المسرحيون العراقيون يتطلعون إلى مرحلة ما بعد صدام حسين حسن الفقيه 

المخرج قاسم محمد: "رسالة الطير"

حاوره: ظافر جلود

 

ما زال أداء الممثل العربي يكتب بالشعر العمودي .. د. صلاح القصب

 

نص مسرحية ( رثاء الفجر ) تأليف قاسم مطرود

 

نص مسرحية (الزفاف ) تأليف كريم جثير

 

أسباب تراجع المسرح العراقي .. يوسف العاني المسرحي العراقي الرائد .. محمد كريشان

المخرج د. عوني كرومـي ل مسرحيون   حاوره: عدنان حسين أحمد: ووبرتال – ألمانيا

 

أمسية للمؤلف المسرحي قاسم مطرود : اكتب أكثر من نص في النص الواحد .. علي شايع

النحات يرقب ساعته.. علي شايع

 قراءة متأخرة في الحزن العراقي .. علي شايع

الخبر :تراجيديا المسرح الروسي , وأخبار أخرى ... علي شايع

شيخ الفنانين العراقيين.. اسعد عبد الرزاق: المسرح رسالة عظيمة.. ووسيلة شريفة لخدمة الإنسان  ..

 

 

 

الصراع المسرحي... براعة فنية أم رؤية اجتماعية؟‏


فرحان بلبل‏

وقفنا في الحلقة الثانية من هذا البحث عند نقطتين. أولاهما أن المسرحية ذات (الفصل الواحد) صارت الشكل الأكثر طغياناً في الكتابة المسرحية إن لم تكن الشكل الوحيد. وثانيهما أن الإبداع العالمي في مجالات الفنون والآداب تراجع تراجعاً مريعاً منذ بداية تسعينيات القرن العشرين.‏

وهاتان النقطتان هما المعطيات الفاجعة التي قدمتها المرحلة للكاتب المسرحي العربي في تسعينيات القرن العشرين حين أخذ يقدم نتاجه. وهي معطيات جردته من أقوى أسلحته. فهو لا يملك فسحة في الزمن المسرحي حتى يوفر لنفسه حرية الحوار وبناء الشخصيات. وقد فرض عليه أن يجتزئ من الحكايات التي يخترعها كثيراً من الحوار المعمّق للحدث والشخصية، وفرض عليه أن يختصر عدد الشخصيات لأن مسرحية الفصل الواحد لم تستطع فيما مضى ولن تستطيع اليوم أن تستطيل لتضم عدداً كبيراً من الشخصيات. ولم تستطع فيما مضى، ولن تستطيع اليوم أن تمد جناحيها على أحداث كبيرة أو كثيرة، فكأن الكاتب سجين مساحة محدودة لا يستطيع أن تجول خيوله فيها.

والكاتب لا يملك قضية اجتماعية كبرى يدافع عنها فيجعل شخصياته تخوض صراعاتها الكبرى وانحسرت معالجاته إلى قضايا إنسانية عامة صغيرة لا تجد لنفسها مستنداً اجتماعياً أو وطنياً ينفخ فيها روح الإبداع الناتج عن موقف محدد واضح من الحياة؛ فلا يجد أمامه إلا أن يجعل مسرحيته تعيش في هيولى سريالية أو عبثية. وهذه الهيولى هي التي نجد أكثر النصوص المسرحية العربية تسبح فيها.‏

لكن الكاتب، قبل هذا كله وبعد هذا كله، لا يعيش حالة من النهوض المسرحي، ولا تشكل نصوصه التي يكتبها جزءاً من هذا النهوض... فوجوده وعدمه سواء، والعروض المسرحية اليوم تستغني عن نصوصه بتلك النصوص المؤلفة التي يركبها المخرجون وقد فرحوا بأنهم خرجوا من سطوة النص وكاتب النص... فإذا وجدت عرضاً يقدم نصاً لكاتب مسرحي فلأن المخرج نفسه هو الذي صار الكاتب، وإذا قلنا إن سوق الأدب العربي اليوم بائرة غير رائجة، فإن المسرحية أكثرها بواراً وأقلها رواجاً.‏

من كل ماتقدم ندرك أن جميع أوضاع المجتمع والتغيرات وحالة الفنون تعمل ضد الكاتب المسرحي وتقلل من قدرته على الإبداع، وتغلق أمام نصوصه أبواب الظهور، وتنحدر بالكتابة للمسرح إلى مرتبة غير المرغوب، فكأن هذه العوامل أعداء تتربص بالكاتب المسرحي... لكن ثمة عدواً واحداً هو أخطرها وأكثرها تدميراً لما يكتب، وهذا العدو هو الكاتب المسرحي نفسه حين تخلى ـ عامداً متعمداً مع سبق الإصرار ـ عن الصراع المسرحي؛ فجعله أضعف عناصر ما يكتب وقضى عليه، وأعترف أن ما أتيح لي من الاطلاع على النصوص المسرحية العربية معروضة فوق خشبة المسرح أو مطبوعة في كتاب، تقسم كلها ودون استثناء، بضعف عنصر الصراع المسرحي. وعندما أضعف الكتّاب هذا العنصر فقد حكموا على مسرحياتهم، لا بعجزها عن الوقوف فوق خشبة المسرح فحسب، بل وأخرجوها من دائرة الأدب المسرحي وأخرجوها إلى ميدان (الحواريات).‏

إن عناصر التأليف المسرحي معروفة متداولة... ولئن كان الصراع المسرحي واحداً منها فإنه النسيج الضامُّ لها، وهو الذي يحول أجزاء الحكاية التي تقوم بها شخصياتها إلى عمل مسبوك محبوك مثير... ومهما تنوعت أساليب المدارس الأدبية واتجاهات الكتابة، فقد ظل الصراع المسرحي العصب الحساس الذي لا يمكن أن يستغنى عنه، وشرطه الأول أن يكون قوياً ضارياً بين كفتين متوازيتين ومتوازنتين، وشرطه الثاني أن يكون صاعداً متواتراً دون تلكؤ أو استرخاء، وشرطه الثالث أن لا يغيب لحظة واحدة عن مجريات الأحداث وتصرفات الشخصيات، فإذا تخلى الصراع عن هذه الشروط الثلاثة في مشهد أو موقف، وقع النص المسرحي في ذلك المشهد أو الموقف في وهدة الضعف والتراخي. وعند ذاك يقع المشهد أو الموقف في الإملال.. أما إذا افتقد النص المسرحي كله هذا العنصر الحار فلا شيء قادر على إحياء النص حتى و إن اكتملت له بقية العناصر...وافتقاد الصراع المسرحي هو الداء العضال الذي وقعت الكتابة المسرحية العربية في براثنه، ونعترف أن هذا الوقوع كان نتيجة منطقية لمعطيات العصر الحاضر.‏

أن الأدب في جميع أشكاله كان ولايزال صورة عن الواقع الاجتماعي لا في حالته السكونية بل في حركته المتطورة المتغيرة... وأعظم الآثار الأدبية كتبت في فترات الانقلابات الكبيرة التي كانت تعصف بمجتمعاتها وتنتقل بها من حال إلى حال.‏

وفي هذه الفترات كان الأدب المسرحي أقدرها على تصوير المجتمعات في حركتها الانقلابية تلك، وفي مثل هذه المنعطفات كانت قوى المجتمع دائماً تتصارع بين قديم يحاول أن يتشبث بالبقاء وبين جديد يحاول أن يفرض نفسه نهجاً جديداً في الحياة، وفي مثل هذا الصراع الاجتماعي الكبير يصبح الصراع المسرحي قوياً بقدر قوة صراع القوى في المجتمع.‏

ولنتذكر نصوص شكسبير وموليير وراسين وإبسن وبريخت وغيرهم من الكتّاب المسرحيين الذين امتازوا بقوة الصراع المسرحي رغم انتماء هؤلاء إلى مدارس وعصور ومجتمعات مختلفة، لكنهم جميعاً عاشوا في فترات انقلابية اقتصاديا واجتماعيا، ولنتذكر أيضاً النصوص العربية التي كتبت منذ بداية المسرح العربي حتي نهاية منتصف عقد ثمانينيات القرن العشرين، فقد كتبت هذه النصوص في فترة معاركة الاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين، وفي فترة معاركة الأوضاع التي أعلنت الثورات العربية لواء الحرب عليها في نصفه الثاني، وامتازت هذه النصوص بقوة واضحة في صراعها المسرحي... وإذا كانت نصوص النصف الأول من القرن العشرين تخسر الكثير من عناصر الكمال الفني، فإنها جميعاً كانت تمتاز بوضوح كفتي الصراع فيها وبقوة المجابهة بين هاتين الكفتين.. أما نصوص النصف الثاني من القرن المذكور فقد استكملت عناصر البناء الفني التي كان الصراع واحداً من أبرزها وأقواها... وكان دائماً صراعاً ضارياً عنيفاً فكأن وضوح الصراع الاجتماعي يعطي وضوحاً في الصراع المسرحي، وكأن قوة الصراع الاجتماعي تعطي قوة في الصراع المسرحي، وبذلك نصل إلى النقطة الجوهرية في صناعة المسرح على الخصوص، وهي أن بناء الصراع المسرحي ليس جانباً فنياً يبرع فيه الكاتب، بل هو أيضاً رؤية واعية لحركة المجتمع، وعندما تغيم الرؤية الاجتماعية يتخاذل الصراع المسرحي فيفقد شروطه الثلاثة كلها دفعة واحدة.‏

إن الواقع العربي اليوم غائم الملامح. صحيح أن له أهدافه الواضحة المتمثلة في بناء مستقبل مشرق يعيش فيه الإنسان العربي بكرامة المواطن وعزة الوطن، لكن الطريق إلى تحقيق هذه الأهداف غامضة، وبذلك يتحول الحلم الواضح في الذهن والخيال إلى هيولى الواقع وضبابية المنظور، فيقف الأديب حائراً إلى أين يوجه خطوات ما يكتب حين ينشد الشعر أو حين يحكي الرواية أو حين يشخص الأحداث في المسرحية، وإذا كان الشعر يقع في الفتور مع غياب الرؤية، وتتحول الرواية إلى سرد مع ضبابية النظرة، فإن المسرحية تفقد قوة الصراع المسرحي.‏

إن الصراع المسرحي المتقن المتصاعد هو روح المسرحية فإذا وجد هذا الصراع القوي في نص ما وسوف تتهافت الفرق المسرحية عليه وسوف يحتل مكانته رغماً عن الجميع، شريطة أن يحمل رؤية اجتماعية صحيحة يجد فيها القارئ أو المتفرج نفسه وعصره لا في حالته السكونية الحالمة العاجزة عن تحقيق الحلم، بل في حالته المتحركة الفاعلة في تحقيق الحلم، وكتاب المسرح اليوم هم أبناء هذه المرحلة بأحلامها وعجزها، بطموحها وضبابيتها فعليهم، إذا أرادو أن يكتبوا النص المسرحي القوي، أن يعيدوا النظر لا بمعرفتهم المتينة لعناصر التأليف المسرحي فحسب، بل بفهمهم للمجتمع وبمعرفتهم للقوى الفاعلة فيه وعليهم أن يكونوا هداة الناس في حياتهم وعليهم أن يضيئوا للناس طريق مستقبلهم، وبكلمة موجزة: أن يكونوا الشاهد على العصر كما كان الكتاب المسرحيون قبلهم.‏

وبعد.‏

تلك هي الملاحظات التي كونتها عن التأليف المسرحي السوري والعربي في السنوات العشر الماضية، وقد يرى فيها بعض الكتاب تجنياً عليهم أو تحميلهم لأشياء ومطالب ليست من مسؤوليتهم، فقد يقول بعضهم: ( إنني أقصد أن أصور هذه الهيولى التي يسبح فيها المواطن لأني أحب الوطن). وقد يقول آخر: (إنني أقصد أن أصور تهويمات الإنسان وهو يشعر بالضياع أو وهو يسعى إلى سعادة وهمية لا تجد لها مصداقية في الواقع فأكون أكثر صدقاً مع نفسي ومع الآخر فأكون بذلك أبرز دلالة على العصر).‏

وجوابي على هذا الاعتراض: إن كلامكم صحيح، لكنكم لا تستطيعون أن تماروني في أن الصراع المسرحي عندكم ضعيف. ولا يمكن أن ترتفعوا بنصوصكم إلى مرتبة القوة إلا إذا اقتنعتم وأقنعتم قارئكم أن العنزة تطير! لكني، في الوقت نفسه، لا أدعي أني لم أقع في الخطأ في بعض التقويم.‏

ويسرني كل السرور أن تدلوني على موقع الخطأ، فلعلنا نصل، بعد الحوار وتبادل الرأي والنظرة، إلى منظور أكثر دقة عن التأليف المسرحي السوري والعربي الذي أرجو له أن يكون استمراراً قوياً لمسرحنا العربي

 

هل تريد موقعي هو الافتراضي        .أضف موقعي إلى مفضلتك     

 

                                 

    لوحة مفاتيح عربية