لماذا الحركة في محترف صحراء 93

بقلم: Ilse Heip

دراماتورغ المحترف من عام 1994 حتى 1998

منذ عام 1994 يطرح علينا السؤال التالي: لماذا تدمج فرقة صحراء 93 عروضها المسرحية الجسدية مع نصوص منطوقة؟ ومنشأ هذا السؤال هو الاعتقاد السائد أن الحركة تعيق إيصال الأفكار والأفكار تفسد هارموني الحركة. لاحقا سأعود إلى هذه الإشكالية. أولا أود أن أجيب عن التساؤل الذي يوحي وكأن الكثير من المسرحيين يفصلون موضوع الحركة عن الكلمة.

حسنا، نحن نختبر في عملنا أكثر فأكثر التشابه بين الاثنين وذلك لأننا ربما نركز في بحوثنا على منشأ الحركة ومنشأ الكلمة، أو بالأحرى المنشأ الجسدي للحوار. إن منشأ الكلمات الجسدي هو الأصوات، التي أخذت عبر التاريخ شكلا ومحتوى يجعلان الرغبة بالتواصل بين الإنسان والآخر ممكنة. ولا يخفى علينا أن الأصوات تتكوّن وتتجسّد من خلال الذبذبات الجسدية، بمعنى آخر من خلال النشاط الجسدي. الحركة أيضا نشاط جسدي خالص، بيد أن الكثير من حركاتنا تأخذ بعدا إيمائيا ( تصويريا ـ تشخيصيا ) بسبب الحاجة للتواصل أيضا. وفي هذا السياق ثمة علاقة  بين الكلمة والحركة، وهي علاقة متنوعة. الكلمات كلام وتدوين، والحركات تصوير. إنها كودات ـ علامات تعمق التواصل بين البشر.

الكلمات والحركات الإيمائية نشأت في ظروف اجتماعية وتاريخية لكي تلعب دور المترجم لانفعالاتنا وادراكاتنا الغريزية، ولكن بطريقة تصويرية. الكلمة هي تعبير عن مفهوم اجتماعي، عن صورة، عن فكرة، عن شعور، الخ. الإشارة أو الإيماءة تمتلك ذات الوظيفة. ولهذا لا ترى صحراء 93 في هذا السياق اختلافا ما بين مسرح النص ومسرح الحركة. كلا النمطين يترجمان مفاهيم اجتماعية. بل يمكن أن يدّعي المرء أن الحركة أكثر استخداما من الكلمة. وفي جزء من هذا الإدعاء صواب. ففي الحقيقة لا يتجاوز حوار الإنسان المنطوق أكثر من 30% من مجمل عملية التواصل. أما الجزء الأكبر من العملية 70%  فمصدرها أنواع مختلفة من الحركة.

لأن فرقتنا تضع المفاهيم الاجتماعية والتاريخية في سؤال ( نحن ما نزال نعيش في التاريخ البربري كما يقول كارل ماركس ) نحاول في بحثنا المسرحي العمل ضد هذه المفاهيم. وبناء على ذلك نحن ندافع عن وحدة الكائن البشري عن طريق وضع الكودات ـ العلامات في سؤال خارج الحقول السائدة لهذه المفاهيم. ولهذا يوّجه مخرجنا حازم كمال الدين جلّ عمله على المعايشة الحسية والجسدية التي تنشأ عن طريق الارتجالات.

تتضح ملامح النص من خلال الحركة، من خلال معايشة الممثل لمختلف احتمالات الحركة. بهذه الطريقة تأخذ الكلمات بعدا تجريديا. الكلمات ليست تصوير للمفاهيم المعروفة. ومن هنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به لماذا ندمج الحركة بالكلام في أعمالنا المسرحية، وبخاصة الرأي القائل أن الحركة تشتت وحدة النص وبالعكس.

في صحراء 93 يتم التعامل مع النص بطريقة لا أرثودوكسية. بالنظر إلى أن حازم كمال الدين والممثلين يبحثون بعيدا عن التصوير والتشخيص، يكتسب النص بعدا آخر من خلال الحركة، التي لا تتبع النص بالضرورة. وهذا في الحقيقة خيار واعي. النص يعتبر حاله في هذا حال الحركة أحد سياقات المعايشة المسرحية. وبهذا يمكن للمشاهد أن يعايش أعمال صحراء 93 كما يعايش مستمع ما كونسرت موسيقي أو كما ينظر مشاهد إلى لوحة تجريدية. ونحن لدينا الخبرة أن جزء من المشاهدين مستعد للنظر إلى أعمالنا المسرحية دون أحكام مبنية على الكودات ـ العلامات المسرحية المعروفة، بل باعتبارها تجارب قائمة بذاتها.

إن تجريد النص من سلطة المحتوى هو فعل واعي في عمل الفرقة، لأننا، كما سبق القول، نعمل خارج الحقل المعروف بمضامينه الاجتماعية والتاريخية. في الغرب تمت عملية بناء المسرح وتطوير جزء كبير منه بناء على مواصلة أو مهاجمة التقاليد المسرحية المتوارثة من جيل إلى جيل. حاليا لدينا أرشيف زاخر بالنصوص والنظريات المسرحية التي ما زال بالإمكان أن ننهل منها. ولكن في الحقيقة علينا الاعتراف أن المسرح هو وسيلة اتصال سريعة الزوال. فبعد نهاية العرض يختفي الجزء الأساسي من العرض المسرحي.

في ذات الوقت فإن التاريخ الحقيقي للمسرح هو تاريخ العرض. النص هو جزء مما تبقى من تاريخ العرض المسرحي. ولكن ما حدث في التاريخ هو أن النظريات حول المسرح شيّدت بناء على ما أمكن إدراكه مما تبقى من الحادث المسرحي الحي: نصوص، بحوث، معلومات حول الممثلين وحول صانعي العرض، خلفيات نص مسرحي ما أو الظروف التي قدمت فيها مسرحية ما.. الخ. ولم تشيد تلك النظريات على ميكانيزمات الحدث المسرحي الداخلية. وبهذا فقد بنيت محاججات معكوسة. بدلا من أن يكون تاريخ المسرح هو تاريخ الحدث المسرحي أصبح تاريخ المسرح هو تاريخ الوثيقة ( النص ). بدلا من أن تكون المرحلة الإبداعية أو مرحلة الخلق مؤسسة على الارتجال الذي من خلاله ينمو العرض المسرحي، يشيد الفنان المسرحي اليوم بنيانه المسرحي بطريقة عقلانية تستمد قوتها من الوثيقة.

عندما نشأ المسرح لم يكن ثمة نص. وقبل أن يظهر تاريخ النص المسرحي كان العرض بمثابة مواكب دينية، تمجيدات جنسية تطهيرية، طقوس ديونيزيوسية، احتفالات خمرية. فقط حينما ظهر النص الأول ابتدأ الإنسان بتشريع اللا قداسة وتجريد المسرح من أصالته أو قوته البدائية.

صحراء 93 تسعى للعودة إلى الأصالة والبحث من خلالها، دون أن تتجاهل التطور البشري. ما نحاول أن نفعله هو توجيه المراحل العملية الإبداعية نحو الحواس والغرائز وطاقة الممثل، لا أن نترك العمل لهيمنة العقل. ولذلك فإن نصوصنا هي بالأحرى وسائل لتحقيق التفاعل بين المخرج، الممثل، الفضاء وبقية العناصر أثناء البروفات، وبين الممثل، الفضاء، الموسيقى أثناء العرض مع الجمهور. إن هذا التفاعل الكيمياوي هو الذي يخلق المسرح.

حازم يكتب ما يلي: منذ زمن بعيد يعامل الجمهور باعتباره متلقي سلبي. هذا يعني أن الجمهور يستقبل ما يريد العرض أن يقوله. وبهذه الطريقة يتساوى جميع أفراد الجمهور، جميع من يجلس في الصالة، أمام عرض مسرحي يقول لهم شيئا واحدا؛ حكاية واحدة، زاوية نظر واحدة، ديكور وإضاءة واحدة. الجميع يرى وجه الممثل أو بروفيله، ولا أحد يرى قفا الممثل في اللحظة التي يرى فيها آخر مقدمته.

إن مثل هذه العروض تذكرني بسياسة القطيع!

لقد سيقت شعوبنا كجماعات ( أو قطعان بالأحرى ) إلى شيء ما. جماعات يسوقها دكتاتور واحد. جماعات تتبع حزبا واحدا، شاعرا واحدا، مخرجا واحدا، واحدا، واحدا، واحدا..

لم أعد أؤمن بهذا النوع من السلطة!

الالتباس والتنوّع في العرض المسرحي، وفي الحياة بشكل عام، هما شعاري. إنّ ما يراه أحد الحاضرين في المشهد يراه الثاني بطريقة أخرى، ومن زاوية مختلفة، زمانية، مكانية ونفسية. بحيث أحاول أن يخرج كل واحد من الجمهور من مسرحيتي بتأويل لا علاقة له بتأويل الآخر.

العمل مع النص يتم وفقا لهذه الطريقة، طريقة علاقات اللا سلطة. وللحقيقة لم يتم التعامل أبدا مع نص جاهز في الفرقة إلا مرة واحدة في مسرحية القتلة للكاتب العراقي المفقود كاظم الخالدي. في بقية العروض المسرحية لجأ حازم كمال الدين على الدوام لاستخدام نصوصه نفسها. إن سبب اختيار حازم كمال الدين لنصوصه هو أنها تساعد في تنمية حرية الممثل في الاختلاف وتدريبه على إثارة مختلف الأسئلة حول النص حتى الجارحة منها. لكن هذا لا يعني أننا نتعامل مع النص دون احترام. لا.. نحن نتعامل مع النص باحترام، لكن المؤلف في أعراف صحراء 93 ، وعلى العكس من بقية الفرق المسرحية ليس شخصية محورية في العمل. إن صحراء 93 لا تؤمن برسالة يجب أن تصل إلى الجمهور.

الممثل، أو الممثل ـ الراقص يلعب الدور المركزي في عمل فرقتنا. لأنه هو من يسمح بنشوء الحدث. لأجل تقوية حضور الممثل يتم العمل مع التحليل الحركي وحيوية الحركة. وليس مهما هنا أن تكون مصادر الحركة مصادر قادمة من الأساليب المسرحية الحركية أو من الرقص أو من الطقوس أو من الرياضة. لأجل تطوير البحث الجسدي المسرحي لم نتعامل في مسرحية دماغ في عجيزة مع نص ما. ولكننا انطلقنا من معطى ما. والمعطى ( الما ) له نفس الدور الذي يلعبه نص كلامي، موسيقي، أو تشكيلي. ولكن عبر التعامل التجريدي مع ذلك المعطى استطاع المشاهد أن يخلق تأويله الخاص للعرض الذي يختلف عن تأويل المشاهد الذي يشاطره المقعد المجاور.

مثال على ذلك هو التأويل الذي ساقته الكاتبة البلجيكية المعروفة آن بروفوست ( An Provoost ):

( سيمضي بعض الوقت قبل أن تدرك ما يحدث، كما أن البروغرام الموزع على المشاهدين لا يساعدك في العثور على الطريق الصواب، بيد أن دماغ في عجيزة لا تقدم لنا حكاية. إنها تأويل للحظة وصل وفصل بين حالتين، إنها انعكاس للشعور، انعكاس لأبدية الصراع، للتعب الذي يستنزفك والإعياء، وفوق ذلك الإدمان على ذلك الإستنزاف والإعياء. )

لكي نتعمق بكيفية مسرحة الجسد أود أن استرسل بالحديث عن دماغ في عجيزة. في هذه المسرحية يستطيع المرء أن يفرّق بين عدد من المنظومات المسرحية. كأساس كان الرقص، وإلى جانبه عناصر مستقاة من مسرح الحركة، مثل الحيوية الحركية والإعراب الحركي. هذه الأنظمة الحركية لا تعتبر عوامل مساعدة، وإنما كهدف قائم بذاته. فهذه الأنظمة تخضع لتطوير بنيوي داخلي، تخضع للتوليف مع أنظمة أخرى، تتمسرح، حتى تنتج كعرض مسرحي، العرض المسرحي المؤقت.

أنجزنا أساس العمل لمسرحية دماغ في عجيزة بناء على المبادئ الحركية التي تمتلكها الممثلتين، وقد كانتا تمتلكان نمطين من الرقص. بناء على دراسة هذين النمطين تمّ اختيار الحالة الأفقية لمسرحة القواعد التي تمتلكها هيلدا دو كلرك، مختصة بالرقص الشرقي، وخيرترا دلفا، مختصة بالرقص من جنوب أفريقيا. وقد كان شغل حازم الشاغل هو البحث لإبراز عناصر التناقض في نمطي الرقص، حيث ينوي القيام بتكوين ثيمات درامية مؤسسة على التناقض والنمو الدرامي.

ولأجل تعميق التناقض الدرامي سمح المخرج للرقص الشرقي ولمبادئ الحيوية الحركية أن يتفاعلا تفاعلا كيمياويا لكي يتّحدا مع بعض، بينما ترك الرقص الجنوب أفريقي يعيد تركيب عناصره في ظلال مبادئ الإعراب الحركي. وبناء على هذه الأسس تمت حياكة الشخصيات الحركية بعد أن أضيفت أيضا مبادئ حركية أخرى كمثل الألعاب الأكروباتية وطرق إيقاظ الحالات النفسية في الجسد، بحيث يتمسرح الجسد أكثر.

دماغ في عجيزة هي المسرحية الوحيدة التي أنجزت بدون نص. وقد كانت تلك رحلة بحث جسدية تسعى لخلق المعايشة الحسية الغريزية للممثل. وفي الحقيقة إن عمل حازم مع النص لا يخرج عن هذه الطريقة. ليس محتويات النص فقط هي التي يراها المخرج ويمنحها للممثلين، وإنما كذلك عناصر غنية خفية أخرى للنص ( أصوات، إيقاعات، حيوية، تفاعل، .. الخ ).  

وهو يقوم بذلك بطريقة تقارن مع لا نهائية التنويعات التي يختزنها الجسد. يبدو الأمر كالتالي: حتى متى ما تقوم الفرقة بتقديم عرض أساسه نص ما، يحصل المشاهد على فسحة واسعة لبناء حكايته الخاصة به. لا بل أكثر من ذلك، إن المشاهد الذي يحاول أن يركز على متابعة الحكاية، لن يتابع سوى غابة من الألغاز. أما من يترك متابعة النص، سيكتشف شمولية العرض المسرحي وسيتمكن من معايشة التجربة.