا أكمل ، فأنـت تعـرف هــذه الأمـور .
3 : ليس بـهذا التـفصيــل .
2 : صدقني ، ليس هناك أكثر مما
قـلته ، هـذا ما قـد سمعـته بأذني من بعض أصحاب المراكـب .
1 : ( مبتـهج ) هـذا يعني بأن
هنـاك من عــاد منهـم سالمـًا .
2 : كما أن هنــاك ، من لم يعــد
مطلقــًا .
1 : ( يحاول إيجاد مبـرر ) لم
يعــد لأن... ، لأن هناك احتمـال بأنه غـرق ومات ، وهذا أمـر متوقع
بالنسبة لمـن يعمل على مثـل هـذه النوعـية من المراكـب القـديمة
والمتـداعـية .
2 : لا ، فالـذي لم يعـد ، كان
بصحـبتـه بعض من الرّجــال الذيـن عـادوا من دونه .
1 : ( بخوف ) تـقـصد ، بأن هناك
من يشهـد على فـقــدان بعـض هـؤلاء الرّجــال بسبــب المارد ؟
2 : المارد الكبيـر في بعـض
المرّات ينتـقي أحـد الموجـوديـن من على المركب ، فإذا رفـض أيٌ من
الموجـوديـن هذا الأمـر، يقــوم المـارد بسحـق المركـب ومن عـليه .
3 : وهـل اختــار المارد أحـدًا من أصحاب المراكـب ؟
2 : لا يا سيـدي ، ففي كـل مــرّة
يختـار من ( يعني به رجـل1 ) الزبـائن ، فأصحاب المراكـب لم يمسسهم
ســوء من المارد الكبيـر ، ( بحماس ) لكن ، لو رأيـت كيف هي
وجـوههم عند عـودتهـم ،، يا إلهي ، شيء يا لا يصدّق ، شيء مريــع .
1 : ( بغضـب وخـوف ) أنت ،، مــاذا تـقـصـد ؟
2 : ( وكأنه لم يقـل شـيئ ) لا أقـصد شيـئـًا ، فهـل فهـمت كلامي بشكل
غيـر الذي قــلته ؟
1 : أسمعاني أنتمـا الإثنـان ، هــل أنتما لصــّـان ؟
3 : ( لـ 1 ) إحتـرم نفسـك ، ويجـب عليك إظهار نوع ٍ من الاحتــرام
اتجاهـنــا .
1 : هـذا المعتــوه ( يشيـر لـ2 )
يقـول بأن المارد الكبيـر لا ينتــقي سوى الزبائـن فقــط .
2 : هـذه مشكلتــك أنت وحــدك .
1 : ( يحاول ربط الأحـداث ، وكأنه
توصل لنتيجـة ) هـذا يعني ، بأنكما ستـلقـياني بالبحـر بعد أن
تـقـتـلاني وتأخــذا نقـودي ، ومن ثم تعـودا إلى البـر لتـقصّـا
على زملاءكم بأن المارد قـد اختـارني ، ألـيس كذلـك ؟
3 : أمجنـون أنت ؟ كيف لك أن
تفـكر بهـذه الطريـقة ، لو كـنا قـد نويـنا على قتـلك لقتـلناك
منـذ ساعـات ، ألم تقـتـنع بهـذه القـصّــة ، رغــم مشاهدتـك
للتيـار ؟
2 : ( بغضب وانفعال ) نعــم لو
كـنا لصوصًا وقتـلة ، لقتـلناك منذ زمـن ، ونكــون قـد ارتحـنا من
كلامــك الجارح ولسـانك السليـط .
1 : ( يأس ) صحـيح ، صحـيح (
بنتـبـه ) ولكـن قـــرّا عـينـًا ، فلا أملك غيـر أجـرة هـذا
المشـوار اللعيــن .
( صمـــــت ) .
3 : لا نمـلك في هـذا الوضع ســوى الكـلام .
1 : وهـل للكلام أي فائـدة مرجـوة ، أي فائـدة تعمل على تخـلاصنا من
هـذه الورطـة ؟
2 : الكـلام يـؤنسـنا ، ويقـتـل الصّـمت ، ويـبعـد الهواجــس .
3 : للكـلام مفعــول كالسحـر ، فهـو في نهاية الأمر ، يعتبــر حوار
متبــادل .
( 1 ينـظر إلى إليهــما ، وكأنه شامت بهــم ) .
2 : إلا تعتـقـد ، بأن من لا يملك حسـن الكلام ( يقـصد رجـل1 ) ، لن
يـرتـقي فــوق وضعــه .
3 : المناصب غالبـًا ما تحـتاج إلى هــذا النـوع من الوسائـل .
2 : أوافـقـك الـرّأي تمامـًا .
3 : الكلام يصـدر عنـه الهمـس ،
الحـب ، الكره ( يقصد به رجل1 ) ، الحــرب والســلم ، و ...
( 1 مقاطعــًا لهمــا ، وهـو منفـعــل ) .
1 : جائــع ، أشعــر بالجـوع ،
هـل من شيء نأكله نحـن الثلاثـة ، وبذلك تكون أفـواهـنا مشغـولة
بشـيء أفضل مـن كلامكـم هــذا ؟
2 : سامحــك الله يا سيـد ، ألا
تتــورّع قـليلا ً ؟
1 : ( بعـصبـية ) أتـورّع ؟!
أترغـب بالتـورّع ؟ ألا يكـفـيـكم هــذرًا وفـلسفـة ؟ نحـن
متوجهـون إلى ... ، إلى... ، ... مارد ، و... ، و... ، ونخلة
حمـراء ، وتيـارات ، ووقـت لا أعـرف حتى كينونتـه ، وأنتم تحاولون
أن تحللـوا منطـق الكـلام ؟ باللـه عـليكم ، هل فكــّرتم معي
بمخـرج يخـلصـنا مما نحـن فيـه ؟
3 : بالحـركة فقـط ، نسـتطيع
الخلاص ، والتفـكيـر يسبـق التـدبيــر ، والمشـورة تحـتاج للحـوار
، أي الكــلام .
2 : هــا ،، عــدنا من حيـث
انطلقـنــا ، الكـلام إذن .
1 : ( بضجـر ) الكـلام ، الكـلام
، ( بهـدوء ) حسنــًا ، إذا كان لابــد مــن الكـلام فلنتـكـلم ، (
بعصبية ) كـلام بما يعمل على خلاصـنا ونجاتـنا .
2 : أنت لا تعـرف كـيف تـتحكــم... ( يحاول إيجاد مفـردة ) بـ... ،
بسلوكـك .
1 : وأنتـما لا تعـرفان حجـم ما نحـن فيـه .
3 : رغم أني واثـق ما نحـن بصـدده ، إلا أن ليس باليــد حـيلة ؟
1 : لا أطلب منكما الحـيلة ، (
مخاطـبًا نفـسـه ) ماذا أفعـل ، وماذا أعـمـل ، ( كاد يلقي بنفـسه
) هـل ألقي بنـفـسي بالبحــر ؟
2 : ( باهتمام مصطنع ، وكأنه يرغب
فعلا ً بالتخلص من رجل1 ) لا أرجـوك ، أرجـوك تعقــل يا سيــد .
3 : ( يخاطب رجل 2 بعد أن يمسك
برجل1 ) لا ، لا ، لا نرغـب بأن نخســر أحــد .
1 : ( بانفـعال ) بـل ترغـبـان
بأن تكون فرصتكـما بالنجـاة كبيـرة .
( 2 و 3 باستغـراب ) .
1 : نعــم ،، فأنتـما على ثـقـة
بأن المارد إذا رغـب باختـيار أحـدنا ، فعـددنا نحـن الثلاثة يجعـل
منكما أكثر فرصة للنجاة ، وأقــل عــرضة للخطـر .
3 : لا أعـرف كيف لك أن تـفـكر
بهـذه الطريقــة .
1 : هــذا هـو الواقع ، فلا زبـون غـريب بينكـما ســواي .
2 : لا واقع غيــر أنـك قـد أزعجـتـنا ، وكلامك جـنون في جـنـون .
1 : بل هـذا الذي نحن فيه هـو
الجنـون ، مــارد ؟ فلم أسمع عـن مـارد في حـياتي إلا في قـصص
الأطفـال فقــط .
2 : ( باستـهـزاء ) فــي القـصص
يعنــي ؟!
1 : نعـم ، أعـني بالقـصص .
3 : وقد حان أن تكـون قـصص
الأطفــال ، واقــعًا نعايــشه .
1 : ( يأخذ بكلابيـب 3 ) أنـت ،
لا أريـد أن أسمع منك ولو كلمة واحـدة ، فكلامك مخـيف ، وغريب
بنفــس والوقت ، بـل أنت غـريب فعلا ً ، غـريب الطباع غــريب في
كلامـك والمنطق ، ليتـك تعـود لصمتـك وتريحـني من تفاهاتـك
الفلسفـيـة .
2 : ( لـ1 ) لا تقـســو على نفـسك
، فالرجـل لم يقــل شيء غيـر عادي .
1 : إخـرس أنت أيضـًا ،، كــم أنا
جائـع .
3 : ( لـ 2 ) هــل معـك شيء
نأكلــه ؟
2 : لا .
1 : ( بهــدوء ) وماذا نتوقـع من بعـضنا ، ونحـن في نظـر بعـضنا
سفهــاء .
3 : سفهـاء ؟!
2 : ( بعصبـية ) سفهــاء ؟ وهـل
أنا بنظـرك سفـيـه ؟
1 : ( بهــدوء ) وأحمــق .
3 : ( يشـيـر لـ2 وكأنه يثـير
حفـيظـته ) وأحمـق أيضـًا ؟!
1 : أنا أحـمق يا...
2 : بل أغبى أحمق رأته عـيني
أيـها العجـوز الخـرف...
1 : أيـها الساذج المعـتوه ، كم
أنت...
( يحــتـدم الحوار بين رجل1
و 2 ) .
3 : ( يصـرخ ) كفـى ، فلا رحمة من
الله ونحـن نتـشاجـر هكـذا ، ألا هـدأتما .
2 : سفـيه وأحمق إذن ، أشكرك ،،
ومع هـذا فـلدي مفـاجأة لك ، مفاجـأة سارة هــذه المرّة .
( 2 يصفــق بيديـه وهـو متوجـه للجمهـور ) .
2 : أيها السـادة الركاب ، أرحـب
بكم أنا الكابتن سفـيه الأحـمق على متن الخـطوط البحرية الملكية ،
متمنيـًا لكم رحـلة سعيدة وآمنة ، كما أرجـو منكم لـزم مقـاعدكم
وعـدم فـك أحـزمة الأمان ، فنحـن نمر على مطبات هـوائية شديـدة ،
وشكـرًا لاختـياركم قاربنـا المتواضـع هــذا .
( 1 صامت غــيـر مكـتـرث بسخـرية 2 ، و3 يـبتســم
) .
3 : أيهــا الكابتـن .
2 : تفـضـل .
3 : هـل تقـبـلون بطاقـات الاعـتماد المصـرفية هـنا ؟
( 2 لا يفهــم ما يعنيـه 3 ) .
2 : سيــدي ، أتـقصد ماذا سنقـدّم من وجـبات للـركاب ، أليس هــذا ما
تعـنيــه ؟
3 : ( يضحــك ) بالفعـــل ، هــذا ما أعـنيــه .
2 : سيــدي المسافـر ، إن وجـباتـنا كثيـرة ومتـنوعة ، بـل هي لذيـذة ،
شهيـة ، طازجـة .
3 : جميــل ، وماذا لديكـم اليـوم ؟
2 : لا أعـرف يا سيـدي ، لكن علي
أن أذهـب إلى مطبخ الطائـرة ، كي أرى ماذا أعـد لنا الطباخ .
3 : وهــل هناك طباخ ومطبخ على
هــذه الطائــرة ؟
2 : نعــم ، هـناك طباخ ومساعـدون
ومطبخ كبيــر مجهّــز جيـدًا ، يظهـر عليك بأنك أول مـرّة تـركب
فيها طائـرة .
3 : ( يضحـك ) بالفعـل ، أول
مــرّة أتشــرف وأركــب بها طائــرة .
2 : ومع هــذا ، أهلا ً وسهلا ً
بك ، فهـناك وجـبة جاهــزة ، لحظــة من فضـلك .
( 2 يخـرج طبقـيــن من ناحية من نواحي القارب ،
وسط ذهـول رجـل1 عنـدما يـرى الطبقـيـن ) .
2 : تفـضل يا سيــدي ( يناول 3
أحـد الأطـباق ) ، ( لـ 2 ) وأنت ، هـل تـرغـب بوجـبة ؟
1 : ( كــاد يسـيـل لعابـه ) بالتأكيـــد .
2 : تـفضـــل ( يناوله الطبـق الآخــر ) .
1 : دع عنــك هــذا الصحـن ، أيــن هـو الطعـام ؟
2 : سـيدي المسافـر ، هـذا هـو البحـر أمامك ، ( بسخـرية ) أشــرب منه
حـتى تـشـبع .
( 2و3 يضحــكان ) .
( 1 و 2 يمسكـان في بعضـها البعـض ) .
3 : ( يبعـدهــما ) كفـى ، كفـى شجـارًا ، هـل تريـدان أن ينقـلب بنا
هـذا المركـب ؟
( إظــــــلام ) .
* * *
المشهــد الثـــالث .
( ذات المشهـد ، المكان مملوء
بأشـياء كثيـرة وختـلفة طافـية بجانب القارب كإطارات وعلب وأسماك
طافية ميتة ، أخشاب ...إلخ ، الجميع مستـقي على ظهـره ، غير
منتبهيـن بأنهم قــد استـقــروا في وســط تلك الأشيــاء ) .
1 : أشعـر باليـأس ، فالتأرجح
الدائم لهــذا المركـب ، يجعل مني كطفـل في المهد ، تهـزه أمه
وتناغـيه .
2 : أخيـــرًا صـرت شاعــرًا !!
1 : ومغـنـيا ً أيضـًا .
3 : ألا أسمعتـنــا شيء .
1 : ( يغـني ) يا طفـلي ، يا
حبيـبي ، أنت صغيـري ، نم ، وأنت ... ( يصمت ) اللعـنة ، أشعـر بأن
هـذا القــارب اللعيـن قـد استـقــر على شاطئ ، فيخيـل إلي بأن
حركتـه وتأرجحه الدائـم قــد توقـف ، لعـل رأسي اعـتاد هـذه
المرجحـة ، فالمسألـة هـنا أشبـه بالذي يعـيش بيـن الروث لفتـرة
طويلة ، فالذي يعيـش بيـن الـروث يعـتاد على رائحـتها .
3 : غـريب ، فأنا أشعـر بمثـل ما
تشعـر به .
2 : رغم أني على ظهـر هـذا
المركـب منذ سـنوات ، لم أشعـر مـرّة بمثـل ما أشعـر به الآن .
3 : وماذا تشعـر به هـذه المـرّة
؟ الـروث ؟
2 : لا ،، كأن المركـب فعلا ً قـد
استـقـرّت حركــته .
( 1 يحاول رفـع رأسه وهـو
متـثاقــل ، وباستغـراب يـرى ما حول المركب من حاجـيات كثيـرة هـنا
وهـناك ، تحيـط القارب من كل جهــة ) .
1 : ( بذهــول ) انظـرا ، انظـرا ، ما كل هـذه الأشـياء الطافـية
حولنــا ؟
( 2و3 ينهـضـان ويتـفـقــدان الوضع بذهــول ) .
1 : اللعـنة عـليــكما ، يـبدو بأن قصـتـكما بدأت بالتجـلي شيئــًا
فـشيئــًا .
2 : مع هـذا ما زال هـناك أمـران .
1 : نعــم ، النخـلة الحمــراء ، والمارد الكبيــر .
( تفـتح الإضاءة شيـئـًا فشيـئـًا على نخـلة حمراء في ناحـية
من نواحـي المســرح ) .
( 3 يتـنبــه لوجـــود النخـلة ) .
3 : ( بذعــر ) لا بل لم يبـقى إلا أمر واحـد فقــط ، لم يبقى سوى... ،
سوى المارد الكبيــر .
( 1 و2 ينظـران إلى 3 باسـتغـراب ) .
( 3 صامت ينـظر باتجـاه ، نحـو النخــلة ) .
( 1و2 ينـظران باتجاه ما ينظر إليه 3 ، فيتـنبهـان
إلى وجـود النخلـة ) .
1 : يا رحمة الله ، يا رحمة الله .
2 : ( يسقـط جاثمـًا وهـو جزع كاد أن يبكي ) يا إلهي ، الـرحمة يا رب .
( موسيقى ، مع كلامهم الغير مسموع
أو مفهوم ، والكل مشغول بنفسه ، فهـم بيـن لاطـم على الخـد وباكٍ ،
ومنهم من هـو متوجّه إلى الله وغـير هـذا من تـلك التصــرفات ،
وصار القـارب كخلية نحـل ، بين ساجـد وراكـع ، وجـالس وقــائم ) .
( صــوت مهيــب أجـش ، الصوت يصـدر في كل مـرّة من
ناحـية مخـتـلفة ، مـرّة قريب ومـرّة من بعيــد ) .
المارد : لا حاجة لي يـتوسلـكم
هـذا ، فهو يـزعجــني ، كفـوا عــنه وألــزموا الصمـت .
( يصمت الجميع ، ويلتـفـتـون هـنا
وهـناك ، محاوليـن معرفة اتجـاه مصـدر الصـوت ) .
المارد : هـل تعتـقـد يا صاحب
المركـب ، بأن محرّكـك سوف يجـدي نفعـًا معك حينما كنت تحاول
إصلاحه عندما تعطل ؟
2 : المعــذرة يا سيـدي ، المعذرة ، كنت أجهـل أن فـي الأمــر ...
المارد : ( مقاطعـًا ) أصمـت ،،
فأنت تجهـل الكثيـر ، ولعل جهلك هذا يشفـع لك ما كان ينتـظرك من
أمـر قـد يفعــل بك ما تفعـلـه النـار بالخشــب .
2 : ( بذعــر شديــد ) شكــرًا ، شكــرًا .
المارد : أسمعـوا جميعـًا ، لا
وقـت لي ولا حـتى أدنى اهـتمام نحـوكـم ، فكـل ٍ يأتي قـبل الآخـر
إلـى سعيـه .
3 : سامحـنــا يا سـيدي ، سامحـنـا أيهـا المـارد الكبيــر .
المارد : أن للمـساعي أهـداف ،
وأهـداف تطـلقـها الأحـلام ، والأحلام تحـركها الحـياة ، فكيـف
تـتولـد منكـــم إذن هـذه المساعــي ؟ ( بقــوة ) كيــف ؟
( 2و3 ينظـر كل إلى الآخـر ، وكأنهم لا يفقهــان
شيئـًا مما قالـه المــارد ) .
المارد : هـل قـدمتم إلي بأمركــم
أم بأمـر أحـدكـم ، من منكـم كـان لـه أمـر قدومكــم ؟
2 : هـذا ( يشيـر إلى 1 و3 )
وهـذا أيضـًا ، هما أرغـماني على الإبحار في هـذا الوقت ، هما سبب
قـدومنا يا حضـرة المارد الكبيــر ، أنا رجـل فـقيـر بائـس حـقيـر
، لم أتخيـل يومـًا بأني أكون مصـدر إزعاج لحضـرتـك .
3 : لكنـك أنت صاحـب هــذا القـارب ، فبهـذا المركـب كــان قـدومنــا .
( 1يهــز رأســه ، يعـبّـر عـن رضاه بــم ينطـق به
3 ) .
3 : أيها المارد الكبير ، فصاحب
المركـب هذا يا سيـدي ، كان يـعـرف أكـثر منا عـنك ، وعـن هـذه
النخلـة الحـمراء .
المارد : إيـّاك وأن تشـيـر إلا
لونها مـرّة ثانية ، فلونهـا ليـس كما هـو الظاهـر إليكـم ، ولا
تفـرضـوا علـي ثـقافـتـكـم ومصطلحاتكـم حــول ظواهــر الأشيـاء .
3 : نعـم ، نعـم ، ونرجــوا منك العــذر .
2 : أغـفــر لنا خطيـئـتـنا .
1 : سيـدي المـارد ، ما كنا نسمح
لأنفـسنا أن نتواجـد في ما يخـص حـضرتكــم ، لكن ما لا نستطيـع
مقاومته ، ( وكأنه يبحـث عـن مبـرّر ) هـو... هو... هو التيــار ،
( بفــرح ) فالتـيار قـد حملنا إليـك رغـم عـنـا إلى حضـرتكـم .
( وكأن الجميع استحـسن هـذا
المبـرّر ) .
المارد : بذلك تـقصـد بأن التيــار هــو السبـب .
( يصمــت الجميــع ) .
المارد : ( بحــدّة ) التيــار هــو الســبب ؟
( يصمـت الجميـع ، الكـل مذعــور ) .
1 : سيــدي ، أسمــح لي حماقتـي ،
ما كنا نتطاول على علـو شأنــك ، فنحـن ضعفــاء ، لا رجاء لنا
غيــر عفـوك عـنــا .
المارد : أي عـفــو ٍ الذي
تـتحـدث عــنه يـا هـذا ، ولماذا تعتـقـد بأني سـوف أعـاقـبكـم ؟
1 : الخوف يا سيدي الخــوف ، نحن
نخافك ونهـابك ، ونرجـو أن لا تنـزل علينـا شديــد عقابــك ، فبأسك
لا يحتمله أنــاس مثـلنا .
المارد : أنـت أيهـا المتكلـم .
رجل1 : نعـم يا ســيدي .
المارد : ستبقى هنـا ، وبهـذا
سأسمح للبقـية بالانصـراف ، هـل من اعتـراض لديكمــا ؟
3 : ( بفـرح مصحوب بالخوف ) لا ، ليس هنـاك من اعـتـراض ، خـذه مبارك
لك فيـه .
2 : ( بخوف وفرح ) هـو لك ، راجيــن أن تسعد به وأنت تتـلذذ بطعمه
الشهـي ، هــو لك .
1 : ( بجزع ) اللعنة عليكمـا ،
المارد يسـأل ، هـل من اعتــراض لديكما ؟ قــولا شيئـًا ، هــو
يسأل فقـط ، فقـط يســأل ، ويطلب منكمـا الإجابـة .
2 : ( بخجـل وتـردد ) لقـد ..
لقــد أجبنـا .
1 : ( بهيستيـريا ) لا ، هـذا
الأرعـن لا يطلب منكــم هـذا النوع من الإجـابة ، عارضـاه ، قــولا
له ، قــولا لـه بأنكمـا لا ترضيـان بأن يأخذنــي .
3 : ( بخجـل ) قــد أجبنــاه .
1 : إذا عارضتمـاه ستتحول قـواه
إليكــما ، بهـذا تكونـا أنتم اللذان تقـودان هـذا البحـر ، يجـب
أن يحاول أحدكـما ، عليكــما بالمحاولـة ،، أرجوكــما ، أرجوكــما
، عارضـاه .
( 2و3 صمــت ) .
1 : أنـت وأنـت ،، أنظـر إلي ، بل أسمعانـي ،، أسمعانـي أنتـما
الإثـنان .
( يتوجه إلى عــدّة نواحـي ، وهــو يقــول : ) .
1 : أيها المارد المتمـرّد
المتشـرّد ، لا حق لك ببدني ولا حتى شعـرة من جســدي ، هـل سمعتـني
أيهــا الحقـيــر ؟
( لا صـــوت ) .
1 : أنت أيها الأخـرس البائس ،
كان الأجـدر أن تـنتـبه إلى نخلتـك الحمراء اللعينة هـذه ،
وتـرعــاها فقـط ولا تتـدخـل بشـؤونــنا ، هل تـفـرّغـت ورعـيت
نخلتـك الدامية هذه ؟ لابد وأنها تحتـاج لسمـاد جيــد .
( لا صــــوت ) .
1 : هل سمعـت يا معتــوه ؟ ،،
نخلتـك حمراء شئت هـذا أم أبيـت ، حمـراء ، حمراء اللون ،، فالجميع
يطلق عليهـا هـذا الوصـف ، ويعـرفها الجميـع على إنها هكــذا ،،
حمـراء .
( لا صـــوت ) .
1 : بل ما كان لك أن تـتخـذ من
هـذا المكان موضعا ً لك ، تجمع به كل ما يفـقـده الإنسان منا وكل
ما في البحـر الواسع هـذا ، هـو من حقـنـا وليس من حقـك ، لماذا لا
تجـيـب ، لماذا لا تـرد ؟
( لا صــــوت ) .
1 : إن كـنت قــوي مثـلما يدّعي
الكـثيـر من الضعفـاء ، لتتخـذ لك مكان آخـر غيـر هــذا المكــان
،، إذهـب لتسكن مكان آخـر غيـر هـذا المكـان ،،، أنا أعـرف جيـدًا
بأنك لا تستطيـع ، كما أعـرف جيـدًا لمـاذا لا تستطيـع ،، هـل
تريـد أن أخبـرك ؟ .
( لا صـــوت ) .
1 : لأنـك لو ذهـبـت لمكان آخــر
غيـر هـذا ستكون نكـرة ، ستضـرب بالحـذاء يا لـص حتى يحـمر بدنـك
مثـل هـذه النخـلة ،، أم إن ليـس لـك بـدن ؟
( لا صــوت ) .
1 : ( يتوجه إلى 2و3 ، وينهـرهمـا
محاولا ً اقناعهما ) أنظـرا إلي أيهـا المغفــلان ، أنظرا إلي ،،
فهـذا المارد لا كـرامة له ولا عـزّة ، يعـيش ويقـتــات على
فضلتـكم وفضلاتكـم .
( يمسك برأسيـهما ، وينكسهـما إلى النـظر لتلك
الأشــياء ) .
1 : أنظـرا إلى تـلك الخـردة التي يجمعهـا ، أنظـرا جيـدًا ،، لعـل
أحدكـم قـد فقـد شيئـًا منها في الماضي .
( 2و3 يجمعـان بعـض الأشـياء الصغيـرة ، ويأخـذونها
خـلسة من المارد ) .
1 : لا بـد وأن هـذا الشيء الذي
فقدتمـاه موجـود بيـن هـذه الأكـوام ، فهــي لا تخصّـه بـل تخصكـم
أيهــا... ( بألـم وحســرة ) أيهـا الحمقــى ( يفلتهمـا من قبضتـه
) .
( 2و3 لايجـيـبــان ) .
1 : ( بانفعــال ) لعل هـذا
الأمـر يجعـل مما تفـقـدونه ذريعـة لكـما ،، نعــم ، لابـد من هـذا
،، فكـل ما ستـفـقـدانه ، لابــد وأنكـم ستـبـاركـان ما قـد
أضعـتمـاه ، لأنــكما تعـتـقـدان بـأن المـارد قـد استـولى عليـه ،
بيـنما الصوص منكـم وبيـنكـم وفـيكـم ،، ( بهــدوء ) مسكيـن أنت يا
مـارد ، مسكـيـن فعـلا ً .
1 : ( بيأس وهــدوء ) إذهـبا
وأنتمـا أذلاء ، أذهبـا في أمـان ، إذهـبــا وقصّـا على من تـرون
عنـد عـودتكـما للشاطئ ما تشـاءان من قصص عـن هـذا المارد الكبيــر
،، لا هـو ليس بكبيـر ،، بل أنتما الصغـار ،، إذهـبـا قـبل أن
أفـقـد صوابي وأقـتلكمـا بيـدي هاتـيــن ، ( بعصـبيـة ) هـيــا .
( إظــــلام ) .
( يفـتح المشهـد على
النخـلة الحمراء و1 يقـف منتصـبـًا تحتـها ، وظهـره ملتصـق بجـذع
النخـلة ، رجـل1 مواجه الجمهـور مطأطئ رأسـه للأرض ، قليـلا ً
قليـلا ً يرفـع رجـل1 رأسـه وهــو يـبتـسـم بخـبـث ) .
( رجـل1 ، يطـلق ضحـكة
عـظــيمة ) .
* * *
تأليـف / مشعـل الموسـى
2003م الكويـــت
|