كرومي: ملاك يعشق الترحال

حوار .. أثير السادة 

قدره ان يكون طرفا في المهرجانات المسرحية العربية ، ان يسافر بحقيبة مملوءة بالاشواق والاحلام المسرحية ، مبشرا بقدرة المسرح على البقاء والعطاء والتأثير.

د. عوني كرومي المخرج والاكاديمي العراقي كان صوتا دائم الحضور في ندوات المهرجان المسرحي السابع للفرق الاهلية لدول الخليج العربية، صوت لا يخلو من حنان ابوي يحتفي بالقوة الانسانية وهو يمنع النظر في استبطانات العروض وكشوفاتها الفنية.

نقترب منه هنا قليلا لنلامس بعض جوانب من روحه المسافرة.

1.      هل لنا ان نحدد اتجاهات للمسرح الحديث او ان نحاول تحديد موقع المسرح من هذا الوجود في هذه اللحظة التارخية؟

ستستغرب ياسيدي ان اجبتك ان المسرح مرتبط بالمكان بالزمان وبالبيئة فما ان يقل دوره ويقل نشاطه ويقل فعاليته في بلد ما حتى تراه يتألق في بلد آخر وتأثره يؤثر على البلد الذي تخلف فيه وهكذا اجد من المتعذر علينا الحديث عن المسرح في العالم بشكل شمولي.

قد ترى المسرح في مدينة ما حيويا ونابضا والمجتمع يحتاجه ، وفي مدينة لا تبعد خمسمائة متر عن هذه المدينة نراه يخبو ويصاب بالشلل وذلك  لأن المسرح مرتبط بالحياة ، مرتبط بالتغيير ، بالبنية السياسية والاجتماعية، واندفاع الناس وارتباطهم يملك اكثر من دافع ، فالى جانب الدوافع العامة كالمتعة والرغبة والتعايش والمشاركة في المشاهدة والرغبة في التعلم والانفعال ..هناك ايضا رغبات تكتمل حاجتها في ان يعبر الفنان عن حركة المجتمع ، وبالذات المجتمعات الآيلة للسقوط.

في المجتمعات التي وصلت الى ذروة ما في صراعاتها سنجد ان المسرح مثل منبر للتحشيد والتحريض والبحث ، هو المكان المناسب لايجاد الاجوبة و للتأويل ... في الخليج كان المسرح في الكويت حيويا ونشيطا ثم بدأ يخبو ويبتعد عن الجمهور وينتقل الجمهور فجأة الى نوع مختلف من انواع المسارح ، بينما في دول خليجية اخرى قد نكتشف انه وبسرعة فائقة صار هناك مبدعين وفنانين ينتمون الى المسرح ويندفعون ويجربون جميع الاتجاهات ..حتى لنجد بين ليلة وضحاها ان مدينة ما تتحول الى مأوى للمسرح والى مكان المسرح جزء من سماته.

2. الا تعتقد ان المسرح يواجه الآن سؤالا وجوديا مع هذا التحول في امكانات الاتصال الدرامي ..سؤال حول قدرته على البقاء.

المسرح سيبقى حيا.. قد يندثر ويولد من جديد ويتطور ..هناك دائما عصر انحطاط المسرح وعصر تألقه الذهبي ..لكن ينبغي ان لا نخاف على المسرح من الفناء النهائي امام أي وسيلة من الوسائل او أي شكل من اشكال المعرفة لسبب واحد هو ان المسرح يدافع عن وجوده بوجود الانسان الممثل ، والانسان المشاهد في الزمان والمكان.. وكلما سعى الانسان المشاهد لاكتساب خبرة وتجربة واجوبة لتساؤلاته في الحياه وقلقه وخوفه وايضا تمرده وثورته ، كلما تواجد هذا الانسان سنجد ان المسرح يمتلك جمهوره ويمتلك من يبحث عنه ويحيا معه ..وبنفس الشيء عندما يوجد الانسان الفنان الذي لديه الموهبة والقابلية والقدرة والثقافة سيبحث عن دور لوظيفته الاجتماعية  وعن معنى وجوده ، وهذا ما يحمله للتوجه للمسرح هاو كان ام محترفا ، متخصصا او ذا خبرة وتجربة من خلال الممارسة ..وهكذا نجد ان المجتمع الذي هو في حال الصيرورة والتغيير والصراع ، نجد انه بطرفيه :المتلقين والمبدعين كلامها يسعى للاستفادة من ظاهرة فن المسرح باشكاله المتعددة لان المسرح ايضا اخذ خصوصيات عديدة وليس له خصوصية واحدة او وظيفة واحدة وليس له حتى على مستوى المعمار والمؤسسة الفنية شكل واحد فهناك المسرح الرسمي والمسرح المدرسي والمسرح التجاري ومسرح الهواة والخ من تسميات..بحيث يشتركون في عملية خلق واعادة صياغة للتجربة الانسانية   في الزمان والمكان المعاصر وبشروط الحياة ايضا وشروط العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع بحيث تسهم الدولة ايضا في بناء المسرح كجزء من عقدها الاجتماعي في مجال التنمية الثقافية وتطوير الجانب الروحي لشعبها.

3. افهم من كلامك ان الحديث عن ثقافة كونية وهوية كونية مع تحولات العولمة لا ينسجم مع كلامك عن المسرح الذي تعرفت عليه فالمسرح عندك هو ابن المكان ، و روح المسرح من روح الانسان في المكان ذاته.

العولمة ليست شكلا واحدا وليست هي امركة المجتمع وهيمنة الامريكي على منافع الحياة وشئون السياسة كما يرى البعض الذي يستند في رأيه على  ما تواجهه العولمة من استغلال بشع من قبل الاحتكارات الامريكية .. ففي فكرة العولمة وجوهرها الجانب الآخر الانساني والتطوري الذي يعمل على تطور المجتمع ونشر الثورة المعلوماتية وهي في خدمة الانسان ..الفرق هنا كيف نستفيد من نتائج العولمة ونستغلها من اجل ان تكون في خدمة الانسانية على وجه هذا الكون ..المسرح فن عالمي والعولمة ليست بنت اليوم ، الديانات السماوية كانت عولمية ، حتى الادب العربي في الف ليلة ولية كان ادبا عولميا ، تراث الشعوب كانت عولمة ، ليس هناك ثقافة نقية خالصة غير متأثرة بالثقافات الاخرى ..العولمة موجودة مادام الانسان على هذا الكون.

سابقا لم نكن نستطيع ان نرى حركة العولمة من الخارج الكوني لاننا كنا على الارض اما الآ فقد تحولنا الى ملائكة..من قبل كنا نعتقد ان الملائكة وحدها ترى الكون ، نحن الان بالانترنت والكمبيوتر والاتصالات نرى الكون ، الارض التي نعيش عليها صارت صغيرة جدا قياسا بالكواكب الاخرى .

من هذا المنطلق تسير العولمة في النفس البشرية بين الشعوب وبين البشر لكن كنا نعجز سابقا ان نرى التشابه والتمايز بين افراد البشر في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية وغيرها..الآن ما عاد المجهول مجهولا بالنسبة الينا واكتشفنا اننا نشترك في صفات انسانية بعيدا عن اللون والعرق والدين والقومية والانتماء بحيث نشترك في الهم والمشاعر والانفعالات والآلام والامراض ..

4. انت تدعو للنبش في تربة الخليج عن معادل جمالي وموضوعاتي مسرحي..هل هذا خيار ضمن خيارات متعددة والى أي مدى يمكن ان يكون ذلك خيارا ناجحا. 

حينما اتحدث عن الخليجيين الذي يهربون الى الامام اعني اولئك الذين يتأثرون فقط بالشكلانية التي تعمق اغترابهم الفلسفي والوجودي في الواقع ولا يدركون الاغتراب الحقيقي في المجتمع فيبدأ الاغتراب الفلسفي المرتبط بالوعي وليس بالواقع ..يتحول ويتصاعد بحيث يبتعد المسرح عن الهم اليومي والحياتي ...هناك لازالت اختلافات وتباينات بين مجتمعات مختلفة وعديدة حتى مجتمعات الرفاه الاجتماعي ، فهناك مجتمعات منها جاءت نتيجة استغلال طاقة الإنسان وهناك البعض الآخر جاء من استغلال الطبيعة ، وأخرى نتيجة استغلال رأس المال ..حتى في دول الرفاه الاجتماعي هناك اشكال للبنى الاجمتاعية والوعي الاجتماعي والتطور الاجتماعي ..

لذا اقول اننا في الوطن العربي لا نعيش فوق بئر نفطي كبير بل نعيش فوق بركان اجتماعي كبير سببه ان الرفاه الاجتماعي لم يأت عن وجود استثمار العمل الذي يسهم في التطور.

فالتراكم المعرفي يكون ممكنا عندما يبدأ العمل بالعمل والتعامل مع الآلة وتطور الآلة يخلق تراكم في وعي الانسان اما اذا كان الانسان لا يسهم في العمل ولا في توزيع العمل ولا في استثمار نتائجه سيبقى عالة اجتماعية قد تتحول الى نوع من الصراع الذي قد يؤثر بشكل بشع على البيئة والحياة .

اعتقد ان ازمة الكون في العالم هي العمل وتقسيم العمل ومردود العمل الانساني وهي مردودات غير مادية بحتة ، انما مردودات معنوية ..

المسرح يعمل من اجل تقليل آلالام البشر من خلال عكس انفعالات ومشاعر واحاسيس الانسان كفرد والمسرح يسهم في اغناء الفرد ونحن نحتاج المسرح في دولنا ليصبح المسرح جزء من العمل وليتحول الانسان المشاهد وكأنه جزء يعمل بداخل المسرح بهدف تطويرنفسه ..فالمشاهدة المسرحية بالنسبة لاوطاننا هي عمل ، وهي متعبة ويجب ان تبقى متعبة لانه من دون التعب والجهد لن يرتق الانسان ، والانسان الذي يذهب الى الكسل سنجده يذهب دائما من اجل قضاء الوقت وارتقاب لحظات الموت التي يتمنى ان تكون سهلة وبلا آلام ولكن الموت/الجهل سيكون دائما مؤلما ليس للجاهل نفسه بل سيكون للواعي الذي يعمل من اجل تقليل الآلام البشرية.

5. من العراق الى تونس فالامارات وبرلين ماذا حملت اليك هذه التجارب ..ما هو الفارق الانساني والمسرحي بين كل هذه التجارب؟

استطيع ان اقول بأنها حولتني الى ملاك من خلال هذا الترحال وهذا التواصل الذي ارى بواسطته هذا الكوكب الارضي .. هو ملاك –واتمنى ان لا اكون شيطانا- يريد ان يبشر..لأن هذا الملاك الذي يرقب حركة الكون يريد ان يقول كلمة الخير ، يريد ان يسهم في سعادة الناس على الارض.

 وباعتقادي انه طالما لم تخلق الجنة على الارض بعد فعلى الفنان ان يسعى لخلق تلك الجنة ..قد تكون تلك فكرة مادية بحتة حاولت انقلها بفكر صوفي