|
والآن ماذا سنفعل ؟ لقد قُضيَ علينا. |
الجندي 1: |
|
دعك
من هذا، هل قلت لهم بأن الضابط قتل؟ |
الجندي 3: |
|
نعم،
لكنهم صرخوا بي لا تقل هذا. ربما لئلا يسمع العدو بذلك وكأن الميت
لا يموت حقاً إلا عندما يسمع به العدو. |
الجندي 1: |
|
إنك
تتصرف كأعمى دائما. هل تعتقد بأنهم سوف يقومون بإنزال شامل من أجل
أن ينقذوك، خاصة وقد قلت لهم بأن الضابط قد قتل؟ الرعب من الموت هو
الذي صدمك الآن، كنت تتصور بأن خيط جهاز اللاسلكي هو ما سوف ينقذك
وحين قُطع هذا الخيط شعرت بأنك اقتربت من الموت سنتيمتراً أخراً.
عبث،
أجل، هذا هو العبث. منذ سنوات ونحن مقطوعون عن كل شيء، نموت
كالذباب بصمت وحسب الأصول. كان الأذكياء منا لا يطمحون إلا إلى
تابوت نظيف وجنازة لائقة، ولكن أليس هذا أفضل من الكذب؟ كم كذبنا
على أنفسنا وانتظرنا المعجزة ؟ نعلم علم اليقين أننا في أحشاء
التمساح، ومع ذلك نمارس لعبة الحياة بعيون مغمضة، وما أنْ نتذكر
الأسنان اللامعة الدامية لصديقنا التمساح حتى نرتعش كالسعفة في مهب
الريح. |
الجندي 3: |
|
إنك
تقول هذا لأنك جريح، إنك تستمد شجاعتك من موتك. |
الجندي 1: |
|
وأنت.. وأنت.. ألستما ميتين؟ ألسنا جميعاً موتى، كلنا موتى ونعرف
ذلك، أجل موتى مع وقف التنفيذ كما يقال. |
الجندي 3: |
|
كفى.. كُفَّ عن الثرثرة أنت. ألا ترى أنه جريح؟ أنت تدفعه إلى
الانفعال وسوف ينزف المزيد من دمه. |
الجندي 2: |
|
حسنٌ، حسنٌ، يا إلهي كم نحن أغبياء؟.. أنا.. أنا.. أنا لا أدري، لا
أدري، لا أدري ماذا أريد أن أقول بالضبط.. عندي الكثير الذي يجب أن
يقال، لكن رأسي فارغ كالطبل، تحول كل شيء إلى رغبة قاتلة بالصراخ،
صرخة واحدة، آه لو أنني أستطيع أن أصرخ الآن، لكن ما الذي يمنعني
من ذلك ألسنا في البيداء الآن، فلماذا لا أستطيع الصراخ؟ ها؟ هلا
قلتم لي. |
الجندي 1: |
|
إنها
قوة العادات يا صديقي، يلزمك قرناً كاملاً من العواء لكي تستطيع أن
تطلق تلك الصرخة العتيقة؟ |
الجندي 2: |
|
يكفي
هذا.. أين أصيب؟ |
الجندي 1: |
|
في
الفخذ و الخاصرة. |
الجندي 2: |
|
هل
ضمدته جيداً ؟ |
الجندي 1: |
|
وبماذا أضمده ؟ لقد احترقت علبة التضميد. لففته بخرقة وحسب. |
الجندي 2: |
|
على
طريقة أفلام هوليود. |
الجندي 3: |
|
أجل
على طريقة أفلام هوليود مع الفارق، وهو أنهم هناك يلطخون أنفسهم
بسوائل حمراء أما هنا فكل شيء حقيقي: رعب حقيقي ودم حقيقي، وموت لا
يشبه موتهم، موت لم يخطط له مخرج موهوب بل.. بل.. |
الجندي 2: |
|
أين
نحن الآن ؟ |
الجندي 3: |
|
وكيف
لي أن أعرف؟ حتى جدك العزيز ابن بطوطة سيضيع في هذا الجحيم المخيف. |
الجندي 1: |
|
أما
أنا فأعرف شيئاً، أعرف إننا تحت القمر فوق الوحل، ماذا تريدون أكثر
من هذا؟ |
الجندي 2: |
|
(صوت إطلاق رصاصة قريبة جداً ) |
|
|
ما
هذا ؟ انبطحا.. |
الجندي 1: |
|
كاد
يقتلني! يا له من لعين! |
الجندي 2: |
|
ابقَ
أنت معه، لا تدع جراحه تلمس الأرض.. سأذهب لأرى ماذا هناك. |
الجندي 1: |
|
(يزحف الجندي 1 على بطنه باتجاه أعماق المسرح، ما أن يختفي
حتى يظهر على المسرح رجل مسلح وقد عصب رأسه بعصابة سوداء، أنه يبدو
مرهقاً أو جريحاً، يتقدم مترنحاً من الجنديين ويسدد فوهة البندقية
إليهما ) |
|
|
ماذا
تفعل؟ لا.. لا.. (الجنديان يرفعان أيديهما إلى الأعلى). |
الجندي 3: |
|
إلى
جهنم أيها الكفرة المجرمون. (يضغط زناد البندقية الرشاشة لكن
الرصاصة لا تنطلق) |
المقاتل: |
|
(يظهر الجندي 1 من خلف المقاتل ويضربه على قفاه بمقبض المسدس
فيسقطه أرضاً) |
|
|
لماذا لم يطلق النار؟ يا له من قرد! كان مختبئاً قريباً منا.. |
الجندي 1: |
|
إنها
المصادفة الحسنة، يبدو أن بندقيته كانت خالية من الرصاص. أيُّ نوع
من البشر هؤلاء؟ مع أني رفعت يدي لكنه ضغط على الزناد. |
الجندي 2: |
|
لماذا تقفان هكذا كأبلهين ؟ أم إنكما تنتظران أن يمزقنا جميعاً
بقنبلة؟ هيا تحركا وفتشاه. |
الجندي 3: |
|
(يفتش المقاتل وينتزع ما معه من سلاح ) لماذا تضع مع هذه
العصابة السوداء على رأسك؟ صداع؟ هل تشكو من الصداع؟ إنه جريح
أيضاً، يا له من بطل؟ |
الجندي 1: |
|
لا
تسخر من الرجل، هل سمعت ؟ |
الجندي 2: |
|
أسخر
منه ؟ ما هذه المثاليات الحمقاء؟ كاد يثقب لك رأسك قبل قليل لولا
المصادفة. |
الجندي 1: |
|
دعنا
من هذا النقاش البيزنطي، وهل تظن بأنني كنت سأتردد عن تهشيم رأسه
لو كانت بيدي فأس في تلك اللحظة ؟ |
الجندي 2: |
|
هذه
هي قواعد اللعبة، إنها الحرب، إذا تَردّدتَ في أن تَقْتُلَ
سَتُقْتَل، لنلعب اللعبة إلى نهايتها. |
الجندي 3: |
|
بعيون مغمضة ؟ |
الجندي 1: |
|
ليس
تماماً، لكن من كان بإمكانه أن يخربش بأظافره ويرسم زهرة على جدار
الجحيم فليفعل. |
الجندي 2: |
|
وهذا
ما فعله صاحبنا (يشير إلى المقاتل المدني الأسير) فبدل أن يخربش
ويرسم تلك الزهرة اللعينة، وضع على رأسه عصابة سوداء، وأطلق الرصاص
على أسراه. |
الجندي 1: |
|
ليس
الذنب ذنب العصابة دوماً، إنَّ لها وظائف أخرى. كانت معي في الكلية
فتاة مليحة، وكانت تعصب رأسها دائماً بعصابة برتقالية.. هل تعرفها؟ |
الجندي 3: |
|
من
أنا ؟ آه.. أعتقد بأني أتذكر شيئاً كهذا. |
الجندي 2: |
|
لابد وأن تعرف شيئاً كهذا. |
الجندي 3: |
|
ولماذا هذا الجزم ؟ |
الجندي 2: |
|
طبعاً، ألم تكن طالباً في كلية التربية المقابلة لكليتنا ؟ ثم أنها
فتاة تضع على رأسها عصابة بلون البرتقال.. أراهن لو أنك سألت عنها
جميع الناس في حي الأعظمية بل في مدينة بغداد كلها لقالوا لك
شيئاً عنها.. الله؟ كم كانت جميلة بعصابتها تلك. المسكينة، لقد
اختارتني أنا حبيباً لها، أنا الغبي الكبير والمشاكس الأبله، حتى
جاء ذلك الغراب الكريه وختم الحكاية. (ظلام) |
الجندي 3: |