السنة الأولى                                            موقع الكتروني يعنى بكافة الفنون المسرحية            آخر تحديث  كان 18 حزيران 2003

 

 

 

 

 

 

 

 

سوناتا الركام
 
موندراما في فصل واحد

حسين علوان 

الممثل : عازف كمان يربو على الستين

                                                                                  (صالة موسيقى ،كراسي العازفين وحوامل النوطة،كان هنا حفل قد أنتهى لتوه،وخلا المكان الا من عازف الكمان المسن وكمانه).
العازف/(بعد صمت اليوم)
انها النهاية،
(
الى الكمان)
اجل هي النهاية يا طفلي _…… هاهي ساعة الفراق قد دنت ، آن لنا ان نودع بعضنا ببساطة وكأننا ماعشنا السنين الطوال متلازمين متحاضنين كالعشاق.
(
نحو الصالة الخالية)
انتهى الحفل قبل قليل وغادر الجمهور مبتهجا ،انطلق العازفون الى بيوتهم سعداء فرحين بعد حفل ناجح ،ومنذ لايفيض بالبهجة حين يستمع الى الموسيقى؟،وكيف نستطيع وقف سيل الانغام العذاب وهي تسلك الطريق بيسر صوب الشغاف ودون استئذان ،حتى هذا الفراغ المرعب،كأنه يلهث الان بعد رقص متعب
(
وقفة)
لشدّ مايرعبني هذا المحراب حين يكون خاليا،ان مواجهة قاعة ممتلئة بالمتفرجين ايسر الي من الوقوف قبالة مقعد فارغ،فحين تمتليء المقاعد وتبسم الوجوه وترهف الاسماع تصبح رهبتي طمأنينة…… ،لكن الموسيقى عزفت ،ومضت الان مع المتفرجين،هي تسكنهم الساعة،وسوف يستعيدونها مع أنفسهم متى ارادوا …..انها الالفة ياطفلي ،ألفة الموسيقى،لقد مضوا،وبقينا نحن من صنع الالفة نواجه هذا الفراغ الذي يبعث فينا الخواء الحزين .

                                                                     (3)

(مغالبا حزنه)
لكنني مرغم،انا مرغم في ان ادع هذا الفراغ يأكلني.ليس بمستطاع المرء ان يحيا بمثل الاندفاع الذي كان حين يكتشف ان الاوان قد فات لكي ينتشل شيئا من الحطام الأخذ بالغرق.خمسون عاما ونحن معا،خمسون ياطفلي وانت ترقد على كتفي، لاتمل من مراقصة اصابعي ولاترتوي من عرق عنقي المتصبب،كل تلك السنين وانت تمتصني،بينما ارقب انا الزمن اذ يمر،وانتظر اللحظة التي سأعجز فيها على العزف.ها انت قد شهدت ذلك فوق هذا المسرح،لقد سكنت اصابعي فجأة فوق اوتارك وفقدت ايةّ قدرة على العزف،لقد تصورت في بادىء  الأمر انه ألا حساس الذي طالما عاودني على المسرح حين اشعر في لحظة تخطف كالبرق بأنني قادر على فعل أي شيء الاّ ان أعزف الموسيقى, وتمر تلك اللحظة بسرعة اعجز فيها عن ادراك كنهها اهي الهبة؟ام ان الروح تتوقد بكثافة تخالها انطفاء،كنت اترقب تلك اللحظات بشوق لانني اعلم انها سوف تثمر،فما ان تمر حتى اكون في قمة صفائي فا شرع بالعزف على الفور بأندفاع كبير،كأنها السكون الذي يسبق العاصفة،
(
خائبا)
لكن لا….،لم يكن الامر كذلك،لابد انك عرفت مثلي ان الاصابع المنحنية فوق اوتارك تعبى،منهوكة القوى،
(
كأنه يشيّع أصابعه)
ايه أيتها الأصابع،آن لعروقك النافرة هذه ان تذوي،آن لك ان تذبلي مثل زهرة. ألا ايّهذا الخريف المبكر،لست تبتسم اذ تساقط الساعة اوراقا من الشجر،كانت بينها اصابع اجادت عزفك يوما ما…….،
(
الى الكمان)                                                                     (4)
 
خمسون عاما ياطفلي،من عمرنا وعمر الزمن ونحن نطلق النغمات الى اعماق الفراغ،نجسدّ العشق للعشاق،تفتح النوافذ،نثير سر الرعشات بين المقاعد،نلقى العيون المتلالئة في الظلام،تحكي لنا خباياها، فلا حواجز اذ يتعلق الامر بالموسيقى،كناّ نضرم الربيع في احراج الشتاءات الحزينة،اننا الآن بحاجة لمن يضرم فينا الربيع،آن لنا ان نفترق ونفارق المعجزة،الموسيقى!!.
(
ساخرا)
كان علي ان ادرك هذه الحقيقة في أي مكان آخر،في الشارع او المقهى،ان تقذفها نحوي ابتسامة زائفة،او ان اجدها وسط اكوام الملل والرتابة،لكنني ادركتها هنا،وسط ركامي،كنت كمن طعن على حين غرة،وبقيت حائرا في دائرة الضوء،الكل كان ينتظر،انا وانت،الصمت وهم.…واصابعي،لم تكن اصابعي ،قادرة على الحراك، الصمت تربص في الزوايا والضوء كان يفضح عجزي،انت تعرف هذه الاصابع منذ خمسين عاما،منذ ان كانت انامل غضة لفتى مرتبك،بقيت ترقبها وهي تتدفق قوة وعنفوانا،وهي تزداد قدرة على الابداع…….ما الذي حدث اذن،ولم فقدت كل القدرة على الحراك،هل انصبّ فيها جهد السنين الخوالي مرة واحدة وتركها كالجثة،لكم كان الصمت قاسيا،ولكم بدا ذلك الضوء فاجرا…..كنت بينهما كالفريسة.
(
يائسا)

ما الذي كان علي ان افعل امام العيون الامعة في ظلام القاعة،ابوسع الركام ان يعزف الموسيقى؟أبوسعه ان يعزف موسيقى غير موسيقى ركامه؟!كنت مذهولا……،كنت خائفا من ان لا أقوى على حملك،ما كان اثقلك فوق كتفي!!،أردت ان التفت اليك….،لم أستطع،لم أكن أجروء على ذلك،ثم !!ثم انبعثت الموسيقى!!،كانت موسيقى رقيقة……
                                                                                 (5)        
خافتة،أخذت تخدش صفحة الصمت،موسيقى بعيدة تتعذب لكي تسمع!!،هل كانت تنبعث منا؟…..هل كنا نعزف؟،التفت اليك،استطعت ان أتبينك وسط ذهولي وقد احتضنتك أصابعي!،كنتما ترقصان،بلى ياطفلي،كنتما ترقصان،كانت تلك موسيقانا،متى بدأنا العزف،لاأعلم،ربما منذ الازل،تحطم الصمت تماما وضجت الموسيقى،
(
بسرعة وأنفعال)
كانت أصابعي تصفق الهواء حولها،تهبط على أوتارك،تتتابع قوية راسخة،ترتفع،تتلوى تنتصب كثعابين مقاتلة،ثم تندفع نحو أوتارك كالسيل الخادر،يالها من حيوية يالها من رشاقة!!!،
(
منكسرا)
ياله من بؤس…..،لم يخف عليك ياطفلي ان الرقص الرائع ذاك كان انتحارا،لقد تهدد وجودها،فاستثارت كل الخزين الذي يرقد فيها،أنبرت تدافع عن نفسها،أخذت تنقض عنها كل ما امتلكته….،كل ماتبقى من الصبر والاصرار والمثابرة،تنقض عنها دمها لحمها،عظامها،لكأنها أختفت،تلاشت،
(
بالغ الحزن)
انها رقصة وداع مزقتنا معا
(
مستدركا)
ولكن،من اين تنطلق الموسيقى ؟،من اية نقطة ينطلق هذا التدفق المعجز؟،وكيف يتاح لها ان تكون متفردة في الطبيعة،جلية،مضيئة،باهرة كالشهاب النابض في ظلمة السماء؟،هناك في الاعماق نقطة تحار ان كان الانسجام ينبعث منها ام التلقائية،هي النقطة التي احسها تومض في داخلي،حين تمسك بكتفي وترنو الى القوس المتحفز،هي النقطة التي ينحدر منها الطريق الى اوتارك،                     
(
منتشيا)                                                                          (6)
وحين امسّ النقطة في اعماقي ايها الكمان،لاشىء يستطيع منع الانغام من ان تتقافز في الهواء،لاشىء حين امسها يستطيع منع الهواء من ان يتقافز في الاسماع،هناك تغدو انت قطعة من جسدي،فاحس بأنني امررّ القوس على صدري،على وجهي،امرره على كياني….هاهو الدرب ذا سالك نحو اوتارك،هالدرب سالك،
(
بقوّة)
اعزفي ايتها الموسيقى…..بلى،بلى،انني اسمعها ايها الكمان،انني اسمع الموسيقى وكاني اراها،فأرى خلاياي تنتشر في الهواء.
(
عاليا)
الهـي……..يالها من موسيقى،
(
يصفق،ينزل الى الصالة ويدور بين الكراسي)
صفقي ايتها الاكفّ،صفقي لعازف الكمان المجيد،لقد اسقط الكثير مما علق به من روحه، صفقوا له ياسادتي وهو يعزف لكم موسيقى الركام،انكم تطرقون الهواء في أكفكم فتسحقون خلاياي،صفقوا واسحقوا قرونا من الموسيقى،
(
يشط به الخيال)
انظروا،تلك هي اذن بيتهوفن الصمّاء……هل ترونها،وتلك اسنانه التي كان يضع عليها العصا ليستمع بها لرنين البيانو…..ذلك هو إرغن باخ….انكم تحطمونه،
(
يخاطب جمهرا متخيلا)
فليرتفع تصفيتكم……..،ولكن استمعوا اليه،اصيخوا السمع لصوت أكفكم!!،قد يبدو دوّية للوهلة الاولى متشابها ذو نغمة واحدة،لكنني اعلم مثلما تعلمون وتتناسون انه مختلف  كاختلافكم عن بعضكم،
(
يقفز بين تخيلاته)
                                                                                (7)   
كلاّ،كلاّ ياجايكوفسكي،لا تلمس كأس الماء تلك،انها ملوّثة،ستقتلك!!،لاترفعها الى فمك،لا،السهام لاتطيش ابدا،انها تنطلق دوما الى الصميم،صفقوا للسهام…..،
(
يقلد متفرجا ما)
يا للروعة،يا لروعتك ايها العازف،يالها من موسيقى!!،يالتناسق ياللتناغم!!،لقد جئناك ياسيدي هاربين من رتابة الحياة،وها انت قد ابتهجتنا بانغامك،ها نحن نفيض بهجة،
(
يقلد متفرجا آخر)
ليتنا نعيش فعلا ذلك الربيع الذي صورته لنا موسيقاك،الم يكن هو الربيع؟والبحر،الم تكن تلك الانغام عن البحر الازرق الذي يمتدّ الى ما لا نهاية؟
(
يعود الى نفسه)
ماهي الموسيقى؟!،اذا كان عليكم ان تسألوا حسب فانكم لن تعرفوا الاجابة ابدا،كنّا نحكي لكم أناوكماني حكايا عن الربيع،واي ربيع!!،ليتكم علمتم ما اعتمر في داخلي!،انها المرة الاولى التي تكون اصابعي مجهدة الى الحد الذي تعجز عن العزف!،اصابعي التي كأنها ما وجدت الاّ لتخلق الموسيقى،اصابعي التي بها اتكلم،احيا،بها اتنفس…..، لشد ما ماارتعبت حين ادركت ان الفراق قائم بيني وبين طفلي،ماذا كان عليّ ان افعل وانتم تنتظرون العزف منيّ؟،هل كنتم سترضون لو اعدت الكمان الى الحقيبة ورفضت العزف؟،
أنزلوا الى الشارع،اختلطوا ببعضكم،اضحكوا،افرحوا،وتحدثوا عن أي شىء،ففي لحظة ما سوف يصفعكم الاحساس بالنهاية،كان عليّ ان اعزف بأي ثمن،حتى لو كنته،اخذت انتفض امامكم واخذ كماني يرجع صدى انتفاضي،تلك كانت موسيقى الزهور التي تنبت كالسكاكين في رحم الارض،موسيقى البحر ،البحر،منديل ازرق ملقى على شجرة مرجان،موسيقى الحزن الذي يصرخ في زخم السعادة،
(
يخضن الكمان)                                                                  (8)
ضمني اليك،ضمني اليك ياطفلي،انه جرح ان افقدك،آه لو كنت اعلم اننا كما التقينا سوف نفترق،كنت إدخرت ما يخفف عني وطأة الاحساس بالندم،كنت سأفهم،كنت قد كافحت لكي افهم ان لابد للاشياء ان تذوي وان لابد للعنفوان من نهاية،ولكن،كيف لنا ان نعلم اننا يمكن كذلك ان لانفهم؟!…..،أنه هدر ليس الأ…….،أن افقدك يعني ان اصمت،ولم يتحتم عليّ الصمت وانا اقل شيئا بعد…….،ايه ايتها الموسيقى،انت باقية دوما في الذرا ولا تعنيك نهاية عازف كمان……..طوباك ايتها الخالدة.
اما نحن ياطفلي،فلنمضي لنحيا الوداع،
(
يخرج كسيرا مع كمانه)

                            
                                  (
النهاية)

 

  

 

هل تريد موقعي هو الافتراضي                       .أضف موقعي إلى مفضلتك     

 

                                             

  لوحة مفاتيح عربية