المسرحيون العراقيون يتطلعون إلى مرحلة ما بعد صدام حسين حسن الفقيه 

 

المخرج قاسم محمد: "رسالة الطير"

حاوره: ظافر جلود

 

 

ما زال أداء الممثل العربي يكتب بالشعر العمودي .. د. صلاح القصب

 

 

نص مسرحية ( رثاء الفجر ) تأليف قاسم مطرود

 

نص مسرحية (الزفاف ) تأليف كريم جثير

 

أسباب تراجع المسرح العراقي .. يوسف العاني المسرحي العراقي الرائد .. محمد كريشان

 

المخرج د. عوني كرومـي ل مسرحيون   حاوره: عدنان حسين أحمد: ووبرتال – ألمانيا

 

أمسية للمؤلف المسرحي قاسم مطرود : اكتب أكثر من نص في النص الواحد .. علي شايع

النحات يرقب ساعته.. علي شايع

 قراءة متأخرة في الحزن العراقي .. علي شايع

الخبر :تراجيديا المسرح الروسي , وأخبار أخرى ... علي شايع

 

شيخ الفنانين العراقيين.. اسعد عبد الرزاق: المسرح رسالة عظيمة.. ووسيلة شريفة لخدمة الإنسان  ..

 

 

 

نخب الكلاب
مسرحية في عشرة مشاهد
الإهــداء

 

لذكرى شقيقي

الشهيد كاظم اللامي ،

أحد ضحايا تلك الحرب القذرة  موضوع هذا 

 النص .

                                                                      ع. اللامي

الشخصيات حسب الظهور على الركح:

1- الجندي العراقي الأول.

2- الجندي العراقي الثاني.

3- الجندي العراقي الثالث وهو نفسه المعتقل في المشهد الثاني والعاشق في المشهد الرابع.

4- الجلاد.

5- مساعد الجلاد 1.

6- مساعد الجلاد 2.

7- العاشقة.

8- مقاتل إيراني  بالزي المدني  وهو نفسه الأب الذي يفقد زوجته وابنه خلال القصف الجوي.

9- رجل دين 1.

10- رجل دين 2.

11- رجل، عابر سبيل.

12- امرأة 1.

13- الأم.

14- شقيق الأم.

15- الشرطي.

16- صحفيان.

17- جثة الضابط القتيل.

18- ثلاث جثث أخرى.

 

مقدمة:

تنطفئ مصابيح القاعة واحداً إثر آخر، ومع انطفاء كل مصباح يُسمع صوت إطلاق رصاصة أو ضربة سوط. حين يعم الظلام، تندلع معركة عنيفة، أصوات قذائف ورشاشات، صرخات بشرية وهدير دبابات. ستار المسرح لم يرفع بعد، ولكن ثمة توهجات والتماعات ملونة تظهر وتنطفئ عليه. صوت المعركة يبتعد رويداً رويداً فيما يقترب هدير طائرة مروحية بالتدريج حتى يسود على جميع الأصوات الأخرى. دوي انفجار قريب و زخات رصاص طويلة ومتقطعة. هدير الطائرة يبدأ بالتلاشي ويحل صمت ثقيل لثوان تتخلله أصوات وذبذبات لجهاز الاتصال باللاسلكي. ينفرج الستار ببطء شديد كاشفاً عن الثلث الأوسط للمسرح على الأقل.


 

المشهد الأول:

بعد غروب الشمس بقليل. هيكل نصف محترق لسيارة جيب عسكرية يتصاعد منها الدخان وتتدلى من بابها المفتوح  جثة محترقة، عَلَقَتْ الساقان وتدلى الرأس نحو الأسفل. ثمة جندي يضمد جراح زميله وجندي ثالث يقعي على ركبتيه أمام جهاز الاتصال اللاسلكي وعلى رأسه المسماع.

ألو.. ألو.. ألو.. سين 20 يتكلم. ألو.. ألو.. ألو. سين 20 ينادي قاف 3.. حَوِّل.

الجندي 1:

ألو.. كُنْ عاقلاً واتجه بمن معك إلى الشمال.. حَوِّل.

صوت 1:

ألو من أنت؟ هنا سين 20، أريد الاتصال بقاف ثلاثة، حَوِّل.

الجندي 1:

لا تكن عنيداً واتجه شمالاً قبل فوات الأوان لقد سحقنا قواتكم كلها، حول.

صوت 1:

ألو.. ألو.. من أنت؟ لماذا لا تجيب أيها المنتصر؟ حول.

الجندي 1:

لا تسأل من أنا؟ هل أنت مغفل إلى هذا الحد؟ استسلموا قبل أن ُيقضي عليكم.. حول.

صوت 1:

نستسلم؟ لمن؟ لك؟ حاذر أنت على رأسك فقد يدخلونك الجنة بدونه قبل أن تراني.

الجندي 1:

لقد أعماك الشيطان أيها الكلب القذر، إلى الجحيم إذن.. وقــ.. آرآ.. صه.. (يتلاشى الصوت).

صوت 1:

ألو.. ألو.. قاف ثلاثة ينادي سين 20، ألو.. هل تسمعني بوضوح؟ حول.

(صوت مختلف النبرة)

صوت 2:

ألو.. هنا سين 20، أسمعك بوضوح. صِلْني بقائد الفرقة فوراً. حول.

الجندي 1:

القائد غير موجود الآن، قدم تقريرك بسرعة حول.

صوت 2:

سين 20 ينادي قاف ثلاثة..

الجندي 1:

أين أنتم يا كلب عشرين؟ حول.

صوت 1:

أهذا أنت يا صديقي الكلب؟ أسمع سأدبغ لك جلدك حين آراك، كف عن النباح و حول.

الجندي 1:

ألو.. قاف ثلاثة يناديكم يا سين 20، هل تسمعني بوضوح؟ حول.

صوت 2:

ألو.. قلت لك صِلْني بالقائد، الحالة صعبة جداً، تعرضنا قبل قليل لقصف طائرة يبدو إنها معادية، خسائرنا، قتيل وجريح، وسيارة القيادة دمرت، حول.

الجندي 1:

سنحرقكم كلكم يا كلاب.. أيها.. فاد.. سع.. والله.. (يتلاشى الصوت).

صوت 1:

معك حق أيها الجرو العزيز، لو لَمْ نكن كلاب لما جعلونا طعاماً للمدفعية والطائرات. وأنت أيها الأخ ألست كلباً ملعوناً مثلنا؟.. لا تقاطعني إذن يا جروي البطل.

الجندي 1:

ألو.. ألو.. قاف ثلاثة ينادي سين 20، هل تسمعني بوضوح؟ حول.

صوت 2:

ألو.. نعم.. بوضوح ما بعده وضوح،  لكن بحق الشياطين، لا تقطع ونظِّم الاتصال، حول.

الجندي 1:

(الصوت يتضح أكثر) ألو.. القائد يتكلم يا سين 20، حول.

صوت 2:

ألو، هنا سين 20 نعم سيدي، حول.

الجندي 1:

أين أنتم الآن؟ حول.

صوت 3:

لا أدري يا سيدي، حول سيدي.

الجندي 1:

لا تدري؟ يا لك من كلب قذر، هل أنت جندي أم بواب عمارة ؟ حول.

صوت 3:

سيدي يظهر أننا تقدمنا باتجاه خاطئ، كنا في الطريق إلى مقر الكتيبة حين وقع الهجوم وقد تعرضنا لقصف طائرة مروحية.

الجندي 1:

ألو.. صلني بالسيد العقيد، يبدو أنك لا تنفع شياً ولا طبخاً، حول.

صوت 3:

سيدي، السيد العقيد قتل وهناك جندي جريح أيضاً، وسيارتنا دمرت، حول.

الجندي 1:

لا تقل قتل..

صوت 3:

عفواً سيدي، استشهد.

الجندي 1:

لا تقل هذا أيضاً يا غبي.. سنرسل لكم الإغاثة حين نعرف موقعكم، ضمدوا جراح السيد العقيد وضعوا جثة الجندي في مكان حسن التهوية.. اصمدوا.. انتهى.

صوت 3:

ولكن يا سيدي.. ألو.. ألو.. ألو..

الجندي 1:

(في هذه اللحظة ينتهي الجندي الآخر من تضميد زميله ويسرع إلى جندي الاتصال. ينتزع من رأسه المسماع ويقطعه ثم يدوس عليه).

 

كفى.. كفى..

الجندي 2:

ماذا فعلت ؟ هل جننت ؟ ها نحن مقطوعون الآن تماماً. يا إلهي ماذا سنفعل الآن ؟ ستندم، ستندم على فعلتك هذه.. سيجلدونك حتى يجعلونك ترى نجوم الظهيرة.

الجندي 1:

لا تخوفني بالجلد، فأنا أعرف طعم الفلقة مثلما تعرف أنت طعم الخبز، لقد جلدوني يا صاحبي حتى  تهرأت أكفهم.. أجل، حتى تهرأت أكفهم.. كنت أظنك تعرف هذا.

الجندي 2:

(يعم الظلام على المسرح الأوسط بالتدريج، ويسمع صراخ إنسان يُعذب على الجهة اليسرى من المسرح.. ظلام وصراخ على كل المسرح).

 

 


 

 

المشهد الثاني:

يزاح الستار عن الربع الأيسر من المسرح فجاءة: ثمة شاب هو نفسه الجندي 3، وسندعوه هنا المعتقل معلق من ساقيه إلى خشبة الفلقة التي يرفع طرفيها رجلان يضع كل منهما قدمه اليسرى على بطن الشاب، ورجل آخر هو الجلاد يمسك بعصا سوداء يضرب بها على باطن قدمي الشاب.

والآن.. هل ستتكلم أيها الكلب الحقير، أم أجعلك تغرد أكثر؟ تكلم، تكلم (يضربه) تكلم وأشفق على نفسك.

الجلاد:

(متأوهاً من الألم) وماذا تريدني أن أقول؟ قل فقط وأنا سأنفذ.. ماذا أقول؟ ماذا أقول؟

المعتقل:

(إلى زميليه) يبدو أن شيطانه أقوى مما تصورنا.. ولكني لا أعتقد بأنكما ستربحان الرهان، قلت لك سيغني بمعنى سيغني. (يضرب المعتقل) تكلم أيها القذر . تكلم، قل كل ما تعرفه، إنْ لم تتكلم سأحضر أمك وأخواتك الأربع إلى هنا، أظنك تعرف أي فيلم جميل سترى، هل فهمت؟ تكلم إذن.

الجلاد:

(زاعقاً من الألم) سأتكلم.. سأعترف يا سيدي.. سأقول لكم كل شيء..

المعتقل:

أنزلوه (الرجلان يحلان وثاق المعتقل ويدفعانه إلى المشي، يمشي الشاب كمن يدوس على جمر.. تبدو هيئته خرقاء، العصابة على عينيه تجعله ينتظر في كل مرة أن يدفعه أحدهما إلى المشي).

الجلاد:

اجلس.

الجلاد:

(متلمساً ما يحيط به، يعثر على كرسي قربه فيجلس).

المعتقل:

والآن لنبدأ من البداية.. من أعطاك هذا الكتاب؟

الجلاد:

اشتريته.

المعتقل:

(يصفعه بقسوة) قُلْ يا سيدي.

مساعد الجلاد1:

اشتريته يا سيدي.

المعتقل:

لكنه غير متوفر في المكتبات الآن.

الجلاد:

الآن ؟ ربما يا سيدي، لكن انظر إلى السعر على الأقل إنه بعملتنا.

المعتقل:

ومن لا يستطيع أن يكتب سعراً بقلم الحبر؟

الجلاد:

السعر مختوم وليس مكتوباً يا سيدي.

المعتقل:

قلنا مكتوب بمعنى مكتوب، هل تريد أن تدخلنا إلى مدرسة محو الأمية؟ ها ؟ إلى محو الأمية (ينهال على المعتقل بالضرب).

مساعد الجلاد2:

(مشيراً إلى الرجل 3 بالكف عن الضرب) ولماذا اشتريت هذا الكتاب بالضبط؟ هل تعرف كاتبه؟

الجلاد:

لا يا سيدي ، أقسم أنني لم أرَ كاتبه إطلاقاً.

المعتقل:

نعرف أنك لم ترَ كاتبه، لكن ألا تعرف بأنه شخص كافر ومخرب؟

الجلاد:

لم أكنْ أعرف ذلك.

المعتقل:

(يصفعه) قُلْ يا سيدي.

مساعد الجلاد2:

لم أكن أعرف يا سيدي.

المعتقل:

أجب بصراحة، هل أعجبك الكتاب؟

الجلاد:

نعم يا سيدي.

المعتقل:

ها.. ها ولماذا؟ ما الذي أعجبك فيه!

الجلاد:

إن عنوان الكتاب هو الذي جذبني وأوقعني في هذه المصيبة.

المعتقل:

حلوة، جذبني هذه!

مساعد الجلاد2:

عنوان الكتاب هو "الأم" فماذا جذبك فيه؟

الجلاد:

قلت.. ربما فيه قصة عن حنان الأم، وأنا يا سيدي أحب أمي أكثر من نفسي.

المعتقل:

(ينفجر الرجال الثلاثة بالضحك)

 

يا هلا بالولد!.. ما رأيكم الآن؟

الجلاد:

أعتقد يا سيدي بأنه سوف يغني لنا بعد قليل أغنية رسالة من تحت البحر. (يضحك).

مساعد الجلاد1:

طيب.. طيب. ولماذا أعطيت الكتاب إلى عدد من الطلبة ؟ هل كانوا يحبون أمهاتهم أيضاً. أَمْ أنك حاولت إقناعهم بأفكار الكتاب؟

الجلاد:

لم أحاول ذلك.

المعتقل:

قل يا سيدي، (يصفعه).

مساعد الجلاد2:

كم طالباً قرأوا هذا الكتاب؟

الجلاد:

ثلاثة يا سيدي.

المعتقل:

ها قد عدنا إلى اللف والدوران، سترى الآن.. سأشوي لك جلدك، هل تلعب علينا. ألم تقل بأنك ستعترف؟ علقوه..

الجلاد:

بماذا أعترف.. يا سيدي؟ قل لي بماذا؟

المعتقل:

( يوثقان ذراعي الشاب بالحبل الى الخلف.)

المساعدان:

قل لي كل شيء، نحن نعرف عنك كل شيء هل سمعت؟ كل شيء، لكن نريد أن نسمع ذلك منك أنت. قل لي كم طالباً معك في الخلية الحزبية؟ وأين كنتم تجتمعون لقراءة هذا الكتاب؟ لا تريد أن تتكلم؟ حسناً، علقوه، كم الساعة الآن؟

الجلاد:

العاشرة والنصف يا سيدي.

مساعد الجلاد:

طيب.. طيب.. علقوه إلى المروحة إذن واتركوها تسليه، هيا لا أريد أن تفوتني سهرة الخميس مع كوكب الشرق، مع هذا الصعلوك (يرمي بعصاه على الطاولة ثم يخلع قفازيه ويغسل يديه مقلداً الطبيب الجراح، ثم يخرج..) – ظلام-

الجلاد:

 

المشهد الثالث:

 المنظر نفسه في المشهد الأول.. يلاحظ أن جثة الضابط قد أنزلت من السيارة وغطيت والجريح نقل إلى وسط المسرح..

والآن ماذا  سنفعل ؟ لقد قُضيَ علينا.

الجندي 1:

دعك من هذا، هل قلت لهم بأن الضابط قتل؟

الجندي 3:

نعم، لكنهم صرخوا بي لا تقل هذا. ربما لئلا يسمع العدو بذلك وكأن الميت لا يموت حقاً إلا عندما يسمع به العدو.

الجندي 1:

إنك تتصرف كأعمى دائما. هل تعتقد بأنهم سوف يقومون بإنزال شامل من أجل أن ينقذوك، خاصة وقد قلت لهم بأن الضابط قد قتل؟ الرعب من الموت هو الذي صدمك الآن، كنت تتصور بأن خيط جهاز اللاسلكي هو ما سوف ينقذك وحين قُطع هذا الخيط شعرت بأنك اقتربت من الموت سنتيمتراً أخراً.

عبث، أجل، هذا هو العبث. منذ سنوات ونحن مقطوعون عن كل شيء، نموت كالذباب بصمت وحسب الأصول. كان الأذكياء منا لا يطمحون إلا إلى تابوت نظيف وجنازة لائقة، ولكن أليس هذا أفضل من الكذب؟ كم كذبنا على أنفسنا وانتظرنا المعجزة ؟ نعلم علم اليقين أننا في أحشاء التمساح، ومع ذلك نمارس لعبة الحياة بعيون مغمضة، وما أنْ نتذكر الأسنان اللامعة الدامية لصديقنا التمساح حتى نرتعش كالسعفة في مهب الريح.

الجندي 3:

إنك تقول هذا لأنك جريح، إنك تستمد شجاعتك من موتك.

الجندي 1:

وأنت.. وأنت.. ألستما ميتين؟ ألسنا جميعاً موتى، كلنا موتى ونعرف ذلك، أجل موتى مع وقف التنفيذ كما يقال.

الجندي 3:

كفى.. كُفَّ عن الثرثرة أنت. ألا ترى أنه جريح؟ أنت تدفعه إلى الانفعال وسوف ينزف المزيد من دمه.

الجندي 2:

حسنٌ، حسنٌ، يا إلهي كم نحن أغبياء؟.. أنا.. أنا.. أنا لا أدري، لا أدري، لا أدري ماذا أريد أن أقول بالضبط.. عندي الكثير الذي يجب أن يقال، لكن رأسي فارغ كالطبل، تحول كل شيء إلى رغبة قاتلة بالصراخ، صرخة واحدة، آه لو أنني أستطيع أن أصرخ الآن، لكن ما الذي يمنعني من ذلك ألسنا في البيداء الآن، فلماذا لا أستطيع الصراخ؟ ها؟ هلا قلتم لي.

الجندي 1:

إنها قوة العادات يا صديقي، يلزمك قرناً كاملاً من العواء لكي تستطيع أن تطلق تلك الصرخة العتيقة؟

الجندي 2:

يكفي هذا.. أين أصيب؟

الجندي 1:

في الفخذ و الخاصرة.

الجندي 2:

هل ضمدته جيداً ؟

الجندي 1:

وبماذا أضمده ؟ لقد احترقت علبة التضميد. لففته بخرقة وحسب.

الجندي 2:

على طريقة أفلام هوليود.

الجندي 3:

أجل على طريقة أفلام هوليود مع الفارق، وهو أنهم هناك يلطخون أنفسهم بسوائل حمراء أما هنا فكل شيء حقيقي: رعب حقيقي ودم حقيقي، وموت لا يشبه موتهم، موت لم يخطط له مخرج موهوب بل.. بل..

الجندي 2:

أين نحن الآن ؟

الجندي 3:

وكيف لي أن أعرف؟ حتى جدك العزيز ابن بطوطة سيضيع في هذا الجحيم المخيف.

الجندي 1:

أما أنا فأعرف شيئاً، أعرف إننا تحت القمر فوق الوحل، ماذا تريدون أكثر من هذا؟

الجندي 2:

(صوت إطلاق رصاصة قريبة جداً )

 

ما هذا ؟ انبطحا..

الجندي 1:

كاد يقتلني! يا له من لعين!

الجندي 2:

ابقَ أنت معه، لا تدع جراحه تلمس الأرض.. سأذهب لأرى ماذا هناك.

الجندي 1:

(يزحف الجندي 1 على بطنه باتجاه أعماق المسرح، ما أن يختفي حتى يظهر على المسرح رجل مسلح وقد عصب رأسه بعصابة سوداء، أنه يبدو مرهقاً أو جريحاً، يتقدم مترنحاً من الجنديين ويسدد فوهة البندقية إليهما )

 

ماذا تفعل؟ لا.. لا.. (الجنديان يرفعان أيديهما إلى الأعلى).

الجندي 3:

إلى جهنم أيها الكفرة المجرمون. (يضغط زناد البندقية الرشاشة لكن الرصاصة لا تنطلق)

المقاتل:

(يظهر الجندي 1 من خلف المقاتل ويضربه على قفاه بمقبض المسدس فيسقطه أرضاً)

 

لماذا لم يطلق النار؟ يا له من قرد! كان مختبئاً قريباً منا..

الجندي 1:

إنها المصادفة الحسنة، يبدو أن بندقيته كانت خالية من الرصاص. أيُّ نوع من البشر هؤلاء؟ مع أني رفعت يدي لكنه ضغط على الزناد.

الجندي 2:

لماذا تقفان هكذا كأبلهين ؟ أم إنكما تنتظران أن يمزقنا جميعاً بقنبلة؟ هيا تحركا وفتشاه.

الجندي 3:

(يفتش المقاتل وينتزع ما معه من سلاح ) لماذا تضع مع هذه العصابة السوداء على رأسك؟ صداع؟ هل تشكو من الصداع؟ إنه جريح أيضاً، يا له من بطل؟

الجندي 1:

لا تسخر من الرجل، هل سمعت ؟

الجندي 2:

أسخر منه ؟ ما هذه المثاليات الحمقاء؟ كاد يثقب لك رأسك قبل قليل لولا المصادفة.

الجندي 1:

دعنا من هذا النقاش البيزنطي، وهل تظن بأنني كنت سأتردد عن تهشيم رأسه لو كانت بيدي فأس في تلك اللحظة ؟

الجندي 2:

هذه هي قواعد اللعبة، إنها الحرب، إذا تَردّدتَ في أن تَقْتُلَ سَتُقْتَل، لنلعب اللعبة إلى نهايتها.

الجندي 3:

بعيون مغمضة ؟

الجندي 1:

ليس تماماً، لكن من كان بإمكانه أن يخربش بأظافره ويرسم زهرة على جدار الجحيم فليفعل.

الجندي 2:

وهذا ما فعله صاحبنا (يشير إلى المقاتل المدني الأسير) فبدل أن يخربش ويرسم تلك الزهرة اللعينة، وضع على رأسه عصابة سوداء، وأطلق الرصاص على أسراه.

الجندي 1:

ليس الذنب ذنب العصابة دوماً، إنَّ لها وظائف أخرى. كانت معي في الكلية فتاة مليحة، وكانت تعصب رأسها دائماً بعصابة برتقالية.. هل تعرفها؟

الجندي 3:

من أنا ؟ آه.. أعتقد بأني أتذكر شيئاً كهذا.

الجندي 2:

لابد  وأن تعرف شيئاً كهذا.

الجندي 3:

ولماذا هذا الجزم ؟

الجندي 2:

طبعاً، ألم تكن طالباً في كلية التربية المقابلة لكليتنا ؟ ثم أنها فتاة تضع على رأسها عصابة بلون البرتقال.. أراهن لو أنك سألت عنها جميع الناس في حي الأعظمية بل في  مدينة بغداد كلها  لقالوا لك شيئاً عنها.. الله؟ كم كانت جميلة بعصابتها تلك. المسكينة، لقد اختارتني أنا حبيباً لها، أنا الغبي الكبير والمشاكس الأبله، حتى جاء ذلك الغراب الكريه وختم الحكاية. (ظلام)

الجندي 3:

 


 

 

المشهد الرابع:

يزاح الستار عن الجزء الأيمن من المسرح. الفتاة ذات العصابة البرتقالية تجلس على مصطبة في حديقة جميلة، تطالع كتاباً كبير الحجم بقلق. تلتفت إلى اليسار واليمين بين الفينة والأخرى، يدخل شاب متسللاً ويقف خلفها، إنه الجندي  3، والمعتقل، وسندعوه هنا العاشق، أما الفتاة ذات العصابة البرتقالية فسندعوها العاشقة. هاهو يتسلل  خلفها و يغمض عينيها بكفيه.

أوه.. كفى، لقد عرفتك.

العاشقة:

قولي، من أنا أولاً.

العاشق:

ألن تزعل.. أقول.

العاشقة:

لا.

العاشق:

البندول.

العاشقة:

(يترك رأس الفتاة، ويجلس بجانبها) ماذا؟ ماذا ؟ البندول؟  ما هذا المسمار المبكر؟ ولكن لماذا البندول؟

العاشق:

لأنه يغير مواقفه ستين مرة في الدقيقة.

العاشقة:

على أية حال البندول أفضل مما كنت أتوقع.

العاشق:

وماذا كنت تتوقع؟

العاشقة:

لا أدري. ربما بندول ولكن بالقاف بدل اللام.

العاشق:

وما معنى ذلك؟

العاشقة:

دعينا من ذلك.

العاشق:

لا.. لا.. قل لي ما معناها.

العاشقة:

إنها كلمة تقال في اللهجة الشامية، وهي قريبة في معناها من كلمة البندول، ولكنها بذيئة. المهم، لندخل في لب الموضوع، لماذا لم تجيبي على رسالتي الأخيرة التي بعثتها لك من القرية؟ ألم تعجبك؟

العاشق:

وما فائدة الإجابة؟ ها قد مضى عام كامل ونحن نلف وندور. كررنا كل الأغاني والأناشيد.

العاشقة:

لكنني كلمتك فيها بصراحة.

العاشق:

اسمعني أرجوك، أنا أريد أن أكلمك بصراحة أيضاً، أريد أن أقول لك دعنا ننتهي من هذه التمثيلية البائسة. ماذا تظن؟ هل أنا طفلة أمامك؟ أم.