|

المخرج د. عوني كرومي ل ( مسرحيون )
حاوره: عدنان حسين أحمد: ووبرتال – ألمانيا
-
( الأنفال ) ظهرت في أعمالي بدءاً من ( ترنيمة الكرسي
الهزّاز ) وانتهاءً ب ( صراخ الصمت الأخرس ).
-
عندما أرى عملاً يثيرني، ويحررني من أخطائي السابقة أشعر
بالسعادة القصوى
لا يمكن الإحاطة بكل أبعاد تجربة الفنان والمخرج المسرحي
د. عوني كرومي الذي مضى على انغماسه في العمل المسرحي أكثر من أربعين
عاماً بحيث أغدق عليه مركز بريشت في برلين لقب ( وسيط الثقافات ) وهو لقب
يستحقه عن جدارة. فمنذ تخرجه من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام
1965
وحتى الآن أخرج د. عوني كرومي
( 71
) عملاً مسرحياً، آخذين بنظر الاعتبار أن هناك أعمالاً مسرحية أخرجها
أكثر من مرة مثل ( صراخ الصمت الأخرس ) للكاتب محي الدين زنكنة، و(
ترنيمة الكرسي الهزاز ) و ( القشة ) و ( الأنشودة ) و ( الآنسة جولي ) و
( القائل نعم، القائل لا ). ولابد من الإشارة إلى د. عوني كرومي كان
ميّالاً إلى التجريب وتبني التيارات الإخراجية الحديثة في سنٍ مبكرة،
ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أنه أصدر ( بيانا ) وهو دون العشرين من
عمره يدعو فيه إلى التجديد في التعاطي مع المناهج المسرحية، والرؤى
الإخراجية التي كانت سائدة آنذاك، بحيث أثار حفيظة أستاذه الفنان إبراهيم
جلال الذي كان يعد رمزاً من رموز التجديد والحداثة في ذلك الوقت. في مسرح
الشباب في مدينة ووبرتال الألمانية إلتقيت د. عوني كرومي، وعلى مدى ثلاثة
أيام بنهاراتها ولياليها كنا نتحاور ( أنا وإياه والصديق الناقد ياسين
النصير ) في المسرحيات المشاركة في مهرجان المسرح الكردي الثالث، وبضمنها
مسرحيته المعنونة ( صراخ الصمت الأخرس ) التي قدمها باللغة الكردية هذه
المرة، وقد سبق له أن أخرجها ثلاث مرات برؤى ومقتربات إخراجية مختلفة.
وبعد إعلان نتائج المسابقة فازت مسرحيته بالجائزة الأولى لأفضل مخرج،
والجائزة الأولى لأفضل ممثل ( عمر توفي )، كما فازت بالجائزة الأولى
لاستفتاء المشاهدين. وقد صرّح د. عوني كرومي قائلاً بعد استلامه لأكثر من
جائزة: ( لقد حصلت على الكثير من الجوائز العالمية في بغداد والقاهرة
وقرطاج وهافانا وبرلين غير أنني سأضع جائزة مهرجان المسرح الكردي الثالث
فوق كل الجوائز، وسأحتفظ بها مدى الحياة ) ومن أجل الإحاطة بهذه النجاحات
المتلاحقة وتغطيتها إلتقاه ويب سايت ( مسرحيون ) وكان لنا معه هذا
الحوار:
·
ما مدى اشتغالك على تعديل نص ( صراخ الصمت الأخرس ) لمحي
الدين زنكنة وتكييفه أو تطويعه لكي يتماشى مع رؤيتك الإخراجية؟
-
إن هذا النص مكتوب منذ زمن بعيد، لكنه يحمل قدراً كبيراً
من الجودة والإبداع والحيوية. ومحي الدين نفسه ككاتب مسرحي وفنان وناقد
أيضاً يؤمن بالقراءات المتعددة، ويحاول أن يحقق هذه الفرصة الثمينة
للقراءات المتنوعة، لذلك فهو يرى أن اعتمادي، أو تبني أي عرض لأي نص من
نصوصه هو فخر له، واعتزاز بمنجزه الإبداعي على صعيد التأليف والكتابة
المسرحية. وفق هذا المفهوم الميكانيكي الدقيق قمنا بالتعديل أو التكييف
حسبما تسميه، أو بقراءة النص قراءة مختلفة. فنحن عندما نقرأ نرتجل،
وعندما نرتجل فإنما نرتجل من روح النص، وما نرتجله في النهاية يعود إلى
مؤلف النص الأساسي حتى وإن لم يضع هذه الكلمة، أو يضيف تلك الصورة، أو
يكيّف ذلك المشهد. إنه نوع من ( التناص ) الذي ينبع من روح نص الكاتب،
وليس من خارجه. وكلما استطعنا أن نقرأ النص قراءة مختلفة، ومغايرة فإننا
سنعيد الحياة إلى الكاتب، أو نبعثه من جديد، مذكرين القراء والمتلقين
بنتاجاته الإبداعية القيّمة. إن خلود شكسبير لم يأتِ من شكسبير ذاته،
وإنما جاء نتيجة (
400
) سنة من التأويل الخلاق، والقراءات المتعددة المبدعة التي جعلت من
شكسبير قائماً وحاضراً في الثقافة الإنسانية. وأتمنى أن نولي ذات
الاهتمام لمبدعينا من كتاب النصوص المسرحية الجيدة.
·
هل تعتبر كتاب
( عوني كرومي والمسرح الشعبي )
للدكتور علي جواد الطاهر قراءة نقدية متخصصة ومعمقة في أعمالك المسرحية
التي تابعها الطاهر عن كثب أم أنها مجرد انطباعات عامة وملاحظات عابرة في
الشأن المسرحي العراقي؟
-
إن المقالات النقدية السبعة التي تضمنها هذا الكتاب تتعرض
إلى سبع مسرحيات وهي ( غاليلو غاليليه، كوريولان، كشخة ونفخة، الإنسان
الطيب، ترنيمة الكرسي الهزاز، بير وشناشيل، رقصة الأقنعة ) هذه المقالات
كتبها د. الطاهر بشكل عفوي، وجميل، وراقٍ استطاع من خلالها أن يرصد عشر
سنوات من تجربتي في الإخراج المسرحي. وهي بالنسبة لي شهادة كبيرة من لدن
هذا الأستاذ الجليل الذي يحتل مكانة مهمة في المشهد الثقافي العراقي
برمته. وهذه الشهادة الكبيرة هي تشخيص لمسيرة المسرح العراقي من خلال ما
شاهده من أعمالي المسرحية. الطاهر لم يكتب عني شخصياً، ولم يكتب عن
أعمالي بوصفها منجزاً فردياً لمخرج عراقي، وإنما كتب عن المسرح العراقي
من خلال أعمالي المسرحية التي رأى فيها نوعاً من أنواع ( الرُقي ) حسب
التوصيف الذي أطلقه، لأنه كان يخاطب أعمالاً إبداعية راقية تستحق الرصد
والمتابعة والتقييم. وبعد وفاته اكتشفنا أنه قام بتسجيل تجربتنا من حيث
لا ندري. في هذا الكتاب استطاع الطاهر أن يتلمس المبدع، ويرصد نتاجه،
ويتابعه بعمق وأناة، ويستمر في مواصلة عملية الرصد الدقيقة إلى آخر عمل
تسنى له أن يراه، لذلك أنا فخور بهذه الشهادات النقدية الرصينة، مثلما
أنا فخور بتقديم زميلنا الناقد ياسين النصير لهذا الكتاب، وتقديمه
لتجربتي الإخراجية التي أرى فيها بُعداً تأويلياً آخر، لأن النصير لم
ينظر هو الآخر لتجربتي بمعزل عن حركة المسرح العراقي، أو بمنأى عن
تمظهرات المجتمع العراقي. أنا مدين للدكتور الطاهر بالكثير، وفخور بجهده
النقدي. وغالباً ما أتساءل في نفسي: كم كان هذا الرجل العظيم يدافع عنا
في حياته، وها هو يدافع عنا بعد مماته أيضاً! في حياته كان يكسر الخطاب،
ويترك الصدى الجميل لأعمالنا، وبعد مماته يُنشر هذا الكتاب ليشيع بيننا
الدفء والحميمية والتضامن. هذا الكتاب مهم جداً في حياتي. وإعادة جمع
المقالات المتناثرة في كتاب هي فرصة ثمينة لقراءتها مجتمعة بعد أن قُرأت
متفرقة هنا وهناك في الصحف والمجلات العراقية. ومع الأسف الشديد هناك بعض
المقالات النقدية التي لم نستطع الحصول عليها، والتي ضاعت من بين أيدينا
في غفلة من الزمن، ولكننا سنعثر عليها في المستقبل حتماً، ونعيدها إلى
متن هذا الكتاب في طبعة ثانية. أنا أعتبر هذا الكتاب هو شهادة وطنية من
رجل وطني لحركة المسرح العراقي الوطنية، ولحركة الإنسان الفكرية في داخل
العراق وخارجه. وعلينا أن ننوّه بأن هناك الكثير من الناس الذين يرصدون
هذه المرحلة ولا يقيّمونها، بل ربما يزوّرونها، ويشوّهون ملامحها، غير أن
د. الطاهر هو شاهد منا، جاء ليقول كلمة حق لنا، وهذه الكلمة هي الثمن
الحقيقي الذي نُسعد به. وهذا هو ربحي الوحيد في الحياة. إن ما وهبني إياه
الطاهر هي كلمة الحق، الجميلة، المنصفة بصوته النقي ( الطاهر ) إنما هي
رسالة وفاء لي، ولكل الفنانين، أشخاصاً وفرقاً مسرحية، وتجمعات فنية.
بهذا الرقي تعامل معنا الطاهر، فما علينا إلا أن نجّله ونثمن جهوده
النقدية الكبيرة. الطاهر يمثل في الحقيقة مدرسة نقدية كبيرة، وعلينا أن
نعتني بهذه المدرسة ونتأملها جيداً لأنها كانت تخلق صدىً متميزاً. بكل
أمانة أريد أن أقول إن عروض المسرحيات التي كنا نقدّمها آنذاك كانت تزداد
جماهيرية كلما نشر الطاهر عنا مقالاً نقدياً. وفي بعض الأحيان كان الحجز
على العرض المسرحي يمتد إلى عشرة أيام قادمة بعد أن ينشر الطاهر مقاله في
الصحف أو المجلات العراقية. بسبب هذه المقالات العميقة استطاع الطاهر أن
يكسر عنا الحصار المفروض علينا، وأن يفتح لنا الكثير من النوافذ، ويوصل
صوتنا إلى القراء. عندما يكتب الطاهر مقالاً عن مسرحية من مسرحياتنا كان
يفتح الباب على مصراعيه لبقية النقاد كي يدونوا آرائهم بصدد العمل
المسرحي، ويفصحوا عن آرائهم النقدية المكبوتة. هذا الرجل الفاضل يظل
هاجسي الأول، وأسعى دائماً لأن أكون وفياً لوعيه الثاقب، وأميناً على
ثقافته الموسوعية، وألا أدخر جهداً في إيصال ما كتبه عنا لكل القراء
والمعنيين بالمسرح العراقي.
·
كرّمك مركز بريشت في ألمانيا بمناسبة مرور أربعين عاماً
على انغماسك في العمل المسرحي، وأغدق عليك لقب ( وسيط الثقافات ) هل لك
أن تُلقي بعض الضوء على هذا اللقب الدال والجميل؟
-
لدي كتابان باللغة الألمانية عن المسرح العراقي والعربي،
وهذان الكتابان هما ( اتجاهات ووضعية المسرح العراقي والعربي ) و ( وضعية
المسرح العربي الحديث ) وقد نُشر هذا الكتاب بعنوان آخر هو ( ذكريات مخرج
مسرحي عن المسرح العربي ). وهناك عدد من الأبحاث والدراسات المنشورة في
مجلة تياتر دير تسايت ومجلة جامعة همبولدت عن المسرح العراقي والسوري
واللبناني وغيرها من الدراسات. وبمناسبة مرور (
40
) عاماً على عملي في المسرح أقام مركز بريشت ندوة تكريمية لي استغرقت
ثلاث ساعات، وقد منحوني لقب ( وسيط الثقافات ). وكان الهدف الأساسي من
هذه الندوة هو تسليط الضوء على أبعاد تجربتي كوسيط بين الثقافتين العربية
والألمانية. فعندما تعيش بين ثقافتين فعليك أن تحاورهما، وأن تبذل جهداً
في تعريف الواحدة بالأخرى. وهذا الأمر يتطلب أن تقرأ كثيراً، وأن تشاهد
المزيد من الأعمال المسرحية، وأن تختلط بأكبر عدد ممكن من المتخصصين في
الشأن المسرحي، لكي تكون في النهاية أحد المسهمين في حوار الثقافات أو في
حوار الحضارات. وهذا اللقب الذي منحني إياه مركز بريشت أعتز به لأنه جاء
نتيجة جهود ومتاعب لذيذة متواصلة استمرت أربعين عاماً من الانغماس
الحقيقي في أغلب تفاصيل المسرح العراقي والعربي والعالمي.
·
في أعمالك المسرحية الأخيرة نلاحظ غياب عنصر الدراماتورغي.
ألا تعتقد بأهمية الدراماتورغي في أعمالك المسرحية؟
-
كلا، لم يغب الدراماتورغي في أعمالي المسرحية الأخيرة،
فأحياناً يعمل هذا الدراماتورغي معي إذا ما وُجد، وأحياناً أكون أنا
دراماتورغي للعمل، وفي أحايين أُخر أجعل من الأصدقاء أو المشاهدين أو
الناس الذين يحضرون التمارين دراماتورغيين للعمل المسرحي. وأنا، كما تعرف
جيداً، أسأل عن تأثير العمل في نفوس المشاهدين، وأتبنى ملاحظات النقاد
والمتلقين، وأحاول أن أتلمس صدى العمل في نفوسهم من خلال تعليقاتهم، كما
أحاول أن أفهم الرؤية الدراماتورغية للمشاهد. وإذا تعذر وجود هذا
الدراماتورغي فعلى المخرج نفسه أن يكون دراماتورغياً، أو أحد الممثلين،
أو أحد العاملين في فريق العمل، أو أحد المشاهدين. أنا في بعض الأحيان
أعتب على بعض العروض التي تفتقر إلى الدراماتورغي الذي أعتبره العين
النقدية التي ترى العمل بروح المشاهد.
·
بعد ربع قرن تقريباً من تقديمك ل ( رثاء أور ) و ( مأساة
تموز ) تعود في مسرحية ( السيد والعبد ) إلى فحوى الصراع الدرامي الذي
كان يتصاعد في النصوص السومرية والبابلية. هل تعتقد أن صدى النصوص
القديمة ما يزال قادراً على قراءة تجليات الواقع الراهن وتمظهراته
المعاصرة؟
-
مسرحية ( السيد والعبد ) هي جزء من أطروحة مسرحية قدّمتها
في الجامعة في السبعينات من القرن الماضي. ومن ضمن النصوص الأخرى التي
تطرقت إليها هي النصوص السومرية والبابلية مثل، رثاء أور، مأساة تموز،
نزول عشتار إلى العالم السفلي، نصوص الخليقة، نصوص كلكامش وغيرها. هذه
النصوص الدرامية عُرضت آنذاك ضمن احتفالات وطقوس مسرحية عاشها العراقيون
القدماء. في نص ( السيد والعبد ) اكتشفت فيه ما يقرأ الواقع الذي نعيشه
الآن. هذا النص يتحدث بدقة عن دمار الإنسان، والطبيعة، والمجتمع،
والمعتقد أمام شاعر لم يربح مما قدّمه من خدمات إلى السادة والملوك ولم
يخسر نفسه. وعندما يضع هذا الشاعر تساؤلاته عن الحياة والموت والسلطة
والدين والحب والعشق والزواج واللهو يأتي الجواب من العبد الذي يعمل معه،
ويعيش معه، ويفكر معه، وينتج معه، فيتحول هذا العبد إلى الحكيم الذي
يتمرد على هذا السيد ( الشاعر ). فتمرد العبد على السيد هو لعجز المبدع
في قراءة وتحويل الوعي إلى فعل. هذه المسرحية تدعو إلى الفعل بدل الوعي
فقط. ويجب أن يكون تواصل الوعي نتيجة لدفع إلى الفعل. ويجب أن يصل خطاب
المثقف إلى الناس من أجل الدعوة للخلاص والبحث عن الحرية. هذا هو مضمون
النص وكأنه مكتوب اليوم، وليس قبل ثلاثة آلاف سنة أو أكثر. وقد جسّد هذا
العمل ممثلان كبيران هما منذر حلمي بدور السيد، وخليل شوقي بدور العبد.
وخلال فترة العمل كان بيننا تناغم كبير، وحوارات عميقة استمرت على مدى
أكثر من ثلاثة أشهر ناقشنا فيها العمل، وقدمنا تأويلات وتفسيرات متعددة
حتى أصبح كل عرض من هذه العروض بمثابة قراءة جديدة لما نعيشه الآن. كنا
نركّز على ما هو دال، ومعبّر، ومؤثر، ونحذف ما هو فضفاض، وسطحي، وعابر.
وقد عُرضت هذه المسرحية في كل من النمسا وإنكلترا وتونس وسوريا وفي عدد
من المدن الألمانية. ونأمل أن تُعرض هذه المسرحية هنا وهناك في البلدان
العربية والأوربية لمشروعيتها كخطاب فني وجمالي أُنجز في المهجر بمواصفات
راقية. لا شروط معقدة لعروضنا في هذا البلد أو ذاك إذا ما توفر الحد
الأدنى من الإمكانيات التي تحترم إبداع الفنان، وتؤمّن له العيش المعقول.
فنحن لا نستطع أن نقدّم إلى الأبد أعمالاً مسرحية ببطون خاوية. فالممثل
المبدع الذي يرتقي خشبة المسرح ينبغي أن يكون مسترخياً، مرتاحاً، لا
يعاني من أزمات، أو توترات نفسية، وغير جائع. فكما يقول بريشت: ( وجبة
طعام جيدة تساعد الإنسان على التفكير ). إذاً، علينا أن نفكر بهذه
التفاصيل الصغيرة، وألا نهمل الجوانب المادية والتنظيمية المتمثلة
بالمكافآت المعقولة، وتأمين بطاقات السفر، ومستلزمات الإقامة والنقل
وغيرها من التسهيلات التي تساعد رموزنا الفنية الوطنية على تقديم أفضل ما
لديهم من إبداعات.
·
أثارت مسرحية ( صبر أيوب ) لفرقة ( تياترو دي ناسكوستو )
الإيطالية اهتمامك بشكل ملحوظ، بل ربما تكون أنت الشخص الوحيد الذي ظل
يصفق في القاعة بعد أن هدأت الأكف الملتهبة. ما الذي دعاك لهذا الإعجاب
الحار بالممثلة الإيطالية آنيت هينمان، المتحدرة من أصل هولندي. هل هو
أداؤها التعبيري الصادق، ولغة جسدها الدالة المعبّرة، أم أن ثيمة الموضوع
( المباشرة ) هي التي لامست مشاعرك الإنسانية العميقة، واستدرت عواطفك
النبيلة، مثلما دغدغت عواطف الكثير من المشاهدين الذين أجهشوا بالبكاء؟
-
الحقيقة أنا أعمل على نفس الموضوع وأعني به ( حلبجة
والأنفال ). وعندما أجد أي مبدع آخر استطاع أن ينجز عملاً إبداعياً حتى
وإن كان مشهد أو مشهدين أو ثلاثة مشاهد ناجحة بطريقة فنية راقية فأعتبر
هذا العمل هو امتداد لعملي الإبداعي، وأن ما يدور في ذهن هذا الفنان كان
يدور في ذهني وكأنه يحاول أن يجسد نفس الأشياء التي تهيمن على مخيلتي. إن
ما قدّمته المخرجة والممثلة الإيطالية آنيت هاينمان كنت أتمنى أن أقدّمه
أنا نفسي، لأنها أثارتني، وحرّكت ذاكرتي الإبداعية، وجعلتني أتواصل معها،
وأتحمس إليها. هذه الممثلة المبدعة مخلصة إلى عملها، وصادقة في أدائها،
وغير مزيفة في محاولة إيصال رسالتها الفنية، بل أنها لم تكن تمثّل، وإنما
كانت تصرخ من أعماقها على المسرح لتعلن عن تضامنها مع قضية الشعب، وتدين
ضرب الأكراد في حلبجة بالأسلحة الكيمياوية. كانت صادقة جداً، ولهذا شعرت
بالفخر أمام هذه الإنسانة. والإنسانية، كما تعرف، تسقط أمامها الحدود
واللغات عندما يتعلق الأمر بمأساة الإنسان في أي جزء من هذا العالم. لقد
استطاعت آنيت هينمان أن تجسّد هذا الموقف المؤثر وهي تخاطب مشاهدين
معينين مرهفي المشاعر والأحاسيس، وأن تكون جزءاً منهم، وتتفاعل معهم إلى
حد الاندماج. أنا لا أعتقد أن هناك عملاً مسرحياً يستطيع أن يحمل كل
الواجبات الفكرية، والمهام الفنية، ويحقق إرضاء المشاهدين جميعاً، لكن
العمل الراقي يجب أن نعترف به، ونقر بهيمنته. إن تصفيقنا الشديد لها، أو
كلمة ( برافو ) التي رددتها أنا خمس أو ست مرات هي ما تحتاج إليه هذه
المخرجة والممثلة المبدعة مقابل صدقها العميق وإخلاصها الراقي لكي تدرك
أن صدقها قد وصلني، وهيمن على مشاعري. وهذا طبعاً لا يعني أنه ليست هناك
جوانب نقدية أو إمكانية للحوار بصدد هذا العمل المسرحي على صعيد الثيمة،
والأداء، والإخراج، والسينوغرافيا وما إلى ذلك. ولكنني عندما أجد عملاً
يثيرني، ويحرّك فيّ الرغبة للحوار، ويحررني من أخطائي السابقة، ويقودني
عبر اتجاهاته ومساربه إلى طريق الإبداع أشعر بالسعادة القصوى. أنا أعتقد
أن هذا النوع من الفِرق الجادة، والممثلين الصادقين هم أعمق من تجاربهم،
وأعمق من أن يقدّموا حكاية بأداء عالٍ، وتقنيات جيدة لأنهم تناولوا
موضوعة شائكة لا تزال قريبة على الصعيد الزمني لأنها لم تعد حادثة في
التأريخ. وأعتقد أن رصد هذه الحوادث والكتابة عنها هو نوع من التخليد
لهم ولعملهم الفني الذي استطاع أن يحتوي هذه الإشكالية، ويعبّر عنها
بصدق.
·
في مهرجان المسرحي الكردي الثالث أعلنت عن نيتك لإخراج
عمل مسرحي ضخم عن ( حلبجة والأنفال ). لماذا جاء هذا المشروع متأخراً؟
-
لم يأتِ هذا المشروع متأخراً، فأنا منذ سنة
1987،
كنا نتحاور أنا والفنان الكبير الصديق ناجي عبد الأمير، ونتساءل عن
الطريقة التي يمكننا أن نجسد من خلالها هذا المشروع. وكنا نعِد بعضنا
البعض بأن هذا اليوم سوف يأتي، ونكون قد وفيّنا هذا الدين الذي يطوّق
أعناقنا لكي نتخلص من ثقل المسؤولية الكبيرة تجاه هذه الكارثة المروّعة
التي حصلت لشعبنا الكردي في شمال العراق، وأن نعلن من خلالها موقفنا
النبيل المساند للقضية الكردية، كما نعلن عن شجبنا وإدانتنا لهذه الجريمة
الوحشية. خلال السنوات الماضية ربما لم تكن الأدوات أو الرؤية الفنية
مكتملة لكي نقدّم هذا العمل، ولكنني أقول لك بأمانة بأن ( الأنفال ) قد
ظهرت في الكثير من أعمالي السابقة بدءاً من ( ترنيمة الكرسي الهزاز)
وانتهاءً ( صراخ الصمت الأخرس ) العمل الذي قدّمته باللغة الكردية. كنت
أتحدث عن الحزن الكثيف، وعن الغائب الذي لم يعد، وعن الخراب الكبير الذي
حلّ في كوردستان أو في غيرها من مناطق العالم المسالمة. أنا لست مع الفن
المباشر، لكن عليك أن تجسّد الإشكالية الإنسانية، وتنفعل بها، وتدرسها من
أجل أن تقدمها بأبسط مفردات العصر الحقيقية من دون زيف أو تهويل. إن
مأساة حلبجة والأنفال تشبه الترنيمة التي تدور في أذهاننا، وفي وجداننا،
وقد حاولنا أن نظهرها كشذرات في بعض أعمالنا حتى من خلال اللاوعي، أو من
خلال الزوج الغائب، أو الابن المفقود وغيرها من مفردات القسوة التي نخرت
عظامنا. هدفي من هذا المشروع هو ليس تقديم عمل وثائقي، وإنما أريد أن
أغوص في عمق المشكل الإنساني. ومن المفيد أن اذكر ما تساءلت به الفنانة
آنيت هاينمان في العرض الإيطالي ( صبر أيوب ) قائلة: ( إذا خسرنا في
حلبجة والأنفال وغيرها من الحروب كل هذا العدد الكبير من البشر ترى ماذا
سيحل بنا في الحرب القادمة؟ ) العرض المسرحي كان يقف بالضد من الحرب
القادمة التي قد تحدث بعد شهر أو سنة أو سنوات. إذاً علينا أن نوقف
الحروب بكل الأساليب المتاحة لنا، لأن الحرب هي نهاية للفكر البشري.
وعندما ننتج أي عمل إبداعي مناوئ للحرب فهذا يعني أن لغة الإنسان، ولغة
السلام، ولغة الوعي والحضارة هي المنتصرة. الحروب لا تجلب للبشرية سوى
الدمار، وكذّاب من يقول أن الحروب طورت البشرية. الحرب معناها قتل
للإنسان، وتخريب للثقافة، وتدمير للحضارة الإنسانية. وأن موت أي إنسان في
وقت مبكر معناه قتل فرصة حقيقية لمبدع قد يمد الحياة بأسباب المتعة
الفنية والسعادة.
·
لقد شاهدتَ كل العروض المسرحية في مهرجان المسرح الكردي
الثالث. ما هي الانطباعات التي خرجت بها. وما هي العروض التي أثارت
انتباهك من الناحية الفنية؟
-
المهرجان بحد ذاته هو فعالية تنشيطية إبداعية من الممكن
أن تسهم في تطوير المسرح الكردي ليس فقط في أوربا، وإنما ستؤثر في
المستقبل حتى على عطاءات المسرح في كردستان العراق وتركيا وإيران . فرزَ
هذا المهرجان العديد من المواهب التمثيلية الراقية التي تميزت بخبرة
المحترف، وبجودة المبدع الذي يسعى لتحقيق استمرارية العطاء. ولا حاجة
لذكر الأسماء ففي هذا المهرجان وجدنا اهتماماً كبيراً بالتأليف والإعداد
ومسرحة النصوص، وتقريب هذه النصوص جميعها من إشكالية القضية الكردية
بتاريخها، ومعاناة شعبها. إن الكشف عما حدث في التاريخ أو ما يحدث على
أرض الواقع يعرّي الأنظمة الشوفينية الظالمة التي تمارس أبشع أنواع
الاضطهاد بحق الشعب الكردي المسالم. إن المسرح وسيلة للتواصل مازالت
قائمة وحيّة سواء على مستوى المشاهدين أو على مستوى الصدى الذي تحدثه من
خلال عدد ونوعية الأعمال الإبداعية المشاركة. في هذا المهرجان هناك
اتجاهان، الأول يؤكد على الهم السياسي ويضعه في المرتبة الأولى بعيداً عن
القيم الجمالية والفنية والإبداعية. وهناك من يحاول أن يمزج بين الهم
السياسي والفني. أنا اشدد على القول بأنه كلما كانت المأساة كبيرة كلما
يجب أن يكون التقديم راقياً مقروناً بالفكر والفن والجمال بحيث يرتقي إلى
ذائقة الإنسان المثقف والمتحضر. وعلى المبدع الحقيقي أن يراهن على تقديم
خطابة بطريقة فنية وجمالية عالية، لأن الهم أو التضامن السياسي قد لا
يدوم طويلاً، بينما يظل الجانب الفني الذي يجسد عمق التجربة الإنسانية
قائماً وراسخاً في الذاكرة الإنسانية، وتستطيع الأجيال القادمة أن تتعامل
معه دون أن يطويه النسيان.
·
مسرحيته ( الخراب ) المشاركة في مهرجان المسرح الكردي
الثالث للمخرج كاميران رؤوف فازت بأربع جوائز مهمة في الإخراج والتمثيل
والديكور والإنارة. كيف تقيّم تجربة هذا الفنان المبدع الذي سبق له أن
تتلمذ على يدك، واشترك معك في تمثيل مسرحية ( كريولان ) بدور أوفيديوس
عام 1980؟
-
كاميران رؤوف فنان كبير، وممثل مبدع له حضور هائل. وهو
أيضاً فنان شامل متمكن صوتاً، وجسداً، وذهنيةً. ويتمتع برؤية حداثية للفن
المسرحي. مؤمن برسالة المسرح، وبدوره الطليعي في المجتمع. وهو ينظر إلى
عمله بوصفه عملاً تنويرياً، تثقيفياً، وتحريضياً للمجتمع. يعتمد الفنان
كاميران رؤوف في المهجر أو عندما كان في العراق على طاقته الذاتية،
وتعددية مواهبه الفنية. وقد قدّم منذ سنة
1972
وحتى الآن قرابة (
30
) عملاً مسرحياً بين التمثيل والإخراج. كما مثّل وأخرج أكثر من (
12
) فيلماً ومسلسلاً تلفزيونياً. هذه الأعمال الفنية الناجحة تشهد على
قدرته وموهبته الفنية العميقة. في مسرحية ( الخراب ) التي شاهدناها في
هذا المهرجان وجدته ممثلاً بارعاً، ومخرجاً ذكياً، وقارئاً عميقاً لروح
الحدث الذي يعالجه. ومع ذلك تبقى الاجتهادات الفردية التقنية لا تشكّل
شيئاً ذا وزن ضد هذا العمل الناجح الذي انتزع أربع جوائز كما تفضلت. أنا
أعتقد ن مسرحية ( الخراب ) التي شاهدناها هي مسرحية متكاملة تظهر عليها
الروح الاحترافية، واللمسات التقنية العالية، وتهيمن عليها الرؤية
الواضحة، ويسيطر عليها النفس التجريبي، والنزوع نحو الاجتهاد في الإعداد
والإخراج والتمثيل. ولهذا فأنا فخور بهذه التجربة الفنية وإن كانت بصراحة
أقل من طاقة كاميران الإبداعية والذي أعده أكبر من هذه التجربة. هذه
التجربة الفنية هي بمثابة الإعلان عن بقائه، وتواصله الفني، كما أعتقد
أنه قد تحدى الموت من خلال هذا العمل. ولا أعني موته الجسدي طبعاً. إن
هذا المشروع هو إعلان عن بقائه وديمومته الفنية في الحياة، وهو بذلك يخلق
نموذجاً ممتازاً لأقرانه من الفنانين والمخرجين، ويمنحهم زخما كبيراً من
الحماس، ويمدهم بعناصر القوة التي تدفعهم إلى المزيد من الإنتاج الفني،
والعطاء الإبداعي الذي يلامس شغاف المتلقين.
·
المخرج في
سطور
·
من مواليد الموصل/ العراق عام1945
.
·
خريج معهد الفنون الجميلة /قسم تمثيل وإخراج - بغداد عام1965.
·
خريج أكاديمية الفنون الجميلة – بغداد عام1969
.
·
ماجستير علوم مسرح من معهد العلوم المسرحية/ جامعة
همبولدت – برلين- ألمانيا عام1972
.
·
دكتوراه علوم مسرحية من معهد العلوم المسرحية/ جامعة
همبولدت –برلين - ألمانيا عام1976
.
·
درّس في عدد من الجامعات العراقية والعربية والألمانية
بين الأعوام 1997-1977.
·
شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والحلقات
الدراسية العربية والعالمية بين الأعوام
1972
و2002.
·
المسرحيات التي أخرجها د. عوني كرومي:
·
أخرج أكثر من سبعين عملاً مسرحياً نذكر منها:
·
فطور الساعة الثامنة، في منطقة الخطر، كاليكولا، غاليلو
غاليليه، كريولان، مأساة تموز، القائل نعم القائل لا، تداخلات الفرح
والحزن، فوق رصيف الرفض، الغائب، حكاية لأطفالنا الأعزاء، كشخة ونفخة،
الإنسان الطيب، صراخ الصمت الأخرس، ترنيمة الكرسي الهزاز، بير وشناشيل،
المحفظة، المسيح يصلب من جديد، الصمت والذئاب، عند الصلب، في المحطة،
الشريط الأخير، المساء الأخير، الطائر الأزرق ،أنتيجونا، فاطمة، السيد
والعبد.
·
نال العديد من الجوائز العالمية في مهرجانات بغداد،
القاهرة، قرطاج، برلين، ووبرتال. كما حصل على لقب ( وسيط الثقافات ) من
مركز برشت في برلين.

|