|
عرض ونقد مسرحية جبهة
الغيب*
د . فاروق مواسي
(هذه القراءة أفادت من
تحليل محمد غنيمي هلال
للمسرحية ، وذلك في كتابه
:
في النقد المسرحي
، دار نهضة مصر ،
القاهرة – 1955 ، ص 107
.)
الزمان والمكان :
غير
محدودين
أشخاص المسرحية:
فدا- المغامر
هادي- تلميذة
القوال- رئيس الفلاحين
الإمام- زينة- هنا-
الكسيح والأعمى القيثاري-
فلاحون
عرض المسرحيـــة :
فدا بطل المسرحية يتطلع
إلى الوصول إلى "العالية"
ذلك الجبل الذي تستقر فيه
الأبدية.
فدا يحدق إلى الأعلى ،
بينما الفلاحون اكفهم
مبسوطة فوق الحواجب لا
يجرؤون أن يرفعوا
أبصارهم. وما هي الأبدية؟
عشبة بيضاء قصيرة الورق
عند البيت المنقور، من
أكل منها وهي نديانة ظفر
بالحياة الأبدية، والطريق
إلى الأبدية وعر وتهدده
أشباح الفناء، فقد أصيب
الاثنان اللذان جرؤا على
اقتحام الأبدية: الأول
أعمى والثاني كسيح.
هادي تلميذ فدا يخاف أن
يرافقه في رحلة يترصده
فيها الموت، ولكنه يؤمن
بالمغامرة.
وفي يوم العيد تخف
القيود، والإمام –رمز هذه
القيود- يحذر من التمادي
والإيغال في المسرات،
ويستمعون له بامتعاض،
غير أن هذا لا يمنعهم من
أن يرجوا زينة بأن ترقص.
تترد زينة لأن حبيبها فدا
على وشك المغامرة. فزينة
أحبت فدا، وقد أحبت
المغامرة، لكن فدا لم
يستجب لها، ولا يريد
إعانتها له فهي ليست
أهلاً له، كانت تحب نفسها
أكثر مما تحب المغامرة،
ثم ينتبه الجميع إلى رجل
يصعد .
يستوقفه الإمام قائلاً:
"يا رجل لا تصعد فصعودك
خطيئة".
يجابه فدا الناس، وخاصة
الإمام، بأفكار صوفية
يتحدث فيها عن الإنسان :
"حسبك أن تكون سلكت في
الطريق، أن تهجر الخيمة
بعد أن غلغلت الصحراء في
فؤادك، لا نظرة من حدقة
جنيت بغبار السنابل،
ولكن من حدقة هي للروح
طاقة".
فالإمام في نظره سجّان
شريعة، وأن من شط به
الصعود لا يموت، هو صاعد
ليستخلص عمره من براثن
العدم، فتنجو ساعات ليله
ونهاره. الفلاحون صدى
ضئيل للإمام الذي يريد أن
يجعل الناس قلبًا واحدًا.
ويفصح فدا عن عاطفة حب
تجاه هنا التي ترى أن
المغامرة ليست عابثة، وأن
فدا يقوم بواجب الله به
أمام نفسه.
اتفقت معه في مبدئه، ولكن
عزيمتها قصرت كما قصرت
عزيمة هادي.
ثم صعد فدا بعد أن وعد أن
يلقي كل يوم حجرًا دليلاً
على بقائه حيًا، وهنا
تنتظر نتيجة المغامرة
وإتاوة النصر، وتتطلع أن
"تحيل شوك البحر إلى
براعم تنثرها في حجر شجرة
يبس عودها وقسا" ، وتعني
بهذا العود اليابس حبيبها
فدا، ثم تحتضر ( هنا)
لان الحجر لم يسقط، وإذا
بفدا يعود من حيث أتى،
وإذا بالإمام يعيب عليه
أنه لم يتمكن من إلقاء
حجر صغير. ويشرح لنا فدا
سبب عودته: أن سحب الحقد
من البشر تصاعدت إليه،
وأعيا هو بالجهد، أفسدت
عليه مضايق فرجة عشب
الخلود في الأعلى، فهو قد
أمعن في العلو متمردًا
على طبيعته، ولم يتزود من
الأرض بقدر كاف للوثبة.
صعد دون جذور فأخفق، لكنه
لن يستسلم، سيعيد الكرّة،
سيعود للذرى بعد أن فقد
(هنا) التي قتلها الحجر
الذي لم يسقط. أما هذه
المرّة فسيصعد لغرضين :
"أسلب المغارة كنزها،
وأحاسبها على قساوتها".
زينة ترى أنه سيصعد
مكبلاً بقيود الحنق. لا
يستمع فدا إليها يقول
لها:
"يزول الحنق ما دام الوجه
إلى فوق".
زينة تعجب لصلابته، تبدأ
تفهمه، عرفت أن فدا ثار
على ضعف عزيمة الشعب
المستسلم، وأنه أراد
تريية الإرادة لدى
الآخرين ، فالحياة بدون
صعود هي الموت.
تدرك زينة أن قسوة فدا
كانت نوعًا من الحب –حب
تقريبها إلى سماواته عن
طريق إخلاصها لذات نفسه.
وفي النهاية يسقط فدا
ميتًا من أعلى الجبل، سقط
ضحية هادفة لهذه الجموع
الغافلة، أسرف على نفسه
في القسوة فانهزم، ولكنه
شحذ عزائمهم. فهادي يعد
أنه سيأتي يوم يتسلق فيه
منارة الأبد، فيسأل "بهاءها
ما يقتضيه الفوز من عروق
تتفجر".
ويقف هو وزينة في صمود
أمام جشع التقليد الذي
تمثل بالإمام، ومن حسن
الحظ أن هادي يقول لزينة
في ختام المسرحية: "زينة
انظري أصبحوا ينصبون
الرؤوس ويحدقون في
العلياء".
هذه ملامح المسرحية
بإيجاز قدم لها الكاتب
قصة "رجل" ، وكأنه خاف
على القارئ ألا يسبر
غوره، فجعل هذه الأحدوثة
بنتا لهذه القصة، وعقّد
المسرحية في صراع
الشخصيات داخل غموض مستتب
يحصي عليه ألفاظه العذارى
التي ما فضّها القارئ إلا
وعالج رحبا من الخيال.
أشخاص المسرحية:
فدا
فدا هو تجسيم للفكرة
المحورية يستطيع الشموخ
على طريق وعرة وتؤدي إلى
المطلق، فدا صندوق من
الدر الفكري يقدم لنا
وجبات شعرية مرئية، يقف
أمام القضاء ذلك "الحبل
المحبوك الذي انسل من لحى
مشعوذين سدت ألاعيبهم
معارج الصدق".
فدا يريد أن يواجه مطلع
الغيب –أو جبهته كما يخيل
لي- يفكر تفكيرًا صوفيًا.
يقول له الإمام "أنت مجدف"
، لكنه في نظر نفسه مؤمن-
"ما دامت السماء ترقبنا
فليس الوجود سوى اندفاق
ينبوع وجدان".
هو يريد أن يرحل ليمسح
الرمح الراكز في الجبل
بنقاوة قلبه، فالله على
رأيه "يشق عليه عجز الخلق
عن إدراكه" ، وعدم إدراك
الله عار. هو صاعد
ليستخلص عمره كي لا يموت،
فساعات الناس لحظات
ينتزعها تميع الأفراح
وتفه الأحزان.
والهدف من الصعود أيضًا
أن يتحكم في شحنة الحياة،
يصرفها إلى غاية يريد
الناس أن يحدقوا إلى
العلاء، أن لا يجثموا في
ظل شيء هائل متماسك
يتطاول، فيهددهم بالسحق،
أن يصعد إلى العالية "حيث
الله غير موجود:.
ولعل الكاتب رمز إلى نقد
رجال الدين من خلال وضع
الكلمات الشاعرة وشفوف
اللفظ والفكرة، فجعلها
على لسان فدا.
شخصية فدا تمثل أزمة
الفنان أو النبي الذي
يلقى نفسه في مهيع
التهلكة، حتى يستدل
الآخرون الدرب، وربما
كان في حدسه سائحًا في
محراب المحجوب، حائما على
لهب العرفان، ولكنه في
حقيقته مدعاة للتفكير
يسأله الإمام:
"هل تغلب سلطان
الشرائع"؟ فيتهمه بأن
الشرائع" صخور رست أنت
تحتقرها وترفع رغوتك هباء
حتى تستبد بنا وبالكون .
فيجيبه فدا : " الكون
مبذول لنا ليست أنفاسنا
رعية له هينة، أما رواقه
المشحون بتزاويق العبث
فلا يطمئن تحته تثاقل
الجسد".
منطق فدا يصطدم مع منطق
الشخصيات الأخرى، ومن
خلال هذا الصدام لا بد أن
يتطور في ثنايا النقاش.
منطق فدا يحرك الشعور
بقدر ما يحرك فينا الفكر.
هادي
يظن أن الموت يرصده في
شِباك المغامرة، لكنه
مؤمن بها، بدا إيمانه
يحيا عندما مات أستاذه
فدا، يقول عنه "هو الذي
كتم رئتيه قبل جلجلة
الرعد ، فمغنمه أن يطرح
العدم الذي يحصره لكي
ينهض بعبء الكون".
وعندما يحاجج الإمام
الشامت يقول له هادي:
"حسبنا الرمي، لا نبالي
أصاب أم قصر" .
هادي مؤمن بطريق أستاذه
لا يريد أن يظفر باله،
يمشي خوفًا من السأم الذي
يدب في اطمئناننا، بل كتب
عليه "أن يتلطف لشفوف
الجلالة ليستنزل منها في
خلجاتنا".
شخصية هادي تنتقل
تدريجيًا من تردد بخوف
إلى حيرة إلى عزم- "سيأتي
يوم أتسلق فيه منارة
الأبد، فأسال بهاءها ما
يقتضيه الفوز من عروق
تتفجر".
ونرى هادي وقد أحاط به
الفلاحون يعلمهم أن جوهر
الإنسان "...تسامي:يعطي
ولا يفني، ويأخذ ولا
يفني، تأليه الإنسان
مضيعة لكونه، تأنيس الله
مضلة لوجهه".
وهادي يعلق أن الرب قتل
نفسه، ولن يبعثه إلا بشر،
ويكفيه سعادة هذا الموقف
العظيم في النهاية عندما
حدقوا.. إن هذا معناه أن
الجميع سيطرحون العدم
الذي يحصرهم، لكي ينهضوا
بعبء الكون.
شخصية هادي استمرار للنظر
الفلسفي المتجدد.
الإمام
يمثل الرجعية الفكرية حيث
يُعقل الفكر ويُغلّ،
يحذرهم عندما يرقصون
"إياكم وحنق القوى".
يحاول أن يمنع فدا من
الصعود، ولا يدخر جهدًا
. نلمس مكره عندما طلب من
زينة أن ترقص مؤكدًا لها
انه سيمنعه من الصعود،
قائلاً في نفسه "في وهمها
إني أمنع حبيبها من
الصعود مرضاة لها".
الإمام يجسد النقاش من
الطرف الآخر ، فهو حريص
على أن لا يرصد الليل
لأبهة الشمس، وأن يتوعد
القحط مرح الأرض –كما
يقول- السهل يكفيه،
ولماذا لا يقول يكفينا؟
كلام فدا بالنسبة له
هذيان "يهرول يجعجع ولا
يجدي، أما نحن فنمشي ولا
نتسكع إلى غاية مبيتها
أسفل الجبل" . هو يريد أن
يكبت حرية الإنسان - "لان
تفخيم قدر البشر تهوين
لقدرة الله".
هو الذي يطلب من الدهماء
ألا يلتفتوا إلى العلاء
إلا وأكفهم مفروشة فوق
الحواجب، أن يلمحوها
خلسة.
الإمام تبنّى محاربة
الصعود منذ البداية إلى
وقفة التحديق الجماعية،
فالصعود في نظره وقاحة
تحرش بالعلا، وهادي وزينة
في نظره "حمى ترجف في
الأذهان". وقسوة الإمام
تبين عندما أراد أن يحرق
جثة فدا، لأن بطن الأرض
لا تستحق من هزئ وداعة
سهلها.
نستغرب موقفًا واحدًا أو
جملة فلتت من خاطر
الإمام، عندما عاد فدا من
الرحلة الأولى قال له
متعجبًا: "ما أبرع ما
صنعت"!!
لكنه ما فتئ أن عاد إلى
سيرته الأولى ممثلاً رجال
الدين المتزمتين الذي
يقيسون الناس بمعيار
واحد، حتى يكبلوهم بقيود
القوانين ويرسفون بالسنن
الرتيبة وهم في طغيانهم
يعمهون.
زينة
حاولت أن تصد فدا عن رحلة
المجد، أو أن ترافقه
فيها. حاولت فما استطاعت
أن تقنعه، وظلت "نسمة لا
تهز معبد الرخام، ناحت
وماتت عند عتبته" .هي تظن
أن الهوس الدائر في سمائه
كفيل بأن يبعثها . تطلب
من حبيبها أن يدع
الجدولين يقترنان، لكنه
يرفض تقول: "خبرت الحق
أنت لا تحسن سوى إنكار
الحسرات". وأمام تشددها
يحاول أن يطلعها على
الحقيقة لذاتها فتجيبه:
"لا يبلغ رب ولا عاشق
قسوتك، أراك ترفق يدا
جبلتها من ثلج، فتمسح بها
قلبًا آنت خلعته وصلبته".
زينة تمثل دورًا رائعًا
بعيدًا عن الغيرة
المعروفة في عالم النساء
تتسامى وتتسامح:
"الآن أدرك ساعة ناداها
يا حبيبتي، على شفتيه
تألقت صرخات الجسد وهمسات
السريرة".
ثم ما لبثت زينة إن أدركت
سر الرحلة فعرفت انه "عبأ
الشقاء في عروقه ليسبي
النعماء". كانت زينة
أثناء الصعود تتلهف على
حبيبها المتهالك على غمام
الموت. كانت ما تزال
تعاني الشره إلى "برق
الحياة". ثم وقفت مع هاني
وقفة الإيمان، وخلص شوقها
قلبها من خيلائه. تريد أن
يفلح البشر في قطع الحبال
"تشد سواعدهم إلى ذبذبة
الجبن".
وينتهي دور زينة في
التعبير عن قطب
المسرحية"- هذا الذي
يحدقون إليه يا هادي:
نجوم دارت على قطب الحق
كلوم حول جيد النور.
بالشظايا قلب كبّره جبروت
الزوال.
ولعل في زينة تمثيلاً
لهذه الصلة بين الإنكار
والمعرفة، بين الضعف
الغارق في القلق إلى قوة
الاستطلاع، لعل زينة
رمزًا لهذا الغموض الذي
ينتاب الإنسان، حتى لا
يتقدم خطوة نحو التضحية
وما أصدق ما عاملها به
فدا - "حب ممتزج بالقسوة
لعلها تفيق" ، يقول لها:
"أحب فيك ما أحبه لك،
أين القربان حتى يطيب جو
أملك برائحة الثقة
فيعييني على صون إرادتي
من كل خبث".
هنا
متماثلة مع فدا تصمت، ثم
ما تلبث أن تنطق كالقيثار
الذي تطلب منه "أن يرسل
ألحانًا تحبس تيهانه".
ضلوعها زحمتها وساوس
الرعب، مؤمنة، محجمة،
كهادي بل أزيد، حجزتها
الأرض "رهينة لقاء
الجسور". قتلها الحجر
الذي لم يسقط، كما قالت
زينة. ولكننا لم نستمع
إلى نشيدها بعد ذلك –بعد
أن ماتت تنشد-
"تطوعت لكفاح الأفق بجناح
الجوى ولي الثرى
أنت مشغول بالكمال، وانأ
ظلك الصبور
نواحي الصامت حداء هماك
الكبير"
هنا مثلت دورًا كالظل
للمشيئة. انسكب الحب
وانسكبت الرؤى على
لسانها. نفذت إلى صميم
دعوة فدا، وهي أهل لحبه
العطوف الحاني. هي صورة
الإنسانية الرانية إلى
المستقبل الأجمل.
القوال والفلاحون
يتميز القوال بأنه ينصت
ويعرف بإحساسه صدق فدا،
لكنه لا يجرؤ، لأنه لا
يؤمن. فيه شرارة اليقظة،
لكنها سرعان ما تخمد.
يعتبر العالية "ستنا".
تحدثنا عن هذه "الست"
ساعة استحمامها، تغط
انفها وصدرها وساقها في
غلواء الشمس. القوال يعرف
أصل الحكاية:
"حين استلم الخلق لجهامة
الموت هوى من أفواه
السماء طيف مجنح نقر
المغارة بظفر من ذهب، ثم
غرس عشبًا أبيض من أكل
منه وهو ندٍ في منبته
تملى الحياة إلى الأبد".
القوال يعرف أنه يُمنع
الحياة "ومن المنّاع؟
ستنا" .
يعرف القوال أن ختم
العذاب في الأعناق، ومع
ذلك يُنشد أسطورة الزمن
التي كتبها له بشر فارس
على طريقة الشعر العمودي:
أنـا
أسـطورة الزمن تـاج
وهمٍ من الهمـم
ضيف
روض بلا فنن غـرِد
في دجى الصمم
القوال يريد أن يقطع رقبة
الحرمة. يهمه أن يعيش
الإنسان في ملذاته. إنه
يعرف أن القيثاري ينبش
فواجع البشر بأظفاره
الحريرية، لكنه يريده أن
يستمر. وللقوال - رئيس
الفلاحين سؤال بريء،
ولكنه مشحون بالانفعال،
فعندما أراد فدا أن يصعد
ثانية سأله:
"هل وجه الأرض باطل"؟
وينهي المسرحية بقولته
المركزة متنفسًا بعد
الصعداء:
"هل خرجنا من أسطورة
الزمن"؟.
أما الفلاحون فهم يوافقون
على كلام الإمام "إرادتهم
مسفة" يتطلعون إلى الأعلى
في خفية؟ يظلون في
الحضيض، والعالية عندهم
لذة حيوانية. يعجبون
لمغامرة فدا.
شعور الفلاحون لا يصل إلى
شعور رئيسهم، ولو أن
أحدهم يقول على ذكر السفح
"أمِنْه غذائي أم أنا
الذي يغذيه؟"
الكسيح والأعمى
صعدا إيثارًا لمنفعتهما
فأصابهما العمى والكُساح.
أعوزتهما "يقظة الباطن"
على رأي فدا.
الكسيح رمز لمشلول
الإرادة، والأعمى رمز
للغافل - كانا وسيلة أو
حجة اتخذها الإمام حتى
يبقي على غفلة الشعب :
"هذا نصيبه قدمان عصفت
بهما رعدة الجزع، وهذا
أصبح نظره لا يدور إلا في
انحلاله الباطن".
هما مثل فدا تعبير عن
حرية الذات، لكن شتان بين
هدفيهما وهدفه.
عندما قيل لهما إن فدا
مات ، ساعتها - "حلم
الكسيح أنه رقاص والكفيف
رسام" –الشماته فنانه-.
طبعًا موقف غامض ومما
يزيد الغموض موقفهما
عندما حدقوا جميعًا، فكان
الكسيح يضحك والأعمى
يبكي، ترى هل بكى الأعمى
لأنه لم يشهد اليوم الذي
حدقوا فيه في العالية؟!
القيثاري
الصوفية من أسسها السماع،
والنغم ركيزة.
الإلهام هنا له عمل وظيفي
يرتبط بفدا وبمشاعر
الجميع. في الأنغام دفع
للشعور نحو المجهول. زينة
ترى أنه لا يرد الرمق إلا
القيثار، وفدا عندما ضاقت
أمامه السبل في الأعلى لم
ينفرج له المضيق إلا
بأصداء القيثار، وعندما
انعدمت النغمات خار وضعف
وحقد. ويتابع هادي مسيرة
أستاذه فيرى أن جولان
القيثاري في أتّون الدنيا
يلفح ألحانه، فيجددها
بحاثة عن الحسرة.
يقول فلاح عن القيثار إنه
مكروه ، لأنه يبكي بغير
دموع، فيجيبه هادي "لأنه
من صمت المحنة يستنطق
العبر ولكم يترك
الولولة".
إطار المسرحية :
كلمات مطلقة في أسلوب
لمّاح، وإيحاء له أكثر من
إيحاء. تعبيره هنا تفكير
وتصوير على نجوى الشاعر،
وهو يتقصى مسارب الكون.
ولندع بشر فارس يهمس لنا
كيف يكون المسرح:
"وإذا كان أشخاص المسرحية
لا يفصحون في مجرى
الحوادث على نحو ما
ينطقون، وهم بين أيدي
الممثلين يلهمهم الشاعر،
فهم دمى بشرية مقذوفة في
لجب العواطف .
وأما الناظر على الشاطئ
–الشاعر- فيحس عن الغريق
بذكاء بصيرته، ثم يعبر:
الإحساس حق لأنه للبشرية
جمعاء، فالمسرح الذي لا
يحقق فيه نضال الأبطال
قولاً وفعلاً إنما هو
مسرح كاذب فاتر إذا أعطى
لا يغْني".
اللغة عنده دور لا يهتدي
إليها إلا كل غواص مفن ،
والحركة المسرحية أروع.
.................................................
·
بشر فارس ولد سنة 1906
في لبنان. قصد باريس،
وتلقى تعليمه على أساتذة
نذكر منهم المستشرق
المعروف ديمومبين، فأعد
لديه رسالة الدكتوراه
"العرض عند العرب منذ
الجاهلية". أصدر أول عمل
أدبي سنة 1928، وهو
مسرحية "مفرق الطريق".
كان أخيرًا سكرتيرًا
فخريًا للمجمع العلمي
المصري. له رسالات كثيرة
في التصوير الإسلامي
واللغة. وله مجموعة قصص
دعاها "سوء تفاهم. توفي
سنة 1960
|