السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  19 - 1- 2004

 

 أَلسِرْياسْ..

 مسرحية في فصل واحد.

علاء اللامي

 

 الشخصيات حسب الظهور:

1 ـ الحارس: شيخ في السبعين من العمر لكنه ظل محتفظاً ببنية متينة.

2 ـ زوجة الإمبراطور: عجوز هي الأخرى وتحتفظ ببقايا جمالها الغابر.

3 ـ البحار الشاب.

 ملحوظة: توجد في المسرحية  شخصية  رابعة، وهي شخصية صديق  الحارس وزوجة الإمبراطور المنفية، ولكن الجمهور لن يتمكن من رؤيتها.

 

 

 المنظر على  المسرح:

  أربعة أُصص كبيرة  من الرخام الكالح اللون،  تحوي جميعها ذات  النوع من  الزهور. إنها  زهور سوداء،  مرقطة بالأحمر،  وأشبه بزهور عباد الشمس، لكنها أكبر حجماً، وقد وضعت على أعمدة من الحجر، انتصبت على قوس مقدمة المسرح. الزهور ذابلة تماماً وقد انحنت رؤوسها حتى لتكاد تلامس الأرض.

 إلى الخلف،  ثمة جدار شاهق بلون  الرماد، يعلو وينتهي إلى  السقف. النظارة لا يرون له نهاية. في الجدار أربع كوى  ضيقة تظهر خلالها، سماء زرقاء نقية. ممشى حجريّ طويل على ارتفاع مترين ونصف، يمتد  على طول الجدار وينتهي من طرفيه إلى سلّمين حجريين.

 طاولة وثلاثة كراسي  من الخشب الأسمر الغليظ في وسط المسرح.

(يدخل عجوز  بملابس رثة حاملاً سلة  من الخيزران المضفور، ويقف  قرب الطاولة.  إنه الحارس.)

العجوز : صباح الخير  أيها الصديق.. يبدو إنك أفقت مبكراً  هذا اليوم.

 كيف حال كليتك  اليسرى؟ ألم  توجعك البارحة؟...  شكراً للسماء؟  لا، لا،  أيها الصديق الطيب.. بل قل شكراً لأعشاب لسان الثور وذيل الوزير وزهور السرياس التي شربتَ من نقيعها  قربة كاملة ..ها..؟ ماذا  قلت؟.. (يضحك) في هذا  معك حق.. (يضع السلة على كرسي  ويرفع عنها غطاءً  أبيض  يفرشه على الطاولة. يخرج  ثلاث برتقالات كبيرة الحجم ويضع كل منها أمام كرسي، بعد  ذلك يضع قطعة من السمك الجاف مع كل برتقالة. يخرج كتلة  سمراء من الخبز، ويقطعها  بمدية، يستلها من حزامه،  إلى ثلاث قطع ويضعها مع البرتقال والسمك الجاف. خلال  قيامه بتلك العملية، يحدث أحدهم بلغة غير مفهومة) هل  فهمت؟ ماذا؟ آملُ ذلك... حَسنٌ. ألم  تصل بعد، صاحبة الجلالة الإمبراطورة؟ عجباً! إلى أين تذهب في جزيرة السرياس المنعزلة هذه؟

 لقد اعتادت أن  تصل حين أضع البرتقالة الثالثة، هذا  إذا كان مزاجها رائقاً،  أما إذا كان قاتماً، فكانت تصل بين  قطعة الخبز الثالثة ووضع المدية في الغمد.

 أمر عجيب! ما العجيب؟

 تسألني ما العجيب  في هذا؟ ألا ترى بأنها  لم تصل حتى الآن؟ لا  أدري إلى أين ذهبت.

 إنها لا  تطير طالما أن  الله لم يرزقها  بجناحين.... أين أنت  أيتها العجوز؟

قلبي يضرب بقوة.  منذ ثلاثين عاماً لم يساورني شعور  أسود ولزج كالذي يساورني الآن. لا بد وأن شيئاً قد حدث لها.. أو أن شيئاً، في سبيله إلى الحدوث. هل ماتت؟

 أي  معنى  لوجودي هنا أن  ماتت؟.. بالطبع.. ألستُ  أنا حارسها وسجانها منذ  أن وطئنا  هذه  الأرض؟

 لم  تصل..  قلبي  يضرب  بقوة..  أوه، لا أستطيع الاستمرار بالتفكير على  هذا المنوال... لا  بد وأنها.. أوه،  دعنا من هذا  أرجوك.. أنت تقول بأنك  تعرف هذا الطراز من  النساء، لكنها ليست امرأة  كسائر النساء.. هل نسيت بأنها إمبراطورة وزوجة الإمبراطور؟ لقد طُرِدَتْ إلى هنا كقطعة وسخة قبل ثلاثين  عاماً، أجل،  وبعد أن  نالَ زوجها  حصتَهُ من  الرصاص الجمهوري. وهذه برتقالة. تلك لها  وتلك لك أنت، غير أن  الأمر الذي  أريد أن أفهمه،  هو لماذا تأخرت؟ وهذه  حصتي من الخبز، تلك  حصتها، وتلك حصتك، نعم،  بالتأكيد. لقد كنت جمهورياً متحمساً، لماذا أقول كنت؟ أنا  ما زلت جمهورياً متحمساً كما كنت، ثم أنني أقوم بواجبٍ أُنيطَ بي  القيام به.  وهذه القطعة من السمك الجاف لي، تلك لها. وقد  وضعت أمامك قطعتك، فماذا  تريد؟ ماذا؟

آ... أتذكرُ  أنهم قالوا لي:  اذهب أيها المواطن المناضل إلى جزيرة السرياس، وتولى بنفسك حماية هذه السيدة. نعم،  أنا الذي  كنت أُصر  أمام الجمعية  العامة على  عدم إعدامها  مع زوجها، اقترحت عليهم نفيها  إلى مكان ما، وافقوا، ولكنهم  اشترطوا مصاحبتي لها، نعم، تستطيع أن تقول بأنهم بتروني، ولكني  لا أكرههم، إضافة إلى أنني مقتنع بواجبي الذي  أقوم به  هنا.. من  يدري  إلامَ  سيدوم هذا  الأمر. ولكن..  أوه، حمداً للسماء، لقد هدأت ضربات قلبي، ولكنها لم  تصل حتى الآن. أغلب الظن أنها أفاقت ضجرة هذا الصباح. حقاً ضجرة. يا لها من كلمة! ما معنى الضجر؟ ما معنى أن يضجر الإنسان  على هذه  الشظية العائمة  في أعالي  البحار؟

 ربما  يتمنى البعض حياة كالتي نحياها هنا  في جزيرة السرياس الموحشة هذه، حيث  لا شيء سوى الصمت، ولا تسلية سوى التحديق الدائم في هواء الغربة المقيت، وصنع الأكاذيب الملونة. أنا شخصياً، كما تعلم، ليست لي من تسلية، سوى تحضير الطعام لكما.. آ ..  ولي  طبعاً، أما  هي، فقد  وجدت شيئاً،  تذبح به  الوقت على  مهل، هذه الزهور الشنيعة  التي دأبت  على رعايتها  والاهتمام بها،  منذ الأيام الأولى لنفيها.  لِمَ لا أقول:  لنفينا؟ أتذكر إنها سألتني عن اسمها  عن اسم هذه الزهور، فقلت  لها; وكيف أستطيع أن أقول لك ما اسمها، وأنا لم أرها في حياتي قط؟ قالت لا بد وأن يكون لها اسم ما، وإلا فلماذا هي موجودة؟ وكان معها بعض الحق إذ لا يعقل أن يكون هناك شيء موجود  تحت السماء وليس له اسم. قلت لها لنسميها زهور السرياس، وهنا سألتني عن معنى كلمة  السرياس، أنا بصراحة لم أكن أعرف ما معنى هذه الكلمة،  ولكني سمعت بأن اسم الجزيرة التي جئنا إليها تحمل هذا الاسم.. قلت لها ذلك.. قلت لها لنسمي هذه الزهور باسم الجزيرة ...  وافقت ولكنها حذرتني: إياكَ وأن  تُطلِقْ هذا  الاسم ثانية،  على  أشياء  أخرى هنا..  أرى، أرى  ذلك. هذه البرتقالة أكبر  من الأخريين، وقطعة  الخبز التي أمامي  أيضاً، أكبر من  تلك التي أمامك وتلك التي أمامها... أهيّ  الأنانية؟ لكنني أقسم لك بكل مقدس وغير مقدس  بأني لم  أنظر إلى  هذه الأشياء،  حين كنت  أُضعها على الطاولة

.. ماذا؟ أنانية لا  واعية؟ أية   فذلكةٍ تليقُ  بمن كنا نسميهم ثوار  المقاهي والحانات..  آه، حسن  إن كنت تعرفهم،  ولكن لا تغضب  فأنا لم أكن  أعنيك بهذا التشبيه. يا إلهي  لقد نسيت  نفسي تماماً.  أثرثرُ هنا  كعجوز عادت  لتوها من  الحج، وتلك المخلوقة البائسة في حالة  يرثى لها.. آ.. آ. قد تكون، قد  تكون في حالة يرثى لها ولكن ما  الفرق... أنا أيضاً، أنا أيضاً  على يقين من أنها لم  تمت، وهذا اليقين الغامض هو  الذي يجعلني أثابر على مستوى واحد  من القلق.. إذن فهي على قيد الحياة  الآن.. ‏إنها على قيد الحياة  الآن وفي هذه اللحظة  بالذات.. هكذا يقول  لي حدسي  الذي لا  يخطئ...  أوه  اللعنة، أن  تأخرت أكثر،  ستجف زهورها التعيسة  هذه وتتحول  إلى كومة  من القش  تذروها الرياح..  لا بد  أن تصل دون تأخير، لا بد  أن تصل الآن. ليس خوفاً  مني، أنا جلادها الذي لا  يخيف دجاجة.  لقد كَفتْ عن الخوف مني رغم كل ما سمعته عن أفعالي الدموية من أجل الجمهورية، حين اكتشفت الطفل الذي ظل يحيى  في أعماقي... إنني أتذكر تلك الليلة الصقيعية، بعد مرور عامين على وصولنا إلى هنا، حين هاجمني رعب لا  يوصف وحنين وحشيّ. شعرت ليلتها وكأن هواء الغربة الثقيل، قد  استحال إلى سم زعاف وجمر متوهج، يكتسحان روحي وعقلي..‏ تَسَمم دمي  المسكين، بألف ذكرى وذكرى، أما  هي فقد كانت متماسكة كهذا  الجدار الأصم.

  أليست هي  امرأة؟ أليست  زوجة إمبراطور؟  لا أعرف  السر العجيب وراء كل  رباطة الجأش التي تتحلى بها  النساء.. الأغبياء والحمقى فقط، يعتقدون بأن  المرأة كائن ضعيف  ومهزوز... أنهم لا  يعرفون مقدار التمثيل  في سلوك  النساء،  لا  يعرفون  الحقيقة  المدهشة  التي  يسترها  هذا الضعف، وتلك النعومة، هذه  الحقيقة لا تعني إلا  شيئاً واحداً، وهو أن  أقوى كائن على سطح هذا الكوكب هو المرأة. أتضحك؟ أُضحك. أضحك  كما تشاء. صدقني إنني كنت أرتعش في تلك الليلة  كالمحموم. بل إنني  كنت محموماً بالفعل  لا بالقول، ثم  هويت على صدرها كجبل  من الجليد، وبدأت أبكي  وأعوي كجرو مذعور.. بكيت  كما لم أبكِ من قبل،  وكانت هي  تلمس على  رأسي، ووجهي  بين يديها  الصغيرتين.. وتقول: أَبكِ أُبكِ، أيها الغبي  المسكين، أبك أيها الطفل المشاكس..  أُبك كما تشاء ولكنني أُحذرك. أجل، لقد حذرتني وقالت: إياك وأن تفكر بحبي أيها الجرذ الطيب.

(تدخل الإمبراطورة، إنها امرأة تجاوزت السبعين أو كادت، لا تزال تحتفظ ببقايا جمالها الغابر ترتدي ملبوساً كالحاً ورثاً، وعلى كتفها شالٌ واسعٌ جداً، أبيض اللون، علية زهور زرقاء كبيرة).

الإمبراطورة : لم أقل أيها الجرذ الطيب، بل قلت أيها الخلد الطيب.

الحارس :( وقد فوجئ بوصولها) من مولاتي؟ أين كنت أيتها الشمطاء؟ ماذا حل بك؟

الإمبراطورة : (تتقدم  من المائدة بخطى  ثقيلة) لا شيء...  ماذا تنتظر أن  يحل بقوم مثلنا وفي هذه الزنزانة الواسعة؟ هل كنت تعتقد بأن الذئاب افترستني؟

الحارس : وأين  هي تلك الذئاب؟ أتمنى  لو وُجد منها واحد هنا،  لكنت قد طبخت لكم لحمه الطريّ...  آ. والله الذي تؤمنين  به، لقد عافت روحي  طعم السمك المجفف،

الإمبراطورة : أخشى أن ينفذ صبرك قريباً فتطبخني أنا، أو تطبخ صديقنا هذا..

الحارس : لَمْ تقولي لي لماذا تأخرتِ؟

الإمبراطورة : قلت لك لا شيء، كنت أحاول أن أذبح نفسي وفشلت.

الحارس : تذبحين ماذا؟ نفسك؟ تنتحرين؟ ولماذا بحق الشياطين؟

الإمبراطورة : ليس هناك  من سبب جديد. أفَقت من النوم  فهاجمني ندم عنيف لأنني ما زلت على قيد الحياة حتى الآن..  قلت لأذبح نفسي، وأَسترحْ إلى الأبد، هكذا حدث الأمر،  بهذه البساطة...‏وحين وضعتُ المديةَ  على جلدةَ الحنجرة.. لَمْ.. لَمْ أستطعْ تحريكها، كانت يدي أثقل  من الرصاص... لم أستطع. قلت لأطعن صدري. حسبتُ المسافة بدقة فوجدت بأن مركز  القلب تحت منبت الثدي. وضعت ذبابة المدية هناك وبدأت بدفعها إلى الداخل. لم أَكن  أضع المدية على القلب. هل تعرفان أين وضعتها؟

الحارس : أين ؟

الإمبراطورة:على الجهة اليمنى من صدري؟ تصورا ذلك.

الحارس:ولماذا لم تنقلي موضع المدية وتصححين الخطأ.

الإمبراطورة: فعلت ذلك،  ولكني كنت قد تأخرت كثيراً إذ  أن عندليباً، لا أعرف من أين انبثق، شرعَ بالغناء.

الحارس:عندليب؟ هل قلتِ  عندليب؟ هنا على هذه الجزيرة؟

الإمبراطورة:نعم عندليب ماذا؟ هل تريد أن تصنع منه حساء؟

الحارس: ما زلت تفكرين برأسك  الإمبراطوري أيتها العجوز. تعتقدين بأن الفقراء أمثالنا لا يريدون من الطيور إلا لحمها. حسنٌ أنت على صواب ولكن هل هو ذنبنا،  إن كنا لا نذوق اللحم إلا في الأعياد الرسمية؟

الإمبراطورة:دعنا من هذا الهذيان. لا وجود للفقراء والأغنياء الآن هنا.

الحارس:وهذا صحيح أيضاً، ولكننا لولا وجودهم هناك لما كنا هنا...

الإمبراطورة:كفى. لا تدعني أندم لأني لم أغمد المدية في قلبي..

الحارس:هل سمعتْ؟ ألمْ أقل لك بأن النساء أقوى المخلوقات على الأرض؟

الإمبراطورة:من؟ أنا؟ أنا قوية؟ والله ما أنا إلا أجبنُ مخلوقٍ على......

الحارس:هذا لا يسمى جبناً.

الإمبراطورة:ماذا تسميه إذن؟

الحارس:إنه حب الحياة أيتها العجوز، نعم حب الحياة والشغف بجمالها.

الإمبراطورة  ( تضحك) آه....  أيها اللعين  لقد أضحكتني...‏حب  الحياة. الشغف بالجمال. ها قد أصبحتَ شاعراً أخيراً، بعد أن كنت إرهابيا وقاطع طرق.

الحارس:(.بانفعال مصطنع)  ها أنت تتجاوزين حدودك مرة أخرى أيتها الشمطاء الخَرِفَة. إنني أحذرك. هل تسمعين؟  إنني أحذرك  للمرة الأخيرة. ولتكن أنت شاهداً على ما قيل

الإمبراطورة:لا تغضب مني أيها الصديق، لا تغضب، إنني أمزح معك وحسب. ولكن قل لي بحق السماء بم  تهددني؟ ها؟ ماذا في وسعك أن تفعل  بي؟ هل لديك الجرأة على العيش بدوني؟

الحارس: دعينا من  هذا الآن...  هيا إلى  الطعام.. تعالي  وتناولي إفطارك... زهورك أكثر جوعاً منك. إنني أسمع هسيس أوراقها وهي تتقصف كالحطب.

الإمبراطورة:أوه، حقاً، اللعنة عليك  وعلى أشعارك، لقد نسيتها تماماً. نسيتك يا زهوري المسكينة. (تذهب باتجاه الأصص)

الحارس : تناولي طعامك  أولاً أيتها العجوز. إنك لا  تستطيعين سقي الزهور وأنت صائمة. هل نسيت كيف أخذت تويجاتها تنزُ دماً عبيطاً في تلك المرة؟

الإمبراطورة يا  الهي لقد نسيت....‏كادَ يتكررُ  الأمرُ مرةً ثانية... شكراً لك أيها  الرفيق الطيب، شكراً  لك. يبدو أن  لك ذاكرةَ فيلٍ  أبيض. (تعود إلى المائدة).

الحارس : من يدري ما الذي كان سيحصل هذه المرة، لو أنك سقيتها وأنت جائعة.

الإمبراطورة : ربما كانت ستتحول إلى تنين يقذف في وجوهنا اللهب! (تضحك)

الحارس:وتضحكين؟ هل رأيت؟ إنها تضحك. يبدو أنها تستبعد هذا الاحتمال الجميل.

الإمبراطورة: كُلْ، كُلْ  أيها العجوز،  سيوجعك رأسك  جراء هذه الثرثرة. إنك لا تستبعد وقوع أي شيء،  ما عدا رؤية سفينة تصل إلى هنا،  هذا واضح، ولكن ألا ترى معي بأن خيالك صار يَشْتَطُ كثيراً؟

الحارس:لم يعد هناك خيال أيتها العجوز،  لم يعد هناك خيال. ما تسمينه خيالاً تزوج الذاكرة منذ  زمن طويل.... هل تتذكرين يوم وصولنا  إلى هنا؟... آه.. لقد كانت عندي ذاكرة عذراء وخيال بكر  وأهوج هو الآخر... وأنتِ، وأنتَ أيضاً، كان لكما ذات الخيال وذات الذاكرة.... ثم كَرّتْ السنون كحبات المسبحة.... ثلاثون حبة.  ثلاثون وحشاً  مفترساً من  الرعب، والبصاق،  والصمت، والحنين،  والصمت، والصمت، والصمت.. هل تتذكرين الزورق  الأبيض الصغير، زورق النجاة الذي أنزلوه من  تلك البارجة  الحربية، ووضعونا   فيه؟... هل  تتذكرين ذلك  الفجر البارد، اللذيذ، حين وَطأتْ أقدامنا للمرة الأولى  هذه الأرض؟ كانَ فرحُكِ بالنجاة من حبل المشنقة  الجمهوري، قد أنساك  برودة الفجر القاسية...  سألتك حينها، فيما البارجة  تغيب  في  الأفق  إلى  الأبد،  سألتك  إن  كنت ترغبين بكأس من الشاي الساخن... فقلت لي. قلت لي.. أوه اللعنة، لم أعد أتذكر ما قلته لي آنذاك.

الإمبراطورة:هل  نسيت؟ أوه استحلفك  السماء أن تحاول  تَذَكُرْ ما قلت.  أنا  أيضاً نسيت.  اللعنة  عليك أيتها  الذاكرة، يا  قربة من  شباك الصيد.  تصورا.. أرجوكما  أن تسمعاني... إنني  الآن أتذكر تماماً مذاق  ذلك الكأس من الشاي،  وكأني انتهيت لتوي من  احتسائه. أتذكره.. كان  له مذاقاً غريباً..  شيءٌ عصيٌ على  الفهم.. أتدري أيها  العجوز بأني لم أذق  طيلة حياتي، سواء قبل  التاج أو بعده، شاياً غامضاً وسماوياً كذلك الشاي.

الحارس:أين  نحن من الشاي  الآن. لقد نفذ  ما معنا منه  كما تعلمين بعد  شهر تقريباً. لو كنت أعلم لجلبت معي من  بذوره قنطاراً. أو لكنت اقتصدت كثيراً في استعماله.

الإمبراطورة:كان سينتهي حتى وإن اقتصدت، بعد عام أو عامين.. وماذا كنت ستفعل عندها؟ أوه،  عليك اللعنة. لِمَ ذكرتنا  بالشاي الآن؟ من كان  البادئ بالحديث عنه؟

الحارس:ليس هذا مهماً. المهم هو أننا  نريد كأساً من الشاي الآن، والشاي غير موجود هنا.

الإمبراطورة:أنا مستعدة لمقايضة كل تيجان  العالم مقابل كأس واحد منه، بل قل رشفة واحدة.

الحارس:تقولين  هذا لأنك لا  تملكين تاجاً الآن،  أو على الأقل  مِداساً. أي والله أنا  مستعد لمقايضة كل  تيجان العالم مقابل  مداس من الجلد،  يحمي قدمي البائستين.

الإمبراطورة:(تنهض من المائدة) وأنا كذلك.

الحارس:لماذا قمت؟ هل انتهيتِ؟

الإمبراطورة:نعم انتهيت.

الحارس:لكنك لم تمس  قطعة السمك.

الإمبراطورة:لا حاجة  لي بها. أستطيع أن أصبر حتى  الغد، لأتناول قطعة طازجة منه.

الحارس:ماذا تقصدين؟

الإمبراطورة:ألا تشم رائحة السمك الحريفة القادمة من البحر؟ لقد  وصلت أسراب  السمك إلى  شواطئنا أيها  الحارس الصنديد.  أم أنك  لا تنوي القيام بالصيد هذا الموسم؟

الحارس : ( يهرع إلى النوافذ على الجدار) آه.... يا لسماء... الرائحة قوية حقاً. لِمَ لمْ أشمها في البداية؟.. علي   أن أُعِدُ عُدَةَ الصيد وأجمع كمية كبيرة من الحشرات الذهبية.

الإمبراطورة:حسنٌ، لنفعل هذا الأمر فيما بعد.. أما الآن فعليك أن تساعدني في السقي هذا اليوم.

الحارس:لا حاجة بك إلى تذكيري بهذا.  أعرفُ أن علي  القيام بهذا الواجب، مرة في السنة إكراماً لأسراب السمك.  (الإمبراطورة تأخذ المرشة البيضاء) هيه ماذا تفعلين؟ ها أنت ترتكبين خطأ آخر يا صاحبة الجلالة.

الإمبراطورة:ما بك؟ لماذا تزعق هكذا؟ أي خطأ ارتكبت؟

الحارس:لقد أخذت المرشة البيضاء.

الإمبراطورة:وماذا في ذلك؟ إنني أفعل هذا كل يوم.

الحارس:اليوم ليس كسائر الأيام أيتها العجوز. رائحة الأسماك، رائحة الأسماك، يا صاحبة.... الجـ.... لا...لة.

الإمبراطورة:آه... ما أغباني؟.. لقد نسيت،  نسيت مرة أخرى. اللعنة. وأنت؟ هل نسيت بأن اليوم هو عيد ميلادي؟

الحارس:أقسم  لك بالشياطين والملائكة  على أني نسيت.  ولكن لماذا تصرين  على نعته بالعيد؟

الإمبراطورة:اللعنة. من  أين جاءتك هذه الفكرة؟ لا أدري  لماذا يصر الناس علي تسمية اليوم الذي يبصقهم فيه المجهول إلى الوجود عيداً؟

الحارس:لم أكن أعني هذا أنك اليوم متشائمة جداً. ربما كان لمحاولتك الانتحار علاقة بهذا

الإمبراطورة:ربما.  ولكن أية مصادفة  مجنونة تلك التي  جعلتني أضع فيها  نصل المدية على حنجرتي في يوم ميلادي. ماذا يحدث لي هذا اليوم؟ ماذا يحدث لي أيها الصديقان؟

الحارس:سيزداد عجبك  حقاً، حين يأتي من يؤكد  لك بأنك بارحت رحم أمك  في ذات اللحظة التي وضعت  فيها المدية على لحمك. بالنسبة لي،  هذا ليس احتمالاً فقط، إنه يقين في غاية الصلابة والوضوح.

 

(الإمبراطورة  تستبدل المرشة  البيضاء بالأخرى  وتشرع بسقي  الزهور في  الأصص الأربع. الزهور ترفع رؤوسها ببطء شديد إلى الأعلى. سيقانها تستقيم.)

الإمبراطورة:أَلمْ  ينتهي من إفطاره بعد؟

الحارس:انتهى الآن من ذلك، ولكنه  كالعادة لم يأكل شيئاً.. ستموت من الجوع.. هل تسمعني؟  ستموت من الجوع أيها  الأحمق. طيب، طيب، لا  عليك.... ماذا؟ أنا؟ لا... لا تمزح معي. طيب، مع السلامة إذن.. نعم تستطيع الذهاب. ولكن لا تنس أن تطلق صرخة هائلة حين ترى شيئاً في الأفق. أيّ شيء،  فهمت؟

الإمبراطورة:أليس الأفضل أن يأتي إلينا بسرعة ويخبرنا؟

الحارس:لا.. لا. الأفضل أن يصرخ.. لأنه أن أتي مسرعاً، فقد يتعثر بحجر فيسقط في الهاوية  ويموت... لا. الأفضل. أن  تصرخ، هل سمعت؟ لتكن  صرختك حادة كشفرة المقصلة وزرقاء كليل المعذبين. هل..

الإمبراطورة:إلى اللقاء.

الحارس: إلى اللقاء... (يقترب من الإمبراطورة) لماذا خرج راكضاً هكذا؟

الإمبراطورة:هل ذهب؟ دعنا منه. إن له  رائحة خنزير.. لا أعرف لماذا لم يستحم منذ ربع قرن. يا لها من رائحة فظيعة

الحارس:ألا تذكرك هذه الرائحة بقلعة الساحل القمري؟

الإمبراطورة:ماذا؟ قلعة الساحل القمري:؟ ما الذي جعلك تتذكرها الآن؟

الحارس:الرائحة. الرائحة أيتها العجوز. الرائحة التي يحملها صديقنا. ألا تشبه  هذه الرائحة تلك التي كانت تنبعث من سجن القلعة، حيث ترك مولانا الإمبراطور أكثر من ألف جثة تتعفن في أحواض التيزاب والنبيذ الأحمر.؟

الإمبراطورة:لولا مساعدتي لك ولرفاقك لما كان في مقدوركم اكتشافها.

الحارس:كنا سنكتشفها على أية حال، خاصة وأن الثورة نجحت والإمبراطور رحل إلى  الجحيم. وربما لم  نكن لنكتشفها ولكن المؤكد، هو أن  الجيل الذي سيأتي بعدنا، أو الجيل الذي بعده  لابد وأن يكتشفها.. ليس هذا موضوعنا.. عَمَ كنا نتحدث؟

 

الإمبراطورة : عن  الرائحة. رائحة صديقنا الصامت الأكبر.

الحارس:آه.. حقاً..  أنا خدعتني رائحته.. لِمَ لا أقول  ذلك؟ أجل خدعتني ولم أتمكن من شم رائحة السمك.. العجيب إن  رائحته تختفي فوراً إن هو اختفى، كأنها مربوطة إليه بحبل، مثل كلب مدلل... هل تشمين رائحة السمك الآن؟ هل تشمين؟

الإمبراطورة:آه... لقد أصبحت واضحة كقمر الصيف.

الحارس:كقمر أو كساحل أو كقلعة..... لا فرق

الإمبراطورة:يبدو إنك لن تَكُفْ عن الثرثرة بصدد القلعة هذا اليوم.

(ينفذ الماء من المرشة) خُذْ. (تناوله المرشة)

الحارس:سأفكر في طريقي إلى النبع بالهدية التي سأقدمها لك اليوم.

الإمبراطورة:هدية؟ وما المناسبة؟ آه... ها  قد نسيت مرة أخرى.. حسنا فكر كما تشاء. لكن لا تنس نفسك، وتنام هناك...

الحارس:اطمئني  يا... (يقترب منها ويطوق عنقها بذراعه) مولاتي الفاتنة.

الإمبراطورة:لا تكذب أيها الخلد العجوز.

الحارس  ( يقبلها) الكذب في حالتنا هذه أشرف من صدق سماسرة البغال والعربات.

الإمبراطورة:ستموت وأنت  تكره السماسرة  والتجار أيها  الأحمق. هيا  لا تضع الوقت.

الحارس:أنا  ذاهب، ولكن قبل ذلك  سأقول لك شيئاً: هل  تعرفين ماذا كنت سأفعل بهذا الصنف من المخلوقات لو كنت ساحراً مثل جدتك؟

الإمبراطورة:يقيناً كنت ستحشوهم بقضبان الديناميت الأصفر وتفجرهم.

الحارس:كلا، لن أفعل هذا.

الإمبراطورة:ماذا إذن؟

الحارس:كنت سأمسخهم جميعاً إلى محارم ورقية ملونة للمراحيض العمومية.

الإمبراطورة:لعنك الله ولعن أفكارك المجنونة. أتفعل بهم كل هذا، لأنهم باعوك ذات يوم بغلاً أعرج؟ اذهب، اذهب...

الحارس:ليست المسألة مسألة بغل، إنما هي مسألة مبادئ.. وهل تعرفين المبادئ؟ لا شك بأنك لم تسمعي بهذه الكلمة قط، وقد تظنين المبادئ نوعاً من البغال. لماذا أتعب نفسي معك؟ أنا ذاهب.. (يخرج)

الإمبراطورة: ( تضحك)  آه.... بغال، يقول!.. بغال  ومبادئ. تعالي.. تعالي أيها الثمرة  الغامضة.. تعالي..  لم أركِ  من قبل  بهذه الحمرة  الرائعة. تعالي... سآكلك الآن،  وليحدث ما يحدث...  (تقتطف ثمرة حمراء  من بين الزهور..  الثمرة تشبه إلى حد بعيد ثمرة الطماطم. وتشرع بأكلها.)

طعمها ليس سيئاً تماماً.. ورائحتها غريبة..

  كان هذا العجوز الثرثار يتكلم عن رائحة سجن القلعة...

كم كان اسمها  جميلاً. قلعة الساحل القمري... وأنت أيتها الثمرة الحزينة... أدخلي إلى مملكة جسدي،  فقد تكونين نوعاً من الحل... يا له من عجوز مسكين.. كلهم كانوا مساكين.. صدقوا بسهولة بأن قلعة الساحل القمري هي سوق العذاب والموت  الوحيد في طول وعرض الإمبراطورية  المنهارة... الحقيقة هي أنني لم أكن أعرف غيرها، وإلا لقلت  لهم.. كانوا في لحظات اقتحام القلعة أشبه  بالأطفال. كانوا أطفالاً  مجانين وفرحين وهم ينتزعون ما  تبقى من جئت أصحابهم من أحواض الخمر  الخشبية وصهاريج التيزاب..

 لا ريب بأن  بعضهم قد بكى. ولكنهم لم يبكوا  حزناً على الآلاف من  قتلاهم، بل فرحاً بانتصارهم  على ذلك الطاغية الجبار الذي كان  زوجي... لاحقتكَ لعنات السموات والأرض  أيها الفاجر الدموي. كان عدلاً ما فعلوه به.. أوقفوه إلى  جدار وطلبوا من كل شخص قادر على استعمال البندقية أو المسدس  الحضور... فحضرت الآلاف المؤلفة من  الناس، رجالاً ونساء بل  وحتى أطفال  القتلى تم  إحضارهم... سدد  الجميع فوهات  بنادقهم ومسدساتهم إليه...  وفي  لحظة  واحدة  أُطلِقَ  الرصاصُ...  آلاف الرصاصات انطلقت نحوه، وارتفعت في السماء سحابة من دخان  البارود... ثم... وبعد لحظات نظروا إلى حيث كان يقف، فلم يجدوا أمامهم الإمبراطور.. بل شاهدوا أسفل الجدار كومة حمراء من كرات الرصاص  الصغيرة...

 يالي من خائنة،  تخليت عن زوجي وعن  التاج من أجل أن تنتصر تلك الشلّة من الرعاع..  ذوي الرؤوس الممتلئة بالأحلام المجنونة والحقد الرهيب... وماذا كان في وسعه  أن يفعل؟

ربما شعر بالراحة في لحظاته الأخيرة... لقد طاردوه ووزرائه وقناصله بالقنابل والمسدسات، طيلة عقدين  من الزمن..... ماذا كان في وسعه  أن يفعل، يوم أرسلوا له، رأس ابنه  وولي عهده، في صندوق يملأه الملح..  قيلَ يومها بأن هذا الأمير كان يتلذذ بأكل أمخاخ الفلاحين المقلية بزيت الزيتون.. ماذا كان سيحدث لي، لو أن هذا الأمير كان  ابني أنا؟.. أليس هو ابن زوجي إذن  فهو ابني، لكنه لم يكن يحبني البتة. أتساءل لو أنه كان  ابني أنا وليس ابن الإمبراطورة المتوفاة، فهل كنت سـ  ...

 أوه اللعنة عليه،  أقسم بأنه حتى لو  كان كذلك لما شعرت  من أجله بذرةِ أَسف.. كان صورة كاملة لأبيه،  أخذ عنه جرثومة الدم وسعار القتل... ذات مرة وجدته  يتسلى بسلخ قطتي العزيزة  وهي حية. اللعين كان  مجنوناً تماماً... لماذا إذن لا  أصدق كلام الرعية؟.. وسواء كانت  حكاية الأمخاخ المقلية صحيحة، أو لم تكن، فهو يستحق الموت، لقتله القطة، بذلك الشكل الشنيع. ولكن ماذا بشأن الإمبراطور  نفسه، ألا  يستحق بعض  الشفقة؟

 كانوا يريدون  رأسه فعليه أن يحافظ عليه بشتى الوسائل. لم  يكن يهمه في قليل أو كثير إن  كانت هذه الوسائل نظيفة أم قذرة... هم أيضاً كانت لهم  غاياتهم وأهدافهم ووصفوها بأنها سامية وعادلة، ولكنهم لم يزعجوا أنفسهم في انتقاء الوسائل النظيفة. يا الهي! من كان على حق؟ لقد دخل  الإمبراطور في دوامة الدماء ببطء شديد. ما زلت  أتذكر حكاية لاعبي الشطرنج، وكأنها  حدثتْ بالأمس القريب:  الإمبراطور يستدعي أمهر  ثلاثة لاعبي شطرنج في البلاد...  يلعب معهم مجتمعين فيهزمونه في  دقائق.. يتراجع خطوة إلى الوراء، ويقرر  أن يلعب معهم  منفردين... يهزمه اللاعب  الأول.. يهزمه اللاعب الثاني. الدقائق تمر، والإمبراطور يتصبب عرقاً. لم يكونوا يشعرون منه بالخوف، لقد أعطاهم الأمان بحضور كبير الكهنة.. اللاعب الثالث والأخير يستعد.. يلعبان لساعتين.  ثم  ينتهي    الدست  ويموت  الشاه..  شاه الإمبراطور طبعاً....

 وهكذا هُزِمَ الإمبراطور لأول مرة في حياته....

  ومنذ تلك اللحظة تغير تماماً، تغير قلباً  وقالباً... ماذا  فعل؟ طرد  الكهنة جميعاً ، طرد العرافين،  والسحرة من البلاط،  وقرر أن  سياسة الإمبراطورية  وقضايا الحرب  والسلم، ستكون  منذ تلك اللحظة،  بين أيدي  المجلس الثلاثي،  المكون من  لاعبي الشطرنج الثلاثة... ثم حدثت حرب البردي، وقال لاعبو الشطرنج للإمبراطور بأن جيش العدو سوف يُهزَمْ، وأنه سيدخل عاصمة العدو فاتحاً بعد ثلاثة أيام فقط... ولكن جيش الإمبراطور هو الذي تمزق  في أول معركة ومحق  محقاً، ثم تقدمت جيوش  العدو وطوقت عاصمتنا... هنا أَمَرَ  الإمبراطور بإعدام اللاعبين الثلاثة...

  وأية قتلة بشعة قتلهم...

 لقد وضع كل منهم تحت سبع مقاصل، تهبط  في لحظة واحدة على أنحاء مختلفة من جسد الضحية..

وبعد  ساعة، ساعة واحدة فقط،  بلغة النبأ الرهيب: العدو  هُزِمْ وبدأ بالتراجع : كان الملك المعادي قد أصابه سهم طائش في رقبته فمات في مكانه، وشاع الذعر في صفوف جيشه، وما لبث الإمبراطور  أن أمر بفتح بوابات السور، وأمر جيشه بمطاردة فلول العدو...  اندفعت جيوشه كالإعصار وحاصرت عاصمة  العدو ثم فتحتها بعد أيام قليلة، وصارت تلك المملكة كلها، جزء من إمبراطورية زوجي.. المسكين.. هل  شعرت بالندم  لقتله أصدقائه  لاعبي الشطرنج؟  إن كلمة  ندم لا توضح الجحيم الرهيب الذي  كان يعيشه. حاول بيأس  أن يخفف من فعلته  تلك: نصب لهم التماثيل الذهبية في طول  وعرض البلاد، وأمر بإنشاء عشرات  المعاهد والجامعات والمدارس المتخصصة بشيء واحد، هو الشطرنج.

وأخيراً أمر بقتل الجنود الواحد وعشرين  الذين كانوا يقفون على المقاصل..

غير أن هذا  كله لم يكن  ليشفي غليله.  بدأت  الشرطة السرية، التي  شكلها على عجل بتصيد المجرمين الذين يسيئون  إلى ذكرى  أبطال النصر الثلاثة.

هكذا كان قد أسمى اللاعبين الثلاثة..

همس  لي ذات مرة على السرير: هل  تعلمين بأن النصر ما كان ليحدث لولا  هؤلاء الأبطال؟.. حتى  على فراش الزوجية  كان يكذب وينافق..  كان يؤتى  إليه  بأعداد  قليلة  من  الناس  المتهمين  بالإساءة  إلى ذكرى الأبطال الثلاثة، فأمر  بإغراق أولئك المساكين في  أحواض النبيذ. بعد ذلك  بدأت أعداد المجلوبين تنمو وتكبر، فتحسنت أساليب الإمبراطور وجلاديه..كانت قلعة الساحل  القمري واحدة من مراكز التعذيب  المنتشرة في البلاد، وكانت المكان المفضل لديه.. كانت أشبه بمصنع  كبير للموت... هنا أحواض النبيذ وهناك أحواض  للتيزاب، الذي  تقرر بمشيئة  الإمبراطور تغير  اسمه إلى الماء الملكي. وهناك على مقربة  من الساحل، حفرت ثلاثة آبار عميقة  الغور، تلعب فيها تماسيح شرسة، وجائعة...  في باحة القلعة وضعوا  ثلاثة أقفاص...

نعم، لقد  تحول الرقم ثلاثة إلى  كابوس مرير.. كانت هذه  الأقفاص تحوي ستين ذئباً  مسعوراً... وكان الإمبراطور يقدم لهذه الأحواض والمخلوقات، وجبة  واحدة في كل نهار، وهي أجساد بشرية حية. لقد انغمس الشيطان في لعبة الدم حتى فقد القدرة على التوقف.. أسر  لي ذات مرة وكان ثملاً كجورب مبتل، بأنه لم يكن يتوقع أبداً، بأنه سيصل يوماً إلى وصل إليه... ليس عندي من خيار، كان يصرخ..... .إلهي الحارس يدفعني إلى الأمام. كان يقول. وكنت أعرف أنه  مسلوب الإرادة تماماً، ولكنه عنيد ودون هدف واضح. كان جموحاً،  صاخباً، ولكنه لا يتجرأ على الالتفات  إلى الخلف. يركض في مطر الرؤوس والأكف  المقطوعة وكأنه مُرَوبص... إنهم يريدون  ذبحي .كان يهمس لي كطفل فقد القدرة  على النطق فجأة.. إنهم يريدون قطع  هذه. ويشير إلى حنجرته..

ذات  يوم جِيءَ  له بسارق...  رجلٌ  سرقَ  نقود سيدة  دخلت إلى  مطعمه لتتناول إفطارها..  وكان أول  سؤال يوجهه  الإمبراطور لذلك  اللص هو

:  لماذا تريد  أن تقتلني؟ ها؟ لماذا؟

  فسقط الرجل المسكين ميتاً.

لقد مات من الرعب..

في أيامه  الأولى كان متردداً، وجلاً، لا يبت  في أوامر الإعدام إلا في اليوم التالي... كان يسهر  الليل  هائماً  على  وجهه  في  أرجاء  القصر  الإمبراطوري،  قلقاً ومرتبكاً...

كانت روحه تنضج ببطء تحت شمس الانتقام والحقد.

وحين أنشبت تلك  البذرة جذروها في دمه، تحول  تحولاً تاماً...‏أصبحت إشارة من سبابته تحمل الموت للعشرات من الناس... اقتلوهم.. كان يصرخ.. إلى النبيذ أيها الفلاح القذر.. وأنت  إلى الماء الملكي أيها الصعلوك  السافل. قدموا هذا الشاب اللطيف طعاماً للتماسيح إنها جائعة... هكذا كان يتدحرج كعربة من الجنون تنحدر على سفح  صقيل..

 من كان بإمكانه  أن يوقفه؟...

من كان  يفكر مجرد تفكير بذلك. أنا؟ (تضحك) لكنني لم أكن في ذلك الحين إلا واحدة من عشرات الزوجات والمحظيات  لصاحب الجلالة..  صحيح أنني أصبحت  زوجته الأولى وحاملة  التاج، بعد أن  ماتت زوجته الكبرى، حين  شاهدت رأس ابنها في الملح. ولكنه  كان قد تمادى كثيراً... لم  أكن أستطيع  التحديق، مجرد  التحديق في  عينيه، عينيّ البقرة المذبوحة.

 أظنني  ارتكبت كذبة  صغيرة هنا.  في  النهار  كان من  الصعوبة بمكان  أن أحدق إليه... أما في الليل فكان يأتيني كمسافر ضربه دوار البحر. عيناه دبقتان وفمه مشدود كفم القربة.. أما جسده فكان  رخواً مثل كيس البطاطس. لقد تعبتُ، تعبتُ، تعبتُ.  كان يعوي  ودموعه اللزجة  تلوث الوسائد  وآنية الورد  وملابسي... وفي الصباح، وما أن  يضع التاج على رأسه حتى يعود  صنماً من الرخام والقسوة ويمضي إلى لعبته الحمراء ساهم العينين يابس القلب والقبضتين.

كاد يُشفى تماماً ذات مرة من هوسه  هذا.. حين سدد إليه أحد الإرهابيين رصاصتين من مسدسه، طاشت الرصاصة الأولى، واخترمت الثانية رمانة كتفه.. في تلك اللحظات كان سعيداً وفرحاً جداً، يلقي بالنكات والطرائف على الأطباء والقادة المحيطين به.. كان يضحك  ضحكته الرنانة تلك، ضحكة الفتاة  الجَذِلة، ويمزح مع الجميع.. أمر بالاحتفاظ بالإرهابي  في السجن وعدم إيذائه، حتى يشفى  هو، وينظر في أمره،  أمرهم  وألحَ عليهم  بأن يحسنوا  معاملة الرجل..  وفي المساء  قال لي  ومزاجه مشرق.. كفى، كفى، أقسم لك.

ماذا تعني يا صاحب الجلالة؟ سألته.

فقال لي بأنه شبع من الدماء،  ويريد أن يرتاح الآن،  سآمر في الغد بهدم  السجون وإطلاق سراح من بقي فيها  على قيد الحياة.. سوف  أقوم بكذا و كذا..  سأكون أعدل الملوك قاطبة وسوف أطبق الشريعة السماوية.. سأكون  زاهداً وأذهب إلى الصحراء لأتعبد وأدعو الله عساه يغفر  لي.. صدقته.. أنا المرأة البائسة  والمروعة تماماً.. صدقته.. وعدني بأنه  سيضع التاج غداً  على رأسي وكان  قد احتفظ بذلك  التاج اللعين في خزانته الخاصة.

 فرحت  بما سمعت قلت له كلاماً جميلاً  ومشجعاً، لم أقله له أو لزوجي الأول  من قبل، وحين  جاء الصباح ورافقته  إلى البلاط أمر  كبير الكهنة بإقامة  قداس التتويج،  تتويجي أنا  كزوجة الإمبراطور  وكإمبراطورة كما تقضي بذلك قوانين وشرائع الإمبراطورية المقدسة...  احضروا التاج، ووقف كبير الكهنة في المذبح المقدس، مستعداً للقيام  بالقداس.. وفيما كانت المراسيم تجرى بهدوء، نهض هو من عرشه، وصرخ بالحرس:

  أحضروه، أحضروا القاتل.

أمر بإحضار الرجل الذي حاول اغتياله، فأحضروه.  أمر بتعريته ووضعه في حوض  القرابين المقدسة، ثم أمر الكاهن بالاستمرار في أداء القداس.. حين بلغ الكاهن الجزء الخاص بتغطيس التاج في  الزيت المقدس  نهض الإمبراطور  واستل سيفاً  من حزام  أحد الحرس وضرب عنق الرجل العاري في الحوض...

 أغمى علي  حين رأيت عنق الرجل الدامي وجسده الراقص في الحوض..

 وحين أفقتْ شعرتُ بشيء  ثقيل كجبل آثام على  رأسي. فيما بعد، حين حمِلتُ إلى  حجرتي رأيت على رأسي  في المرآة تاجاً أحمراً...  كان الإمبراطور الشيطان قد  غطس التاج بدماء ذلك  الرجل. أراد أن يلوثني  أنا أيضاً.. لم يكن يطيق صمتي..  كان يريد من الجميع  أن يغمسوا أيديهم بالدماء.  هكذا شطر الناس إلى شطرين..  شطر  يمسك بالسيف  وآخر يمد الرقبة  تحت السيف. لا  خيار. أما أن تمسك سيفاً أو أن تمد الرقبة. لم يكن يطيق أي نوع آخر من البشر. هنا سيف وهنا رقبة.

( يدخل الحارس مندفعاً، حاملاً  المرشة)

 

 

الحارس:هل سمعت أيتها العجوز؟ هل سمعت؟  لقد صرخ أخيرا، صرخ صديقنا لقد صرخ أيتها السماء، أيتها الأرض.

الإمبراطور: مهلاً، مهلاً.. ماذا أصابك هل جننت؟

الحارس:آ.. جننت، جننت، والله جننت. كيف لا أجن وقد وصلت السفينة أخيراً.

(الحارس يرقص بعد أن يضع المرشة  على الأرض. يؤدي رقصة وحشية، سريعة الإيقاع، ويطلق بين الفينة والأخرى صرخات مدوية.  فرحة تارة، ووحشية حزينة، تارة أخرى. يسقط أرضاً ويتمرغ في التراب. يستمر بالرقص  وهو في هذه الحال ومن ثم يهدأ..

الإمبراطورة ترفع المرشة وترش شيئاً من الماء على وجهه، فيفيق)

الإمبراطورة:والآن قل لي ماذا حدث؟

الحارس:ماذا حدث:؟ آه تذكرت.. لقد  صرخ.. صرخ. لقد وصلوا أخيراً، وصلوا. ألم تسمعي صرخته أنت؟ ألم تسمعي؟

الإمبراطورة:لا  لم أسمع. كنت أسبح  في خوابي الماضي المتخثر.  كنت أثرثر. لم انتبه لشيء، ولكن هل أنت متأكد من أنه صرخ حقاً؟

الحارس:

نعم  متأكد من ذلك تأكدي  من وجودك أمامي الآن.  حين سمعت تلك الصرخة التي طال  انتظاري لها... خِفتُ...آ..  خفت كثيراً.. رعب  هائل جمد دمي  شعرت بالندم لأنني انتظرت  كل هذه السنوات.. لم أجرؤ علي الذهاب إليه..

الإمبراطورة:

ربما كان قد أطلق تلك الصرخة لأن أفعى قد لدغته.. أو..

الحارس:

اكذبي، اكذبي.  إنك تكذبين..  أعرف مرامك  تمام المعرفة،  إنك خائفة بل... بل  إن فكرة وصول سفينة إلى  هنا  هي الموت بعينه،  بالنسبة لك. إنها الموت..

الإمبراطورة:

اسكت، أرجوك... اسكت، أتوسل إليك.

الحارس:

إنهم قادمون فكيف اسكت..؟  لقد تذكروني أخيراً... أخيراً أيها الرفاق الطيبون...  ها أنتم  تذكرتم الذراع  التي بترتموها  ذات يوم.  ذات عرس.. ذات حلم..  الذراع التي  شبت ونمت  في الجسد  الجميل الذي  هو أنتم.  أخيراً أيها الأصدقاء..

الإمبراطورة:

من يسمعك الآن يظنك جاداً..  أنا ذاهبة إلى الفنار.. سأرى بنفسي ماذا هناك... عليك أن تهتم بهذه الأزهار. فقد بدأت تنضج بسرعة الكارثة...

الحارس:

ماذا؟ هل تريدين مني...

الإمبراطورة:

لا تُطلْ الكلام. وقم إلى  العمل... أقول لك بأن الثمار قد بدأت تنضج وتحمر الآن..

الحارس:

لا بد وأنها ستكون ثماراً شيطانية.. حسن سأهتم بأمرها.

الإمبراطورة:

ليس  من شأنك أن تكون  شيطانية أو لا تكون  علينا أن نحصل عليها أولا هل فهمت.. أن خسرناها فقد نخسر السفينة...

الحارس:

قلت لك سأفعل. ولكن أسرعي بحق السماء

الإمبراطورة:

أحذرك من تناول واحدة من تيك الثمار في غيابي.

الحارس:

اطمئني... ولكن أسرعي، أسرعي..

الإمبراطورة:

أنا ذاهبة. يا لها من رائحة فظيعة، تلك التي تنتظرني هناك.

(تخرج)

الحارس:

(يأخذ المرشة ويبدأ بسقي الأزهار) يا للسموات!  لقد كبرت ونضجت تقول لي لا تتناول واحدة  من هذه الثمار.. ولكن كم هي  شهية.. (يحصي الثمار بإشارات من إصبعه)  ها..  لقد  فهمت  الآن..  (تناول  واحدة من  تلك  الثمار) إنها شهية ومجهولة.. ربما  كانت شهية لأنها مجهولة !

 (يأكل الثمرة) طعمها ليس  سيئاً.

لا أدري ماذا حل بنا هذا اليوم... أشياء جديدة كثيرة حدثت.. لا بد وأن خطأ ما قد ارتُكِبْ..  من يدري؟  الأخطاء ترتكب  كل  يوم..  ربما لم  يرتكب أي  خطأ هذا اليوم.. شيء ما  في مكان ما قد اختل..  لم يحدث لنا هذا منذ  سنين. يوم غريب، يبدأ بمحاولة انتحار  تقوم بها الإمبراطورة.. لماذا أصر على تسمية تلك الجثة الهزيلة بالإمبراطورة؟

 لو لم تقم  بما قامت به  إبان الثورة لو لم تقدم تلك المساعدة الثمينة لقادتنا لكان مصيرها  المشنقة... لقد ثأر الشعب لنفسه بجنون ما بعده جنون... كان عرساً جهنمياً  لا يمر حتى في أحلام العبيد المفسوخين ... أما هي فقد  نجت... الزوجة الوحيدة من زوجات  الإمبراطور العشرين نجت بجلدها، فيما رحل الآخرون والأخريات إلى الجحيم..  غير أن نجاتها لم تتم ببساطة. فرغم كل ما قدمته لنا من أسرار ومعلومات، طالب الكثيرون في المجلس العام بإعدامها.. أنا الوحيد الذي وقفت مدافعاً عنها.. في الحقيقة لم أكن أدافع عنها بل عن شرف الثورة... قلت لهم إن شرف الثورة  وسمعة الجمهورية الوليدة في خطر عظيم.. هذه المخلوقة  البائسة  ساعدتنا  كثيراً..  هكذا  صرخت  بهم..  ولا أعتقد يا حضرة المواطنين المنتخبين بأن حقد أي منكم يفوق حقدي على الإمبراطور وكل ما يمت له بصلة.

لكنهم أصروا. قالوا لا بد من  إعدامها، وحين لجأنا إلى التصويت أخيراً، اصطفت الأغلبية  الساحقة مع حبل  المشنقة،  ووقفت  معي  أقلية ضئيلة.. عندها رفعت التحدي.. قلت لهم إنني سأنسحب من  المجلس العام وسأستقبل من عضوية المستشارين الشعبيين... وإنني  أحذركم من محاولة  المساس بشرف الشعب  الثائر.

 إنني وأنتم تعرفون شدة بأسي، سوف أمزق من يمس هذه المرأة إرباً.. كانوا يعرفونني جيداً.. يعرفون  نضالي طيلة  عقدين من  الزمن ضد  الطاغية وجلاديه،  يعرفون إنني فقدت أبنائي  الأربعة خلال  ذلك. لو لم أكن  أنا الذي  اقترحت تخفيف  العقوبة بحق الإمبراطورة.. لو  أن شخصاً آخر  هو الذي  فعل  ذلك لكانوا قد  أرسلوا به إلى المشنقة  فوراً... أوه  يا الهي كم كنت وحشاً مفترساً ؟

..  صدقوا تهديداتي، صدقوها  طبعاً.

تهامسوا  بأني قد  انسحب إلى  العمل السري  من جديد، واصطادهم كالعصافير، كما كنت أفعل مع أعداء  الشعب من وزراء وقناصل ورجال دين وراقصات البلاط  وجلادين.  عندها  توصلوا  إلى  تلك  التسوية...

 وهكذا أصدروا قرارهم: حفاظاً على سمعة الثورة وتأكيداً على شهامتها ورحمتها قررنا نحن، أعضاء المجلس الجمهوري  العام  تخفيف  العقوبة  الصادرة  بحق  زوجة  الإمبراطور الأولى، من الإعدام إلى النفي المؤبد.. ولكي يكون  قرارهم هذا حجراً يُصيبُ عصفورين، فقد أصدروا قراراً آخر   يقضي بإسناد مهمة حراستها إليّ أنا..

 هل توافق على هذا أيها  المواطن الشريف  أم نرسل  بكما أنتما  الاثنين إلى  الجحيم؟ هكذا سألني زميلي مستشار الشعب لشؤون الأمن مبتسماً.

 ماذا كان بوسعي أن أفعل؟

.. أنا الذي لم  أتردد يوماً  عن القيام  بأية مهمة  مهما بدت  مستحيلة... وافقت... وافقت طبعاً على تنفيذ القرار، ومنذ ثلاثين  عاماً، وأنا أنفذ هذا القرار... تساءلت مراراً وخاصة في السنوات الأولى لوجودي هنا  عن عدالة هذا القرار، وكنت في كل مرة  أطرح فيها  هذا التساؤل،  أجد الأمر  في منتهى  العدالة.. وحتى الآن فإن ضميري في منتهى الصلابة، ولم يتسرب إلى  نفسي الشك في سمو الهدف الذي نذرت له حياتي كلها.. َقتلتُ، أجل قتلت.. هم  أيضاً كانوا يقتلون.. ولكنني كنت أقتل في الظلام.. أضرب وأهرب كما يقولون.. السبب  في ذلك هو إننا كنا قلةً ومحاصرين.. أما هم فكانوا  يذبحوننا في النهار.. أليس في  أساليبنا بعض النذالة والغدر.. ؟

ألم يكن في أساليبهم شيء من الشرف؟

 الحقيقة هي  أنني لم أفكر  قط في الإجابة  على هذا السؤال  طيلة حياتي. فليست القضية قضية أخلاقية فقط... إنها صراع  دموي، لم يكن مجموع الناس هم البادئين به.. إنها  رقصة تحدث على  تراب الواقع  وليست  في سحب الخيال.

 كان جند وحرس وجلادي الإمبراطور يذبحون الأغلبية في  وضح النهار، لأن وسائل القمع والإكراه في حوزتهم، وليس  لأنهم أكثر شجاعة وشرف منا. كنا  نريد قلب الأمور رأساً على عقب، ضاربين عرض الحائط بكل  أخلاق الإمبراطور ومقدساته العتيقة. قلنا: لنقلب الهرم مرة واحدة  وإلى الأبد. بدل أن تجلس تلك  الكتلة المسوسة من اللحم والتي لا تزن  أكثر من ثمانين كيلو غراما  في قمة الهرم، وتحت  قاعدته، التي حولوها إلى  شفرة مقصلة،  تجلس ملايين  العبيد،  بدل  ذلك قررنا  أن نقلب  هذا الهرم المخجل،  أيها الإمبراطور  العزيز.. يا صاحب الجلالة  المنخورة، تفضل  بالجلوس هنا.. آ..  لا بأس تمدد إن شئت.. استرخ..  وأنتم أيها العبيد اطلعوا  إلى فوق. أطلعوا إلى سطح الهرم.. هيا، هيا، بسرعة من فضلكم... هل صعدتم جميعاً؟.. اصعد أنت  أيها  العجوز..  اصعدي  أنت  أيتها  الفتاة  السمراء  التي لوحتها الشمس والملاريا... هيا  أيها الصبي المنتفخ  البطن بالديدان.... هيا،  هيا.

 هذا ما فعلناه  حين صعد  الجميع إلى  القاعدة المقلوبة  للهرم والتي فرشناها بالسجاد الإمبراطوري بدأت القمة المدببة، قمة الهرم تغور عميقاً في قلب الإمبراطور. صرخ البعض حينها: الرحمة الرحمة إنه  عجوز بائس.. هل تناسيتم الرحمة، أنتم يا من تنادون  بنبل وسمو الأهداف؟

.. أي  والله، لقد صرخ بعض  الأغبياء في صفوفنا بهذه الكلمات ولكن من كان بمقدوره أن يقف في وجه ملايين العبيد؟ من كان يستطيع أن يلجم حصان  الحقد التاريخي على تلك العائلة الدموية؟

 أجل، على المنتصر أن يتسلح بالشهامة ولكن  ليس معني الشهامة هنا، أن  نرسل إمبراطورا قتل مليوناً من البشر إلى مصيف باذخ ليقضي هناك ما تبقى له من  السنوات.. رصاصة واحدة في صدغه تكفي... رصاصة  واحدة تنقص عدد الوحوش على هذا  الكوكب واحداً.. وقد نال جزاءه. نال  جزاءه وأكثر... أنا  شخصياً ساهمت كثيراً  في تنفيذ أحكام  الموت برجال البلاط قبل وبعد انتصار الثورة..  كنت أفعل ذلك بهدوء ودم بارد عجيب... وكأنني  كنت أعمل  بستانياً...

 لم  أشعر بذرة  من الأسف  ذات مرة  من أجل تلك المخلوقات  المهووسة بالدماء  والتي عاثت  فساداً لقرون  وقرون... ثم  أنهم لم يكونوا في نظري  بشراً.... كانوا أفراداً من سلالة  حيوانية غريبة وقديمة قدم اضطهاد  الإنسان... هذه  السلالة لا  بد من  اقتلاعها وانتزاع  كل جذورها  من الأعماق، كما تنتزع الأعشاب الطفيلية والنباتات السامة من حقول القمح. من يستطيع أن يتهم سمكة التهمت  سمكة أخرى بأنها مجرمة أخلاقياً؟

ليس بالمعني المجازي بل في حياة البحار الواقعية، حيث يحدث ذلك آلاف المرات في كل يوم إنه فعل مضاد للحياة، قد يقول البعض.. ولكن  هل خلا البحر من الأسماك بفعل ذلك... كلا.. وهنا  يجب القول إن هؤلاء  السادة ذوي القلوب الرحيمة  قد تناولوا آلاف الأسماك والمواشي بل والبشر أيضاً. إن  قانون الحياة قد يكون قاسياً ومحرجاً، لا بل هو كذلك فعلاً، غير أن النوايا الطيبة ودموع التماسيح لن تغير من مساره قيد أنملة.. والثورة هي بنت الحياة،  إنها القاطرة الجامحة التي تسحب العربات الأخرى  إلى الأمام..  وحتى الزمن  تتغير كثافته  فيها... إنه  لا يشبه الزمن العادي والبليد الذي يمضيه البعض في تلميع أحذيتهم، في قص أظافرهم، في اقتناء مسبحات العقيق والأجهزة البراقة... إنه بكلمة واحدة زمن آخر... عصي على الفهم لمن يفكر بعينين  مشدودتين إلى الماضي... إنه زمن لا  ينتمي إلى الأمس بل إلى الغد..  ومع ذلك،  ومن خبرتي  التي  اكتسبتها  نتيجة الغوص  في الدماء،  فهمت تماماً، معنى الهزيمة  في القصاص.. ذات مرة هزمني أحدهم،  شاب في الثلاثين من العمر،  أوقفناه إلى  الجدار بانتظار  حصته من  الرصاص لكنه  كان يقف  جامداً كالصنم  وبابتسامة  ضاربة  تزين  وجهه.. كان  الآخرون  ينبحون ويزعقون رعباً وخوفاً، أما هو فقد وقف هادئاً وكأنه ينتظر أن نلتقط له صورة تذكارية.

اقتربت منه وسألته: ألست خائفاً من الموت؟  طيب لنقل أنني خائف هل تظن أن ذلك سيقدم أو  يؤخر من الأمر شيئاً؟  سألني... سألته عن حكايته  فقال لي بأن هناك التباساً قد وقع. ألقوا عليه القبض  في الشارع لأنه كان مديراً لسجن النساء.. وقال لهم  بأنه بريء.. لكنهم ضحكوا  عليه.. نعم أيها السيد  ضحكوا عليّ  فسكت، وها أنا الآن أمامك، فَعَجِلْ، عجل أرجوك. قال لي. 

عزائي الوحيد هو أنني متأكد تماماً  من أنهم سيموتون أيضاً.. هيا عليك اللعنة مُرْهُمْ بإطلاق النار. صرخ بي... ثم  عاد يبتسم من جديد، قمت باتصالات كثيرة مع زملائي القادة،  ولكن لسوء حظ ذلك الشاب جاءت  الأدلة دامغة ضده.. الأوصاف كاملة وعجيبة..‏حتى الشامة الصغيرة أسفل  الشفة السفلى، وأثر الجرح تحت الإبط اليسر...  كل شيء  كان في  مكانه، وهنا  شعرت بالإحباط  التام... كنت  واثقاً تماماً من براءة الرجل ولكنني لا أدري لماذا .  ولكن لم يكن في وسعي عمل شيء.

 في اليوم التالي جاءوا به  إلى الجدار،  فقال لي  وابتسامته الزرقاء  توشي وجهه:

 إنك تعذبني كثيراً بهذا، لماذا تطيل عذابي؟

هَمستُ لفصيل الرمي أن يطلقوا عليه الرصاص وهربت دوى الرصاص وسقط  الجسد ولكن الابتسامة،  تلك الابتسامة الضاربة  كسماء الصيف ظلت تلاحقني  ثلاثين عاماً...

 بعد أسبوع   عثروا على  المجرم الحقيقي  أو المدير الحقيقي  لسجن  النساء..  كان  قد  شنق   نفسه  في  مرحاض  من  مراحيض  القصر الإمبراطوري... لم يكن يبتسم بالطبع... كان قطعة يابسة من اللحم الأسود النتن وحين  أخذ  أربعة  من  الحرس  الجمهوري،  الجثة،  ليدفنوها، عادوا من المقبرة مجانين، قالوا لنا بأن الجثة رفضت الدخول إلى القبر.. ولكنها جثة متفسخة أيها المجانين! صرخنا  بهم.. لكنهم أصروا.  قالوا لنا بأنه..  أو الجثة كانت  ترقص وتغني بلغة  لا نفهمها.. اضطررنا إلى  إطلاق الرصاص عليه عدة  مرات دون جدوى، وحين بدء المطر بالسقوط، وما أن لامست قطرات المطر تلك الجثة، حتى سقطت هامدة كصخرة في  القبر... لا أدري ماذا  فعلوا بعد ذلك بأولئك  الرجال، لأنني كنت في طريقي  إلى هنا..

  إلى مملكتي  الداكنة  هذه..

  ملك وملكة  دون رعية  سوى هذه الزهور، ولا ضيوف  سوى أسراب السمك التي تزورنا مرة  كل عام، تمكث في ضيافتنا لشهر ثم تختفي..

ماذا أفعل؟ كنا نصطاد  الأسماك بكثرة في هذا الشهر، نأكل حتى التخمة، ونجفف  منه كميات أخرى،  كطعام لما تبقى  من السنة.

 لو  لم يعطني ذلك البحار علبة  الذرة تلك، لما استطعنا  أن نأكل الخبز.. وهكذا  أصبح لنا حقلاً صغيراً من الذرة،  وتناولنا الخبز بعد جوع طويل.. لحسن  الحظ فإن هذه الجزيرة الجرداء تحوي عدداً من أشجار البرتقال، برتقال غريب هو الآخر لأنه يظل مثمراً طوال  العام.. كرائحة  صديقنا.. صديقنا  الذي.. (ينفذ  الماء من المرشة، تدخل الإمبراطورة.  ينظر الحارس  إليها. يبتعد  عن الأصص.  يأخذ برتقالة  من السلة ويجلس  إلى الطاولة  يقشر البرتقالة  ببطء ويأكلها..  الإمبراطورة تقوم بالسقي أثناء ذلك.. ينتهي الحارس  من تناول البرتقالة)

الإمبراطورة:

لماذا أكلتها؟

الحارس:

(ينهض ويقترب من الإمبراطورة) البرتقالة؟

الإمبراطورة:

لا.. ثمرة السرياس؟ لماذا أكلت الثمرة مع أني حذرتك من ذلك؟

الحارس:

هل أصبحت تعلمين الغيب؟

الإمبراطورة:

لا.. الأمر واضح، كانت هنا خمس ثمرات أما الآن فهي أربع.

الحارس:

تأكدي من العدد السابق من فضلك.

الإمبراطورة:

ماذا تقول؟ هل...

الحارس:

أنا لم أقل بأنك تكذبين... ولكن  قلت لك تأكدي من العدد. كانت هنا ست ثمرات وحين بدأت السقي وجدت العدد.. وجدت  أن عدد الثمار خمس. أي أن واحدة قد اختفت. أين ذهبت يا ترى؟ أين أنت أيتها الثمرة السادسة؟

الإمبراطورة:

كف عن الثرثرة واذهب لتملأ تلك المرشة..

الحارس:

هكذا إذن؟ في هذا معك حق.. معك كل الـ...

الإمبراطورة:

كفى قلت لك...

الحارس:

حسن أنا ذاهب.. يبدو أنك في شوق للغناء... (يخرج)

الإمبراطورة:

اللعين . فقد كان يعرف عددها  ..

 كان يعرف عدد الثمار هو أيضاً.

كيف  غاب عن  ذهني انه  الآخر قادر  على فعل  ذلك ...

  اللعنة ... وأنت أيتها الزهور . . أنت أيتها الزهور ألا تشبعي من الماء.. ألا تشبعي ..

 حسن، اشربي.. لقد شربت اكثر مما شربنا نحن  الثلاثة خلال ثلاثين عاماً... ومع ذلك لا يبدو عليك الرضى..  لا يبدو انك ستشبعين حتى  ولو شربت كل مياه  الأرض والسماء ... تعالي .. تعالي  أنت أيضاً أيتها الثمرة (تقتف ثمرة  أخرى أكبر من السابقة ) ما هذا البهاء؟

أيّ جمال  هذا الذي يشع  منك أيتها الفاجرة  ؟ (تأكل الثمرة)

 أوه اللعنة ... هاهو الصداع  يداهمني ... لا بأس  .. سيعذبني قليلاً  ثم يذهب ..

 لا أحد يموت بسبب  الصداع ،  لا أحد من  قال لن  أموت بسبب  الصداع ؟  لا أحد أيضا.  لكنني لا أشتهي أن أموت  الآن .. لا أريد أن  أموت في هذه اللحظة .  لست مستعدة لذلك الآن . ولكني  حين يداهمني ذلك الشعور الغامر بالفرح  اليتيم ، الفرح الذي لا اعرف له سبباً  أبدا  أشتهي الموت ..  أشتهيه كما تشتهي العانس بعلاً ... وكما يشتهي المسهد إغفاءة.. أوه سحقاً لك  أيها الصداع اللعين .. هاقد أنشب مخالبه في عروقي ...  سيذهب ... سيذهب .. هذا  أكيد ، الصداع سيذهب بعد  أن يشبع مني ولكنك أيتها الزهور .. أيتها الزهور ..  (تسقط المرشة من يدها وتمسح عينيها)

  أين أنت أيتها الزهور ... أوه يا للسماء  ..ماذا حدث ؟ ما هذا الظلام ؟

 إنني .. إنني لا أرى شيئاً .. أوه .. هل .. هل .. أجل .. ما هذا الظلام الحالك ؟ ( تصرخ بقسوة) بصري أيتها الزهور. لقد أخذت بصري ... أيها الحارس  .. أين أنت أيها الحارس ؟ (تسقط أرضاً وتنشج لثوان. صمت. تجلس القرفصاء) ها قد أصبحت عمياء..

(تجوس المكان بيديها ، تصطدمان بالأشياء المحيطة  بها) .. ظلام . . ظلام لاشيء سوى الظلام .. هذا الظلام الدامس الذي  يلفني .. هذا الـ.. هل سأعيش بقية عمري في هذا القبر الأسود ... عمياء !...

 ولكن .. (صمت ) أين ذهب الصداع؟ أخذ بصري وذهب .. اشعر بأن رأسي قد شَف  تماماً... أصبح خفيفاً وشفافاً.. روحي تصفو هي الأخرى... إنني... إنني...آه .. أي سعادة همجية تتغلغل  في عروقي. أية أمطار طاهرة وباردة تغسل  أعماقي. (صمت) فليكن.. لا بأس..  (تنهض فجأة ..    ثقة مباغتة، تبحث عن  المرشة حتى تعثر  عليها تعود إلى  الأصص وهي تتلمس  الأشياء ثم تبدأ بالسقي من جديد..)

لا بأس.. عمياء؟ وماذا  في هذا؟

 كان ينبغي أن يحدث هذا  الأمر منذ زمن طويل.. لو كنت عمياء وأنا في السابعة عشرة من  عمري لما حدث لي ما حدث.. ولما قذف بي إلى هنا كجثة  كلب فاطس.. ما حاجتي إلى  البصر والعينين هنا؟

لا أريد  أن أرى شيئاً... لا أريد، هل تسمع أيها المجهول؟ هل تسمع؟ لا أريد أن أرى شيئاً.. خذ سمعي أيضاً إن شئت، لا حاجة لي به هو الآخر.. خذ هذه الآلة التي لا نفع فيها. ثم أنني  أرى، رغم كل شيء  أرى بوضوح، أشدّ من  السابق.. أرى .... ها هي تلك الفتاة ذات السبعة  عشر ربيعاً،

 الفتاة التي يناديها  الجميع بذات العينين..

. ذات العينين..

وكأنها  الفتاة الوحيدة، التي لها عينان..

 يا ذات العينين لقد زوجناك  من هذا  الشاب..

يأخذها  الشاب الذي  أحبها كما  يحب السجين  الليل.. يأخذها  إلى بيته  الصغير، إلى  مزرعته البسيطة  وبقراته الخمس..  ويمر الشهر الأول  ثم الشهر  الثاني... ها  هي ذات  العينين تمضي  رفقة عريسها الشاب إلى العمل في المزرعة.. إنه وقت الغداء.. يجلسان تحت شجرة التوت العجوز ويتناولان طعامهما... فيما  السماء تتلبد بالسحب... لنعد  إلى البيت تقول له..  كلا ليس قبل أن أجمع قليلاً من الفطر. تلك  كانت هوايته المفضلة قبل سقوط المطر وبعده بقليل... لا بد  من أن نعود.. يجب أن  نعود الآن. تقول له ورائحة  الموت تملأ أنفها..‏تلك الراحة التي علمتها جدتها  كيفية تميزها... يا لجدتي اللعينة كانت ساحرة رهيبة... لم تكن موافقة على زواجي  من ذلك الشاب، أنت تصلحين زوجة وزير أو ملك. كانت  تقول لي دائماً.. ها هو العريس  الشاب يترك ذات العينين لوحدها تحت التوتة  الشامخة، ويمضي ينقب في  الحقل عن الفطر... إنه  ينحني الآن.. لم يجد شيئاً.. يمضي إلى الأمام ومنجله الصغير  في يده.. ينحني مرة أخرى.. ها قد وجد شيئاً هذه المرة.. يلتفت إلى  الفتاة رافعاً حبة الفطر في الهواء، ليريها لها. ها هو  يحث الخطى، عيناه تحدقان في  الأرض. إنه يقترب من شجرة  السرو في وسط الحقل.. إنه  ينحني مرة أخرى... وفجأة ينفجر صوت  يصم الآذان... تمرق كرة من اللهب في هواء الحقل.. و..

 سكت  كل شيء..

عاد المطر الغزير ينهمر..

 الفتاة تحدق بذهول إلى شجرة السرو التي  جندلتها الصاعقة، وإلى الجسد الذي انكفأ على وجهه تحتها..  كأنه يصلي. تركض  إليه.. تقترب..

 لا  شيء.. لاشيء سوى  كتلة من الفحم الأسود أهذا هو زوجي؟

... ويحل  ظلام دامس، يدوم لفترة طويلة جداً كأنها الدهر.. تفيق الفتاة  وتدير عينيها في حلقة من  الوجوه المستطيلة. وجوه بشرية وأخرى  لخيول... أحدهم  يتكلم، لكنها  لا تسمع شيئاً.  إنه الظلام مرة أخرى... ظلام ثقيل كالموت.. حين تفيق تجد نفسها في مكان آخر. امرأة بلباس غريب، تحاول أن تشرح لها ما حدث. وفهمت أخيراً  أن الصاعقة قد قتلت زوجها الشاب، وأن موكب الصيد  الإمبراطوري العائد  إلى القصر   التقطها من  هناك كما  يلتقط  الإعصار المدمر  عصفورة مبللة

..  هام بها   الإمبراطور الشاب  لثلاثة أيام  وفي اليوم الرابع ضمها  إلى سرب الإناث اللواتي  يزين بهن سريره.

 يا لجحيم  أنت جميلة يا ذات العينين.. بل خارقة الجمال ستكونين زوجتي يا ذات العينين. ما رأيك يا ذات العينين؟

  وتسكت.

 ينعقد  لسانها،  فيهتف  الإمبراطور  بصوته الفاجر الغليظ..

 يا لجحيم، إذن  فأنت موافقة، حسن..  سيكون عرسي هذه  الليلة.. يا للجحيم  تحرك أيها الوزير،  أقول لك هذه الليلة.

 يا الهي إنني أرى  كل شيء الآن.. المدنية مضاءة تماماً كشعلة  من اللهب، الموسيقي تصدح... إنني أرى  وأشم و أسمع... ها هو الإمبراطور  يدخل مخدع الفتاة..  يقول لها  وهو يجس أعضاءها كتاجر المواشي الفطن.. آه.. كيف حالك أيتها العروس.  قيل لي بأنك  متزوجة حديثاً..  آ..  لقد  سمعت  حكايتك..  سمعت...  لا  تقلقِ..  قلت لهم أريد هذه الفتاة.. قلت لهم  لا بد وأن تكون زوجة  من زوجاتي. يا للجحيم ليست  جارية بل زوجة... هيا.. هيا أيتها الجميلة.. ما  اسمك.. آه.. قيل لي بأنهم يسمونك بذات العينين..  حسن فليكن..  هيا يا  ذات العينين  أنت تعرفين  هذه الأشياء..  يا للجحيم ألستِ عروس جديدة؟

وبعد شهر ينساها الإمبراطور... فتعود لتبحث عن نفسها وسط ذلك الحطام.

 وسط ذلك الركام الهائل  من الحزن والدموع..  تحاول أن تتصيد  الذكريات فتهرب منها  كما تهرب الأسماك من  أكف الصغار.. لا شيء.. هكذا، لا  شيء البتة.. عليها أن تكون كما أريد لها أن تكون، وليس كما أرادت هي. ثم تأتي سنوات الدم بكل ما فيها من رعب وأهوال وفواجع وذات العينين تتحرك، كما يترك بندول الساعة. ضعيفة ومسلوبة الإرادة. غير أن تلك البذرة الصغيرة من  الضوء في داخلها، ما انفكت تتنفس بين الحين والآخر.. تنساها  أو تتناساها وتحاول بجهد جهيد  أن تكون كما أرادوا...

 وفجأة  تأتيها تلك  النخسة المؤلمة  في الأعماق،  فتضطرب لما  ترى حولها ولما تسمع.  تحاول أن  تكون قذرة  مثل جميع  أولئك المسافرين  على ظهر  ذلك السفين الأهوج،  والذي لا  خيار أمامه  إلا المزيد  من الإبحار  في الدماء... ثم جاء التاج وحط  على رأسها، وجاءت  الأمراض والعلل والأعراس  المجنونة، وذلك القبس المؤلم كما هو..  يضرب ضربته ويختفي، ليعود مرة أخرى  وفي الوقت الذي يشاء... لو أن  أحدهم أحضر الآن الإمبراطور  أمامي، ومنحني سلطة مقاضاته  لجعلته يموت رعباً.. قبل أن يموت بسيف أو رمح أو رصاصة.. أيها الإمبراطور أنت  متهم بقتل وإبادة الآلاف من البشر.  أنت عدو للحياة فما قولك؟

آ... يا للجحيم ولكنهم كانوا يريدون رأسي... إنهم يطالبون بدمي.. ولماذا يريدون  رأسك ويطالبون بدمك؟  أليس لأنك سفكت  الكثير من الدماء؟  طيب أيها الإمبراطور، لنفترض بأنهم شريرون وهدامون... يريدون لك ولحضارتك الموت.. لنفترض بأن الجميع أوغاد وقطاع طرق كما يهمس لك وزيرك...

(يدخل الحارس)

لنفترض كل هذا  ولكن ألا يعني لك ذلك  بأن حظارتك فاسدة، وأنك فشلت  في إدارة شؤون المجموع؟ ألا يعني هذا بأن ناموس حضارتك فاسد بدليل فساد المجموع؟

الحارس:

أجل هي فاسدة ولكن من وجهة  نظرك أنت. ولكنها سليمة من وجهة نظري أنا الإمبراطور...  ثم أن  هذا العدوان  الذي يمارسه  هؤلاء الإرهابيون ليس أمراً جديداً  في التاريخ..  لو أنك  فتحت أي   كتاب من  كتب التاريخ  لوجدت أن  كل الحضارات والشعوب قد ابتليت بهذا النوع من الأوبئة...

الإمبراطورة:

هل تعتبر الثورات والحروب والفتن وفي جميع الأحوال سلبية ومضادة للحياة؟

الحارس:

لا.. ليس كلها.. إذا جاءتني هذه  الحروب بمكسب أو نصر باهر فهي سليمة ولا شرور فيها. أما إذا اهتز عرشي وعرش أجدادي بفعل فتنة أو ثورة، كما تسميها فهي شر مطلق... ولا تعني سوى الدمار والخراب وفقدان النظام والاستقرار.

الإمبراطورة:

أليس الاستقرار  الذي تدافع عنه هو فترة  صمت، كصمت القبور يمتد بين زلزالين؟  ألا يشبه هذا الصمت  والنظام، وهو بالتالي أمنك  أنت واستقرارك أنت، ألا يشبه هدنة مؤقتة بين جيشين يتخللها الكبت والعسف سراً وعلانية؟

الحارس:

إذا كان الأمر كذلك فليس القرار  بيد من يسعى إلى دوام الحرب أو دوام الهدنة.. هكذا هو الحال منذ بدء الخليقة.

الإمبراطورة:

إذن فهي دوامة لا نهاية لها ولا مخرج منها..

الحارس:

وهل تعتقدين العكس؟

الإمبراطورة:

أنا التي أسأل هنا.

الحارس:

ماذا  أصابك؟ لماذا تصرخين  هل صدقت بأنني  الإمبراطور.. أنا لم  أكن أتكلم بلساني بل دخلت معك في اللعبة،  وأخذت دور الإمبراطور.. ثم لو أنني كنت مؤمناً بهذا الذي قلته الآن لما كنت أعيش معك على هذه الجزيرة...

الإمبراطورة:

اسكت.. قلت  لك اسكت (يقذف المرشة باتجاه  الصوت وتسقط هي أرضاً بعد أن تتعثر بأحد الكراسي)

الحارس:

ماذا حدث؟ قومي.. هيا انهضي..

الإمبراطورة:

هل جئت بالماء؟

الحارس:

نعم. ولكن ما الذي حدث؟

الإمبراطورة:

أجلسني.

الحارس:

ماذا؟

الإمبراطورة:

أقول لك أجلسني.. أجلسني على الكرسي.

الحارس:

(يقرب منها كرسياً ويعينها على  الجلوس) أمر غريب. لماذا لا تتكلمين؟ قولي ماذا حدث لك؟

الإمبراطورة:

فقدت البصر.

الحارس

كيف؟ ماذا فقدت؟

الإمبراطورة:

أوه،  كفى، لا تزعجني  أرجوك.. قلت لك  فقدت بصري.. عمياء،  لقد أصبحت عمياء.. هل فهمت الآن..؟

الحارس:

(يضحك) يا لها من مزحة تضحك القتيل.. تقول عمياء..

الإمبراطورة:

حسن، لا تصدق.. ولكن هذا هو الأمر.. ثم إنه لا يزعجني في شيء.

الحارس:

(يقترب  منها ويحرك كفه  أمام وجهه) أوه  اللعنة، هل حقاً  ما تقولين أيتها العجوز؟

الإمبراطورة:

كفى زعيقاً قلت لك، أعطني شربة ماء.

الحارس:يأخذ برتقالة من السلة ويقدمها لها) خذي الماء.

الإمبراطورة:

(تمد يدها)  ما هذا؟ (تتحسسها) هل تسخر  مني أيها الشيخ اللعين؟ هل أوصلتك أخلاقك إلى الحد الذي  جعلتك تسخر من عجوز عمياء؟ (ترمي البرتقالة)  إلى الجحيم إذن، وعليك لعنتي.

الحارس:

أوه.. يبدو أن الأمر كما قالت... إنني اعتذر... اعتذر لك يا صديقتي لم أكن أريد أن أسخر منك، أردت التأكد  فقط مما قلت.. إنني... إنني أعتذر.. أقسم لك  بأني لم  أكن أسخر  أردت أن...  آه.. يا  الهي.. كفي  عن البكاء  سامحيني. أرجوك... أتوسل إليك... ولكن كيف حدث هذا الأمر كيف؟

الإمبراطورة؟:

حسن،  كف عن النحيب  أنت الآخر.. لقد  سامحتك.. ليس في  ما حدث مصيبة... ربما كانت نعمة متأخرة قليلاً، مَن  علي بها القدر. من يدري؟

الحارس:

متى حدث الأمر وكيف؟

الإمبراطورة:

بعد إن ذهبت أنت مباشرة، أصابني صداع عنيف ثم حل الظلام. لم أعد أستطيع أن أرى شيئاً.

الحارس:

هل أكلت من.. من تلك الثمرة ثانية؟

الإمبراطورة:

نعم أكلت واحدة. هل تعتقد بأنها السبب؟

الحارس:

لا أدري... ربما.. اللعنة إن عدم وجود أسباب أخرى يجعلني على يقين من أن تلك الثمرة هي السبب.

الإمبراطورة:

ربما  كنت مصيباً. من يدري؟  ولكن لماذا لم يحدث  لك ذات الشيء. لقد أكلت منها ولكنك لم تفقد بصرك. أليس كذلك؟ أما زلت تبصر؟

الحارس:(

آ.. نعم ما زلت أرى..

الإمبراطورة:

ألم تأكل أنت من تلك الثمرة؟

الحارس:

نعم  أكلت.. ولكن قد  يكون لعدد الثمرات  علاقة بما يحدث..  أنت أكلت ثمرتين وأنا أكلت واحدة..

الإمبراطورة:

حاذر إذن من تناول ثمرة أخرى. فقد تفقد بصرك أنت أيضاً. هل تعرف ماذا حدث لي حين ذهب عني الصداع وحل الظلام؟

الحارس:

ماذا؟ ماذا حدث لك؟

الإمبراطورة:

شَفَّتْ روحي وصَفتْ كما يصفو الماء الزلال.. ورأيت أشياء وأحداث مر عليها  زمن طويل.. طويل جداً  حتى كادت تسقط في  هوة النسيان. رأيت الكثير والكثير..  حالة من  الرضى والدفء   اللذيذ كانت  تغمرني.. إنني  أهجس ملايين الزهور والفراشات تسبح  في دمي بحبور.. شيء من  الود... و..والـ... آه والحب، لا تضحك مني... أجل شيء من الحب يسري  في عروقي كما يسري النسغ في الشجرة بعد جفاف طويل. إنني.. اقترب.. اقترب مني.. أين أنت؟

الحارس:

(تقترب متردداً) ها أنذا.. ماذا تريدين؟

الإمبراطورة:

قبلني...

الحارس:

ماذا؟ أقبـ...

الإمبراطورة:

نعم... قبلني.. هات فمك.. نعم قبلني طويلاً... (يقبلان بعضهما)

الحارس:

ما رأيك الآن؟ هل أجيد التقبيل؟

الإمبراطورة:

نعم تجيده ولكن فمك بارد... إنك تجيد التقبيل أيها اللعين ولكنك تقبل دون.. دون حب..

الحارس:

ماذا  أفعل؟ هذا ما فعلته  بنا كل هذه السنوات  الطويلة والتي لا ملح فيها.

الإمبراطورة:

حاول مرة أخرى..

الحارس:

(ينحني عليها) لن تشعري بفارق كبير.. (يقبلها) رائحتك غريبة.

الإمبراطورة:

هل هي كريهة؟

الحارس:

لا... لم أقل ذلك..

الإمبراطورة:

فهي عطرة إذن؟

الحارس:

لـ...  لا.. ولا هذا أيضاً..  رائحة عجيبة لا تمت  بصلة لما اعتدت أن أشمه رائحة ليست كريهة ولا هي بالعطرة..

الإمبراطورة:

أي شيء تشبه؟

(صمت طويل)

الحارس والإمبراطورة:

صاعقة.

الإمبراطورة:

هل قلت صاعقة؟

الحارس:

نعم، وأنت قلت ذات الكلمة أليس ذلك؟

الإمبراطورة:

نعم... إنها كذلك..

(يبتعد الحارس.. يقترب من أصص الزهو.. يقطف ثمرة ويأكلها)

الإمبراطورة:

يا لك من شيخ ماكر.

الحارس:

ولماذا؟

الإمبراطورة:

لقد سرقت  واحدة من ثماري، وأكلتها. أنت  تحسدني على ما أنا فيه.. رغم إن أحداً لا يتمناه..

الحارس:

إذن  فأنت تكذبين ولست  عمياء... هل كنت  تمزحين؟ قولي أتوسل  إليك.. أرجوك هل كنت تمزحين؟

الإمبراطورة:

لا لم أكن أمزح.. ولماذا أمزح؟

الحارس:

كيف عرفت إذن بأني قد أخذت تلك الثمرة وأكلتها.؟

الإمبراطورة:

رأيت ذلك ولكن ليس كما كنت أرى.. حسن لا أستطيع  أن أوضح لك الأمر الآن، ولكنك ستتأكد بعد قليل.. هل انتهيت منها؟

الحارس:

ما هي؟

الإمبراطورة:

الثمرة. ثمرتي التي سرقتها.

الحارس:

ثمرتي... ثمرتي.. أنك تكررينَ ذلك وكأنها ثمرتك حقاً.

الإمبراطورة:

ألستُ أنا التي زرعتها ورعيتها طيلة هذه السنوات؟

الحارس:

وماذا  في هذا؟ أنا أيضاً  ساعدتك في ذلك. وربما  أكون قد أرهقت نفسي أكثر  منك..  قولي لي من  يوفر  لك،  أو  لأقل  لنا  جميعاً،  الخبز والسمك والبرتقال؟... من؟ من  يساعدك في جلب المياه من النبع؟  من يتكفل دوما بأبعاد الرجل، الرجل ذي الرائحة المقيتة ويرسله دائماً إلى الفنار؟ من...؟

الإمبراطورة:

لا تنس بأني ساهمتُ معكَ في صنعِ ذلكَ الرجل وذلك الطعام.

الحارس:

أنا لم  أقل  بأنك لم تفعلي شيئاً.. أنتِ  التي  تقولين  ذلك .. وتَد عين... وتدعين...  وتد عين... آه... آه...  رأسي.. رأسي يكاد  ينفجر... آه... آه.. رأسي.

الإمبراطورة:

الصداع؟ هل هو الصداع؟

الحارس:

آه.. نعم.. رأسي.. يا له من  صداع.. آه.. اللعنة..

الإمبراطورة:

هات واحدة من الثمرات وتعال  إلى هنا بسرعة، قبل أن يحل الظلام. أسرع... لا تقطفها كلها.. لا تقطف الثمار كلها.. اقطف الناضجة..

الحارس:

(يسرع إلى  الأصص ممسكاً  برأسه يقطف  ثمرة ثم  يعود ليجلس إلى جوار الإمبراطورة) آه... رأسي.. إنه يؤلمني... يؤلمني كما لو أن رصاصة قد دخلته..

الإمبراطورة:

اصبر قليلاً... سينتهي كل هذا بعد قليل..

الحارس:

آه... فعلاً...  بدأ يتلاشى... أجل يتلاشى... ولكن...  ما هذا الضباب الأسود؟... ما هذا الضباب الأسود الثقيل؟.. أنه.. أنني..

الإمبراطورة:

اهدأ .. اهدأ... أيها الشيخ... هل تستطيع الغناء الآن؟

الحارس:

(بعد صمت يستمر طويلاً وثقيلاً) أية عذوبة.

الإمبراطورة:

ماذا قلت؟..  حسن لا  أريد منك  جوابا.. سأسكتُ  لئلا أزعجك.. استمرئ أنت هذه اللحظات السماوية.. ولكن ناولني تلك الثمرة.

الحارس:

(يمد يده  بالثمرة إلى الإمبراطورة) أيه أيتها  السماء! ماذا جرى لي؟ أكاد أطير.. أنني أطير.. أطير.

(يضحك. الإمبراطورة تأكل الثمرة)

إنه السلام أخيراً..  أين أنت أيها الفارس الجميل؟ أين كنت؟

دمي يغني.. إنني أسمع غناءه الآن..

روحي تخضر رويداً، رويداً... أنها تتواشج والجذور

جذور الهواء الحبيب..  الهواء الطاهر... دمي يرقص... أنه يرقص...

(ينهض الحارس ويبدأ بالرقص.. الرقصة تبدأ هادئة، تستمر هكذا، لدقيقة، ثم تصبح وحشية، عنيفة، سريعة  الإيقاع. تهدأ من جديد وتستمر  هكذا لدقيقة، لدقيقتين.. يتصاعد بعدها  الإيقاع.. حركاته تصبح  سريعة، قفزاته في  الهواء تُشعر الناظر بأنه يكاد  يفلت من أسر الجاذبية  الأرضية. يصطدم جسده بأحد  الأعمدة ويسقط.. يظل هامداً هكذا..)

الإمبراطورة:

لقد سقط.  لا بد  وأنه سقط.  هل هشمت  رأسك أيها الصقر العجوز؟

(تنهض الإمبراطورة) أين أنت؟ (تتلمس ما حولها، باحثة عن شيء. تعثر  على المرشة،  تأخذها وتواصل  البحث عن  الحارس) لا  بد وأنه  قد غاب عن الوعي. مثله  لا يموت بسهولة هكذا.  (تقع يدها على جسد  الحارس. تتلمس الجسد. تجد الرأس.  تريق قليلاً من  الماء وتبلل وجهه..  يفيق الحارس قليلاً،  ويجلس ماداً ساقيه على الأرض..)

الحارس:

ماذا حدث؟ أين أنا...؟ ما هذا الظلام؟

الإمبراطورة:

ها قد أفقت أخيراً.

الحارس:

ماذا حدث أيتها العجوز؟ ماذا حدث؟.. آه... (صمت) تذكرت.

الإمبراطورة:

هل أنت نادم؟

الحارس:

قليلاً.

الإمبراطورة:

أنت أكثر شجاعة مني... بالنسبة لي حدث الأمر مصادفة...لم  أعرف بأن  تناول تلك  الثمرة سيؤدي، قطعاً، إلى نتيجة كهذه..  إذن فليس باستطاعتي المفاخرة بشيء... ربما كنتُ سأفعل ما فعلت وأتناول تلك الثمرة حتى لو كنت أعرف النتائج ولكن هذا يظل احتمالاً..

(صمت) أنا متأكد من أنني كنت سأتناولها ولكن أنت، هل كنت ستصدقني

الحارس:

أصدقك..

الإمبراطورة:

بل قل، كنت سأصدقك..

الحارس:

حسن. لا تحزني لهذا الأمر.. ثم  إنكِ ما زلت قادرة على القيام بالشطر الآخر من المغامرة.

الإمبراطورة:

ليست مغامرة. هذه الكلمة تنضح جُبناً. إنها لعبة.

الحارس:

هل ستكملين الشطر الآخر؟

الإمبراطورة:

لقد أكملته..

الحارس:

هل..؟

الإمبراطورة:

نعم لقد أكلت الثمرة الثالثة.

الحارس:

ها أنتِ تعوضين عما فات.. أنت الآن أمام المجهول..

الإمبراطورة:

إنني أمقت الكلمات، الكلمات الكبيرة..

الحارس:

حسن. هل تعرفين ما سيحدث لك بعد تناول الثمرة الثالثة؟

الإمبراطورة:

ما زالت هناك ثمرة أخرى.. إنها لي..

الإمبراطورة:

خذها، إنها لك.

الحارس:

وأين هي الآن.. أنا لا أرى شيئاً.

)تنهض الإمبراطورة تقترب من الحارس) ماذا؟ ماذا تريدين؟

الإمبراطورة:

لنبحث عنها سوية. هيا.

(ينهض  الحارس  أيضاً، يسيران وهما يعتمدان على بعضيهما، يتلمسان الطريق والأشياء المحيطة بهما.

أين هي.. أنني لا أجدها..

الحارس:

قد تكون سقطت على الأرض.

الإمبراطورة:

لا تكن ثعلباً معي الآن...

الحارس:

لا، ولكن حاذري أن تدوسي عليها.

الإمبراطورة:

لن  أدوس عليها.. إنني  أشم رائحتها.. أين  أنت؟ أين أنت  أيتها اللعينة؟

الحارس:

لا تشتمينها، فقد...

الإمبراطورة:

(تصرخ) ها هي أخيراً... خذ لنعد الآن.

(يعودان إلى الطاولة والكراسي)

الإمبراطورة:

لماذا أنت صامت؟ هل أنت خائف؟

الحارس:

لا... (يأكل الثمرة)

الإمبراطورة:

لم لا تتكلم، قل شيئاً...

الحارس:

لا تتعبي نفسك بطرح الأسئلة.. اصبري قليلاً وسنرى.

الإمبراطورة:

آه.. يا للسماء. لقد قال سنرى... هل قلت سنرى؟

الحارس:

أوه اللعنة.. نحن لن نرى شيئاً بعد اليوم..

الإمبراطورة:

ولا حاجة بنا لهذه الكلمة.. لنحذفها إذن!

الحارس:

نعم، لنحذفها.. ماذا سيحل بنا الآن؟

الإمبراطورة:

لم يعد يهمني هذا الأمر.. فلأمسخْ قرداً... لا يهمني.

الحارس:

أنا أيضاً لا يهمني ولكني أخشى شيئاً واحداً..

الإمبراطورة:

تخشى أن تُمسخ قرداً، أليس كذلك؟

الحارس:

لا، بل سمساراً... أو شرطياً بضحكة أُنثى... والبحر؟

الإمبراطورة:

(بعد صمت) هل تشعر بالبحر؟

الحارس:

لا أدري إلى أين ذهب هو الآخر؟

الإمبراطورة:

أسألك هل تسمع البحر؟

الحارس:

لا بد وأنها تفكر بالساحل القمري؟

الإمبراطورة:

لماذا أنت صامت كالصنم؟ تكلم قل شيئاً.

الحارس:

ها قد فقدنا البحر. ماذا تبقى لنا؟

الإمبراطورة:

(تنهض وتهجم على الحارس) عليك اللعنة  أيها الهرِم العنيد.. عليك..

الحارس:

ماذا؟ ماذا حدث لك ماذا تريدين؟ هل جننت؟ تكلمي، تكلمي.

الإمبراطورة:

تكلم، تكلم، لماذا أنت صامت؟ لماذا لا تتكلم؟. تكلم أنا خائفة.

الحارس:

أوه... لا بد وأنها قد فقدتْ السمع أيضاً.

الإمبراطورة:

حسنٌ.. لا بد وأن تلك الثمرة قد جعلته أصماً..

الحارس:

وأنا كذلك، لقد فقدت السمع.

الإمبراطورة:

أنا أيضاً أصبحت صماء. يا للمسكين... اختفى غناء البحر لكن..

الحارس:

ما زلنا نملك رائحة البحر.. لا بد وأنها تفكر بالصاعقة..

الإمبراطورة:

لن يشبع من التفكير بالبحر  بعد الآن...

الحارس:

يا لها  من عربة  عملاقة تلك  التي حلمت بها البارحة،  عربة رائعة الجمال تجر أشياء وأشياء... ماذا  كانت تشبه؟... لا أدري. كانت تسير بصعوبة في الوحل، والرماد، والضباب، والجوع، والغناء، والدماء وال... آه حقاً.. لقد رحل..  البحر الواسع  رحل. شكراً  لك أيها  الصديق الشهم..  شكراً لك على ما قدمته لنا...

الإمبراطورة:

(تنهض واقفة) ها قد عاد..

الحارس:

أشم رائحته لا بد وأنه قد عاد..

الحارس والإمبراطورة:

ماذا تريد؟

الحارس:

اذهب من هنا.. اذهب إلى الفنار.

الإمبراطورة:

لماذا عدت؟ لا أريد أن أسمع شيئاً.. اذهب إلى الفنار.. هيا..

الحارس:

حمداً للسماء لقد ذهب..

الإمبراطورة:

لا أدري لماذا عاد.. هل...؟

الحارس:

يا لها من رائحة سمسار

الإمبراطورة:

لا أدري لماذا صنعنا هذا  النتن؟ أين ذهب هذا الشيخ؟ لقد نسيته (تقترب منه) آه.. ما زلت هنا إذن..

الحارس:

ها؟ ماذا تريدين؟ هل يعجبك الرقص؟ (يصرخ) الرقص.

 

(هزيم الرعد يصم الآذان)

لنرقص.. لنرقص... هيا يا صديقتي هكذا.. أجل هكذا..

الإمبراطورة :

 أوه .. أوه .. ماذا  تفعل ؟

 ماذا تريد أيها الشيخ ؟

 ماذا تريد؟

  ( هزيم  الرعد يزداد قوة . أوراق وزهور السرياس  تنمو بسرعة . تزحف على الأرض باتجاه أعماق المسرح . الحارس يتعرى قاذفا ملابسه هنا وهناك .. الإمبراطورة تفعل الشيء ذاته . أوراق السرياس تواصل زحفها .. ظلام دامس يلف المسرح يتخلله ضوء البرق النافذ من خلال الكوى الأربع في الجدار والتماعات زرقاء تظهر وتختفي .. الحارس يشرع بالرقص منفردا .

الإمبراطورة ترقص منفردة .. يصعدان الممشى الحجري .. الحارس من جهة اليسار ، والإمبراطورة من الجهة اليمنى . يقفان في حالة استعداد للانطلاق . في اللحظة نفسها التي ينطلقان فيها باتجاه أحدهما الآخر تنغلق الكوى الأربع محدثة صريرا حديديا مزعجا .

ظلام

يضاء المسرح بعد فترة من الصمت الثقيل .ز ضوء واهن أبيض كضوء الفجر يقوى بالتدريج . يبدو وكأن الضوء يصدر عن تمثالين كستهما أوراق وأزهار السرياس اليابسة . يدخل شاب في ملابس بحار وعلى ظهره حقيبة جلدية كبيرة .. البحار يكلم شخصا لا يراه النظارة بصوت غير مسموع ..

يشرع البحار بإزاحة الأوراق الجافة عن التمثالين . التمثال الأول لرجل والآخر لامرأة . الرأسان من الذهب . الجذع والأطراف من حجر بلون الجدار .

يتمكن البحار بمساعدة الشخص الآخر " اللامرئي " من انتزاع رأسي التمثالين في وقت واحد . يخيل للناظر وكأن الرأسين انتزعا بقوتهما الخاصة .

حمامتان تنطلقان من جوف التمثالين تطيران في فضاء المسرح .

يسدل الستار قبل أن تتمكن الحمامتان من مغادرة المسرح .)