|
نص
مسرحية ( سدرا )
تأليف خزعل الماجدي
المشهد الأول
بعد الطوفان
ما جدوى أن ندفنهم
سيعودون من جديد .. و يطفحون
) يظـهر موكـبٌ مهيب مـن الممثلـين يحملـون
تابوتين أحدهما لـ) الأب الأكبر
( و الآخر لـ) الأم الكبرى
( لإعادة دفنهما بعد انتهاء الطوفان و يظهر أمام
الموكب الشيخ الكبير
) سيدرا
( و معه كاهنٌ وقور .
ترافقُ ظهور الموكب و التابوتين موسيقى جنائزية مناسبة . يُعتنى
كثيراً بهذا المشهد الطقسي و يظهر بمنتهى الجلال والهيبة
( .
صوت مسجل على شريط التسجيل يؤدي مع الكورال النشيد الجنائزي الآتي :
إهنئي يا أُمَّنا
أيتها الأم الكبرى
و لتملأ نسماتُك الأرضَ
ليملأ روحَكِ السلامُ
و ارقدي ما بين القلوب
ارقدي في نورِنا
ارقدي في آلامِنا
ارقدي في الماء الذي خرجتِ منه .
اهنئي يا أمنا العظيمةُ
أحبَّ الإنسانُ الإنسانَ بكِ
أحب الله الإنسان بكِ .. يا أُمنا
يا أبانا
الذي يحملُ سرَّ الكونِ
الطاهرُ المبرأُ من كلِّ دنسٍ
يا أبانا
النَفَسُ المغروسُ في الإنسان يا بؤرة الأسباط
يا من بسرهِ أحاط
الأرضَ و الإنسان و السراط .. يا أبانا
أيتها الأرضُ البتول
يا مكان الخلاص
يا بيتنا
بوركتِ أيتها الأرض التي غسلها الله من شرورها
ارجعي لنا مطمئنةً و امنحيننا خيراتِكِ
امنحينا الأمان .
الكاهن :
صنعت أصابعُ الربِّ الجسر و كان قبراً وضعت فيه من كلِّ قوى السماءِ
أجملَها فدمهُ من المطرِ .. و عقلهُ من السحابِ .. و عظامُه من
النجومِ .. و شعرُه من العشبِ .. و عيونُه من البرقِ و نُفخت فيه الأنفاس
.. فقام .. و مشى و اشتعل جسدُه كلُّه بالنورِ إلاّ فمه كان أخرس و
عيونُه كانت عمياء و آذانُه كانت مقفلةً فتوغل في الظلمات و أمسكت بيده
امرأةٌ وأخرجته من العتمةِ للنورِ فسارَ و إياها فوقَ الماء و
عبرا أفواجَ النارِ .. و أطلقت المرأة لسانَه و فتحت عينيه و جعلت آذانَه
تتنصت و قالت له أريدكَ .. فقال تعالي نطيرُ في أرجاء الفردوس فقالت
نطيرُ ، فطارا .
و خرجت الزواحفُ من أصابعِه .. ما هذه الدناصير ؟ ما هذا الغرابُ
يخرجُ من دماغِه ؟ ما هذه الفراشاتُ تخرجُ من كلامِه ؟ ما هذه
الأسماكُ تخرجُ من أقدامِه ؟ ما هذه الطيورُ تخرجُ من صدرِه ؟
و رأى النورُ أنَ المرأةَ حمامةٌ حسنةُ المنظرِ فقال تعالي أضمّكِ إلى
حشد الملائكةِ ، قالت ، لا ، معَ زوجي أبقى و أخيطُ له أجنحتَه حتى لا
يسقطَ .. قال هو ساقطٌ لا محالةَ ، فقالت لا .. مع زوجي أبقى أُسقيه
الماءَ و أُطعمهُ الحَبَّ فقال هو جائعٌ لا محالةَ .. قالت لا ..
مع زوجي أبقى ، إلى جانبه ، فقال هو ساقطٌ لا محالة .
فسقطا من الفردوس متعانقين .. و الدمُ يسقطُ منهما فوقعا
كلٌّ في بلدٍ .. و وقع الدم في الماءِ و استطال فصار حيّةً لامعةً .
وانجذب كلٌّ منهما إلى الآخر .. إلى بعضهما فالتقيا و كانت أجنحتُهما قد
تحطمت .
فقال الرجلُ هذا عقابُ الربِّ لنا .. فتعالي نكتبُ ما تعلمناه كتاباً
كنـزا يكون من بعدنا لأبنائنا سبيلا .
سيدرا :
هذه ساعة مباركة .. لا أرى نسراً أو غراباً فوقنا ، ثقُلت أقدامي و تمطى
الدمُ في عروقي و لم يعـد الدمعُ يُسعفني أو يدلّني .. لقد طوقتُ
البشريةَ بحناني و ها قد غسلَ الربُّ أدران العالم في أربعين يومٍ و
ليلةٍ .. لقد ذهبَ الشرُّ من نفس الإنسانِ وغسلَ الماءُ ما على الأرضِ
من بقاياه .. فلنبذرُ هذه الأرضَ برفات الآباء و لتُنبتُ الأرضُ خيراً
عميماً .
هام
: السمكُ خلاصةُ البحر و رايته .. هل يرفعُ البحرُ راياتٍ أخرى ؟ هل
سيهدأ الموج ؟
ماذا يعني أن تكون البحرَ و صيادَهُ ؟
ندفنُ مَنْ ؟ و نبكي مَنْ ؟. سلالةٌ من العاطلين ندفنُ عِقداً من
الخرافات .. ندفنُ شريط الأبجديةِ كلّه .
ألف : أول الخطايا ، باء : الباب ، جيم : الجحيم ، دال : الدم، هاء :
الهواء ، واو : الوعد ، سين : السبت ، قاف : قابيل ، نون : ننفجر ونتحطم
، ندفنُ ألسنتنا
فلترتفعَ الأذنُ مكانَ اللسانِ ، و القدمُ مكان الرأس و لتتكلم
الأرجلُ .
مَنْ هؤلاء الذين نجرُّ توابيتَهم و بخورَهم إلى الأبد ؟
تحت رقابهم ملائكةٌ مذبوحون .. تحت سياطِهم التي تقرعُ الدفوفَ ..
تحت الشكران .. تحت الغفران .
ما جدوى أن ندفنَهم .. سيعودون من جديد .. و يطفحون . سيعودون و نغرق
نحن . الأسلاف .. الأسلاف دائماً وراءَنا .. إننا مقيدون بهم .. نرتجفُ
منهم .. نُطيعهم .. نُعطيهم رؤسَنا ليتصرفوا بها .
ثم من أين نجد طيناً طرياً نستطيع حفرَه .. و نعيد دفنَهم
لابد أن ندفن الأسلافَ لكي نزدادَ انحناءً لهم .
الكاهن
: من هذا الذي يُنطقُ فمَكَ .. و مَنْ تكون ؟
هام
: أنا اللسان القلاّب .. اللهّاب ، أنا الخيالُ السليطُ أنا المدفون في
أجنَّتِكم .. و في أجنحتِكم التي اختفت .
الكاهن : أنظر
..
هام :
الأفقُ يقطرُ دماً و آساً .. و الشمسُ حزينةٌ و تائهةٌ .و ها هو مانحُ
الرياحِ قد استتبَّ و نامَ .. و هذه النفوس انطوت على أسرارها و
نامت مثل الأفاعي .
ما الذي يمكن أن نعيدَ صُنعهُ و كيف ؟ لقد تبددت الحياةُ مثل خرزة و سقطت
في البئر .. و ها نحنُ أمامَ عبءٍ أعمى لا نعرفُ كيف نوجِّهه .
أنزلنا من أكتافنا أكياساً ملأى برفات الأولين و بدأنا ندفنُها
وكأننا أنزلنا ماضي الإنسانِ كلَّه إلى العدم حتى لا نشعر بهول ما حصل .
ما الذي فعله الإنسان حتى يتحملَ كلَّ هذا ؟
يافث :
لا أحد يجيب .. ولا أحد يصغي ..
كلّ شيءٍ على مهله .. ما الذي يمكن أن نفعلَهُ و هذا الجمرُ في
العيون ، الترابُ أم الغيمةُ أفضلُ
! الأيادي أم الخواتمُ
! .. الرؤوسُ أم التيجانُ
!
لا أحدَ يجيبُ لا أحد ، طالما ارتفعت الآفاق مهلهلةً بسوامقِ الجبالِ ، و
يا كثرما طفحت المستنقعاتُ بألوانٍ تُذيب العيون .
الحريرُ يلامسُ وجه الأرضِ ، فلنكن عليها .. غفوةٌ واحدةٌ
مهلكةٌ ستُزيل النِعمْ ، و لابد من عيونٍ منفتحةٍ أبداً .
سيدرا :
اسمهُ مانحُ السلامِ و القسوةِ .. فكيف تجدّف ؟
يافث
: و الشعاعُ النازلُ من سُرّةِ السماءِ .
سيدرا
: و كيف تَراه ؟
يافث :
الجسدُ نشوانٌ بما يجرجرهُ من نفائس فقط .
سيدرا :
و هو الذي وضعَ في حافات السمكةِ أجنحةً و قال لها لا تطيري .
يافث :
هذا .. هذا معنى لا يغيبُ .. نذهبُ إليه متنكرين أو أَصحاءَ لنُخرجَ ما
ضاع في جوفِ الأرضِ و لنستنبتَ القوى والرغبات .
سيدرا
: كم أخافُ عليك من هذه الدَرَنَة التي تنمو تحت تراب صدرك .
يافث :
إنها قلبي يا أبي .
سيدرا :
بل هي صُرّةُ اطماعكَ .. لها أوراقٌ و أشواك .
)
يلتفتُ سيدرا إلى حام المطرق المتجهم الحزين
(
و أنتَ يا حام ما بالُك .. لا أسمع منك صوتا ًو لا أرى فيك ما يقال
.. أعرفُ أنك مغتاضٌ مني .
حام :
ليتكَ أكملتَ غضبَكَ فأزلتني من الوجود .
سيدرا :
أنا أبٌ يا حام .. لقد حاول آدم معرفةَ شيءٍ صغيرٍ من الأسرار فهبط إلى
الجحيم و احترقَ الجنسُ البشريُّ كلُّهُ بعدَهُ يتلظى بعذابٍ و يرسم طريق
عودةٍ شائكةٍ إلى الفردوس .
حام :
و لكنكَ مزّقتَ فيَّ صورةَ السويِّ و جعلتني في سجنِ قُبحي هذا .
سيدرا :
هذا مجردُ عقابٍ تتذكر به سوءَ فعلتك .
حام
: فلماذا جلبتني على سفينتكَ إذن ؟ .. و هي سفينة الأخيارِ المنتخبين ..
ألم يخطئ أخي
) يام
(
فتركتَه نهبَ أمواجِ الطوفانِ . لماذا لم تدفع بي معه ؟ .. لماذا لم
تجلبه هو أيضاً معاقباً مكبَّلاً بخطاياه ؟
سيدرا
: لقد تركتُه يغرقُ في عاصفةِ الطوفانِ حتى نقول أن هناك درجتين من
العقاب : الموتُ و المَسخُ .
حام : الموتُ أفضل .
المشهد الثاني
حلم سيدرا
لم يغسل الطوفان شيئاً
لم يمسَّ النفوس
)
سيدرا لوحده ..
(
سيدرا :
مَنْ معي الآن .. و من ضدي .. لا أعرف
مَنْ رأس الفتنةِ .. و مَنْ غايتها .. لا أعرف
ما الذي يمكن أن أعرفه عن أرضٍ بكرٍ غسلَ الطوفان أدرانَها
لقد غضب الله على البشر و كاد يفتك بهم لولا انتباهة طيرٍ في الأعالي
.
ذهب
) يام
( لأنهُ نُطفةُ الشرِّ فيَّ و مُسِخَ حام لأنهُ بين
بين والتوى عقل يافت بالطمع و المُلكِ و توترت نفسُ هام فهام .
و لو جمعتُ كلَّ هذا لوجدت اللير يطلعُ كشجرةٍ صفراء عجوز تلتمعُ
بحكمتها و سنينها و يتساقطُ منها ثمرٌ فجٌ كثير .
ما الذي دهاني .. حتى أشيخَ بهذه السرعة .. كنتُ فلّاحَ الربِّ أزرعُ
الكرومَ و أشربُها و أهنأْ فمسّني ، من بعيدٍ ، غصنَ الحكمةِ ، و ترابٌ
و حصى في قاعي البعيد مازال .
مازال الوقتُ طويلاً لكي تصلبَهم الأيامُ فيخرجُ معدنَهم الذي هو
معدني .
كم
تلزمنا من جرأةٍ في النفوس قوىً لنسدَّ بها الموتَ القادمَ إلينا، كم
يلزمنا أن نتوغَّل في البعيد حتى نُصلحَ القريبَ .
دائماً لابد من بدايةٍ جديدة ..
)
يدخل أبناؤه الثلاثة و الكاهن و حاشيةٌ من اثنين
(
سيدرا :
أما و قد استقرّت الأرضُ في قرارِها و هدأت منذ زمنٍ وأسفرت عن طيوبها و
خيراتها و قد قدتُ سفينةَ الإنسانِ من تلك الأخلاطِ المظلمةِ السالفةِ
التي كانت تعجُّ بالعماء والفوضى وصارعتُ الشرَّ سنين طويلة فقتلتُه
بإيماني فوهبني الله سفينةَ الخلاصِ إلى زمنٍ جديد .
لقد عزمتُ على أمرٍ سأُطلعكم عليه .. غير أن ما يقلقني هو ما رأيته
في حلمي و لا أدري ما إذا كان كابوساً أم رؤيا .. ولكنني لاشك مختلطُ
اليقيِن مشوشُ الذهنِ .. و قد رأيت أن أقصّ عليكم حلمي علّكم تعينوني على
تفسيره ..
في الليل .. في أقاصي الليل ، في البحر .. في أقاصي البحر ، السفينةُ
يا أبنائي .. سفينة الخلاص المكعّبة التي رست على هذا الجبل لتخرجَ منها
الأصول .. اجتاحتها عاصفةٌ هوجاء .. ريحٌ كاسحةٌ لزجةٌ من كلّ
الجهات هجمت على السفينة .. وفؤوسٌ لامعةٌ بيضاء ،فؤوسٌ من كلّ الجهاتِ
فتفككت أخشابُها وسقطت في الماء ثم اجتمعت حولها ديدانٌ بدأت تنخرُها
وحشودٌ عمياء أخذت تخرج منها ملتويةً لا تعرف إلى أين تسير و آلاف
الحيوانات تطير .. البقرُ يطير .. السلاحف تطير .. السمك يطير ،
خرجت حيواناتٌ كثيرةٌ و خرجَ رجلٌ تكاد ملامحهُ توحي به .. لكنه كان
مرهقاً متعباً .. ممزقاً و قد أدمته العاصفةُ و مزقتهُ و بدا كما لو أن
له أربعُ أيادٍ و عشرةُ أرجلٍ وشعرُه يشتعلُ بنارٍ لا تنطفئ و لا تحرقه
.. و كانت تخترقهُ قطعة حديدٍ طويلةٍ و لكن لا دمَ و لا صراخ .. و كان
يقرأ بكتابٍ في يديه فتنتظمُ الحيوانات و الديدان أمامَهُ و كلّ مرةٍ في
جهة و ما أن يتوقف تعود إلى فحيحِها و تختلط .
لقد رأيتُ أخشابَ السفينةِ تهربُ في ماء البحرِ و على كلٍّ منها
مخلوقات عجيبة تضحك و تبكي .
و رأيتُ الرجلَ و قد ربط ناياً إلى عنقهِ يعزفُ به بين حين وآخر و
القصبُ يرتفع حولَه ، و ثلاثُ قصباتٍ كبيرات قد انتزعن من الحقل و غابةُ
القصبِ حوله تكبرُ و تخيف ، و الماءُ يطفئ موقدَه المقدسَ ، و رأيت
كأسَه المعلَّقة في مشجبهِ تسقطُ ويضيع منه محجنُ الراعي و يقبضُ بومٌ
على عصفورٍ و يقبضُ صقرٌ على عنـزاتِه . و يجنُّ الرجل من العطشِ
و هو في وسط المياه .
يا أبنائي ..
هذا هو حلُمي و لنجعل من تفسيركم له سبباً ننفضُ فيه عن شيخوختِنا
تاركين بينكم هذه الأرض و ما عليها ترثونها بالتساوي أنتم و أبناؤكم من
بعدكم .
حام
: الدنيا تتمايل و تتراتبُ أمامَكَ .. أنا يا مولاي عبدُك وخادمُكَ و
لوني و شكل هيأتي يدل على أن لك معي سلطانٌ عظيم .. أختلف عن أخوتي في
طاعتك و إني لأُحِبّ هذا ، وأرى أن حلمَكَ يعني انتهاء تجوالِك و
تجوالِنا في الماء .. فسفينتُكَ التي تحطمت ستُزهر على الأرض بيوتاً و
قرى و مدناً. و الديدان هي خروج الشرِّ مع الطوفان .. و طيران الحيوانات
هو فرحها بما هي عليه ، و الرجلُ هو أنت بأياديك و أرجلِك الكثيرةِ ذات
الخير ، و كتابُك هو ألواح المعرفةِ التي نظّمت بها الحياةَ و الكائنات .
أما القصباتُ الثلاث فنحنُ .. أبناؤك سنعمِّر لك ثلاث جهات الأرض و
أنت المركزُ و الجهةُ الرابعةُ و أما الكأسُ و المحجنُ والموقدُ و البومُ
و العنـزاتُ فهي حاجاتُك التي تخاف عليها من الفقدان .
سيدرا
: كلامك هذا دليلُ رفعةِ عقلِك .. فكيف أردُّ لك الجزاءَ أتريد أن أزيل
بدعواتي و ابتهالاتي العقابَ عنك فترجع سوياً أو أعطيك ما تستحقُ من
الميراث .
حام
: ألا أطمع بالاثنين ؟
سيدرا
: لا .. إما هذه أو تلك .
حام
: الميراث .
سيدرا
: هو لكَ و لأبنائِك من بعدِك .. جنوبُ الأرض .. بلادُ الغابات التي تحت
مساقطِ الشمس .
و الآن ما قول ولدنا يافث .
يافث
: و هل يُسألُ ولدٌ يدلُّ نحوله على محبتِه .. لقد استقرت معانيك في نفسي
و لا أرى رهط مشاعري إلاّ يرددُ اسمك .
سيدرا
: هذا ما نراه .. ما قولك في الحلم الذي رأيناه .
يافث
: سفينتُك هي الماضي يا أبي ، الذي ذهب مع الطوفانِ و ها نحنُ نغادرُ تلك
الأيامَ السوداء المليئةَ بالجحودِ و الخطيئةِ التي خرجت مع الديدانِ إلى
أعماق الماء ، و كذلك الحيوانات التي تطيرُ فرموزُ الشرِّ رجعت إلى
ماضيها السحيقِ و أما الرجلُ فهو عدوّك مزّقهُ غضبُك و توترُك وقد حاول
أن يسرقَ كتابَك العظيم فلم يفلح ، فالكتابُ و هو في يده لا يجمع إلاّ
الكائنات الممسوخةِ حولَه و القصباتُ الثلاثُ أبناؤك حاول انتزاعها لكن
الماء أطفأَ الموقدَ و سقطت كأسُه و ضاعَ محجنُه و جُنّ من العطش و هو في
وسط المياه ..
سيدرا
: تصفُ ما أتمناه .. يا لك من لامعٍ في ذكائك . لكَ أعالي الأرض و
لأبنائك من بعدك .. أكبر الأقسام و أبردها .. تناسبُ قسوتَك .
و الآن ماذا يقول أصغر أبنائنا و أعزَّهم علينا هام
هام
: لا شيء
سيدرا
: لا شيء !
هام
: لا شيء
سيدرا
: ماذا تعني بـ( لا شيء ) .. أعد علينا كلاماً آخر .
هام
: لا أريد أن أنافقَك يا أبي فأقولُ كلاماً لا يُرضيك
سيدرا
: تكلم .. ما الذي تخبِّؤه عني .
هام
: السفينةُ ذات السفينة .. و الرجلُ ذات الرجل .. ما بالُ الحيوانات تطير
؟ .. هل سألت نفسك ؟
ما بال الأذرع و الأرجل تتضاعف إن لم يكن هناك ما يفزعُها!
اليراع .. اليراع مرتفعٌ حولك .. مظلمٌ و عنيدٌ .. الناسُ من حولك .
الأشجار اليابسة ستخرجُ من البحر و تحلِّق حولَك .. الغراب أعظمُ من
الحمامةِ .. قال شيئاً و صمت .. الحمامةُ ملساء ناعمة .. مَلِقَةٌ ..
تريد أن تعيش .. الخلاصُ يتحطم .. تأكلنا الديدان قبل موعدِ طعامها ..
نذهبُ ضحية الأنفِ المرتفعِ .. العينِ المرتفعةِ .. اليدِ المرتفعـةِ
التي تلـوّحُ ، من النار يأتي .. و كتابُك .. كتابُ النورِ هذا ستمسكهُ
وحيداً باكياً مطعوناً تخترقُ الدماءُ رأسَك و زمانَك .. سيتبدد مُلكُك و
أبناؤك وعبيدُك ، و أشياؤك كلُّها سيغمرها الترابُ ، علّقني بالمسمارِ
يا عمّي .. علّقني بالمسمار من عقلي .. علّقني كي أكون في السماء ..
الأرضُ مبتلّةٌ عَطِنَةٌ تتخايلُ بذبابِها .
سيدرا
: ألا سحقاً لكَ .. تحولي يا أذنيّ إلى طينٍ أو عجينٍ حتى لا أسمع .. أنت
تقولُ هذا
!.. أنت الذي فضلتُـه على الآخرين و كنتُ قد هيأتُ
لكَ ميراثاً أجمل و أحسـن ما في ملكنـا مع كتاب الأسرار فما دام الأمر
كذلك فلتسمع أنت و من حولك .
ليكن لكَ و لأبنائك هذا القسمُ من الأرضِ .. الصحراء .. ولتكن
خرابـاً عليك أينما حللت .. لتكن سُمّـاً و جنوناً رملاً و خراباً .
هام
: أبي ..
سيدرا
: أصمت
) فوضى ... و ظلام .. يُطعنُ سيدرا
(
سيدرا
) قبل أن يموت
( : مازال الشرُّ على هذه الأرض .. مازالت الخطيئة
..
لم يغسل الطوفان شيئاً .. لم يمسّ الطوفانُ النفوسَ
أرى نجوماً سوداءَ ماكرةً
و أرى دماً سينبثقُ من كلّ مكانٍ
و ستهبّ عواصفُ الألمِ و الجنون
لن أتنبأ لكم إلاّ بشرورٍ عظيمةٍ و خراب .
) يموت
(
المشهد الثالث
ظهور ليليث
مطرقتان بحجم الكون سقطتا
على رأس الإنسان
هام
: مَنْ فعل هذا ؟
حام
: مَنْ فعل هذا ؟
يافث
: مَنْ فعل هذا ؟
حام
: أنتَ .
يافث
: أنتَ .
هام
: أنتم ..
حام
: بدأ فتحُ المقابرِ .. أرضٌ بكرٌ جديدةٌ لا ميت فيها و لا جثة تخضّبت و
احتضنت قطعةً من السماء سقطت كمن قصّها بمقصٍ و مضت نازلةً إلى أعماقها .
أرضٌ مغسولـةٌ من الشرِّ نبضَ فيها عِرقٌ أسود مُدلهمٌّ و جرّ إليها
مخلِّصَها .. جرّ إليها الذي خلّص الجميع من غضب المياه .
يافث
: قتلوه .
هام
: لن أحصي قاتليه .. سأهتفُ بهذه الرعود و هذا المطر أن أَعيدا الصولةَ
.. فمازال في الأرض مُتّسعٌ .. و مازالت الأرضُ نديّةً نجسةً .. قتلوه .
يافث
: قتلوه .
حام
: لن ينطقَ هذا الفمُ اسمَ غرابٍ أو حمامةٍ .. لن يقولَ شيئاً سأدع خرسي
شاهداً على هذه الجريمة .
هام
: و أخيراً قتلوه .
حام
: حسنـاً فعلت يا إلهي أنْ عاقبتني بلعنتك فأمسكتُ بها نفسي و تطهرتُ من
رغبـة الجشع .. أصبحتُ خانعاً .. ذليلاً و طويت يدي في جيوبي و صمتُّ .
الكاهن
: مَنْ فعل هذا ؟
يافث
: مازلنا في أولِ سلّمِ الصعودِ إلى هذه الأرض و كنوزها فتلطخت العتبةُ
بدمٍ طهور .
يومٌ مثل عين الديك قاسٍ و مضرجٌ بالبرق .
لقد كان مرتفعاً مثل سحابةٍ يرى السماءَ عن قربٍ و قد ذابت في
قامتِِهِ ، و سلاسلُه غابت في البحر .. كان يمسكُ الأرضَ كلَّها كسفينةٍ
يخاف عليها من الغرق .
الكاهن
: قتلوه .
يافث
: أيُّ ملائكةٍ هذه التي تتسلى بالحصى و لا تحرسُك ..
أيُّ طيورٍ هذه التي تلهّت بمناقيرها و نَستْكَ
أيُّ فجرٍ أسود هذا بعدك . لماذا فعلتَ هذا يا هام ؟
حام
: لماذا ؟
يافث
: لماذا ؟
هام
: سأنتظرُ منكم أشياء أكثر من هذه .
يافث
: هل يعادل ثلثُ هذا المستنقع روحَ أبٍ أنقذنا من الموت جميعاً .. ألم
يكن بوسع صبرِك أن يفتح بصيرتك فيدلك على إن أخويك سيوسعان لكَ حصةً من
ميراثٍ كبيرٍ مترهلٍ كهذا .
هام
: يدُك التي على السيف هي التي تدلُك على هذه الأفكار ، يدُكَ التي
توغّلت في المتغضِّنِ من الأفكار .. يدُكَ التي هي يدُ الليل يخطفُ ..
يدُ النسر يخبطُ .. يدُ النار تكـوي يدُ المكـرِ و الخطيئةِ . تُبعد عنك
هذه التهمةَ باتهام أكثركم ضرراً قبل موته .. لقد زهدتُ بالإرث أمامَه و
أمامَكم و آثرتُ رأياً صريحاً ملأ دمي و وجداني .
أنت من يهيئ الأرضَ الآن لمذبحةٍ تتجه بكَ إلى أقصى المُلك .
يافث
: بل أنت .
هام
: أعرفُكَ .. تريدُها لكَ وحدكَ فقد وجدتَ حيفاً في قسمٍ أجرد كشمالِ
الأرضِ .. و قلتَ : لِمَ لا .. كلُّ الأرضِ والثروةِ لي . و كيف ؟ بالسيف
الذي يتقدمك .
يافث
: و لِمَ لا تكون أنت قاتله .. ألم يكن سبباً في لعنتكَ ومسخك ، و هذا
وحدهُ سببٌ للإنتقامِ منه .
حام
: و نحن في نداوةِ الدمِ و تهاليلِ الشرِّ .. ها أنتَ تتهمني بما كان أبي
لا يرضاه .. أمّا أنا فقد ارتضيتُ بلعنته عليّ و تبعتهُ طائعاً كسفينةٍ و
اقتسمت هولَ الطوفانِ معه .
هام
: كلاكما منافقٌ و كذّاب .. أعطى معسول الكلام على لسانهِ و خبّأ في
قلبهِ الشرَّ و الأذى .
حام
: كلاكما طامعٌ و كذابٌ .
هام
: كان الذي في قلبي على لساني .. لقد ساويتُ بين ما يمكن أن أرث من أرض و
بين صراحتي .. بل رحمتُ نزوات الأرض بالحكمةِ و الصدقِ .. لم أنافق و لم
أدّعِ .. لقد كان حبُّ أبي و حكمته في قلبي و كنتُ أنظر إلى كلّ الأرض
مُلكاً لنا لا ينقسمُ و لا يتجزأ .
يافث
: ها أنت تعترفُ باستحواذك على كلَِّ شيء .
هام
: بل هذا ما يدور في رأسِكَ ، نـورٌ في لساني يمنعني من الخطأ و يوخزني
كلّ لحظة .
) تدخل امرأة ذات جلال و هيبةٍ و لها شخصية
قوية جداً و على وجهها و هيأتها القوة و الجمال و هي (ليليث) امرأة الأب
سيدرا .. صمت و ترقب
( .
ليليث
: متى تكفّون عن هذا الهراء ؟
متى يرتفع السماويّ فيكم عن الأرضيّ ؟
متى تنتبهون لجسد أبيكم المسجّى .. ألا تدثرون دمَهُ و جلالتَـه و
تحزنون و لو نفاقاً .
هل اتسعت أطماعكم حدّ أنها لا تستطيع ترتيب الأمر ولو لساعاتٍ و
العبـور على مجرى الأحزانِ ولو لأيامٍ .
أيُّها الكاهن .. أعدنا إلى مراسيم الدفن .. و هيئ لسيدرا العظيم
تابوتاً و لتبدأ أيام الحزن و الصلوات .
) أصوات أجراسٍ و تراتيل مهيبة
( .
) يحمل الجميع في أعماق المسرح تابوت سيدرا
بينما تظهر هي تحت تقنية ضوئية خاصة لتؤدي خطابها الآتي
(
ليليث
: في هذا الغيم .. في ذاك الغروب ، لي عينان مكحّلتان أوسع من عيون
الآخرين .
عندما أريد أن أرى السفينةَ لا يراني البحرُ .. و عندما أريدُ أن أرى
هـام فلا يراني حام أو يافث .. يختفون أمامي لكني أراهم و أظهر أمامَهم
فلا يروني .
ويلٌ لعيونِ الضبِّ .. ويلٌ لعيونِ الفراشةِ .. ويل لعيونِ الخفاشِ
لو انها انتبهت لي دون إرادتي .
تتحول أقدامي لأقدام الأفعى فأهربُ .. تتحول يداي لجناحين فأطيرُ ..
و أحوّلهم لغبارٍ و رماد .
عيونهم طيورٌ أهشُ عليها و أمسكها متى ما أشاء .. أغازلها أدغدغها ..
أُلمِّعُها .. أغلقها .. عيونُهم لي .. عيونُهم أسيرةُ أصابعي ، هوذا
الندى الذي يبلل يدي .. و يدي تبلّ العيون .
نجمة الصباح التي في الأفق تحت يدي .
ذهبوا هناك إلى الظلام .. ذهبوا ليفتحوا العيون على المنفى .
هام
: لا رأتكَ عينٌ و لا ضمكَ ذراعٌ ..
ما بالك تتشعشعُ و أنت ثريا سوداء .. يا لحزنك .
يافث
: لابد من قاتل .
هام
: قتلتهُ الخيولُ التي هاتفتهُ بعيداً و أرخت له ظهورَها ، أجنحةُ
الملائكةِ لا تقي أحداً .
يافث
: القربان .. القربان .
حام
: أحدُنا كان قرباناً له .. فانتبهَ و وضعَهُ مكانَهُ .
هام
: مالنا نحنُ مهندسو هذه الألسنةِ .. مالنا حتى هذه الساعة .. نأكلُ و
نشربُ و نتكلمُ ..
سأعوي في الممرات .. سأعوي في العقول .. سأعوي
يافث
: كيف قتلوه .. بالماء .. بالإشارة .. بالنفخ .. بالظلام .
كيف قتلوه .. لا أرى دليلاً على ذلك .
هام
: سأشمُّ رائحةَ اليدِ التي ضربتهُ .. سأشمُّ شُغاف قلبي سأشمُّ السُمَّ
الذي يسري في عروقه الآن .
أنت حرٌّ .. و أنت حرٌّ .. و أنت أيضاً و أنتَ و أنت .. أما أنا
فمقيدٌ.. مقيدٌ و حزينٌ.. هذا اكتشافٌ متأخرٌ .. ويا لتعاستي .
الكاهن
) الذي يحمل غراباً
( : أنا في العُلى .. و أنتَ في الدُنى .. أنا في
حفرةٍ فوق .. و أنت في حفرةٍ تحت .. أنا روحٌ شفيفةٌ لا تمسُّ .. و أنت
جسدٌ متسخٌ بدينٌ .. أنا الذي كنتُ على العرش و أنتَ الذي مازلت تتعثر
بسيوفِكَ و حفرِكَ التي حفرتها لغيركَ .. و ها أصبحنا جميعاً كالأوهام .
ليليث
: جناحان صغيران يرفان على كتفي .. و الغراب يعيد دفن قصتي بين وقت و آخر
.. و لكني أخرجُ من القصور المهجورة و من المعابد المُخرّبةِ .. أخرجُ و
أطوفُ .. أمسكُ وردةً .. أغوي بها الرجالَ التائهين في الليل .. أغوي
الرجال الشبقين ..
) ينفضّ الجميع من حولها و تبقى لوحدها
(
أهاجمُ الشمسَ مرتين .. مرةً في الغروب فأُغطسُها تحت الماءِ وفي
الشروق أسحبها بحبلٍ من البحر كما أسحبُ سفينةً غاطسةً .. أنا التوهج
الأحمر في السماء .
النجمةُ الساقطةُ بغتةً .. كِسَرُ الجليد المنطرحة على الجبال بعد
زوال الصقيع .. هذه علاماتي أنذرُ بها الناسَ أو أغويهم لا فرقَ البرقُ
و الصقيـعُ و البردُ و الأمطارُ و انكسارُ أثاث البيـوت و لسعةُ النحلِ
علاماتي .
كنت أقفُ لآدم خلف الشباك و هو في حضن زوجته و أُشيرُ له فيخرجُ
ورائي يتبعني الليلَ كلّه هائماً في الوديان .. أَظهرُ له تارةً و أختفي
تارةً ثم أوقفهُ بين يديَّ و أُشبعُ رغبتي منه .
نعم ..
ألاحقهم واحداً واحداً و أظهرُ لهم في الغيم .. في البكاء .. في
النعاس .. في الأبراج .. في الهياج .. فوق الماء .. فوق أديم القمر .
ملائكةٌ سودٌ يفتحون لي الطريق في كلّ لحظةٍ و أنا أحرثُ الهواءَ و
جدائلُ شعري أفاعٍ تتمطرحُ على كتفيّ وظهري .. أمضي مثل الفرسِ بين أفواج
الرجال فينتبهون ويفقدون عيونَهم و يلبطون في التراب .
كنتُ أحتجزُ الحناجر بين يدي .. و كانت الكلماتُ مثل السمك الصغير
تحت أصابعي .. و لكني لا أشبع من رؤيةِ هذا الموتِ المريعِ للحقيقةِ .
ما فائدةُ الطوفانِ .. إذا كان نسلٌ بشريٌّ قد اخترقهُ و يريدُ تأسيس
العالم على ما كان .
الفراشات .. الفراشات التي من صنعِ أصابعي هي أصابعي التي لا تنتهي
.. ألا يفسر هذا حبّها للنار .
وضعتُ صفَّ الحمام
وضعتُ صفَّ الأرحام
وضعتُ البقولَ و الماسةَ و العيون ، وضعتُ لعصفوري تغريداً أقدر الآن
أن أمنحَ دروباً قاسيةً .. مهناً كبرى للخراب
و أناشيدَ و معازفَ مكسورةٍ
أقدرُ الآن أن أعطي الرماد اسماً
أقدر الآن أن أغني مدوّناتي الخفيّةْ .. مدوّنات الغبارِ و الدمِ
والفرائسِ الممزقةِ .
نُلملِمُ المزيدَ يا ليلي .. الكنوز ماثلة في الغيم و بوسعِك أن
تشعلي البرقَ فيها فتنسرد و تتناثر على أيدينا .. و بوسعكِ التقدم في
العماء و شقِّهِ و فتح المغاور
لقد منحوني هنـا ورداً .. ماذا أفعلُ به ؟ الوردُ يفيـدُ الحواسَّ و
يُشغلُها ثم يستحيل إلى سلاسل مضمّخةٍ بالسمِّ ، سأجعل الأشباحَ ينعجنونَ
في هذه الدروب و يملأون السواقي و الأزهار و النفوس . مطرقتان بحجم الكون
سقطتا على رأس الإنسان .. الأولى عندما طُرد من الفردوسِ و الثانية عندما
اجتاحه الطوفانُ و الثالثة بيدي و لابد أن تكون ماحقةً هذه المرة لتبيده
إلى الأبد.
هذه المطرقةُ التي سأزرعها في خلايا الإنسان أعتى من كلّ عقابٍ،
وحشةٌ و جنون .. إنه عاطلٌ في الغيب ، ينثر الحماقةَ كما ينثر البذور ..
كانت الأيامُ أسلاكَهُ و خرائطَهُ و هو يشقُّ بمحراثه أسرار السماء و
الأرض .. تنبت له كلّما مضى الوقت أجنحةً في كلّ جسده و يُدلي أفعاه على
صدره و يُمسك المفاتيح.
هل هناك أخطر من هذا ؟
المشهد الرابع
حيرة الأبناء
الثعالب تنشِّطُ المكان بالكلام المعسول
و هزِّ الذيول
) يدخل ( عَمرا ) على ليليث و هو أخ سيدرا
الذي اختفى بعد رسو السفينة
(
ليليث
: أين كنت ؟
عمرا
: ما رائحةُ الموتِ الخانقةُ هذه ؟
ليليث
: تعال .
عمرا
: متى تنتهي هذه المهزلةُ ؟
ليليث
: لقد انتهت .
عمرا
: ما الذي انتهى و رطوبةُ الأرضِ مازالت بين أصابعنا ؟
ليليث
: حسناً فعلت .
عمرا
: هل .. مات ؟
ليليث
: طعناتك هي التي صرعته .
عمرا
: أنا !!
ليليث
: لا تخف أنت بعيد عن أي شك .
عمرا
: أنا بريءٌ من دمه .
ليليث
: دعنا من هذا الآن .
عمرا
: أنا لم أقتلهُ .
ليليث
: فمن قتله إذن ؟
عمرا
: لا أعرف .. ربما ...
ليليث
: مَنْ ؟ .. أنا
!
عمرا
: أو أحد حراسه .
ليليث
: لا فرق .. أنا أو أنت أو أحد أولاده .. أحدنا قتله .
عمرا
: إلاّ أنا .
ليليث
: لقد تخلصنا منه .. تعال إلى صدري .. كم أنتَ رائعٌ .
) يأتي إليها و يضع رأسه على صدرها ببلاهةٍ
(
لقد كنت أنظر إليكَ و أنت في السفينةِ كما لو كنتُ أنظر إلى رجلٍ
عظيمٍ .. كانت رجولتُك تسطع في عيوني و لم أستطع أن أواري ذلك عن سيدرا .
عمرا
: و أنا كذلك .. كنتُ أحسده على كلّ هذه الغُلالةِ التي أحطتِهِ بها .
ليليث
: و لكن .. أين كنتَ هناك ؟
عمرا
: كنتُ مكتوماً في نشوةِ الجسدِ أحثُّهُ و يحثُّني على الصعود .. و كم
تربصتُ بالشمسِ أُحرّكها بعودٍ و ألعبُ معها في المغاورِ و الأحشاء .
ليليث
: كنتَ في السفينةِ وجلاً .. مختبئاً بين القردة .
عمرا
: تلمستُ و أنا في السفينةِ انهدام أحلامٍ و تشققها ، لا شيء لي و كلُّ
شيءٍ لأخي .
ليليث
: و الآن أصبحتُ في يدك جوقـةً كاملـةً تستطيع العزف بها .. و ها أنتَ
أشبه بفنارٍ لا تحبُّ حركةَ العشبِ بل تميل إلى لمسة الزلزال .. و تبتسمُ
لطغيان البروقِ في البراري تخشى التراجعَ و لكَ ولدٌ قادمٌ يتشكل في
الصولجان .
عمرا
: هذه الأيدي تغرفُ من الشمسِ .. و هذا العناءُ يُزبدُ ونجومُهُ تتهدلُ و
تقومُ و تقعدُ في مخّي أغوارُه البعيدةَ .
و أبناءُ أخي
!
ليليث
: ما بهم .
عمرا
: إنني أسمعهم يتسللون في هذه السنبلة و لي معهم هذا الترادف الأعمى بين
كفتين في الحق .. جميعهم في كفةٍ واحدةٍ و أنا في الكفةِ الأخرى .
ليليث
: كانوا يتجولون أكثرَ مرحاً من شعبٍ كبيرٍ عثر على مناجمه تحت الأقدامِ
وكان الطمعُ يصبغُ هتافَهم و يُلوّنُ خدودَهم بالأحمر .
عمرا
: كنتُ أخرجُ من أطلالي و أنظرُهم .. أصطاد الفراشات والدموع و أتدبر
أقفالي التي تنوح .
ليليث
: و كيف رأيتهم ؟
عمرا
: تقدموا نحو الزجاج المتسخ و مسحوه .. التاريخُ مرّ في أيديهم .. و
أيديهم تدق الأرض على الصليب .
ليليث
: و لماذا عدت ؟
عمرا
: لأرى ميراثي كلّه .. يدي تفكُّ أزرار الأفقِ .. يدي الصامتةُ مثل
الحمار ، نشيدُ أُبهاتنا الغافية و ما زينت الأفواه به الكلام .
ليليث
: خذ بيدي إذن .
عمرا
: يدُكِ التاجُ أم عرفُ الديكِ .. أم الوردةُ الخالصة .
ليليث
: يدي في قلبكَ .. و فراخ سيدرا الثلاث حصتي .
عمرا
: و أنا
!
ليليث
: لي
عمرا
: مَنْ أنتِ ؟
ليليث
: مادتي من القمر .. و لي روحٌ ناريةٌ .. أقطنُ البحرَ وأعقدُ زيجاتٍ مع
كلّ الرجال .
كم أحب الرقصَ بين الناس الراجعين من دفنِ ميتٍ و أحب العيش قرب بيوت
الذين يصعب إغواءَهم .
فمن أنتَ ؟
عمرا
: كنتُ في السفينة معه .. ألقطُ الحَبَّ مثل الحمامِ و أتدافعُ مع
الخنازيرِ و القططِ و الكلاب .
أجلبُ الماء .. أحـملُ الطعام .. أجمعُ فضلات الحيوانات أجرشُ و
أهرشُ معهم و كنتُ أنظرُ من ثقبٍ إلى سيدرا و هو يلثمُها .. كانا أعظم من
كلِّ شيء .. يتدفقان مثل الضوء .. يلمعان .. يبرقان .
و كنتُ انكمشُ .. أصغرُ .. أتلاشى .. من ثقب صغير كنتُ أرى منقذَ
البشريةِ و قاتلَها و هو مطمئنٌ على مصيره من وعد محددٍ أما نحنُ ففي
الهباءْ .
كان الماء يصعدُ و سيدرا يُصعِّد من غُلوائه و تشتدُ غرائزه التماعاً
و نحنُ ننطفيءُ من شدةِ الماء .. هو يتألقُ و نحن نزدادُ ظلاماً .
صعد الماء .. صعدت العضلاتُ .. صعدت الأسلحةُ .. ماذا يمكن أن نقول
لهذا المنفتحِ على الخرابِ .. المنتشي بهِ .
كان يعبـدُ تهميش الآخرين .. بحجة التماثيل .. الأصنام .. اللُّقى ..
القيم .. و الكلّ بين فكّيه يدور .
في أقصى الأرض .. في أدنى الأرض .. الذاهبون .. الطالعون ..
الخارجون.. الداخلون.. هنا.. هناك في المياهِ .. في الكهوفِ .. في
المزارعِ .. في الصخورِ كانت رغبة الانتقامِ تنمو و تدفعني باتجاهه .
المدنُ ، الجيوشُ ، الأسلحةُ ، الحقولُ كلُّها كانت تدفعني ..
و رأيتهم .. نعم رأيتهم .. الناس يركضون صوب السفينة لكي يتخلصون من
غضب المياه لكنه أغلق السفينةَ في وجوههم لقد انتخبَ الأبناءَ ..
الأقرباءَ .. الأصدقاءَ وخرج بهم .
كان سيدرا يخوضُ في الدم إلى ركبتيه و كان يُرينا الدمَ على إنه ماءٌ
.. و لكننا كنا ندور في فكيه .
) يدخل هام و حام و يافث
(
هام
: راقبتُ ظلكَ يعبرُ وحيداً و أنت تتخطى العنفوان و كنت مثل حيةٍ شرسةٍ
حمراء .. و كان غبارٌ يخرجُ من فمِكَ أين كنت يا عم .
يافث
: قُتل أبي و أنت لمّا تزل .
عمرا
: أعرف .
يافث
: أيّةُ أقدار هذه التي تُظهركَ مكانه .
عمرا
: بمَ تلوّحون ؟
حام
: بل بماذا تتخفى أنت ؟
هام
: أيّةُ طيور هذه التي تحلمُ أن تكون مثل أصابعِ قدميك و هذه الآفاق
تنفتح فيها آلاف الأفواه لتتكلمَ و تبوحَ .
يافث
: أين كنت ؟
عمرا
: هناك .
يافث
: أين ؟
عمرا
: هذا حذائي .. هذه وردتي .. هذا كيس الطعام .. هذا قميصي .. أما روحي
فترفّ هناك مع ما يرف من الأرواح فوق أمواجِ البحارِ و الأنهارِ . هناك
حيث دفنَ سيدرا البشريةَ كلَّها .
هام
: ما أطيبَ أن تنوحَ و لكَ حكمةٌ مرتعشةٌ .. حكمةٌ تتنفسُ مع النباتاتِ و
الخيولِ غيرَ أن الطبيعةَ لا ترحمُ و لا تخاف .
عمرا
: كنا قبل هذا اليوم نتحاسب على قتل إنسانٍ واحدٍ أما إغراق البشرية و
دفنها في الماء فأمرٌ يجب أن ننساه .. أليس كذلك أيها الأبناء البررة
!!
يافث
: فيكَ ألمٌ عميقٌ مثل شجرة دفلى .
عمرا
: حزناً على موت أخي .
يافث
: فلماذا أزهارُكَ جميلةٌ بهذا الشكل .
عمرا
: حتى لا يفرحُ عدوي بمصابي .
يافث
: أنت الشيخ الذي أتاه في الحلم
!!
عمرا
: ماذا تقول ؟
يافث
: ما أفزع ما نفعلهُ .. نضربُ الشكَّ باليقينِ و نتدلى مضرَّجين بجراحٍ
لا تنتهي حتى يدخلَ الليلَ كئيبـاً في أجسادنا و يحنُّ الدمُ الفاترُ
للتراقي .. فلا يستطيعُ الوصول .
عمرا
: سأرقدُ بلا عيونٍ و سأضعُ عصاي بعيداً عن يدي ..
ليليث
: ملائكةٌ حمرٌ يشدّون بخيوطِهم الكؤوسَ و جثثٌ يغسلها الهواء .. و جثثٌ
تمشِّطُ الغِرينَ اللامعَ بأسرارٍ و رسومٍ و حكمٍ معتمةٍ ، جثث يغسلها
المطر و الهوى .. جثث بلا توابيت و لا دفن .. عارُ البشريةِ و عنوانُ
تمزُّقِها .
حام
: فليَدُر كلّ واحد منا تابوته نحو الشفق و لتصعد من الأرض أصوات
التهليـل و القـوة .. ليصعد المقدَّسُ الذي في النفوس و لندع بعد كلِّ
هذا متعةَ اليدِ و الفمِ و العينِ لهذه الديدان التي تعتاش على ما تبقى .
هام
: ستصمتُ القبورُ و سيعلو الشوكُ على الطبلِ الممزقِ .. وستتصلُ القاعة
بالعتّالين .. و تستقرُ الكمانات على أكتافٍ وأذرعٍ مرتجفةٍ .. فمن أين
سنسمعُ رنينَ العالمِ الجديدِ مادام الأمرُ صاخباً إلى هذا الحد ؟
ليليث
: لقد سخر منا البحرُ أن ألقانا على ضفتهِ و سلبَ منا كلّ ما شيّدناهُ في
آلاف متصلة من السنوات لقد كان آخرُ الطريق مستسلماً في الممرات الضيقة
يربطُ النورَ بمراسيمه و يتثاءَب .
هام
: هذا البيت .. أعني هذه السفينة هي بيتُنا الأبدي على ما يبدو.
حام
: هذا البيتُ في قِدَمهِ يبدو كما لو أنه قاتل التاريخَ كلَّه .
ليليث
: إذن فلنرفع من مقامه .. لنرفع من مقام الإرث الذي ترادفَ إليكم عبر
الأجدادِ و لنضع رجلاً حكيماً آخر على رأسِهِ ليقودَهُ إلى ما ينبغي .
يافث
: تقصدين هذا العمَّ المحتجبَ .
ليليث
: أنتم مختلفون على التقسيم .
عمرا
: ليس فيكم أيها الأبناء العظام مَنْ تسلقَ الأقاصي .. و ليس فيكم من
تحشّد باتجاه الموت أكثر مني ، دعوني لوهلةٍ في المقدمة حتى تذوبَ
اختلافاتُكم و حتى يظهرَ فيكم قرارٌ واحدٌ عميق .. ثم هي لكم الأرضُ و
الآفاقُ و ما أنا إلا محدودب الظهر ذاهبٌ إلى قبري .
هام
: هل عرفتم أن ماءَ البحرِ معمولٌ من دموع الأسماكِ و ليس من المطر ؟
يافث
: لماذا نتطلع من فوقِ السورِ إلى هذه المهزلةِ و لا نتعلم .
)
يخرج
(
هام
: الثعالبُ تُنشِّط المكانَ بالكلامِ المعسولِ و هزّ الذيول .
حام
: عندما أموت .. أذهب إلى فمٍ محدد .. فمُ أيِّ كائن هذا الذي يبتلعني ..
أعني ما اسمه بالضبط ؟ مَنْ منكم يعرف ؟
)
يخرج
(
هام
: قال خلِّني أيها المزمار الآن .. خلّنـي من العزف و دعني أبارز ..
خلِّني و تربص بهذا المجون فما من أحدٍ سواي يتقدم في الزمنِ الأدردِ هذا
و وسط عاصفةِ الشهواتِ ، من منكم نفخ صوته باتجاه الأعالي ؟
عمرا
: إني أسمع أبواقاً حزينةً تتردد خلفَ الغيوم و دمٌ ينبجس وعيوناً
تُسمَلُ .. وَ لَكمْ ذهب بعقولنا أَنْ تَوازَنَ الكونُ فينا ولكننا
اضطرابُ كلِّ هذا و قسوتِه .
) يخرج
( .
المشهد الخامس
إغواء يافث
أخرجي من رأس هذا الولد الطامح القمل و أدخلي في رأسه الشهوات
أخرجي حشرات .. و أدخلي حشرات !
) تنفردُ ليليث بهام في محاولةٍ لإغوائهِ و معرفة مكان كتاب المعرفة
(
ليليث
: صوتُكَ الأصغرُ .. هذا النديّ ، صوتُكَ الأبيضُ الذي
يشقُ الصَدَفة و يتلوى في الآفاق مثل أفعىً
متناسلة نشطة .
هام
: بماذا تفوه كتلة النحل و العسل هذه .
ليليث
: لا الفجر العالي يحجبكَ و لا الديكة يغطون بصراخهم تاريخَكَ .
هام
: أتفوه بكِ و أعزفُ بقصبتِكِ أجملَ الألحانِ .
ليليث
: ما الذي يجذبُكَ إلى الغناء ؟
هام
: يا لكِ من بعيدةٍ أيتها القريبة .
ليليث
: ما معنى سكونِكَ و تأملِكَ البطيء هذا ؟
هام
: أقرأ مصائرَ الناسِ .. و يصعدُ الوجعُ لعينيَّ كلما تقدمتُ في القراءة
.
ليليث
: تقرأُ ماذا ؟
هام
: كتابُ أبي المحفوظ .. ألواحهُ السريّةُ .. ففيها كلّ ما حصل وما سيحصل
.
ليليث
: فأين هذا الكتاب ؟
هام
: في قلبي .
ليليث
: في قلبك
!!
هام
: كتابٌ مثل هذا لابد أن يكون في القلوب لا على ورقٍ أو طينٍ أو حجر .
ليليث
: أين المدوّن إذن .
هام
: في الشمس .. لا في السواقي .
ليليث
: و أنت .
هام
: تملكني الجـزعُ و الموتُ و أعرضتُ عن هذه الدنيـا بأسمالٍ و أقفلتُ
خلفي فمَ الينابيع .
ليليث
: و عقلُك الجميلُ الناصعُ .
هام
: أتظاهرُ بماذا غير هذا العقل الولِه التوّاق للمعرفة و الجنون ، لقد
دمغتُ حواسي حتى تَبتّل جسدي و غرقتُ في ليلٍ ممزقٍ تتقاذفني أشرعةٌ و
مجاذيف .
ليليث
: عندما كنتُ في الطريق إليكَ رأيتُ نحّاتاً يشبهكَ كان عاري الظهر منحنٍ
على تمثالِه ينحتُ به .. كان التمثال يوحي بامرأةٍ و كلما خلق عضواً من
أعضائها كنتُ أرى بعضاً من جسمهِ يشعُّ .. فلماذا يا هام ؟ لماذا أنت
بعيدٌ عن تمثالِكَ لا تتأمل فيه و لا تنحت .
هام
: حبذا الجنونُ أمام الشر .
سيدتي .. هل تسمحين أن أضع رأسي في حضنِكِ .
) يضع رأسه في حضنها
(
هام
: ما هذا الذي أشمُّهُ في رائحة ملابسكِ .. شيءٌ من رائحة الفردوس .
ليليث
: أنت شبقٌ كالمطر .
هام
: و حزينٌ كالضباب .
ليليث
: بوسعي أن أعطيك قلباً لم تعرف مثله ذات يوم .
هام
: أنتِ رقيقةٌ حقاً و لكِ وجهٌ شاحبٌ جميل .
ليليث
: لقد اخترتُـكَ من بين الناس جميعـاً فأنت الأشدُّ نـوراً و كمالاً بين
اخوتـك .. أنت الوحيد الذي يبحث عن شيء فيه ، أما هم فيبحثون عن أشياء
خارجِهم .
هام
: كل امرأةٍ جزيرةٌ يحيطها ماءٌ .. فماذا سأعرف عنكِ ؟ وكيف ؟ .. هل
تعنين حقاً ما تقولين ؟
ليليث
: أجل .
هام
: من قتل أبي .. مَنْ ؟ أهو عمي الذي ظهر فجأةً ليختلسَ تاجاً على الرف
أو ماساً من الجحيم .. مَنْ قتل أبي ؟ أهما أخواي ؟
ليليث
: كلا .. بل هو أنت .
هام
: ماذا ؟ .. أنا !
ليليث
: لقد زخّ الدم منك ساعةَ طعنتِه .. و لذلك تواريت .
هام
: مَنْ .. أنا
!
ليليث
: لقد كان يستحق ذلك منك .
هام
: مَنْ .. هو
!
ليليث
: لقد نضجتَ و وضعت عقلك في الهوى و الهاوية و لم تخف .
هام
: أنا !
ليليث
: كنت تريد أن يكون للدنيا و للأفلاك و لسيدرا مركزٌ واحدٌ اسمهُ هام .
هام
: المركز
!
ليليث
: تعال انظر في يدي .. أليست لك ملامح الملائكة ألمْ تر كيف جعل ربُكَ
هذا الوجهَ ينطقُ بكل ما هو فاتن مرتّب وهّاج .
و انظـر إليـه .. وجهٌ مكفهرٌ غاضبٌ .. أهدته الطبيعة دلالاً لا
يستحقهُ .. لقد كان محاطاً بهالةٍ من القسوة و الضجيج .
هام
: و أنا ؟
ليليث
: هالتُكَ تخرجُ من أعماقِك بالفيض و النماء .
هام
: أوصافٌ .. أوصافٌ تصلصلُ في الفم و ساحةٌ ساخنةٌ يتلاقى فيها الشيطان
مع أسراره .
ليليث
: كلُّكم رهائن سيدرا و أطماعه .
هام
: لقد أنقذ البشرية من الضلال .
ليليث
: و جعلكم عبيدَ فضائلِهِ .
هام
: مَنْ أنتِ ؟
ليليث
: لقد أزاحَكَ عن الطريق لمجرد أنك قلتَ الحقيقةَ .
هام
: كيفَ أتيتِ إلى هنا ؟
ليليث
: أبوك دمويٌّ يا هام .. فأما أن تكون مثله أو تقتله .
هام
: العقلُ مكان الدم .
ليليث
: سيُجّن العقلُ و يعلو الدمُ .
هام
: من أيّةِ غابةٍ خرجتِ ؟
ليليث
: من الفردوس .. من الجنّة .
هام
: روّضي ملائكتي أولاً .. و اقطعي أجنحتَها و ضعيها في مدافنِ الحجرِ حتى
أستطيع أن أقف قُبالَةَ هذه الأسرار أتفحص قواها و جملَها الغامضةَ ..
ما هذا .. ساحةٌ ساخنةٌ يتلاقى فيها الشيطانُ مع أشكالِه ، خدمهُ
يتدافعون إلى بستانٍ منتزعٍ من النار .
) يخرج
(
ليليث
: ها أنا ذي أمام هذه العروش المبلّلة بالدم و المطر .. الكثيرون يموتون
و لابد لي أن أظفرَ من هذا الحصادِ بزهرتِه .. لابد أن أرثَ الأرضَ و
النبضَ و أنشرَ نسلي فيها بدل هذا النسلِ الهشِّ الضعيفِ الساقطِ من
الفردوسِ ، لقد خلقتهُ الآلهة من دمِ إلهٍ معاقبٍ و تراب و لم تصلصله
ناري .. فمن يدلني على مكان هذه الثغرةِ في الجسـدِ كي أنفذَ منها ؟ هل
هي الفمُ ؟ هل هي الأذنُ ؟ هل هي العينُ ؟ هل هي القلب ؟
)
يدخل يافث
(
يافث
: هي التاج يا ليليث ..
ليليث
: لقد كنتَ حقاً الرجلَ الوحيدَ بينهم .. الشديدَ البأسِ الذي لا زمان و
لا مكان لكَ .. ولِدَتْ نفسُكَ في ارتجاف الخاطرِ نحو المُلكِ و السلطانِ
، لقد عرفتك .. كانت عيناك تقدحان بينما عيون الآخرين غافية .
يافث
: لماذا أراكِ و نارٌ بيننا ؟
ليليث
: لا خيال و لا جنون لك .. بل كلّك خطىً ثابتة باتجاه مُلكِ أبيك .. و
إني لأراك متوجاً عن قريب .
يافث
: أنتِ امرأتي و دليلي للعرش .
ليليث
: مراكبٌ عادت من الطوفـان حملت معهـا الأشياءَ الناقصةَ .. و تنتظر على
الأرض كنـزا .
يافث
: لنذهب إليه و نفتحه .
ليليث
: أنتَ هو الكنـز .
يافث
: ليليث .. و هذه الزوابع التي أمامي .
ليليث
: الزوابع فيكَ .. لن تفعل شيئاً سوى إزاحة القفل .
يافث
: اجلسي بقربي .. اجلسي هنا .. و أخرجي من رأس هذا الولدِ الطامحِ القملَ
و أدخلي في رأسه الشهوات ، أخرجي حشراتٍ .. و أدخلي حشرات .
ليليث
: لابدَّ من هزِّ الهيكلِ و ستتساقطُ عتلاتٌ و أعمدةٌ ومراكبٌ و نجومٌ
فاسدةٌ و عظام .
يافث
: لقد تجولتُ في هذا العالم طويلاً فوجدتُ معناه يسقطُ في كلِّ مكـانٍ و
يتجمعُ عند العرشِ ، أما الناسُ فمواهبٌ و قوى و كلُّهم يتراصفون هناك
على هامش رجلٍ واحد .
ليليث
: لقد أقمتُ لكَ طقسَ التضحيةِ بحبيبٍ فرأيتُ ما رأيت بين عظامي و أبخرتي
و خرائطِ السحـرِ .. إنـكَ المَلكُ المتوّجُ القادمُ .. وحدك لا ينافسك
أحد .
يافث
: السحرُ فقط
!
ليليث
: تعال و انظر إلى هذا القلب الذي جززتَـه من أجل مسعاك .. سأساعدك بما
املك و لكن أزحْ من يقفُ بوجهِكَ و تقدم بنعلين من ذهبٍ إلى هدفِكَ و أنا
حارستُكَ و ملاكُكُ .
يافث
: الذين من حولي يحومون حول الفريسة .
ليليث
: خذ هذه الشموعَ تنيرُ طريقَك و أزحْ الشرف الذي في رأسِكَ كي تنام و
لكي تزدادَ العينانِ الطامحتانِ كُحلاً و نورا .
يافث
: هل ستحملين جسدي و تدليني على الطريق .
ليليث
: الجميعُ من حولك يتنازعهم ضدّان ، إلا أنت يتنازعك متّفقان قلبُك و
العرشُ كأن كلاً منهما صُنع للآخر .. بل انظر جيداً للعرش .. ألا يُشبهُ
قلبَك في تكوينه الكأسيّ الجميلِ هذا .
يافث
: لماذا ؟
ليليث
: لتجلس عليه مرتاحاً .. أم أنك تفضل الجحور .
يافث
: هذه أماكن الفئران .
ليليث
: فاخرج إذن و امسح الفضاءَ بسلاحك و سيسجدُ لك .
يافث
: الفضاء !
ليليث
: و السماءُ و الهواءُ و النجومُ و الناس .
يافث
: و أنتِ
!
ليليث
: تابعتُكَ و دليلُكَ .
يافث
: كيف ؟
ليليث
: جلِّد قلبَك و اندفع .. دع فمَكَ هو الذي يتكلم لوحده و اخرس أفواهَ
الآخرين و لتكنْ خطواتُك أوسع .
يافث
: أحسنُ النصائح .
ليليث
: أسرع .
يافث
: خُيّل إليّ أنني أسمعُ شيئاً .
ليليث :
هذه هفهفاتُ المُلك تسعى إليك .. أسرع كما أسرعت إلى طعن أبيك .
يافث :
ليتني فعلت ذلك قبل التقسيم .
ليليث :
لكنك فعلتها بعد ذلك .
يافث :
كلا .
ليليث :
و كيف رسمتَ مقتلَه .
يافث :
كنت أحقُّ أخوتي بالأرض كلّها فلمَ ..
ليليث :
ليسوا أخوتك من يتنافس على العرش .
يافث :
من غيرهم ؟
ليليث :
عمُّك .
يافث :
سأُكثـرُ .. سأُكثرُ له العسـلَ و أقودُهُ إلى بستانِ الوردِ و سأغرسُهُ
هناك و أضعُ على رأسِه التاجَ ..يتدافع معي بالمناكب .. ياويلـك .. كنت
مستعداً لحصـد أبي و أخوتي و الناس لكي أفوز بما حلمت حتى جاء هذا الدمية
.. الأضحوكة .
لقد حلمتُ بالأرضِ و لمّا تتنشّفُ من الطوفان بعد .. حلمت بها و لم أكُ
قد ضمنتُ حياتي .. عندما كنّا هناك .. في الماءِ المتدفقِ الجبارِ ..
كنتُ أنظرُ مليّاً لمياهِ الطوفانِ على أن تحتها كنـزاً سيكون لـي ..
كنتُ أنـام على حلمِ أنْ أتملـك و أسودَ ، و ها أنتَ بمريلتكَ يجرُكَ
العسلُ إليّ فتعال ..
) يخرج
(
المشهد السادس
إغواء حام
سيغتصبنا جميعاً يا حام
) ليليث وسط جوٍّ سحري فيه رعد وبرق و الجو يوحي بالشيطانية و يبدأ مشهد
بانتومايم قصير تتوحد فيه ثلاث ساحرات في ليليث ، و يتوسط هذا المشهد
سرير كبير و شجرة عنب و كؤوس و جرار
(
ليليث :
لم يكنْ إغواؤه صعباً
يا رباتَ السحرِ المُمتثلات إليّ .. يا روحَ الشرِّ الناهضةِ في جسدِ
الإنسان .. يا دمي النابض فيه ..
) تنكفئُ على سحرها و أبخرتها ، و في هذه الأثناء
يدخل حام
(
حام :
ألستُ الوحيدَ من بين الكائناتِ التي حملها أبي من العالمِ القديمِ الذي
يحمل خطيئتَهُ معه .. لا الأشجارُ و لا الثمارُ و لا الديدانُ و لا
الحيوانُ فيها عاهاتٌ ، لا الطيورُ و لا الأسماكُ تشكو من شيء و لا
الناسُ الذين حُمِلوا في السفينة فيهم نقصٌ أو لعنةٌ إلاّي .. و كأني
أحملُ بذرةَ الخطيئةِ كلِّها .
و يا ليتني حملتها في أعماقي أو بين جنبات نفسي.. مكرٌ ، شرٌّ ، قلبٌ
مقطوعٌ ، رئةٌ ممزقةٌ ، كبدٌ مرتقٌ ، يا ليت .. لقد ظهرت طافحةً على شكلي
و طيّنت صفائي .
لماذا .. لماذا يا أبي ؟ لماذا تركتني دون إشارةٍ واحدةٍ لذهاب
العقاب عني .
ليليث
: لأنكَ أكبرَ اخوتِكَ و وريثَهُ المباشر .
حام
: مَنْ أنتِ ؟
ليليث
: ألا تعرفني يا حام .
حام
: ليليث خليلة أبي سيدرا .
ليليث
: و المقبلةُ إليك بكل ما فيها .
حام
: ماذا تريدين ؟
ليليث
: أريدك أنت .
حام
: من أتى بك في هذه الساعة .. لقد تظافرت الكروبُ كلُّها عليّ و وجدتني
أغرقُ في هذا الخرابِ و أتنصتُ لترجيع ما حاكتهُ الطبيعة لي في ساعةٍ
غامضةٍ .
ليليث
: جئتُ إذن في الوقت الذي تحتاجني فيه .
حام
: لم أطلبكِ .
ليليث
: بل طلبت .
حام
: كيف ؟
ليليث
: عندما أعطيتني هذا
)
تخرج منديلاً
( .
حام
: متى ؟
ليليث
: قربَ جسدِ أبيكَ المسجّى .
حام
: منديل أمي !
ليليث
: نعم .
حام
: قماشةُ التوتِ التي سترتَها .. هذا المنديل كان ورقةً في شجرةِ الجنةِ
.. و كان يرفُّ على ساريةِ سفينةِ سيدرا دليلاً للريح . هذا المنديلُ
نُقشتْ فيه الأوفاقُ السحريةُ و خرائطُ العالم .
ليليث
: و قلتَ انتظريني .
حام
: أذكر .. في مراسيم الدفن .
ليليث
: و ها أنا قربكَ .
حام
: الآن
!
ليليث
: و هل أنت نادم .
حام
: عندما رأيتُكِ في السفينةِ مع أبي كنتُ أنتظرُ نهايةَ الطوفان حتى أراك
بوضوح .
ليليث
: و ها أنا أمامكَ .
حام
: كنت أتقلب الليالي كلَّها ، هناك ، لم أكن أتخيل أن كلَّ هذه السحابةِ
البيضاءِ اللامعةِ بين يدي أبي و هي على مقربةٍ مني أسمع أنفاسَها و صوتَ
شعرِها و جسدِها .
ليليث
: إفعل ما تريد إذن .. أليست حياتُكَ أمراً نادراً لن يتكرر أبداً .
حام
: المرأةُ هي كلُّ ما أريد .. الجسدُ و موسيقاه .. الخللُ الذي ننفذُ منه
إلى الطبيعةِ و غبارِها العالي ، السماءُ الأمُّ الرماديةُ ماذا يمكن أن
تُقدِّمَ لنا غير امرأةٍ و أنفاسٍ تتصاعدُ هنا و هناك .
ليليث
: إنّ لك قلباً أرقَّ من الشذى فما عساك فاعل بأيامك دون أن تهب هذا
القلبَ أو تفتحَه لمن يدخلَ فيه .
حام
: لقد سوّرتُ جسدي بهذا السواد كي لا يرى أحدٌ جنوني بالمرأة و قد
تستّرتُ خلفَ شبقٍ كحوليٍّ كي لا يرى أحد تلك المرأةَ التي تنـزف طلعاً
في أعماقي .
ليلث
: تحبُّ الخمرَ إذن
!
حام
: و الجسد .
ليليث
: أيـُّها الشهوانيُّ المستور .. تعال إليَّ أداويكَ من عللِك كلِّها.
حام
: خلِّني و ترصدي هؤلاء .. تتهدل فيهـم شهواتُ الطمـعِ و الجنونِ و أنا
لا أملكُ سوى هذا القلب الذي يجرجر جسداً دميماً علَّقتهُ خطيئةٌ مقحمةٌ
عليه في السدومِ السوداءِ المعتمةِ .
ليليث
: حسناً لنفكَّ كلَّ هذه العقد أولاً ثم نلتقي .
حام
: بل تعالي ، هل نتأخر على هذا الخراب و أنا أمسّي بالخير كلّ ليلةٍ هذه
الشهواتِ الصاعدةَ من الأقدام .
ليليث
: بل الاثنان معاً شهواتُك و الآخرون .
حام
: كلُّها خرابٌ و تحايا .. دعينا نترقب هذه الصالاتِ المتآمرةَ على
بعضِها و ستجدين النذيرَ يتوغل فيها . لتلتمَّ كلُّ هذه الحشود أو تتفرق
.. لا فرق .
ليليث
: قف وراء هذا الجدار و تنصّت لهما و اجعل ، بعد كلِّ كلمةٍ ، صدرَكَ
يمتلأ كأساً فكأساً و لا تلِنْ أيها النبيلُ الأصل .
حام
: و عمّي ؟
ليليث
: يغويني كلَّ ليلة إلى فراشه و أنا أتعذر بالخجل و بالدمع عنه ، لقد
وعدني يا حام بالعرشِ و الإرثِ و لكنّ لي قلباً لا يخفقُ إلا لك .
حام
: و ماذا ستفعلين له ؟
ليليث
: سأغويـه و أجرُّهُ إلى مستنقعِ روحه ، لقد هيّأت له تابوتاً و أحضرت
سكاكيني .
حام
: لا .. لا .. لا أستطيع .
ليليث
: أنا معك .
حام
: جزاءُ ماذا ؟
ليليث
: جزاءَ فجورِه و تغنّجِه و اشتهائهِ العنيدِ لي .. و دم أبيك .
حام
: لا أستطيع .
ليليث
: إنني أتنفس في زبدِ أقدامِكَ و أُتون فضائكَ و أشعرُ بأني أغسل دمامتي
من فرطِ انهمارِ نورِكَ عليّ .
حام
: لم يكن في قلبي غير الهوى .. و لكم عزفتُ لسنينَ طويلةٍ على روحي أو
على وردةٍ في ضفةٍ أو على المطرِ أو النارِ أو الشجرِ أو السماءِ أو
العقلِ و لكن لم يحبني أحد . لقد شددتُ أوتار القيثارةِ تماماً و لكني لم
أتبادل مع العالم الأغاني .. لم يجبني أحد .
ليليث
: أقتله .
حام
: لماذا ؟
ليليث
: سيغتصبنا جميعاً يا حام .
حام
: سأفكرُ في الأمر .
كنت ألقطُ أحشائي و أحجاري و قبحي و أدفنه هناك بعيداً .. كي أُظهرَ
إنسانيتي الفريدةَ و لكي أدفعَ الانحطاطَ بعيداً عني لكنَّ مصيدةً مثل
هذه دائماً تُطبقُ على أصابعي فماذا أفعل لأصابعي هذه ..ماذا أفعل غير أن
أحررَها من سجنِها و جبنِها و غيرَ أن أدعَها تنحتُ مصائرَهم و تشقَّ لي
مصيري .
لابد لهذه الأصابعِ أن تفعل ذلك .. لابد لها .
) يدخل هام
(
) صوت ريح قوية
(
هام
: كيف يمكن لملكٍ أن يطوفَ شبحاً في هذه الخرائبِ و بهذا الجلال .. ألا
يحق له أن يقولَ شيئاً عن قاتله .. من قتلك ؟
ما أسرارُك .. أين وضعتَها .. أفي ألواحِ المعرفةِ .. أفي الرسومِ
الغريبـةِ التي تركتها في صومعتِـَك .. أفي الدوائـرِ و السهامِ و الرموز
.. ثم من نكون .. هل نحنُ أبناؤك حقاً .. أصحيحٌ أنكَ عقيم
! إذن من أين أتينا ؟ من عمّي ؟ ربما .. من أخيـك و
لكن كيف ؟ ثم من هذا الذي اسمه عمّي ؟
ماذا تعني كلمة عم ؟ ماذا يعني اسم عمرا ؟
أهي من العَماء .. أهي من العوم ؟.. أهي من العوم و العماء ؟ و لم لا
.. خرج من العماء عائماً عمّي هذا ليعمَّ و يعمينا جميعاً و يخطف كلَّ
هذا الجلال .
ثم من يقول أنّه عمّي ؟ أيكون أمي مثلاً ؟ يجتاحني إحساسٌ عميقٌ أمام
هذا الرجل بأنه أمي .. كم أتمنى أن أُعريَ صدرَه لأرى ثديين أرضعاني
طويلاً .. أتمنى أن أسدلَ شعرَهُ لأرى شلالاً أسود ظلّلني لسنوات مثل
غابة .. كم أتمنى أن أهتف بأصابعـه و أحررها من صمتها .. كم لا مستني هذه
الأصابع و كم داعبتني أصابعُ أمي .. ترى هل غسل الطوفان أعضاءَها فحولها
إلى عمٍّ ملتحٍ مدبَّرٍ محتالٍ .. أين ذهبت علامات أنوثتك المبهرة يا أمي
.. أيها الماء أعد لي أمي .. أيها الماء أعد لي ما يجعلها امرأةً تمنحُ
هذا العالمَ أنوثتَه و رقتَهُ أيها الماء أعدها .. أعدها .
ليليث
: لماذا طالت غفوتنا هكذا .. حشدٌ من الطيـورِ يخرج دائماً و نخرج معه ..
لا شك أننا توغلنا في الكثير و لم نمسك بشيء .
) يبدأ هام بالسير و القراءة في كفه
(
حام
: لماذا تتعفّنُ الأشياءُ واحدةً بعد الأخرى ؟ لماذا يـبتلي كلُّ واحد
منا بما حوله و لا ينصرف إلى جوهره .
يافث
: الغربانُ و السماءُ تضغطان عليَّ و أنا أحدِّق في البعيد و لا أرى ما
ينهار و ما يتكوم حولي .
ليليث
: هذه أشواقُ الأرانبِ أم أحزانُ الكروان .
هام
: أحبكِ .. و أموتُ كبلحةٍ أو سوسنةٍ و أتيهُ في القهقاتِ مادّاً إلى
الينبوع هذا الناي و تلك اليد .. الأصابعُ التي حيكت من الوردِ .. و
الفمُ الذي لا ينفتح إلا برحيق .
ليليث
: الدخانُ و الأسلحةُ تُتَبِّلُ هذه الخرافَ الجائعةَ و تقودها إلى
المسلخ
) تتحـرك كأنها ترعى الغنم مع الأخوة الثلاث
( .
حام
: إن حنانَكِ قاهـرٌ مستبدٌ و هو أكثرُ حبـاً لي من يدي هذه يا إلهي
لماذا تتفسخُ الزهورُ بهذه السرعة .
سيري .. سيري و خذي معكِ هذا الدجاجَ اللاهي .. خذي معك الأكاذيبَ ..
ماذا فعلنا لك يا أبي حتى تضعنا في كلِّ هذا.
هام
: خمسُ نجومٍ حولي ، الطفلُ طبلتي و مزمارُه كلُّ أحلامي .
يافث
: سترى البريـةَ مغسولةً بك و بي ذات يوم و مدججةً بهوانا و لكن أصلح
ميزانَك و أعتدل .
هام
: لماذا اتخذ الموتُ شكلَ الصقورِ الخاطفةِ ؟
ليليث
: أيّها الراهبُ المتفاخرُ بتجنيزِكَ هذه الآفاق .. متى تُراني صوبتُ
إليك و تقدمتُ أخوضُ في دموعي إليك لترقى .
هام
: برودةُ الشفتين أم قسوةُ القلب هذه .. أنتم تزينون الموتَ ببساطةٍ و
تحشدونه في المسافات الصغيرة .
ليليث
: تعالوا يا أعزاء الروح و اطووا المسافات التي بينكم .. ينفجـرُ من
الأعلى هذا الغسـقُ بنا و تنفجـر طرقُ السماءِ و يصفِّقُ الحجـرُ ،
احفظـوا خصوماتكم و اتحدوا في المسـرى و لنقل إن هذا البلاطَ أو هذا
الصراخَ أو هذا البحرَ يتعطلُ في حناجرِنا و يغوصُ ، لقد تفتت الزجاجُ في
كلامِنـا و طوى بيدرُ الوردِ شراشفَه .
حام
: لماذا أنت السيـدُ و أنا تابعك ؟ .. لماذا أنت قبلي و أنا بعدُك ؟
لماذا أنت البحرُ و أنا الخشبة ؟ لماذا أنت خلاصي و أنا لست خلاصَك ؟
ثم من قال أن الميتَ يُخلِّصُ الحي .. أليس من المنطقي أن الحيَّ
يخلِّصُ الميتَ .. هل نتبعُ أمواتاً و لا ندري ؟
ليليث
: ثمة قيمٌ مرهقةٌ يحملها الإنسانُ فتحني ظهرَه و تُفني شبابَه ، ثمة
آمالٌ لا تتحققُ و لكننا لا يمكن أن نعيشَ بدونها ..
لا شك بأني وضعتُ في عقل كلِّ واحدٍ جرثومةً رائعةً ستتكاثرُ و تكبرُ
و تدبِّرُ لهم عقولاً جديدةً ستُميلُ هذه الرؤوسَ المستقيمةَ و تجعلها
تدورُ و تدور .
الآن أبدأ لعبتي .. الآن أبلبلُ ألسنتَهم .. و أفرقُ كلامَهم . أن
أجعل كلَّ واحدٍ منهم بلسانٍ يختلفُ عن الآخر و سيصعب عليهم التفاهمُ و
الحوار ، وعندما ينقطعُ الحوارُ بين الناس يصبحون أشراراً و عندما
يستقلُّ كلُّ رأسٍ بكلامه يصبح الناسُ حيواناتٍ تريد أن تأكل بعضها .
فلتتبلبلُ الألسنُ بين هام و يافث و حام و لينسحب كلُّ واحدٍ إلى فمه
يختبئ فيه و يكلِّمُ نفسَهُ فقط .
المشهد السابع
بلبلة الألسن
كلُّهم يستحقون الهاوية .. كلّهم
)
مشهد بلبلة الألسن ثم مصرعهم و جنون هام
(
يافث
: لم تعد الأيدي كاملةً .. سقطَ عظمُ الساعدِ .. و سقطت بعضُ الأصابعِ ..
ماذا تبقى ؟.. الذاكرةُ تحترق بنارٍ و تنهش الجسدَ .. ماذا دهى أحلامَنا
؟.. أين ذهبت ؟
هام
: أين الفم ؟.. في الطعام
!..
الفم في الطعام .
حام
: ألم يكن الطعام في الفم
!
هام
: أين المعرفة ؟
يافث
: تحت الأظافر .
هام
: لقد هلك بشرٌ كثيرون فانحدرنا .. تعال و قف بقربي .
يافث
: خذ .
) يبدأ التفاهم بينهم يزداد صعوبة و يبدأون
بحركات تدل على هذا
(
هام
) يرفع يده
( : ما هذه ؟
حام
: ديك .
يافث
: قمر .. أعني .. أعني رمح .
حام
: أعني رماد .
هام
: لا .. هذه وردةٌ من دمٍ شاخت و تعطلت .
فيما مضى كنا نعرف جميعاً اليدَ و كنا نختلفُ فكيف بنا الآن ؟
كلما ضحك الجلادُ اشتدت يدُهُ و خرج دمٌ كثيرٌ من الناس ما هذه
) يرفع يده
( .
حام
) يتأتئ بصعوبةٍ و لا يستطيع الكلام
(
يافث
) كذلك
(
حام
: حسناً .. حسناً .. من أنت ؟
هام
: أنا .. أنا .
يافث
: لا أعرف و لكن قلادتي تقول أن اسمي ي.ا.ف.ث
و من أنت ؟
حام
: أنا هو أنت .. لماذا تصرخون .. لقد رقد الجميع في مربعِ الورودِ .. يا
له من مربعٍ حقير . الورودُ كؤوسُ الدمِ .
ماذا يمكن أن يكون هذا ؟ في أيِّ زمانٍ نحن ؟
هام
: ماذا يمكن أن تكون صلتُك بي ؟
حام
: قتيل آخر .. غريق آخر قرب الحَمام .. ح.ا.م
هام
: و أنت ؟
حام
: ما الذي تريد معرفته .. قتلى و رماد .. ضحايا .. آثارُ سفنٍ غارقـةٍ ،
هل كانت سفينـةً واحـدةً .. لا أصدق .. دخانٌ و حديدٌ يضربون البيوت أعني
مطر .. سيدرا
هام
: مات .. من منـا .. أنا أم أنت .. أُحسُّـكَ أنت على يدي و أنا على قرنِ
الديك .
حام
: لا فجرَ بعد اليوم .. لا كهنةٌ .. لا مصلون .. صوتٌ أجشٌّ يخرج من
الرماد .. ماذا يعني هذا الدهاء ؟ ماذا يعني وجودَ حراسٍ كثيرين سوى
الخوف .
هام
: دم .
يافث
: رماد .
ليليث
: استسلمي لي أيتها الأرواح .. و اصعدي معي السفينة ثانيةً و لندهشَ هذا
الزمانَ بما فينا من هياجٍ و نارٍ .. ماذا يمكن لنا أن نقولَ سوى هذه
الجملةِ الذاهبةِ إلى الموت ؟ هل يمكن للعالم أن يهدأ بعد الذي حصل .
يافث
: دمٌ .
هام
: دمٌ .
حام
: دمٌ .. دمٌ يحوم .. مَنْ حام ؟
يافث
: كل مرةٍ نقول و نتغلغل في هذه الكلمات و نغرقُ في دمِ هذه الأصوات .
) يظهر عمرا وسط بلبلة الألسن هذه
(
عمرا
: المستقبلُ دائماً هو القبر .
ليليث
: أنظر يا عمرا كيف نوّعتُ الحياةَ .. الشكلُ الواحدُ مقيتٌ و لا يعني
شيئـاً .. خذ مثلاً لماذا تختلف هذه الشجرة عن تلك و الاثنتان لا تصلحـان
إلا حطبـاً و لماذا الحيوانات مختلفـة و الزهور و الطيـور .. لقد أردت أن
أنوّع الإنسان بتنوع لسانه .
عمرا
: بل حفرتِ قبورَهم في أفواهِهم .
ليليث
: و الآن تعال يا حام ..
لقد تساقط تفاحٌ كثيرٌ من السماء .. وقد خمّرتُه لك فصار خمراً شهياً
.
حام
: أنتِ إذن سيدةُ الكأس
!
كان اسمك ننكاسي
!
) يرتعب حام و يتراجع متذكراً خطيئته مع أبيه
(
ليليث
: خذ يا حام و اشرب .
حام
: إذن هذه هي التي شرب منها أبي فتعرى فرأيتُه فعاقبتي فمسخ شكلي .. هذه
هي سببُ العقابِ .
ليليث
: و قد تكون سببَ الشفاءِ .. خذ و اشرب .
حام
: سأشرب
) يأخذ الكأس من يدها و يشرب
(
كيف تفسرين أحوال السكران يا ليليث .
ليليث
: إن أباك اخترع زراعةَ الكرومِ فلما طلعت شجرةُ العنبِ سقاها أولاً بدم
طاووسٍ فشربتهُ ، فلما طلعت أوراقها سقاها بدم قردٍ فشربتهُ ، فلما أثمرت
سقاها بدم أسدٍ فشربتهُ ، فلما ظهرت أعنابُها سقاها بدم خنـزيرٍ فشربتهُ
، و لهذا تعتري السكران هذه الأوصاف فأول ما يشربها و تدب فيه يزهو
كالطاووس فإذا مشى صفّقَ و رقصَ كما يرقصُ القردُ ، فإذا قوى عليه
السُكرُ عربد و زمجر كما يفعل الأسدُ ، فإذا أخذه السكر طويلاً نعس و طلب
النوم كما يفعل الخنـزير .
) أثناء ذلك يقوم حام و من معه بتقليد حركات
هذه الحيوانات الأربعة و عندما ينام حام يغطي وجهه بالمنديل فتطعنه ليليث
و يموت
(
عمرا
: لقد قتلتِهِ يا ليليث .
ليليث
: تدبرْ أمر يافث و اقتله قبل أن يقتلك .
عمرا
: هيئي لي مقتلَه ..
كلُّهم يستحقون الهاوية .. كلُّهم .
صفوةُ البشرِ .. صفوتهم .. كانوا معي يصطفون في السفينة ، كيف .. كيف
أُثبتُ هذا لسيدرا و لأبنائهِ .. كيف يمكن الآن أن أُريه بأن بعضَهم كاد
يثورُ عليه و يقتله و هو في السفينةِ ؟ لقد رأوه هناك لاهٍ عنهم بعشيقتِه
.. لقد رأوا فحيحَهُ الليليَّ معها .. رأوا عُريـه و صراخَـهُ و شخـيَرهُ
.. لقد اتصلوا بي و حرضوني عليه .. قالوا ما نفع هذا الشيخ إن لم يكن
معنا في المحنةِ .. لا يسامرُ .. لا يتكلمُ .. يلهو مع صاحبتِه و كأن
الله لم يعتن بأحد غيرهما .. كانوا يتهامسون في الليل و يملأ عيونَهم
الغضبُ .. امتلأت الدببةُ غيضاً .. و توقف تناسلُ الكائنات في السفينة من
فرطِ الخوفِ و المصيرِ المجهولِ .. لكن سيدرا وحده كان يتناسل و يزداد
بهجةً و قوةً .
وحده كان يمارس سعادتَهُ .. أما نحن فقد توقفت سعاداتُنا .
ليليث
: سأستدرجه لك ..
) باتجاه يافث
( : تعال أيها العزيز يافث و استمع إليّ لقد تدبرت
لك كلَّ شيء و لم يعـد المُلكُ إلا على بعد أصابع منك .. لقد حرَّكتُ
سلاحفي و عقاربي و الوطاويط لأجلك كي اضبطَ فوزَك بالمُلك .
تعرّيتُ أمام الشيطان نفسه .
تعال أيها الأسد اللذيذ .. اللاسع بسطوته قلبي .. تعال وانطرح هنا
لتكتمل ترقيتُك و لينفذ السحر الذي أعددته لكَ في أعدائك و لتفُز وحدَك
بالأرض .
) ينطرح يافث
(
و الآن أغمض عينيك و تفرّس ملياً في أعماقِك بكنوزِ الأرضِ التي
ستؤولُ لكَ و لِنسلِكَ من بعدِك .. تفرّس جيداً و سترى الغاباتِ و
الجبالَ و المناجمَ و العبيدَ و الحقولَ و القصورَ .. تفرّس جيداً .
) يغمضُ عينيه بعمق و تبدأ ليليث باتخاذ صورة
الساحرة فتخطط بأصابعها على جسده و أثناء ذلك يأتـي عمـرا و يضع يده عليه
بدلاً عنها و يبدأ هو بتخطيط جسده بينما يافث نشوان بأحلامه
(
ليليث
: تفرّس جيداً .. جيداً .. جيداً و ستـرى دماؤك تملأ الآفاق .
) يطعنه عمرا فيموت
( .
المشهد الثامن
انتظار الطوفان الجديد
أقوامك باعوا أنفسهم للشيطان
هام
: وردةُ العقلُ يابسةٌ .. وردةُ العقلِ لا تفوح .. عطّلتها هذه
الأيادي و عطّلها هذا الفمُ و تكدّست أهراءٌ و أهراءُ حتى غطّت
النفوسَ .. لماذا نحنُ هنا ؟
ألم يسأل أحدٌ نفسه بأية حجةٍ و أيةٍ صُدفةٍ يوضع الإنسانُ فيما يوضع
و يتأبط مصيرَه و يذهب إليه باحترام .
لماذا نحنُ هنا ؟
ما الذي تعنيه هذه الحشود التي تتبدلُ كلَّ عقدٍ من السنواتِ تشبُّ
ثم تفنى .. ما الذي يعنيه اختراقُ نسلِ الإنسانِ لملايينَ من السنين في
ولادةٍ و موتٍ متصلين .. ألا يبدو الأمر مضحكاً .. لماذا .. لماذا ..
لماذا ؟
لماذا لا يقف الدهر عند إنسان واحد .. أنا .. أنتَ .. هوَ لم لا
يتكاشف معه و يقبضان على المعضلةِ .. يفتحان جميع الأوراقِ و الأسرارِ ثم
يتحدان و يأتي الخلود .
لماذا نحنُ هنا ؟
أبٌ مذهلٌ تختـارهُ الطبيعـةُ ليكون مخلّصَ البشريةِ من آثامهـا و
غضبِها تغتاله يدٌ آثمةٌ بعد أن فعل كلّ هذا و وضعَ تاجَ الحياةِ على رأس
الإنسان .. يدٌ قذرةٌ مست الطين و الهواء و الماء الآسن تحط على قلبٍ ما
مسه طين و لا هواء و لا ماء هل يمكن للعالم أن يهدأ بعد هذا الذي صار .
منطلقاً نحو مصيري مثل السهمِ .. أجرجرُ ذبائحَ غاليةً مثل العقل و
اللسان .. كلّها فقدتها .. كلّها تمزقت ، منطلقاً نحو مصيـري مثل السهم
.. أُرتّبُ جمـلاً لأعيش أُرتّبُ مَلقاً لأعيش .. يا لعاري .
أين أنتِِ يا أهوالُ .. ماذا تبقى بعده ؟
و هؤلاء .. أليسوا اخوتي .. قتلتهم الأهواء و داست عليهم خيولُ
رغباتِهم المرّةِ .. لم أعد أملك من هذه الدنيا سوى هذا الخُرج الذي أضع
فيه كتابَ أبي و حكمتَه .. فيا ويحي إن فقدته .
ليليث
: الحمامةُ كانت امرأةً أضاعت أختها .
هام
: إذن فقد كانت تبحث عن أختها عندما أطلقها أبي .
ليليث
: و لذلك لم تعد .
هام
: بينما عاد الغراب .
ليليث
: لأنه لم يفقد أحداً .
هام
: أما أنا فقد فقدتُ أبي و اخويّ .. و ها هي أجسادُهم تلفها خيوط الدم .
ليليث
: لنرى ما يمكن أن نفعلَه .
هام
: ماذا نفعل و الجميع ذهبوا و عمي من حفرة يتآمر و يزِّفُ نشيداً أجوفَ
عن الفضيلةِ .
لا تميمتي و لا خواتمي و لا أسراري تكفي لأن أمسكَ الطرقَ أو أعيد
ترميمها و لا الجنونُ بكافٍ أمام ما فعلناه .
ليليث
: هل استسلمت بهذه الطريقة ؟.. هل ضاعت الأبدية منكَ و أنت تنبشُ في
الترابِ عن خرزِك و حصاك .
هام
: و هل تستطيعُ يدي الضعيفـةُ هذه أن تعيد الأشياءَ إلى مكانها .. و هل
نستطيع أن نتفرس فيما هو حقٌ و باطلٌ حتى يرتفع الخيرُ إلى الأعالي و
يتساقطُ حولَه كلُّ شرّ .
هل تستطيـع يدي المترددة هذه أن تحسمَ قلقاً استبـد بروحي و نال منها
.
لاشك أن أفضل ما يمكن أن أفعله هو أن أتفحصَ هذا الكتاب .
ليليث
: أين هو ؟
هام
: في قلبي .
ليليث
: دعني أقدِّمُ لك ما يجعلك أفضل لكي تقرأ برويةٍ و تعرف ما فيه .
هام
: كيف ؟
ليليث
: يداي . خذ يديّ وضع بينهما كتابَكَ
) يُخرج الكتاب و يضعهُ بين يديها
(
و الآن .. سأشمُّ
بعد قليلٍ
دخانَ
عقلِك
و سأرى رأسَكَ
المشتعلَ
بالقلقِ
و المعرفةِ
يحترقُ
أمامي .. و تذهب عيونُك
إلى حيث تسعى ، حولَك ستتساقط النيران و لن يمسّك غصنٌ سوى غصن الجنون ،
هذا الكتاب هو عقلُك .. أَما و أنه الآن بين يديّ فلا عَقلَ لك .
هام
: هنا تكاد القُلوعُ تسقطُ و تكاد السفينـة تغطسُ من جديد و تُشعلُ
الغرائز و السحبُ جسدي ، ماذا سيكون عليّ أن أفعل و أنا أحسُّ بضعف
الفريسة في داخلي .
أزهرةٌ سامةٌ .. أم زهرةٌ تُبلبلُ الطبيعةَ
!
ثورة الدمِ و الغبارِ حيث لا غبارَ و لا دم .
) يُجنُّ هام و يمسك قصبةً و يضعها بين رجليه
كأنها فرسٌ و يقفزُ و يردد الكلمات التالية
(
البهلول .. البهلول ، أنا البهلول
الباحثُ عن الإنسان
في كلِّ فجرٍ أركبُ فرسي هذه
و أبحثُ عن الإنسان .. فلا أجده
كم أود أن أجدَ الإنسانَ الإنسان
في كل فجر أبحثُ عنهُ
و مازلتُ ..
ليليث
: بينما تغوصُ مراكبُ الذهبِ إلى أعماقِ النسيانِ أصعدُ أنا بمركبي إلى
الأعالي .. سأدفن تحت يدي هذه الحشودَ التي أبادتها الفتنُ و نزعاتُ
المُلك .
عمرا
: لي هذه الأرض و لكِ هذا الكتاب .
ليليث
: المجدُ الوحيدُ على هذه الأرض .. الخرافةُ الكبرى اللذيذةُ التي تفكُّ
متسعاتهُا قبضاتِنا .
هذه العطورُ المجرجرةُ في الثنايا .. و هذه الرغباتُ التي تتقافزُ
مثل الأرانبِ .
ما هذا .. شمسٌ أم ليل .. ما كان أحلى قلبك و قلبي و نحنُ نشطبُ على
نسل الإنسان .. كم من الأشياءِ أتلفنا و كم من الأشياء تساقطت لوحدِها
فرط تهرؤها ..
دُمْ لي .. دُمْ لي أيها الوردُ المسمومُ .. دُمْ لي أيها المتآمر
الصغير .
) يفتحان الكتاب و يقرآن .. تحاول ليليث أن
تقرأ فلا تستطيع قراءة شيء
(
ليليث
: ما هذا .. لا أعرفُ بأيّةِ لغةٍ مكتوبٌ هذا السِفر .
) تقلب .. تقلب الأوراق دون جدوى
(
تعال .. تعال يا حبيبـي .. تعال انظر .. انظر فيه ، إنها لغةُ آبائك
.. هذا الكتاب كان يقرأ فيه أخوك و لاشك إنك تعرف هذه اللغة .. اقرأ .
) يحـاول عمـرا .. أن يقرأ .. لكنه لا يعرف
قراءة الكتاب
(
ليليث
: حتى أنت لا تعرف قراءَتهُ .. ما نفعكَ إذن ، لقد أبقيتك معي حتى تقرأ
لي ما في عقلِ الإنسانِ و معرفته حتى أسيطر على ما تعلمهُ سيدرا من
الحكمة ..
استخدمتك عبداً لي .. و ضربتُ بكَ أبناء أخيك ، و الآن لا فائدة منك
.
عمرا
: لأني أحبُّكِ يا ليليث و شريككِ في كلِّ شيء .
ليليث
: أتطمعُ في لثمِ يدي و تقبيلِها .. تعال إذن .
) يحاول قتلها فيتصلب في مكانه
(
عمرا
: ليليث .. ترابٌ .. ترابٌ يسري في عروقي و الليل يمشي في دمي .. ليليث
ما هذا الذي فعلتِه .. لقد تحولت قدماي إلى حجرٍ .. و ها هو الحجرُ يصعدُ
إلى صدري و يدي
حجرٌ .. كلّي حجر
ليليث
: الأرضُ شجرةٌ من طين .. الإنسانُ نبتُ من طين و أنتَ معلق في جذع هذه
الشجرة مثل غصنٍ من طين .
عمرا
: إنني أتحجرُ و أنمسخُ .. إنني صنمٌ أصم .. أتفكَكُ إلى قطعٍ من حجرٍ و
لحمٍ و ترابٍ و عظام .. ما هذا .. قلبي ، كبدي رئتاي يغزوها الحجرُ .
ليليث
: عد إلى أصلك .
عمرا
: و يدي .
ليليث
: يدك هذه .. يد الخيانة .. كانت تستطيع أن تفعل شيئاً عندما كانت يداً
.. أما الآن فلتتحول و ليبقَ رأسُكَ شاهداً على فجيعتِك .. انظر كم أبدو
حرّة ناهضةً قويةً .. أما أنت فمقيدٌ بطينِكَ .
عمرا
: لم يعد لي سوى فمٍ و عينين .
ليليث
: فليخرسْ فمُك و لسانك إلى الأبد .
عمرا
: أريد أن أعرف و.ا.ق.و.ل ا.ح.ر.ق.ن.ا ... ا.ن.تِ
ليليث
: و الآن عدتَ إلى أصلِك .
و هذا الكتـاب من سيقرأه لي .. خذ .. خذ يا هام اقرأ لي شيئاً ..
اقرأ لي سطراً .
) هام مشغولٌ بقصبته ..
(
هل فقدت عقلكَ كلَّه .. ماذا أفعل .. حسناً .. هذه كلمات متناثرة فيه
أعرفها ..
قاف – واو – هاء – الوحا – عرج – بروج – هطول – هيكل – لامك – كون –
هسيس – آن – إنكي – سبعة – واحد – تسع و عشرون – نون
) مع قراءة هذه الكلمات تفقد ليليث بصرها و
تفـرك عيونها و تستمر بالقراءة بصعوبة .. ثم بصعوبة أشد ثم تبدأ بالصراخ
(
عيناي .. عيناي ، ماذا دهى بصري ، ماذا فعلَ هذا الكتابُ الكنـزُ هذا
الكتابُ السيدرا بهما يا إلهي .. كيف طوت هذه الكلمات بصري ، لماذا طرد
كتاب المعرفة عيوني و ماذا سأفعلُ و أنا عمياءُ هكذا ، سيعمى معـي نسلُ
الشياطينِ كلُّه .. كلُّه و ستتساقط كائناتُ الظلامِ ما الذي حصلَ و كيف
؟ ما لهذه الآفاق اسودت و سقط النورُ من السماء جريحاً يتلوى .
) إظلام متدرج .. ثم إظلام كامل .. ثم
تظهر ليليث وهي عمياء بين الجثتين و المجنون و الممسوخ .. تتلمس ما
حولها
(
هل يطيرُ الجلدُ .. لقد طارَ جلدي .. هل يطيُر الشَعرُ .. لقد طارَ
شعري .. هل تطيرُ العيـون .. طارت عيوني .. أين الكلامُ .. الحروفُ ..
اللغةُ .. أين كلامُ الإنسانِ سيدرا .. أين حروفُ الشيطانِ .. أين كلامُ
الحيوانِ .. الكلامُ الذي أعرفه ها هو يتطاير .. أين كلام النبات .. ها
هو يتطاير .. أين كلام النار .
يدي هذه أم يدُ الطوفانِ .. يدي أم يدُ الموقدِ.. ليس هناك ما يدل
على شيء .. طوفان الدماغ .. طوفان الشوارع .. طوفان الدود .. طوفان
الأيدي .. ما الذي سأنتظرهُ و النهار اتّسخ بل غاصَ بعيداً في المدائن
التي دفنها الماء .. ما سرّ هذا الخلق الكثير الذي لا يموت .
عيوني ، إني أرى الآن بأقدامي .. و أرى بذلك الغراب و أرى بالجثث ..
الميتون ينظرون إليّ .. و ها هي حواسّي تنهزم واحدة بعد الأخرى
الشمسُ سوداء
من يستطيعُ دفع هذا و من يستطيع أن يتخبط في عريه و في جنونه بهذه
الرشاقة ..
) يظهرُ صوتٌ مسجلٌ على شريط صوتي
(
سيدرا
قمْ يا سيدرا من قبركَ
قمْ ثانيةً فالأرضُ خرابٌ و شظايا
أقوامُك باعوا أنفسَهم للشيطان و باعوك و باعوا النور
أقوامك باعوا الإنسان .. أندرَ زهورِ الكونِ و أحلاها
قم يا سيدرا .. قم ثانيةً و ابنِ سفينتِك و احكمها
فالطوفان وشيك و الأرضُ ستغرقُ
و سنغسلُها من أدرانِ البشرِ
سنغسلها من نسل الإنسان الكاره للإنسان
قُمْ و ابنِ سفينتِك و احكمها
سنغسلُ هذي الأرضَ من الإنسانِ الشريرِ
قم يا سيدرا .. قُمْ
) يظهر سيدرا و هو يدق مساميره في جزءٍ ظاهرٍ
من سفينتـه و تختمُ الطرقات بصوتها القوي المسرحية
( .
ختام
هوامش و إشارات
لعلّها المرة الأولى التي أقدِمُ فيها على نشر نصوصي المسرحية في كتاب
فقد كنت عزوفاً حتى عن نشرها في صحيفةٍ أو مجلةٍ لإيماني الكامل بأني
أكتب نصوصي المسرحية لكي تُمثّلَ و تعرض لا لكي تحفظ ، كنصٍّ أدبي فقط ،
في مجلةٍ أو كتابٍ ، و لكني الآن و بعد أن كتبتُ للمسرح اثنتي عشرة
مسرحية ، عُرضت جميعها على المسارح العراقية و العربية ، أدركتُ ضرورة
توثيق هذه الأعمال في كتبٍ تعمل على حفظها و تداولها .
لقد كنتُ أكتب نصوصي المسرحية لكي تمثل و تخرج ، و كنتُ أعيش أثناء عملي
في دائرة السينما و المسرح في بغداد بين أصدقائي المخرجيـن و الممثلين و
الفنيين لأتعلم منهم حرفيات العمل المسرحي ، فقد علّمني هؤلاء الكتابة
للمسرح . و رغم أني جهّزتُ نفسي بعدةٍ أدبيةٍ و شعريةٍ جيدةٍ قبل الكتابة
للمسرح إلاّ أنني لم أفرض شروط الأدب و الشعر على المسرح و إلاّ لفشلت ..
بل خضعتُ لشروط المسرح و وجدتْ نصوصي طريقها مباشرةً إلى خشبة المسرح بعد
أن كان المخرجون ، بشكل خاص ، يعملون على وضعها في سياق الإخراج المسرحي
.. حتى أصبحتُ أكتب ، بعد ذلك ، نصوصي كـ
)
نصوص عرض
(
رغم أنها تحمل طاقة الشعر و عنفوان اللغة .
أعتقدُ أن أعظم ما يحدث للشاعر هو أن يدخل عالم المسرح فيؤلف له ، و
أعتقد أن القلّة القليلة من الشعراء الذين حظوا بهذا الشرف كانوا محظوظين
تماماً ، فلا شيء يعادل كتابة الشعر و المسرح معاً .
لقد أدخلني الأصدقاء المخرجون الرائعون تدريجياً إلى هذا العالم الساحر
بعد أن كنتُ أخشاه فرط تقديسي له و خوفي من أن أُثقل عليه .
و ها هي فرصة نشر هذين العملين المهمين في تاريخ أعمالي المسرحية تحين
أملاً في نشر النصوص الأخرى تباعاً .
و تعود فكـرة جمـع هذيـن العمليـن
)
هاملت بلا هاملت
(
و
)سيدرا(
في كتابٍ واحدٍ إلى تقارب مناخيهما و إلى الجذور الشكسبيرية لهما .. رغم
أن
)
هاملت بلا هاملت
(
تعود إلى بداية كتابتي للمسرح فيما تعود
)
سيدرا
(
إلى وقت قريب من الآن .
أما على صعيد الإخراج فقد قدّم المخرج المبدع ناجي عبد الأمير مسرحيـة (
هاملت بلا هاملت ) في مهرجان المسرح العربي في بغداد / آذار 1992 ثم على
قاعـة مسـرح الرشيد في 20/5/1992 مع نخبةٍ مبدعةٍ من الممثلين المسرحيين
العراقيين في الفرقـة القومية للتمثيل و هم ( هيثم عبد الرزاق ، إقبال
نعيم ، رغد أحمد ، كنعان علي ، خالد علي ، كريم محسن ، حياة حيدر ، فارس
دانيال ) .
ثم قدمها المخرج ناجي عبد الأمير بثوبٍ جديدٍ في دمشق منتصف عام 1997 على
مسرح الحمراء مع نخبةٍ مبدعةٍ أخرى من الممثلين المسرحيين السوريين في
الفرقة القومية للتمثيل السورية .
أما مسرحية ( سيدرا ) فقد قدّ مها المخرج الدكتور خليل فاضل على مسرح
الرشيد في 31 / 3 / 1999 مع نخبة من الممثلين العراقيين لحساب فرقة كلية
الفنون الجميلة و هم
)
عزيز خيون ، ميمون الخالدي ، إقبال نعيم ، هيثم عند الرزاق ، فيصل جواد )
.
ثم قدّمها الدكتور فاضل خليل مرة أخرى في أيام عمّان المسرحية السادسة
على مسرح المركز الثقافي الملكي في عمّان منتصف نيسان 1999 لحساب فرقة
المسرح الفني الحديث ، ثم عرضت المسرحية في بيروت و القاهرة و تونس .
إشارة حول التقديم
أشعـرُ بسعـادةٍ بالغـةٍ و أنا أضـع تقديم الأديب العربي الكبير
)
جبرا إبراهيم جبرا
(
رحمه الله في بداية هذا الكتاب .
و لهذا التقديم قصةٌ طريفةٌ لابد من ذكرها ، فقد توافق أول عرض لمسرحية
)
هاملت بلا هاملت
(
مع مهرجان المسرح العربي الثاني في بغداد
)
آذار 1992
(
و كان من تقاليد المهرجان أن يقدم أحد النقاد أو المعنيين بالمسرح الحديث
نقداً عن العروض التي تعرضُ مساءً ، و ذلك صباح اليوم التالي لها في
قاعـةٍ مزدحمـةٍ بالجمهور و المتخصصين ، وقد وضعت لجنة الجلسات النقدية
أحد الأساتذة الأكاديميين ليقدم عرضه النقدي عن مسرحيتي ، كان ذلك قبل
ليلة عرض المسرحية ، فلما عرفتُ بذلك طلبتُ من اللجنة أن تضع الأستاذ
جبرا إبراهيم جبرا لينقد عملي المسرحي فوافقوا شرط أن أبلغه بذلك ، و
ذهبتُ إلى الأستاذ جبرا و كان خارجاً للتوّ من مسرحيةٍ في قاعة الرشيد و
عرضت الأمر عليه فقال لي :
إنكَ شاعرٌ جيد فمالكَ و لهذه الورطة ، أعوذ بالله هاملت بلا هاملت !!
كيف تريدني أن أحضر عملاً كهذا ، ألا تعرف يا خزعل أنني ترجمتُ اغلب
التراجيديات الشكسبيريـة إلى العربيـة و معها دراسات كثيرة ، و أن مسرحية
هاملت طبعت للمرة التاسعة و العشرين فرط انتشارها بين الناس فكيف تريدني
أن أرى أعزّ الأعمال على نفسي بطريقة أخرى و هكذا : هاملت بلا هاملت !
ماذا أبقيت إذن .
فقلت له : لهذا السبب أتيتك يا سيدي فأنت أكثر الناس اليوم قدرةً للحكم
على هذا العمل ، و أنا لا أخاف من حكمك بل أراه يضيء لي طريقي في الكتابة
المسرحية مهما كان اتجاهه معي أو ضدي .
فأطرقَ جبرا و قال لي : هل أنت مصرٌّ على ذلك ؟
قلتُ : إلى أبعد ما تتصور .
فقال : حسناً متى موعد العرض ؟
قلتُ : غداً .
فقال : غداً نلتقي إذن .
و في اليوم التالي كنتُ أرى الأستاذ جبرا ( مع عائلته ) يأخذ مكانه في
صالة العرض ، و بعدها بيوم كان يتصدر الجلسة النقدية المخصصة لمناقشة
المسرحيـة و يقرأ التقديم الذي يتصدر هذا الكتاب .
هاملت بلا هاملت
المشهد الأول
: يُحدث موت هاملت أول شرخٍ في جدارِ الجريمةِ التي اقترفها عمّهُ و
والدتهُ ، فيضرب هذا الموت عاطفة الأمومة التي تقبع في أعماق الملكة و
يتصدع هذا الجدار .
المشهد الثاني
: الأثـر الثاني المهم لموت هاملت يظهر على أوفيليـا ( حبيبـة هاملت )
التي تمثـل في هذا العمـل النقاء و الصفاء حتى النهاية .
المشهد الثالث
: الأثر الثالث يظهر في هروب هوراشيو (صديق هاملت ) من المملكة ِ بعد أن
يتوقع خراباً لهذه المملكة التي بدأت تعصف بها رائحة الموت .
المشهد الرابع
: تتقابل الأم و أوفيليا في مشهد هو أقرب إلى الاعتراف و تتحول صورة غرق
أوفيليا في النص الشكسبيري إلى صورة غرق هاملت في نصّنا و هكذا كأن
الموتَ ينعكسُ في ثلاث مرايا متقابلة .
المشهد الخامس
: يبدأ من هذا المشهد تصفية الخطاة ، فالخطيئةُ تجرُّ الملكة إلى حتفها
على يد عمّ هاملت بعد أن يزعجـه قلقهـا و كلامها .
المشهد السادس
: تنتعشُ شهوات ليرتس بعد أن يعرف أن أجداده كانوا هم ملوك الدانمرك
فيقتل الملك الجديد عمّ هاملت ، ثم يقتل والده عمداً ثم يصبح هو الملك .
المشهد السابع
: ينهار ليرتس و تقوده جرائمـه إلى حفّار القبـور و يستسلمُ هناك لقبره ،
فيدفنه الحفّار مع الآخرين .
و تبقى أوفيليا شاهدةً على شهوات الموت المتطاحنة و كذلك يبقى حفّار
القبور يهيئ دائماً القبور الجديدة لمن يسعى إليها .
سيدرا
سيدرا : هذا الاسم مشتق من اسم الحكيم السومري ( زيوسيدرا ) الذي يعتبر
بطل قصة الطوفان السومرية ، فهو نوح السومري الذي افترضنا أن له ثلاثة
أبناء هم ( هـام ، حـام ، يافث ) و هم أقرب إلى أسماء أبناء نوح
الحقيقيين ، و لكننا في المسرحية أعطينا لسيدرا بعض شخصية الملك (لير)
عند شكسبير و الأبناء الثلاثة له في مقابل البنات الثلاثة إذ أن أكثرهم
إخلاصاً له هو الابن الأصغر ( هام ) كما كانت البنت الصغرى للير .
أما ( حام ) فيقابل ( عطيل ) فهو أسود اللون و يعاني من هذا الأمـر
كنـوعٍ من العقـابِ الذي أنزلـه به ، في حين يقابل ( يافث ) شخصية (
ماكبث ) عند شكسبير في طموحه للمُلك ، أما ( هام ) فيقابل ( هاملت ) فهو
الشخصية البريئة الرومانتيكية القلقة .
و قد جمعنا في شخصية ( ليليث ) كلّ بطلات شكسبير التراجيديـات فهي (
الملكـة غرترود و أوفيليـا في هاملت ) و هي ( دزدمونة في عطيل ) و هي
)
الليدي ماكبث في ماكبث ) ، و ليليث في التراث السومـري هي شيطانة الليل
التي تغوي الرجال فجعلناهـا ملتقى النسـاء بصفاتها الجميلة و الشريرة . و
قد اتخذنا من حادثة الطوفان محوراً للعمل في مقابل ( العاصفة ) عند
شكسبير . و هكذا فمن الواضح أننا أعدنا تركيب التراجيديات الشكسبيرية في
أسطورة أو ملحمة سومرية / سامية قديمة و تحركنا وفق تصورات جديدة ..
لنقول ببساطة أن العالم الذي حاول الطوفان أن يغسله من الشرور مازال
متسخاً و نحنُ بانتظار طوفان جديد .
المشهد الأول
: يظهر موكب ما بعد الطوفان مباشرة و هم يحملون رفات آدم و حواء ليعيدوا
دفنهما في الأرض الجديدة .
المشهد الثاني
: يقرر سيدرا توزيع الأرض على أولاده الثلاثة بعد أن يفسروا حلماً أو
كابوساً تردد عليه لمرات عديدة فينافقـه حام و يافث و يصارحه هام الذي
يرى أن ذلك الحلم نذير شؤمٍ قادم فيغضب سيدرا و يحرمه من الإرث ، ثم
يُقتل سيدرا .
المشهد الثالث
: يتبادل الأبناء الثلاثة الاتهامات حول قتل والدهم فتظهر ليليث و تأمرهم
بدفن والدهم ثم تسفر عن شخصيتهـا و قوتها .
المشهد الرابع
: تظهر شخصية ( عمـرا ) كأخٍ لـ ( سيـدرا ) و هو يقف مع ليليث ( طمعاً
فيها و في الإرث ) لكي يجتاح أبناء سيدرا لكن الأبناء يتهمونه بقتل
والدهم ، فيكشف عمرا لليليث هيامه بها مذ كان داخل السفينة .
المشهد الخامس
: تبدأ خطة ليليث بإغواء يافث عن طريق مغازلة عقدته في حبّ السلطة و
المُلك فتحرضه على قتل عمّه و الفوز بكلِّ المُلك و الإرث له لكنها من
ناحيةٍ أخرى تهيئ مقتله بيد العمّ لاحقاً و تظهر هنا و كأنها الليدي
ماكبث .
المشهد السادس
: ثم تغوي ليليث حـام و تظهر و كأنها دزدمونه و تغازل عقدة لونه و تفهمه
أنها تحبه و أن سبب هذه العقدة هي الخمر و لذلك عليه بالمزيد منه .
المشهد السابع
: تعمل ليليث على بلبلة الألسن فلا يعودون يفهمون بعضهم ، و هذا هو
السلاح الثاني بعد الإغواء ، ثم تستدرج حام و تقتله ، ثم تستدرج يافث و
ليقتله عمرا .
المشهد الثامن
: يبقى هام وحيداً و معه كتاب المعرفة الذي ورثه عن أبيه و هو كتاب دوّن
فيه سيـدرا معارف الإنسان منـذ آدم و لذلك ترد إشـارة بأنه كتاب سيـدرا و
هي صحائف آدم و هي الكنـزا على رأي بعض المحللين فيكون هذا الكتاب هو هدف
ليليث لأنها ستسيطر على الإنسان نفسه ، فتأخذه من هام فيفقد عقله ( و كأن
الكتاب هو العقل ) ثم تترك هام هائماً في جنونه .
و تستدعي ليليث عمرا لكي يقرأ لها الكتاب لكن عمرا يجهل ذلك فتمسخه
إلى حجر وتراب ، و تحاول أن تقرأ في الكتاب بعد أن تلمح بعض كلماته
المعروفة فتقرأ لكن العلم يعمي الأشرار و يفتح عيون الأخيار ، و هكذا
تفقد ليليث بصرها كلما قرأت و تعمى .
و يظهر في المشهد الأخير هذا ليليث العميـاء ( رمز الشـرّ ) و هام
المجنون ( رمز الخير ) و جثث الموتى ( رمز الطمع ) ..
فينادي صوتٌ سيدرا ليقوم من قبره و يبني سفينةً جديدةً أمام الطوفان
القادم لأن الشرّ و الطمع مازالا يلوثان العالم ...
صدر للمؤلف
في حقل الشعر
أ- المجموعات الشعرية
1.
يقظة دلمون
/ وزارة الإعلام . بغداد 1980 .
2.
أناشيد إسرافيل
/ وزارة الإعلام . بغداد 1984 .
3.
خزائيل
/ وزارة الإعلام . بغداد 1989 .
4.
عكازة رامبو
/ دار الأمد . بغداد 1993 .
5.
فيزياء مضادة
/ مكتبة المنصور . بغداد 1997 .
ب – الأعمال الشعرية
المجلد الأول
صدر عن المؤسسة العربية للدراسات و النشر /
بيروت 2001 . و يحتوي على المجموعات الآتية :
1.
أطلس شرقي .
2.
فيزياء مضادة .
3.
قصائد الصورة .
4.
أناهيت .
5.
اسمعي رمادي .. اسمعي موسيقا الذهب .
6.
مخطوطات غجرية .
في حقل المسرح ( المسرحيات المعروضة )
1.
عزلة في الكريستال
1990 .
2.
حفلة الماس
1991 .
3.
هاملت بلا هاملت
1992 .
4.
قمر من دم
1992 .
5.
الغراب
1992 .
6.
مسرحيات قصيرة جداً
1993 .
7.
قيامة شهرزاد
1994 .
8.
نزول عشتار إلى ملجأ العامرية
1994 .
9.
أكيتو ( الليالي البابلية )
1995 .
10. مفتاح بغداد 1996 .
11. أنيما 1997 .
12. سيدرا 1999 .
في حقل التاريخ و المثولوجيا و الأديان القديمة
1.
سفر سومر
/ دار عشتار . بغداد 1990 .
2.
حكايات سومرية
/ وزارة الإعلام . بغداد 1995 .
3.
مثولوجيا الأردن القديم
/ وزارة السياحة و الآثار . عمان 1997
4.
أديان و معتقدات ما قبل التاريخ
/ دار الشروق . عمان 1997
5.
جذور الديانة المندائية
/ مكتبة المنصور . بغداد 1997 .
6.
الدين السومري
/ دار الشروق . عمان 1997 .
7.
بخور الآلهـة
( دراسـة في الطب و السحر و الأسطورة و الدين ) / الدار الأهلية . عمان
1998 .
8.
متون سومر
( التاريخ . المثولوجيا . اللاهوت . الطقوس ) الدار الأهلية . عمان 1998
.
9.
إنجيل سومر
/ الدار الأهلية . عمان 1998 .
10. إنجيل بابل / الدار الأهلية . عمان 1998 .
11. الدين المصري / دار الشروق . عمان 1999 .
12. الآلهة الكنعانية / دار أزمنة . عمان 1999 .
13. المعتقدات الآرامية / دار الشروق . عمان 1999 .
14.
المعتقدات الكنعانية
/ دار الشروق . عمان 2001 .
15.
الفلك عبر التاريخ
/ دار أسامة . عمّان 2001 .
16. المعتقدات الأمورية / دار الشروق . عمان 2002 .
17. أدب الكالا .. أدب النار / المؤسسة العربية للدراسات
و النشر . عمان 2002 .
18. مثولوجيا الخلود / الدار الأهلية . عمان 2002 .
19. كنوز ليبيا القديمة / دار زهران . عمان 2002 .
بعد أن جازفَ المؤلفُ مجازفتَهُ الهائلةَ في التخلص من حضور هاملت في
مطلـعِ المسرحيـةِ ، كان قد انتبـه لهولِ ما فعلَ و أدرك أن عليه أن
يستمر في المجازفةِ بحسابٍ و جرأةٍ و خيالٍ نشيطٍ لكي يحققَ ما أراده منذ
البداية من خلق ( هاملت بلا هاملت ) و كان له ما أراده .
إذن نحن هنا إزاء مسرحيـةٍ هي غيـر مسرحيـة هاملت ، قطعاً ، من حيث
المرمى و النتيجة معاً و لكنها مسرحية ، بحدِّ ذاتها تستبطنُ الكثيرَ من
الزخمِ و العنفوانِ الشكسبيري تفلح في أن تُسقطَ من يدنا سلاحَنا النقديّ
ضدها و تجعلنـا نستمتع بها نصاً ، و ديناميةً ، و فعلاً مأساوياً كلّها
تجتمع معاً .
جبرا إبراهيم جبرا
مسرحية سيدرا تثبتُ لنا أن المسرحَ العربيَّ مازال بخير .
محمود درويش
من أجل مسرحٍ عربي تتجدد فيه أحلام الخير و المحبة كما بدأت و كما نضجت
في مسرحية سيدرا آملين أن نزيح بها بعضاً من عتمةٍ يكوِّمها لفيفٌ من
العابثين و المخربين و المشوهين نصاعةَ و زهوَ مسرحِنا العربي
يوسف العاني
|