|

صحراء
93..
طريقة خاصة بالمعالجة المسرحية؟
بقلم:
هيلينا فرلنت
Helena
Verlent
هذا النص هو الجزء الأول
من البحث المقدم لجامعة أنتورب عن ( عين البلح ) الإنتاج المسرحي الأخير
لفرقة صحراء
93
الفرقة التي يقودها المخرج حازم كمال الدين.. وهو كذلك تقرير عن طريقة
عمل صحراء
93
أو بالأحرى تقرير مؤقت عن الحالة المسرحية كما تحبStan
أن تسمي ذلك.
فمسرحية عين البلح ستفتتح في بداية شباط عام
2000.
صحراء93
ليست فرقة مسرحية
كبقية الفرق! ترى هل يتماهى المسرح مع الصحراء؟ ولماذا كل هذا التأكيد
على العودة إلى ما انقرض؟ سأترك هذا السؤال مفتوحا لبعض الوقت، وأبدأ من
كيفية ولادة العمل المسرحي في هذه الفرقة.
كما تنفصل الصحراء عن
البحر كان النص المسرحي في البداية منفصلا عن التدريبات الحركية التي خضع
لها الممثل.. في قاعة التمرينات كان المدربان المختصان بالحركة يقودان
الممثلين طوال اليوم، أما المؤلفان والدراماتورغ فقد كانا يجتمعان بشكل
دوري لتبادل الأفكار، وقد كان مسموحا لي أن أعايش تلك اللقاءات.
عندما قرأت نص مسرحية عين
البلح للمرة الأولى، انفتح فجأة أمامي عالم بأكمله ولم يتوقف بعد. وعمل
الدراماتورغ والتأليف لم يتوقف عند مستوى التحليل والتأويل فقط. ففي كل
لقاء دراماتورغي ( تلك اللقاءات كانت تحمل هذه التسمية ) كانت الحكايا
تنمو عبر الملاحظات النقدية والاستجابة لتلك الملاحظات. الموضوع الأساسي
الذي كان جديرا بالملاحظة هو لغة القص التي توازي بشكل مستقل لغة
الديالوج الموجّه نحو الفعل الحركي أكثر من فعل الحكي. ولكن كيف سيتم
إنتاج المعنى المتكامل بين المستويين؟
مختلف أنواع القص تستطيع
أن تقف لجانب بعض، تتحدى بعض، تجيز العمل لبعض.. إنه لشيء ممتع مراقبة
كيف تطفو طبقات النص الداخلية إلى السطح عن طريق المعنى التركيبي لموضوع
الزمن. شخصيات معاصرة تظهر في الماضي البعيد. شخصيات تاريخية تعلن عن
وجودها في زمان اليوم.. أكثر من ذلك؛ صور آسرة تستحوذ عليك من خلال كلمات
مكثّفة لا أكثر. موضوعات تعتقد أنها من نسج الخيال بيد أنك تصطدم بأنها
ليست كذلك؛ وإنما هي أحداث تاريخية حقيقية أو أحداث ميثولوجية. اسم طفل
يحمل من المعاني أكثر مما تتوقع، طقوس موجودة منذ قديم الزمان توصف
بطريقة تفصيلية.
حسنا.. أنا ألمّح لبعض
الأشياء تلميحا، فليس المقصود أن أكشف كل أسرار الطريقة الفريدة التي
يكتب بها حازم كمال الدين و إلزا هيب، ذلك أن الجمهور يشكل عمودا مهما من
أعمدة العمل المسرحي للفرقة ليس باعتبار الجمهور جماعة بل باعتبارهم
أفرادا يمنح كل واحد منهم تأويله الخاص الذي لا يشبه تأويل المشاهد
الآخر.. عمل يدفع المشاهد للخيار الفاعل وليس لاستقبال وجبة طعام جهزتها
مجموعة من الطباخين وليس له إلا أن يأكل. المشاهدون يشاركون بشكل نشيط في
العرض المسرحي، أي أن المشاهد يستطيع أن يحدد لنفسه وظيفة مغايرة لوظيفة
المراقب عن بعد.
نحن لدينا إذن كل الثروة
اللغوية واستثناءاتها: وعي استخدام مختلف الأنماط التي تمنح تأثيرا غريبا
وصحيحا في ذات الوقت، وعلينا لاحقا أن نضيف الحركة، وهي لغة تتحرك أينما
يجد المرء فعلا فيزياويا حقيقيا قابلا للتأويل، تماما كما ينجدل الزمن
خلال المسرحية ليبدو الماضي والحاضر منفصلين عن بعض وكما تتقافز الشخصيات
من زمان إلى آخر. ولكن لا تنخدع، فالماضي يحتل الحاضر بسرعة البرق
ويتجاوزه.
أين نحن إذن؟
إذا ما سمح لنا أن نتعامل
مع الزمن باعتباره مادة أعتقد أنه شيء يشبه نسيج العنكبوت تحت ضياء
الشمس، نسيج مطاط. فالعنكبوت لا يبقى دائما في وسط النسيج كما أن أغشيته
تتجاوز المرئي. هكذا يتجاوز الأمر الموضوعات التي تعيد نفسها علينا مثل
الموت والألم والانفصال والصور القاسية عن طريق استدعاء صور أخرى تشكل
تناقضا مع تلك الثيمات كموضوعات الحب، الاشتياق، الاتحاد بكل أشكاله وما
تستلزمه هذه الثيمات من انطباعية شاعرية.
هذه الصور لا ترتبط
تقريبا بالطقوس المستخدمة وهي طقوس ذات طبيعة دينية أو مرتبطة بثقافة
محددة. ذات القضية تنطبق على الميثولوجيا. فالميثولوجيا يمكن تأويلها
باعتبارها ميثولوجيا شرقية أو غربية. ثمة شراكات بين الحكايات في صورتها
الشرقية أو الغربية ولكن ثمة اختلافات واضحة. الثيمات المسرحية تجد أرضها
الصلبة في الواقع. الواقع يزاحمه الحلم، أم تراه الكابوس؟ هل الواقع هو
الكابوس، وعالم الخيال هو البقعة الأمينة الوحيدة؟ دع خيالك يسرح وانس أن
هناك فضاءات يجب أن تؤطر. الموضوع كله يدور حول معايشة تجربة ما، وذلك
بإمكانك أن تفعله في الصباحات، عندما تتناول فطورك، أو عندما تستدعي تلك
اللحظة من الطفولة عندما كان الحلم يبدو حقيقيا لدرجة أنك تنتفض من النوم
مذعورا. من ذا الذي قرأ على الطفل تلك القصة المرعبة أمس؟
تحتل المرأة في النص
موقعا جدّ حساس. المرأة تقدم في الغالب على أنها ضحية. إنها العنصر
المستلب الضعيف في الحياة الاجتماعية التي يعكسها النص. أما العلاقة بين
الرجل والمرأة فهي علاقة غير متكافئة. فاسم الرجل يرتبط في أعمال حازم
بكلمة السلطة وكأنه رديف للكلمة. كلمة الرجل أو سلطة الرجل هي السائدة في
الخطاب، إن الحرفين الأولين من كلمة
man
( رجل ) هما
ma
التي تكاد تترجمها على أنها تعني رأس؛ على رأس السلطة يوجد غالبا رجل.
والرجل يتسبب بالعنف. والعنف الذي تتسبب به الحرب يبرز كالنتوءات هنا
وهناك. فالحرب قد حطّت أوزارها رغم وجود السلطة أو بسبب وجود السلطة. ومن
ثم الحدود.. حدود.. حدود.. حدود في الصحراء.. كيف تستطيع أن تتعرف على
ذلك؟ الحروب تشتعل غالبا بسبب الحدود. والحدود تعني نقطة النهاية للنزاع
أو الخلاف، أم تراها نقطة البداية؟ بالإمكان تخطيط حدود معينة لحصر منطقة
مصابة بالوباء. والحدود ترفع أو تخترق. الحدود باعتبارها طوق نجاة للهروب
من الإرهاب. حدود قصوى ليس بالإمكان ملامستها، وإنما بالإمكان ملاحظة كيف
أنها تضمحل أو تتلاشى. من هو الذي ابتدأ الإرهاب؟ أين تجري تلك الأحداث
المرعبة؟ وهل يمكن أن توضع حدود للإرهاب؟ هل ثمة حقا حدود في الصحراء؟
نحن نلامس الحدود.
في كل لقاء دراماتورغي
كانت ثمة نسخة جديدة من النص. بعض الأفكار يتم العمل على تعميقها، وبعض
الأفكار تتعرض للحذف. السخرية تقبض بإحكام على قناع الأكليشيهات. لاحظ
معي هذا المثال: كل ما يرسخ في سياق محدد يفقد ارتكازه. إذا ما منحت مياه
المجاري العكرة الحرية فلن يطفو في السطح شيء سوى الأغاني الرخيصة عن
التواريخ المعادة: الكليشية.
نحن نبني لأجل أن نهدم،
أو هكذا هو الأمر في الغالب. وإذا لم يكن الأمر كذلك فستساعد الطبيعة على
تطبيق مفهوم الهدم. ما عدا السلطة هي الوحيدة العصية على الخضوع لمثل هذا
القانون. السلطة هي كيان دائم، كائن يحيا في قلعة حصينة قادرة على التصدي
لكل خطط التهديم.
حازم يريد أن يعمل على
عوامل التآكل والتعرية، ويريد أن يكون نفسه خاضعا لعوامل التآكل والتعرية
erosie.
ذلك أنه غير قادر على تقويض القلاع الحصينة. إنه قادر على تقويض
مسرحياته، قادر على اختيار أشكال قابلة للتفكيك
ontmanteld.
التعرّض للتآكل والتعرية تعني أن حازم كمال الدين يعيد خلق الموجودات،
ويعري فضاءات وأطرا قديمة.
المسرح أيضا لا يمتلك صفة
الخلود، ففي أفضل الأحوال يمكن أن يتحول العمل المسرحي إلى شريط فيديو
كظل للحدث الأصلي الحي. بيد أن كل عرض لدى حازم هو عرض لا يشبه ما سبقه
أو ما يليه. فبعد أن تنتهي أي مسرحية من مسرحياته تسقط ستارة. نعم! لقد
وجدت الستارة لكي تهبط أو تسقط بعد أن يكون التفاعل قد أنجز مهمته،
والجمهور قد نال ما يريد. وحتى بعد ذلك، بعد أن تسقط الستارة يبقى النص
قابلا للتغيير. هذه الصفة ( التغيير الدائم ) سرعان ما ستصبح واضحة: النص
هو حكاية بدون نهاية. النص هو ولادة وموت، وانبعاث.. النص تاريخ يعيد
نفسه، حياة تعيد خلق نفسها من جديد في المحيط الجديد. والمحيط هو الزمان
الذي يعيد النص إلى أصله. ومسرحية عين البلح متى ما قدمت ستعيد خلق نفسها
في وجدان كل مشاهد على حدة.
إن هذه المعلومات
المفصّلة حول النص المسرحي لن تكتمل دون التعريج على جانب آخر من عمل
حازم كمال الدين وفرقته المسرحية: فحكاية النص المسرحي كانت إحدى المساقط
التي يمكن رؤية العمل على ضوئها. ولكن دعوني أتحدث عن أهم الجوانب، وكيف
ابتدأ كل شيء، النص والممثل وأسباب نشوء صحراء
93؛
أعني الحركة.
ابتدأ الأسبوع الأول
بتمارين أعدها لودو فان باسل، الذي يعطي دروسا في معهد مسرح الحركة،
والذي درّب الممثلين على هيئات أو أشكال الحيوانات الحركية المأخوذة عن
تمارين الحيوية الجسدية لجروتوفسكي و يوجينو باربا. وعندما أتقن الممثلون
تلك التشكيلات بدأ المدرب بإضافة عناصر حركية تنتمي للإعراب الحركي (
دوكرو ). وبهذا اختطّت التدريبات لنفسها رحلة أخرى للبحث في أصل الدوافع
وعلاقتها بالطاقات الجسدية. أو بالأحرى اختطّت التدريبات لنفسها رحلة
تتوّجت بقبول الممثل لاستقلالية دوافعه الجسدية وما يلي ذلك من خلق
إبداعي مفاجيء تتسبب به الطاقة.
أحد التمارين المهمة كان
الركض. المقصود من هذا التمرين هو أن تقود الأقدام الجسد، على أن يتعرّف
الممثل من خلال الركض على المشاعر التالية في حركته: القساوة والرقة،
الضعف والقوة، الطيران والزحف.. الخ. التنويع في الحركة والشعور هو
الأهم. الحواس والانفعالات تعمل عن طريق الحركة. التوقف الحركي، أو تجمّد
الحركة الذي يؤديه أحد الممثلين، لا يسمح أن يكون غير منظورا، وببطء ولكن
بعزيمة تصبح هذه التوقفات واضحة الملامح، إلى حد أنه إذا توقف أحد
الممثلين في مكانه يتوجب على الجميع أن يتوقفوا في ذات اللحظة. الممثل
يترك عدم تواصل الحركة والتوتر الناتج عن التوقف أثناء الفعل يهيمن حتى
يبادر ممثل ما بكسر الصمت الذي نشأ قبل قليل عن طريق تنويع جديد على
الإيقاع الحركي.
أو دعونا نأخذ تمرينا
آخر؛ تمرين الحبل. وهو تمرين يطوّع الحبل لكي يكون شكلا من أشكال الربط
العضوي بين ممثل وآخر. فهو يعني في مستوى محدد الحبل السرّي وفي مستوى
آخر أداة قسرية. وهذا التحديد خاضع لدوافع وأحاسيس الممثلين المرتبطين
بالحبل. الشروط هي: الحبل في حالة ( توتر ـ لا توتر ) وليس مسموحا لأحد
اللاعبين أن يرخي الحبل أو أن يشدّه. كذلك يجب أن تستمر الحركة ـ اللا
حركة بالحركة. من خلال هذه الحالة يحدث شيء داخل الجسد. الممثلان يسعيان
للشعور بدوافع بعضهما البعض عن طريق ارتجافات الحبل غير المرئية. الطاقة
تنتقل عن طريق الحبل. الدوافع الجسدية تأخذ شكلا مختلفا من عضو جسدي إلى
آخر.
ملاحظة هامة في هذا
التمرين هي حركة الجسد في الفضاء، ومعرفة أن الجسد في كليته في حالة
تمثيل، والجرأة على وضع دافع ما في الجسد، على خلق دافع ما في الجسد، ثم
بعد ذلك تصدير هذا الدافع للممثل الآخر، دون أن يمرّ الدافع بالرقابة.
ينتهي هذا التمرين
بخطوتين: إضافة نص على الحركة، وشدّ العينين بعصابة.. في تمرين العصابة
على العينين تنتفي تقريبا أية إمكانية لبناء دوافع خارجية للممثل. فعندما
تكون أعمى يتوجب عليك أن تشعر بالدوافع من الداخل، وكل شيء يجب أن يختطّ
طريقه من الداخل إلى الخارج. السلام الداخلي يمكن أن يراه المشاهد
باعتباره قوة تشع على الجسد، سرعة الدوافع الداخلية قد تبدو للمشاهد
وكأنها فوضى. إن ما يحسب حسابه بشكل خاص هنا هو التركيز على الدوافع.
العلاقة مع الجسد هي كالتالي: يبدو للمرء وكأن الممثل يبحث في عالم سري.
الممثل المكبل بالعصابة فوق عينيه يختفي في جسده ويشعر بكل عضلة من عضلات
جسده. إدراك الممثل الذي ينشأ في تلك اللحظة ليس إدراك البصر، وإنما
إدراك جسدي خالص ( هل يمكن أن نقول إدراك البصيرة؟ ).
ذات الأمر ينطبق على النص
المسرحي. فالاقتراب من دواخل النص يتم باعتبار النص مصدر إلهام وليس
تفسير أو تاويل. الممثل يجمع عدّة حركية تؤسس لبؤرة الشخصية أو لمحورها
parcour.
بالإضافة إلى ذلك يتعامل الممثل مع النص باعتباره مادة ( شيء ) قابل
للتغيير؛ النص هو تكوين مادي طيني قابل للتغيير والتحوير والتفكيك وإعادة
التكوّن في تراكيب جديدة. ثمة حرب تشرع عن طريق المادة ( النص )، بيد أن
الحركة لا تخضع للنص في الفضاء المسرحي.
بمقابل هذا الأسلوب
الحركي الفريد الذي يحترم الجسد احتراما كبيرا، يلجأ المخرج إلى
البيوميكانيكا وهو أسلوب مايرخولد الحركي. توني دو ماير ( الممثل الرئيسي
للمخرج الروسي المعروف بوجدانوف وآخر طلاب مايرخولد ) يقود ورشة العمل
تلك. توني دو ماير يعلم الممثل في هذه الورشة العلاقات التكوينية
التشكيلية الجماعية، كذلك يعلم جسد الممثل مجموعة من الوضعيات المفتعلة
التي تشكل جزءا من هذه الطريقة الصارمة التي تبدو للمشاهد كحركة سلسة.
الحركة تبدأ من خلال التمارين التي تنشأ من الساقين، والممثل يعي كل حركة
من حركات الأطراف. في تمرين استلام وتسليم أداة ما مثلا تتركز الأهمية
القصوى على دقّة قيادة الأداة؛ اتجاهها، وضعيتها التشكيلية وسرعتها. وقد
أسمى مايرخولد مراحل هذه التمارين ( تمارين الاستلام والتسليم ) بأسماء
عدة. آدكاس (
adkaas
) وتعني اتجاه الاداة أو تحديد مكانها في الفضاء القادم. باسيل (
passil
) تعني الحركة أو تكوين السدود الحركية بوجه الدوافع أو إعاقة الدوافع عن
طريق الحركة. وستويكا (
stojka
) تعني التشديد على الانتقال الحركي والتشكيل الجسدي الجديد أو الوضعية
الجديدة التي تتوقف فيها الحركة توقفا تاما وتعيق الدافع.
عندما يعمل الممثل على
تمرين صعب في مكان أو مرتفع صغير مع ممثل آخر يجب أن لا يخطأ في تحديد
وضعيته الحركية المرتجلة! وبهذا يحدث تعريف جديد لعلاقة الدافع مع
الوضعية التشكيلية الجديدة. كذلك يخضع الفضاء للتعريف من جديد. فالحركة
تصغر بناء على متطلبات الفضاء الجديد، لكن الحيوية الحركية تبقى كما هي.
إنها اتوده لتوليفات جسدية مفتعلة ومنسابة في مختلف الوضعيات التشكيلية
الحركية بين ممثلين اثنين عليهما أن يشعرا ببعض مائة بالمائة. إن هذا
يحتاج إلى تمارين كثيرة جدا وإعادات متتالية للتفاصيل ولتفاصيل التفاصيل
لأجل الحصول على النتيجة المثلى للوضعيات التشكيلية الجسدية. في هذه
المرحلة تتم المتابعة الدقيقة لتوازن الممثل، للتركيز على أن تكون نقطة
القيادة الجسدية مغلقة. ونقطة القيادة الجسدية هذه تقع في الصدر على
مقربة من الحجاب الحاجز.
يستطيع الممثل أن يستخدم
هذه الاتوده لتكوين منظومة حركية يمكن أن توضع في المشهد المسرحي. إنها
طريقة عملية جديرة بالتقدير لتعلّم الحركة. فهي فقيرة اقتصادية غير
مبهرجة وقوية الجوهر، مطواعة وجارفة كالموج، محددة بشكل دقيق وفي ذات
الوقت قابلة بشكل لا نهائي للتكيّف.
وأخيرا بعض الفقرات
لاستكمال صورة التمارين التي يقودها حازم بعد أن تمّت تهيئة الممثلين
طوال شهر على تدريبات جروتوفسكي ومايرخولد، وبعد أن أخذت هذه التمارين
شكل البروفة المسرحية. ذلك أنها الأسس التي سيعتمد عليها الممثل بشكل
مستقل في الارتجالات الحركية قائمة. حازم يعيد بشكل منتظم الأشكال
الحركية المستقاة من الحيوية الحركية أو من الإعراب الحركي، لكي تبقى تلك
الأشكال في جسد الممثل على الدوام، ولكي يساعد الممثل في العودة إلى
القواعد الأساسية متى ما انحرف بحثه أثناء البروفات وضاع في أحد الطرق
الجانبية. وحازم يضيف على تلك التمارين تمارين للتوازن، تمارين أرضية
كمختلف أنواع الشقلبات والاحساس بوجود الممثل الشريك، وتمارين التحدي
كمثل الصفعات التي تأخذ مختلف المعاني اللا تصويرية.
الموضوع هنا مرتبط باتجاه
الحركة، سرعتها وقوة العضلات. في تمرين القفزات يأتي المعنى ( الفعل ورد
الفعل ) بشكل واضح تماما. الممثل الشريك يستطيع أن يعمل مع رد فعل مباشر
أو مناقض. والآن ها نحن نرى بنيان لملامح درامية في الحركة.
تمارين البلاستيكس (
تمارين المطاوعة والليونة ) هي حركات صغيرة تبدأ من الرسغ وتنتقل وتكبر
تنتقل هذه التمارين بمساعدة الدوافع والخيال إلى مختلف الأعضاء الجسدية
الأخرى. هذه الحركات لها تسميات عديدة ( الحبل، الكمان، السمكة، القط،
العسل، الصبغ.. الخ ). هذه المنظومات الحركية تغنى من خلال اتجاهات
الحركة، سرعتها وعلاقتها بالجاذبية الأرضية، وبالطبع من خلال الارتجالات.
الممثلون يحصلون في هذه الفترة على بعض التفاصيل، تفاصيل لها علاقة غير
مباشرة مع النص. والموسيقى الآن تستطيع الحضور لتساعد إلهام الممثل.
مسموح للموسيقى أن تمنح
الارتجالات دفقات إيقاعية وتدفع طاقة الممثل للأمام. كذلك يمكن للموسيقى
أن تلعب دورا في تحديد أجواء الارتجال الحركي. الخطوة التالية هي
الارتجال عن طريق العمل مع المواد أو الأشياء ( عصا، كرسي، شال.. الخ )
objecten.
الممثلون يتلقون تعليمات أو مقترحات أو مهمات محددة في كل تمرين ارتجالي،
وهي مهمات تلامس خلفيات النص المكتوب.
الممثلون ينطلقون للعمل
مع الأدوات الموجودة بطريقة فاعلة وبدينامية عالية وهم يبحثون عن مختلف
الطرق لمقاربة العلاقة مع المواد أو الأشياء مقاربة لا تصويرية ولا
مفتعلة. الممثل لا ينسى أنه يجب أن يحافظ على علاقته الحسية بزميله
الممثل الآخر ويرتجل بناء على ذلك ارتجالات جماعية في سياق الفعل ورد
الفعل وما خارجهما. الممثلون يسعون لتركيب أو ترتيب أو توليف المهمات
المحددة مع المواد الأشياء الموجودة في الفضاء، وهم بذلك يخلقون شخصية
الدور الجسدية. النص يقرأ من قبل الممثل بيد أن الارتجالات الحركية ما
زالت تتم بعيدا عن محتوى النص المباشر. هكذا يستمر الحال حتى تبدأ تظهر
هنا وهناك مهمات حركية مختارة من مشاهد قصيرة. لقد ولد الجزء الأول من
العرض المسرحي. في البروفات اللاحقة يحصل الممثل على معلومات أكثر عن
الأدوار، عن المسرحية وخط الفعل وتطور الشخصيات.. الخ. وبهذه الطريقة وعن
طريق تراكم قراءات النص تنمو علاقة الممثل والنص.
أما عملية اللقاء بين
النص والحركة فتتم بعد أن يكون النص قد تعرّض لعملية إعادة كتابة جماعية،
وبعد أن تكون الحركة قد تأسست بشكل مستقل قائم بذاته، وبعد أن تكون
الحكاية قد تأسست عن طريق ومن داخل الحركة، وبعد أن تكون عملية تسجيل
وتثبيت الحركة بالفيديو قد تمّت، وبعد أن يكون النص قد أخذ شكلا ماديا (
صوريا ) في الفضاء.
ومع ذلك لم يظهر في عملية
دمج النص والحركة أي شكل من أشكال مضاعفة المعنـى ( التصويرية في الحركة
أو التفسيرية أو الإيمائية ). النص لا يعاضد الحركة أو يتكئ عليها، ولا
العكس كذلك. إنها عملية لا تصويرية. عملية توليف انفعالي ـ تعبيري.
فالطاقة الصورية تختلف عن طاقة الكلمة.

|