|

مسرح التسعينيات العراقي
المزيد من الآلام في ظل
مشهد يحكمه الخراب
بقلم : عبد الخالق كيطان *
· Amil;
gitano6us@hotmail.com
ما
هي التركة التي تركها المسرح العراقي لمسرح التسعينيات؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال الافتتاحي ، الذي نعده حيوياً، لابد لنا من
المرور بشيء من التفصيل حول أهم ملامح المسرح العراقي في الثمانينيات ،
حيث انحصر في ثلاثة تيارات رئيسة هي : تيار المسرحية التجريبية وتيار
المسرحية والاستهلاكية وتيار المسرحية البكائية ، وسنحاول أولاً أن
نوضح كيف بدأ تيار المسرحية التجريبية العراقية بالنمو ..
فقد بدأت طلائع التغيير في بنية العرض المسرحي العراقي أول ما بدأت مع
عودة الموفدين لإكمال دراستهم العليا في أوربا وأوربا الشرقية ، وبعودة
هؤلاء دخلت إلى فضاء المسرح في العراق تجارب جديدة مثّلها الفنانون (قاسم
محمد ، محسن العزاوي ، سليم الجزائري وعوني كرومي) بالإضافة إلى تجارب
الرواد : إبراهيم جلال ، جاسم العبودي ، بدري حسون فريد ، جعفر السعدي ،
سامي عبد الحميد ، بهنام ميخائيل وحميد محمد جواد الذين حاولوا ، قبل ذلك
، إدخال مناهج حديثة أنذاك ، ومنها منهجي برشت وستانسلافسكي ، على
الظاهرة المسرحية في العراق والتي كانت في بواكيرها ، إلا أن عودة الجيل
التالي لهم كانت مفيدة أكثر ، خاصة وأنها توافقت مع تطور عام في فن
المسرح شهده العالم أجمع ، إضافة إلى حداثة المنهجيات المسرحية التي
درسوها وحاولوا - عقد السبعينيات - الإفادة منها في عروضهم اللاحقة ،
وهكذا ظلت عروض مثل ( النخلة والجيران ) لقاسم محمد و( الثعلب والعنب )
لسليم الجزائري و (حرم صاحب المعالي ) لمحسن العزاوي وغيرها من نتاجات
هذا الجيل تمثل علامات مهمة على طريق المسرح الحديث في العراق والذي بدا
وكأنه ذاهب بقوة إلى مرحلة تحولات من نوع خاص ، هذا الغليان المسرحي _ في
تقديرنا _ هو الذي ظل مهيمناً إلى اليوم ، فيذكر مثلاً وبشكل دائم أن
المسرح العراقي في السبعينيات هو من أهم وأخصب و ( أحسن ) مراحل المسرح
في العراق ، وباعتبارنا دارسين لفن المسرح في العراق وغير معنيين بالوجه
التاريخي لهذا المسرح قدر اهتمامنا بالوجه الإبداعي له نقول : إن
لنا على هذا الكلام تحفظ كبير ، وباختصار شديد نقول بأن لكل مرحلة من
مراحل / مفاصل المسرح في العراق مناطق قوتها وإشعاعها ولا يجوز نسف تجربة
مسرحية عريقة ، كالعراقية ، برمتها من خلال حديث معجب ومنحاز عن مرحلة
ما ، حتى لو كانت لذاك الحديث مبرراته ..
وتأسيساً على ما سبق ، فلقد دخل المسرح العراقي إلى عقد الثمانينيات وهو
يحمل أدوات صحيحة وناجزة لإبداع متجدد ، الأسماء التي أشرنا إليها بدأت
تتمترس في وعي جديد للمسرح ، ثمة أيضاً أسماء جديدة عادت الآن من الدراسة
: صلاح القصب ، فاضل خليل ، عقيل مهدي ، عادل كريم ، عبد المرسل الزيدي
.. الخ ، أيضاً بدأ المسرح يحتل مكانه المرموق في الهرم الاجتماعي
العـراقي ، ونؤشر ذلك من خلال معهد وأكاديمية الفنون اللذين تحولا في
الثمانينيات –
بالإضافة إلى منتدى المسرح _ إلى ورش عمل حقيقية ستخرّج أسماءً مهمة في
المسرح لا يمكن حصرها بسهولة ، وإلى ذلك فلقد تطور الاهتمام العلمي
والإعلامي بالثقافة المسرحية
–
في العالم أجمع –
إلا أن ما لم يكن في حسابات المسرحيين ، ولا العراقيين بشكل أعمّ ، أن
تندلع الحرب العراقية الإيرانية في أول أعوام العقد الثمانيني ، تلك
الحرب التي غيرت المشاريع والأولويات وألهمت المبدعين العمل في اتجاهات
أخرى ، بعضها كان مدروساً وظلّ الكثير منها خاضعاً للموضة والتقليد الغبي
الأعمى ، فما هي الموجهات التي فرضتها الحرب على المسرح في العراق ؟ ..
لم
يكن _ بأية حال من الأحوال _ العمل في ظلّ ظروف الحرب بذات الروحية التي
نعمل فيها أيام السلم ، الحرب أدخلت مفاهيمها الجديدة على بنية المجتمع
العراقي ، تلك المفاهيم التي باتت اليوم معروفة للجميع ، ولذلك سنحاول أن
ندرس انعكاساتها على المسرح من خلال ظهور التيارين الكبيرين : المسرح
التجريبي والمسرح الاستهلاكي ..
والمسرح التجريبي ، الذي له جذوره التي أشرنا إليها في بداية هذه الفقرة
، دفـعته الحرب إلى مناطق جديدة تماماً ، ونستطيع حصر ذلك بالملامح
العامة الآتية :
1. ظاهرة الالتفات إلى المسرحية الشعبية الجديدة ، ويعد
الفنان الدكتور عوني كرومي الذي استلهم منهج برشت الملحمي بذكاء شديد
أبرز من عمل في هذه الظاهرة خاصة في عمليه اللافتين ( الإنسان الطيب ) و
( ترنيمة الكرسي الهزاز ) ، وبعده حمل هذا المشروع بثبات الفنان عزيز
خيون .
2. ظاهرة الجماليات البصرية والصورية ، وكان من أبرز روادها
الفنان الدكتور صلاح القصب ، صاحب مسرح الصورة ومسرح فرضيات الذاكرة ،
ومعه الفنان الدكتور شفيق المهدي عبر أعمالهما المشتركة وغير المشتركة .
3. ظاهرة العودة إلى كلاسيكيات المسرح العالمي ويمثلها
الفنان الدكتور عبد المرسل الزيدي في عمله البارز ( ماكبث ) وبشكل أكثر
وضوحاً الفنان الدكتور عادل كريم عبر أكثر من عرض أبرزها ( ألكترا ،
أوديب ، وميديا ) .
4. ظاهرة مسرحيات السيرة ، وكان رائدها الفنان الدكتور عقيل
مهدي يوسف ، الناقد والممثل والمنظر والمخرج المتأثر بالتعبيرية ، والذي
قدم أكثر من عمل في هذا الاتجاه أبرزها ( حقي الشبلي ، يوسف العاني ،
السياب ، جواد سليم ) ..
هذه الملامح / الظواهر الأربع هي الخطوط العريضة للتجريب المسرحي العراقي
في الثمانينيات ، مع ملاحظة ما كان ينتجه الرواد : إبراهيم جلال وسامي
عبد الحميد أو من مخرجي الأجيال اللاحقة مثل قاسم محمد ومحسن العزاوي ،
إلا أن الظواهر الأربع السالفة ، والتي انطلقت أولاً من داخل فضاءات
أكاديمية الفنون الجميلة المثقفة هي أبرز ملامح الاشتغال التجريبي في
الثمانينيات ، وقد استطاع رموز هذه الظواهر أن يكوّنوا حلقات من الشباب
المثقف حولهم فكانوا يشكلون أشبه ما يكون بمختبرات مسرحية غير منظمة وغير
مقصودة _ كما هي عادة المختبر المسرحي _ وقد فرّخت هذه المختبرات تجارب
جديدة ، بعضها استمرّ في خطى إبداعية مؤثرة مثل تجربة الفنان ناجي عبد
الأمير ، والبعض الآخر ، وهو كثير جداً وخارج على أن نحصره ، استنسخ
وقلّد بغباء وفجاجة تلك التجارب الرائدة .
المسرح التجريبي في ثمانينيات العراق ، تقدم بفعل الجمال والأيديولوجيا ،
فأغلب العروض التجريبية احتفت بجماليات خالصة في بنيتها ، إضافة إلى أنها
ذهبت إلى مديات بعيدة من الخلق والابتكار الجمالي متخلّصة في الوقت ذاته
من أن تكون طبولاً وأبواقاً لحرب عبثية مدمرة ، وهذه كانت أيديولوجيتهم ،
ذلك أن مهمة الجمالي _ الإنساني هي غير مهمة العدواني _ الحيواني ،
وبالرغم من ضغط السلطة على أهل المسرح ، والثقافة عموماً ، من باب وتحت
شعار : ( إدامة الروح المعنوية للجنود والجمهور على حد سواء ) ، إلا أن
المسرح التجريبي لم يتنازل عن شروطه الجمالية والفكرية لصالح شروط الحرب
التعبوية والتدميرية ، فظلّ المدّ التجريبي سائراً في خطى لم يعرقلها إلا
الخوف من التأويل المضاد ، وذلك ما دفع بالمسرحيين التجريبيين لأن يغالوا
في إنتاج عروض أقل ما يقال عنها : غامضة ، وهذه النتيجة كان أول من سعى
إليها ، وهي نتيجة سلبية على أية حال ، هم جيل المسرحيين الشباب الذين
تخرّجوا على يد أساتذتهم المجربين الكبار ، وذلك بسبب فرق الوعي الإبداعي
لدى الجانبين من جهة ومن جهة ثانية لأن الشباب كانوا أكثر عرضة للمسائلة
بسبب أسماءهم الغضة في عالم المسرح ، ذلك أن المسرحي المحترف أو ( الاسم
المعروف ) لديه من المبررات ( وذلك لا يقع في باب البرغماتية طبعاً ) ما
يستطيع بها الخروج سالماً من أي مسائلة قد يتعرض لها ... ومع ذلك ، ثمة
أسماء شابة سيكون لها حضورها الواضح في مسرح التسعينيات ، أسماء لمخرجين
شباب أفادوا من معلميهم ، كما أن الآلام الطويلة لشعبهم أسهمت في بلورة
رؤاهم التجريبية فتميزوا ، وعلى رأس هؤلاء الفنان المثابر ناجي عبد
الأمير ومن بعده : حيدر منعثر وحامد خضر وغانم حميد وباسم قهار وكريم
رشيد وهادي المهدي وعلي حسون المهنا وناجي كاشي وكريم جثير ... ثم كاظم
النصار وحميد صابر وأحمد حسن موسى وعواطف نعيم ومحمود أبو العباس ومحمد
حسين حبيب ومحمد صبري صالح وجبار محيبس وجبار خماط وحنين مانع ومحسن
الشيخ وجبار المشهداني ... أما الذين قلدوا واستنسخوا وانتجوا تجارب
مشوهة ، فكما أشرنا _ هم كثر جداً ، بل وأكثر من أن نحصيهم ، وعذرنا
بإهمالهم أن ذاكرة المسرح في العراق قد أهملت تجاربهم المشوهة ، فهم لم
يضيفوا ، بل أسهموا في تشويه التيار التجريبي في المسرح العراقي بعروضهم
التي فارقت جوهر فن المسرح ، وكأنهم ، في تفسير متطرف ، قد زرعوا أنفسهم
كحقول ألغام في طريق مسرح تجريبي متطور ، حيث كانت تلك العروض التي
قدموها في معهد وأكاديمية الفنون ومنتدى المسرح عبارة عن إرهاصات صادرة
عن ذوات مليئة بالأمراض النفسية والعقد الاجتماعية مما حسبها الكثيرون من
غير أهل الاختصاص عروضاً تمثل المسرح العراقي وهي لا تمثله قطعاً
…
المجموعة الجادة من مسرحيي التسعينيات أنتجت عروضها الطامحة إلى المغايرة
دون أن تنسى استحقاقات الواقع القاسي الذي تعيش فيه ، وقد أسهمت يومياتهم
الشخصية في نسج مشاهد درامية أخاذة لجهة جمالياتها الصورية المقترنة بحسً
إنساني عال لا يتجاوز الوقائع الأليمة للحياة العراقية أو يعبر فوقها ،
وإن كان الاشتغال غالباً ما يتم ، كما أشرنا ، برموزية عالية هرباً من
تأويلات الرقيب بالدرجة الأساس ، وأسهم ذلك أيضاً في أن تزدهر الرموزية
المبتكرة في مسرح الشباب ، رموزية كانت تشي بمرجعياتها الواضحة بالنسبة
لمشاهد عراقي يعاني ما يعانيه هؤلاء المسرحيون فيتفهم شفراتهم ويقيم معها
حواراً طويلاً يعبر بصدق عن حيوية المشهد الجديد في المسرح العراقي ،
وكانت عروض هؤلاء الشباب تستقطب جمهوراً عريضاً ، دون أن نصدق مقولات
أخرى كانت تقول عكس ذلك مع إدراكنا هنا لانطباق هذا الوصف على عروض
المجموعة الثانية التي أهملنا الحديث عنها في هذه الورقة ..
تيار المسرحيات البكائية
:
وفي تقديرنا الشخصي ، فإن أخطر ما في مسرح التسعينيات من تخريب مباشر
للذائقة الجمالية وقد اندرج ، سهواً أو بتخطيط مدروس ضمن تيار المسرحية
التجريبية ، هو تيار المسرحيات البكائية !
وتيار المسرحيات البكائية هذا ، وهو من افرازات واقع الحصار المفروض على
العراق ، فاق في تأثيره السلبي على الذوق العام وعلى تردي الظاهرة
المسرحية في العراق تيار المسرحية الاستهلاكية ( التجارية ) ذلك أن عروض
هذا التيار تتقنع بقناع ما يسمى بالمسرح الجاد في تقديم فواصل مسرحية
بكائية تعتمد على استدرار عواطف المشاهدين ، وخاصة من العرب المتعاطفين
مع محنة الشعب العراقي ، كما تلجأ تلك العروض إلى حيل رخيصة فنياً ،
وجلها حيل خطابية وشعاراتية غالباً ما تقود إلى التباس في فهم الحقيقة ،
وخاصة سؤال : لمذا جرى ما جرى ومن المسؤول عنه ؟ وذلك في اطار عرض يخلو
إلى حد كبير من جماليات صناعة المشهد المسرحي ، فالممثل في هذه العروض هو
الأدراة الوحيدة للعرض من خلالها تنقل جمل النص الرنانة إلى المشاهدين
بطريقة شعائرية بكائية خالية إلى أبعد الحدود من جماليات فن الممثل ...
وقد برع في هذا التيار المؤلف المسرحي فلاح شاكر في عروضه التي باتت
شهيرة ومعروفة لا للمشاهد العراقي فحسب بل وللمشاهد العربي ايضاً ، وما
يزيد الطين بلة أن تلك المسرحيات نالت ثناء بعض المثقفين العرب وأكبر
المهرجانات المسرحية العربية لا لشيء سوى لأنها عروض خطابية تتحدث بلغة
شعاراتية ، كما أسلفنا ، عن محنة الشعب العراقي في تسعينيات القرن الماضي
.. وقد وجدت السلطات في العراق في تلك المسرحيات ما يلبي أهدافها تماماً
في الترويج لأفكارها من خلال المسرح حيث تجد في مسرحيات فلاح شاكر ( قصة
حب معاصرة ، مائة عام من المحبة ، أعالي الحب ، الجنة تفتح أبوابها
متأخرة ومسرحية أكتب بأسم ربك ) خطاب السلطة ذاته الذي يدين الحصار دون
أن يبحث عن السبب الذي أوجده ، كما يدين ( الصمت العربي عليه ) ويوجه
أصابع الاتهام إلى ( الولايات المتحدة الامريكية ) باستمراره ، وتجد
أيضاً المزيد من خطاب المنائح حول ( أطفال العراق ) و( نقص الحليب ) ألخ
.. أما مخرجو تلك المسرحيات فكانوا تنبهوا منذ قدم الراحل هاني هاني ،
ولم يعرف عن الراحل بأنه من تجريبيي المسرح العراقي المعروفين ، مسرحية (
قصة حب معاصرة ) فاحتفى بها الإعلام الرسمي العراقي ثم تم إيفادها لتمثل
العراق في مهرجان قرطاج عام 1991 ولتحصل بطلة العرض الفنانة سهير أياد
على جائزة التمثيل ويحصل المؤلف فلاح شاكر على جائزة التأليف ، وهي
الجائزة التي ستفتتح لصاحبها جوائز عديدة مماثلة في مهرجان لا يتبارى في
مسابقته غير نصين مسرحيين مكتوبان بالعربية الفصيحة في أحسن الأحول ، ذلك
أن شروط المسابقة أن يكون النص مكتوباً بالعربية الفصيحة !
هكذا وجد الفنان فاضل خليل ومن بعده الفنان محسن العلي الطريق سالكة
للمشاركة في مهرجانات عربية في ظرف صار السفر على الفنانين العراقيين فيه
عصيباً ، بل أنهما ظمنا سلفاً حصول مسرحياتهما التي يكتبها فلاح شاكر على
إحدى جوائز المهرجان الذي تشارك فيه ... الأمر الذي دعا شاكر لأن يصرح في
الصحافة المحلية مراراً على أنه غير مقتنع بأي مخرج عراقي وإنه يتجه
لإخراج مسرحياته بنفسه ، وقد فعلها أخيراً عندما أخرج مسرحية ( الزرقطوني
) وقدمها في بغداد والمغرب أوائل العام 2002 ...
وبعد أن ترسخ تيار المسرحية البكائية عبر عقد من السنوات والعديد من
العروض التي عدها الإعلام الرسمي للنظام ناجحة لم يجد الرئيس العراقي
صدام حسين بداً من مدح تلك العروض فشاهد بتأثر بالغ ، أظهرته قناة العراق
الفضائية ، مسرحية ( أكتب بأسم ربك ) وقرر أن توفد المسرحية إلى أكبر عدد
ممكن من العواصم العربية والأجنبية ، وهو ما حصل فعلاً طيلة العامين
الأولين من مطلع القرن الحالي ، وكرر أوامره مع عرض آخر لم يكتبه فلاح
شاكر هذه المرة ، ويا لخسارته ! ، وإنما الشاعر الفلسطيني أديب ناصر عن
رواية الرئيس ذاته ( زبيبة والملك ) و قرر أيضاً إيفاد العرض الذي أخرجه
الفنان القدير سامي عبد الحميد في جولة حول العالم !
لمذا قلنا أن تيار المسرحيات البكائية هو الأخطر في تخريبه ؟ ... والجواب
على هذا السؤال بسيط للغاية ... حيث تم باسم هذا التيار القضاء كلياً على
تيار المسرحية التجريبية رصينه ورديئه ، فقد أصبح المثال للمسرح الجاد هو
عروض المسرحيات البكائية ذلك إن الإعلام الرسمي معها وأقلام النقاد (!)
معها وقرارات الإيفاد خارج العراق معها أيضاً ... فلماذا جهد المسرح
التجريبي ؟ ... والمصيبة أن عموم المشاهدين بات يعتقد الآن أن المسرح
العراقي هو إما مسرح استهلاكي ( تجاري ) أو مسرح قهري بكائي !!! وقد تم
تصدير هذه الثنائية إلى كبرى صالات العرض العربية مؤخراً الأمر الذي ضيق
من فرص عمل المخرجين الجادين وأجل إلى أجل غير مسمى تجارب العديد من
التجريبيين العراقيين ، كما أدى إلى موجة كبيرة من الانتاج المسرحي الذي
يعمل وفق مواصفات المسرحية البكائية ، ومن ذلك ما قدمه الممثل فلاح
ابراهيم ، مخرجاً ، قبل شهور مسرحيته التي كتبها الكاتب الدرامي أحمد
هاتف والمعنونة ( الهروب إلى الوطن ) ..
* تيار المسرحية
الاستهلاكية :
ويسميها كثيرون : المسرحية التجارية ، على أننا نصر على كونها استهلاكية
، لأن أكبر وأعظم المسرحيات الجادة تكلف ( إنتاجاً ) ويقتضي الدخول
لمشاهدتها ( أموالاً - ثمن التذكرة ) ، فالأصح أن تسمى الأولى استهلاكية
، لأنها خالية من المضامين العميقة والأطر الجمالية الخلاقة .
يتفق الدارسون للمسرح العراقي على أن ظهور المسرحية الاستهلاكية قد
تزامن وانطلاق الحرب العراقية الإيرانية مطلع الثمانينيات ، هذا تاريخياً
، أما لماذا ، فالإجابة لا تستحق كثير عناء ، إذ ماذا تخلف الحرب غير
الخراب ؟.. والمسرحية الاستهلاكية هي خراب المسرح في العراق .. كان
المسرح المصري _ مثلاً - بعد حربي 67/73 قد شهد ولادة هذا النوع ، الذي
له جذوره في واقع المشهد المسرحي عموماً وإن اختلفت التسميات من : الملهى
، الفاصل ، المهزلة ، الفارس ، الترويح .. الخ ، على أن النتيجة التي لا
حياد عنها هو أنه مسرح استهلاكي خال من روح وجوهر الفن .
بدأ هذا التيار في الانتشار على المسارح العراقية مع مسرحيات معدودة ،
ومع فنانين محدودين ، إلا أن المفاجأة تمثلت بازدحام الصالات التي تقدم
هذه العروض القليلة - آنذاك - بالجمهور مع تناقص تدريجي في أعداد جمهور
المسرحيات الجادة ، وقد وفّر ازدياد أعداد الجمهور أو قلتها على هذا
العرض أو ذاك ارتفاعاً في دخول عناصر الفريق الأول وانخفاضاً في دخول
عناصر الفريق الثاني ، من جهة ، ومن جهة ثانية ، فان تيار المسرحية
الاستهلاكية بدأ يوفر لإبطال عروضه نجومية ساحقة في الشارع العراقي على
حساب أبطال المسرحيات الجادة ، يساعدهم في صنع هذه النجومية الإعلانات
الكثيرة جداً التي بدأ يبثها تلفزيون العراق لهذه المسرحيات مع مشاهد
كاملة منها لا تخلو في كثير من الأحيان من قبح وتشويه ، فماذا كان يحصل
حقيقة على خشبات المسارح إذا كان هذا حال الإعلان التلفزيوني ؟ .
صناع هذه المسرحيات يدّعون بأنهم يقدمون فناً إنتقادياً ودليلهم تفاعل
الجمهور معهم ، أما الواقفون ضد هذه المسرحيات فقد أصبحوا مجرد ( معقّدين
) لا يحبون الضحك والابتسام و( الفرفشة ) ، خاصة وقد اجتذبت هذه
المسرحيات ومنتجوها بعض الفنانين الجادين إليها ممن أكلهم الجوع وشظف
المعيشة ، وهكذا أصبح المعارضون للمسرحيات الاستهلاكية ممن تحل عليهم
اللعنة ، فأصبح يوسف العاني وخليل شوقي وجعفر السعدي وبدري حسون فريد
وسامي عبد الحميد وزكية الزيدي وازادوهي صاموئيل وغيرهم من رواد المسرح
العراقي بين موقفين : أما الصمت بانتظار المعجزة ، وأما المحاربة من خلال
الصحافة ، حيث لم يبادر هذا الرهط من أهل المسرح الحقيقي بإنتاج مسرحيات
محكمة تتبنى ذات الشعار الذي تبناه الإستهلاكيون وهو شعار : ( المسرحية
الكوميدية الشعبية الانتقادية الساخر ة ) وأحياناً ( المسرحية الغنائية
الاستعراضية ) ، وهو شعار مفرغ من معناه في ظل هيمنة الخطاب السطحي لهذه
العروض ، وكان الرواد قد تعاملوا ( في السبعينيات مثلاً )مع ذات الشعار
ولكن في عروض جمالية هادفة ، أما عروضهم في الثمانينيات فكانت قليلة حد
الندرة لم تستطع مقاومة المد الاستهلاكي .
إن
انتقاد ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية في المجتمع عبر عرض مسرحي
لا يعني مطلقاً أن هذا العرض هو عرض انتقادي ، العرض الانتقادي يتعلق
بالأحرى ببنية عرض لها أصولها العلمية والدقيقة والتي لا نجدها في العرض
الاستهلاكي ، حيث يضم هذا العرض الأخير قفشات محسوبة للاضحاك فقط
اعتماداً على بنيات مركزية هي ( السكّير ، الفلاح النازح من الجنوب ،
الراقصة ، اللص ، المعاق ، والمشوه جسدياً وخلقياً ) في إطار ساذج وبليد
يتبعه تجريح واضح بشريحة واسعة من أبناء المجتمع العراقي ، كما يحدث
مثلاً مع شخصية الفلاح المتحدر من الجنوب عندما تضعه أغلب المسرحيات
الاستهلاكية نموذجاً للغباء ومصدراً للتندر والضحك عليه مما لم يحدث مع
شخصيات أصولها تتحدر من ذات الأصول التي تحدرت منها السلطة الحاكمة في
العراق، نعم ، الخوف من العقاب الحاد هو ما يدفع إلى الابتعاد قدر
الإمكان عن رموز وجذور أهل السلطة ، إلا أنهم من جانب آخر أساءوا إساءة
بالغة لأناس هم في الحقيقة من أشرف الناس ، وهم أهل الجنوب العراقي .
·
ما هي ركائز المسرحية الاستهلاكية ؟
تتكون المسرحية الاستهلاكية من مجموعة فواصل / مشاهد هزلية يوحّدها إطار
حكائي متخلف وساذج ، ومركز الفواصل والإطار هو بطل المسرحية ، والذي عادة
ما يكون واحداً من نجوم شباك التذاكر ، حيث يتعالى صفير الجمهور وتصفيقهم
حالما يظهر على المسرح ( بالأحرى على خشبة الملهى ، لأن هذا البطل
المزعوم يماثل راقصة ملهى تفعل كل شيء من أجل إسعاد الجمهور الذي دفع
نقوده لمشاهدتها !! ) وبظهور البطل ، يبدأ فاصل مركزي في المسرحية (
المسرحية الواحدة تحوي أكثر من فاصل مركزي ) يتمثل بإهانة الممثلين
الآخرين ممن يقفون معه على الخشبة ، وابداء بعض الحركات البذيئة بالجسد ،
ثم التلفظ بمفردات وقحة وغير أخلاقية ، مع تماهٍ واضح من قبل جمهور جاء
ليضحك على هذا ( البطل ) الوهمي ، ويا لها من مسخرة !! ، وقد دخلت مؤخراً
أنواع جديدة في موضة المسرحية الاستهلاكية ، أنواع تدعم وتعزز هذه
الفواصل مثل ( المطرب والراقصة ) وغيرها ، ولا تكاد تخرج مسرحية
استهلاكية واحدة عن هذا التوصيف !!.
استطاع هذا التيار أن يرسخ نفسه بالرغم من الهجوم المتكرر والمستمر الذي
تعرض ويتعرض له من على صفحات الجرائد والمجلات العراقية من قبل أقلام
عراقية محترمة وأخرى هاوية ، حتى أصبحت ظاهرة مهاجمة عروض هذا التيار
موضة هي الأخرى ! ، ولكن هذا الهجوم_ عموماً_ كان كالنفخ في قربة
مقطوعة_كما يقال_ ذلك أن الأمر قد عقد ، وعلى أعلى المستويات ، على
استمرار هذا التيار لأن عروضه (تلهي ) الجمهور-الشعب ، ثم أنه البديل
الموضوعي عن إلغاء ( البارات ) و ( الملاهي ) العامة ، وقد سطى هذا
التيار ، وبدعم عال ، على أهم مسارح العاصمة ، كما حدث أبان تشـــكيل ما
يسمى بـ ( التجمع الثقافي ) عام 1993 عندما تم ولأول مرة في تاريخ المسرح
العراقي تسليم مسرح الرشيد_ الحضاري لـ (يلعب عليه ) واحد من ( مهرجي )
الزمان الرديء في مسرحية إ ذا أردت احترامها تقول عنها : تافهة !! ، وقد
كان ( رئيس التجمع الثقافي ) قد اجتمع بالمسرحيين العراقيين ( جادون
وغيرهم ) في تلك الفترة وأمر بشكل واضح لا لبس فيه باستمرار عروض هذا
التيار وتقديم أكبر دعم ممكن لها ، وهكذا توفرت الأرضية الصلبة لازدهار
المسرحية الاستهلاكية حيث امتدت ذراعها القوية لتخرب عقد التسعينيات عقب
كارثة حرب الخليج الثانية بسيطرة مطلقة على المشهد من خلال أكثر من (25)
مسرح يومي تقدم على مدار العام هذا النوع الرديء مقابل زاوية واحدة أو
زاويتين للمسرح الملتزم ! .
ومن المناسب هنا تثبيت واقعة ذات صلة بما ذهبنا إليه عندما (استغل)
مجموعة من الشباب ( سلطة ) رئيس التجمع غير المحدودة فشكلوا فرقة مسرحية
جادة أسموها ( فرقة الرشيد ) وقدموا باسمها عرضاً مثيراً ولكنه عرض باطني
! ، وكان أن حصد العرض جوائز أحد المهرجانات المحلية ، مما حدا بالتجمع
إلى إلغاء فرقته الوليدة الجادة من أجل استمرار توحيد الدعم للمسرحيات
الاستهلاكية التي لا باطنية فيها ولا تأويل .. بل على العكس من ذلك تحقق
لهم الشيء الكثير على طريق تخريب الثقافة العراقية والذوق العام ..
* فصل التسعينيات الحزين:
ذات يوم قال واحد من رواد المسرح العراقي لمجموعة من المسرحيين الشباب
عندما سألوه عن حال المسرح الآن ، بأنهم ( يقصد الرعيل الأول من
المسرحيين العراقيين ) ناضلوا منذ الخمسينيات وإلى اليوم لكي يستبدلوا
كلمة(كاولي ) بكلمة : فنان وهاهو (تلفزيون الشباب) ينسف هذه السنوات
الطويلة ويعيدهم إلى مجموعة ( كاولية ) !! ، و ( الكاولية ) في اللهجة
العراقية هم الغجر .
وهذه القصة ذات مغزى كبير في الثقافة العراقية اليوم ، عندما أطلقت يد (
عدي صدام حسين ) فيها لتعيث خراباً على خراب ، حدث ذلك منذ النصف الأول
للتسعينيات ، غادر العراق بعدها الفنان القدير خليل شوقي وبدري حسون فريد
وعوني كرومي وسليم الجزائري وناجي عبد الأمير وكريم رشيد وباسم قهار
وهادي المهدي وعبد الأمير شمخي وقاسم محمد وحكيم جاسم ومحمود أبو العباس
وكريم جثير ، كما خرج مجموعة من المسرحيين الأكاديميين تحت ستار العقود
الدراسية مثل ( شفيق المهدي ، حسين الأنصاري، عقيل مهدي يوسف ، ألخ ) .
والقائمة تطول حقاً ، تلك الهجرة التي لم تستثن من الاختصاصات المسرحية
أي اختصاص كما أنها شملت فنانين رواد وآخرين شباب مجرد عدهم الآن يقع في
ضروب المستحيل حيث توزعوا في شتى أنحاء العالم ، وهذه الهجرة الضخمة التي
ابتدأت بعد كارثة غزو دولة الكويت وحرب الخليج الثانية 1991 كانت قد بدأت
شيئاً فشيئاً بإسدال الستار على تاريخ عريق في المسرح حيث بدا كل شيء غير
ذي جدوى ، ولنلاحظ أن رواد وكبار مخرجي المسرح في العراق قد بدأ أداؤهم
يتذبذب ليصل أحياناً إلى حدود العادية بعد أن كانوا فرسان رهان هذا
المسرح ، وهذا التذبذب له أسبابه التي تنطلق من الأزمة الفكرية
والحضارية التي بدأت تحاصر المسرحيين عقيب حرب الخليج الثانية فأي مسرح
يصل إلى مستوى كارثة بحجم كارثة العراق ؟ . هذا السؤال ، وما تبعه من
نتائج / مسرحيات أنتجها كبار مخرجي المسرح العراقي في النصف الأول من عقد
التسعينيات ، قد دفعت بهؤلاء إلى اختيار طريق من أثنين : الهجرة أو الصمت
!!.
جناح المشهد الثاني الذي كان يمثله الشباب ، اندفع إلى مغامرة تجريبية
تهدف إلى إثبات الحضور أولاً ، وإن انطلقت تجارب هؤلاء من الواقع العراقي
المأزوم ، إلا أن شدّة الرقابة قد جعلتهم يلوذون خلف المدارس الحديثة بما
توفره من تجريبية نظرية وعملية في الشكل خاصة ، وبدأ بالتشكل جيل مسرحي
جديد هو جيل التسعينيات ( ذكرنا أسماء أبرزهم في فقرة سابقة ) ، والملفت
للنظر في تجارب هذه النخبة ، عدا عن جرأتها الواضحة التي عرّضت أصحابها
أكثر من مرة إلى المسائلة ، هو عدم استمرارهم ، إذ سرعان ما يهاجر هذا
المخرج خارج العراق كما حصل مع (ناجي عبد الأمير ، باسم قهار ، كريم رشيد
، هادي المهدي ، كريم جثير ) أو يتحول إلى المسرحية ( الجماهيرية ) كما
حصل مع (حيدر منعثر ،غانم حميد ، جبار المشهداني ، عبد الوهاب عبد الرحمن
، حسين علي هارف ) أو يترك الإخراج المسرحي لسبب أو لآخر مثل( علي حسون
المهنا ، ناجي كاشي ، محمد صبري صالح ) أو كانت تجاربه متقطعة لأسباب
كثيرة مثل( حميد صابر ، حنين مانع ، محمد حسين حبيب ، جبار خماط ، أحمد
حسن موسى ، جبار محيبس ) ومنهم من توفي مبكراً مثل الفنانين (حامد خضر و
محسن الشيخ ) واستمر آخرون _ وهم قلة حقاً _المواصلة الحثيثة وكان أبرز
هؤلاء الفنان كاظم النصار ، كما لحقت بالأسماء السالفة مجموعة متناثرة
نمن الأسماء التي ظهرت في النصف الثاني من هذا العقد تحاول شق طريقها في
ظل الكثير من الموانع والمخاطر ..
يلاحظ في تجربة المسرح العراقي الخاصة بعقد التسعينيات أولاً طغيان موجة
الرداءة التي تمثلها المسرحية الاستهلاكية حيث امتدت لتشمل مسارح فرق
مسرحية لم تكن في يوم من الأيام ذات صلة بهذا النوع مثل الفرقة القومية
للتمثيل ومسرح بغداد وغيرهما ، كما أن هذه الموجة غزت مسارح/بنايات لم
يصعد إليها سابقاً مهرجو العقد التسعيني مثل مسارح الرشيد والوطني وبغداد
والمنصور وغيرها، ولأنها موجة فجة هذه التي يشهدها _ وللأسف _ المسرح في
العراق فلا مناص من إقصائها من هذا الحديث .
وإذا ما انتقلنا إلى الوجه الحقيقي في عقد تسعينيات المسرح في العراق،
وهو ما حمل لواءه الشباب المسرحي وبعض الرواد والرموز ، سنجد المؤشرات
الآتية :
1.
تكريس ظاهرة غياب النص المسرحي ، والمحلي بشكل خاص ، حيث بدأت موجة ضخمة
من العروض المسرحية المعدّة عن روايات أو قصائد أو أفلام أو مسرحيات ، في
الوقت الذي ظل فيه الكتاب يوسف العاني وعادل كاظم ومحي الدين زنكنة وفؤاد
التكرلي وجليل القيسي ويوسف الصائغ وسعدون العبيدي وعصام محمد وعزيز عبد
الصاحب أمناء لمشاريعهم التأليفية التي قد نختلف في قراءتها ، كما أنجب
عقد التسعينيات كتاباً آخرين كان لهم حضورهم في المشهد المسرحي بما قدموا
من نصوص ومنهم ( علي حسين وأحمد الصالح وفلاح شاكر ومثال غازي وعلي عبد
النبي الزيدي وعبد الكريم السوداني ويعرب طلال وعبد الستار ناصر وشوقي
كريم حسن ومحسن راضي وعواطف نعيم ومحمد الجوراني ووداد الجوراني وحنين
مانع وخزعل الماجدي وعباس لطيف ومحمد صبري غيرهم )..
2.
الاعتماد على تقنيات بسيطة ومتواضعة في التقديم المسرحي ، وهذا عائد إلى
الإقصاء القسري من قبل السلطة للمسرحيات التجريبية من بنايات المسارح ذات
التقنيات العالية وحصرها في مسارح بلا تقنيات ( منتدى المسرح بشكل خاص )
، مع الإشارة هنا بأن ذلك الإقصاء لا يتم عادة في إطار عقد مصرح به وإنما
هو عقد متعارف عليه دون أن يدون ،المهم ، هكذا جاءت أغلب عروض مخرجي
التسعينيات الشبابية فقيرة من ناحية الإبهار الشكلي المعتمد على التقنيات
ن ومعتمدة على مرتكزات جمالية تخص فن الممثل والتكوين والإكسسوار اليومي
في إنجازها ..
3.
ولضخامة الجوع ، وتدني مستوى الأجور الممنوحة إلى المسرحيين الجادين ،
فقد مالت أبرز تجارب هذا العقد إلى الاعتماد على أقل عدد ممكن من
الممثلين ، كما ازدهرت مسرحيات (المونودراما) قليلة الكلفة إنتاجياً .
4.
وقد دفعت الرقابة المشددة على هذه العروض إلى انتهاج صانعيها مناهج
غرائبية في التقديم ، وذات إحالات بعيدة عن الهمّ العراقي وإن اشتركت معه
في قواسم يقصدها المخرجون تماماً ، وكانت هذه مشكلة أتت نتائج عكسية
بابتعاد الجمهور عن هؤلاء لأنهم لم يفهموا المعاني الدقيقة التي تضمّنتها
تلك العروض.
5.
ونتيجة لغلاء المعيشة الذي سببه الحصار، فقد انسحب الكثير من الممثلين
تاركين المسرح ليلجوا إلى شاشات التلفزيون حيث يوفر القطاع الخاص في
الإنتاج الدرامي التلفزيوني بعض المال الذي يسهم في إبعاد شبح الجوع عن
أهالي المسرحيين ، وهنا لابد من الإشارة إلى أن المسرح الاستهلاكي بأجوره
المميزة عن المسرح الملتزم قد استقطب هو الآخر العديد من الممثلين
الجيدين فيما فضل آخرون العمل في مهن بعيدة تماماً عن الفن المسرحي .
6.
أفرزت عروض العقد التسعيني مواهب لا يمكن إغفالها في التأليف والإخراج
والتمثيل وعناصر العرض الأخرى ، التي عملت وتعمل بالرغم من شتى المضايقات
التي تتعرض لها وبالرغم أيضاً من شبح الجوع الذي يجتاح البلاد .
7.
ومن المؤشرات اللافتة في مسرح التسعينيات دخول العديد من الممثلين
المحترفين إلى ميدان التأليف والإخراج لأسباب عديدة ، أبرزها الهجرة
التي طالت العيد من المخرجين المتمكنين ، وعدم اقتناع هؤلاء الممثلين
بطروحات ورؤى المخرجين العاملين وغيرها من الأسباب ، ولعل أبرز هؤلاء
الممثلين _ المخرجين والمؤلفين أيضاً_ عواطف نعيم ، محمود أبو العباس ،
حكيم جاسم ، حسين علي هارف، ناصر طه ، هيثم عبد الرزاق ، فلاح إبراهيم ،
رياض شهيد ..
****
عبد الخالق كيطان :
_شاعر وناقد مسرحي عراقي مقيم في أديلايد ، صدر له :
1.نازحون ، المجموعة الشعرية التي نالت جائزة الشاعر الراحل عبد الوهاب
البياتي لعام 1998 وصدرت في العام ذاته عن دار الجندي في دمشق.
2.صعاليك بغداد ، مجموعته الشعرية الثانية وصدرت عن المؤسسة العربية
للدراسات والنشر_بيروت عام 2000 .

|