|

النص
–
العرض
بقلم:
آن آبرسفيلد
(ناقدة فرنسية واستاذة بجامعة باريس الثالثة، متخصصة في الدراسات العلمية
للمسرح)
ترجمة: احمد الدفراوي
( كاتب مسرحي ومترجم من المغرب)
* هذا المقال هو ترجمة
للفصل الأول من كتاب
LIRE LÉTHATRE
(قراءة المسرح) في طبعته الرابعة المزيدة والمنقحة.
1- علاقة عرض - نص
المسرح فن مفارقPARADOXAL))
هذا إذا لم نذهب بعيدا ونقول بأنه فن المفارقات بعينه. فهو يجمع بين
الإنتاج الأدبي، والعرض العيني المحسوس وهو يتميز بالخلود (قابل لأن يعاد
إنتاجه ولأن يتجدد بشكل دائم) وكذا بالآنية واللحظية (لا يمكن إعادة
إنتاجه على نفس الصورة التي كان عليها من قبل): ذلك لأن العرض المسرحي
الذي يقدم اليوم ليس هو أبدا نفس العرض الذي يقدم غدا. فهو على حد تعبير
أنطونان أرطوANTONIN
ARTAUD فن
صنع من أجل عرض واحد ومن أجل نهاية واحدة. إنه فن الآن /هنا، الذي
يقدم في صيغ مختلفة، بممثلين مختلفين، ولجمهور مختلف. والمفارقة هي أن
يكون فنا للنص الرفيع، والشاعرية المثلى الموغلة في تراكيب اللغة، بدءا
من إشلESCHYLE
جان جينيه مرورا براسين وهوغو، وأن يكون فنا
للممارسة والتطبيق: تطبيق زاخر بالعلامات، مسهب في رسم الخطوط والملامح
التي من خلالها تتضح الرؤية للجميع. وهنا تتعمق الهوة بين النص الذي يمكن
أن يكون موضوع قراءات أدبية لا منتهية، وبين العرض الذي يكون مواجها
بقراءة ظرفية آنية.
والمفارقة كذلك هي أن
يكون المسرح فنا من ابتكار فرد واحد "المبتكر الأكبر": سوفوكليس، شكسبير،
موليير، لكنه يتطلب، مثله مثل السينما وأكثر، الحضور الفعال والمؤازرة
الخلاقة لمجموعة من الأفراد، دون احتساب التدخل المباشر أو غير المباشر
للمتفرج. إنه فن ذهني عسير، لا يحقق أغراضه إلا في اللحظة التي يتحول
فيها المتفرج المتعدد من حشد الى جمهور. وهذا الجمهور يكون متوحدا
بافتراض قبلي مع كل ما يستلزم ذلك من مخاتلات، إذ يرى فيكتور هوغو بأن
المسرح أداة بإمكانها توحيد التناقضات الاجتماعية: "أن يتحول الحشد الى
شعب (بواسطة المسرح) لغز متغور".
(الأدب والفلسفة ممتزجان
( (LITTERATURE ET
PHILOSOPHIE MELEES)
لكن برتولد بريخت يبين بالمقابل، بأن المسرح ما هو إلا وسيلة للوعي
الجماهيري، ينقسم من خلاله الجمهور، وتتعمق تناقضاته الداخلية.
إنه فن باهر بما يستوجبه
من إسهامات غير جلية لا من حيث المفهوم ولا من حيث الوظيفة، وهذا
ما سنعمل على تحليله لاحقا. إسهامات بدنية ونفسية من الممثل، واسهامات
بدنية ونفسيه من الجمهور (وسنرى طابعها وصفتها الفاعلة). فالمسرح يبدو
كفن ذي إمتياز وذي أهمية جوهرية، لكونه يبين أفضل من كل فن آخر، كيف
تستثمر نفسية فردية في علاقة ذات مردود جماعي:فالمتفرج عندما يشاهد ما
يقدم له فوق الخشبة لا يكون وحيدا إذ أن نظره يحيط بالممثلين الذين هم
بدورهم يلقون بنظرهم اليه. إن المسرح في الحقيقة يمسك بخيطين متناقضين
ومتشابكين: خيط السيكودراما كإطار عام، والخيط الآخر الذي يتمثل في الكشف
عن العلائق الاجتماعية كغاية متوخاة.
1- 1: إن أول مفارقة
دياليكتيكية (جدلية) ينطوي عليها المسرح هي التقابل: النص -عرض.
فمن المؤكد أن سيميائية المسرح يجب أن تتخذ الخطاب المسرحي "كموقع دال
برمته " (1) وهذا هو التعريف الذي يعطيه كريستيان ميتز CHRISTIAN
METZ للخطاب
التصويري (2)، والذي يمكننا أن نطبقه، دون تعد لمدلول الكلمة، على الخطاب
المسرحي. لكن رفض التمييز بين النص والعرض يؤدي في الحقيقة، وقبل كل شيء،
الى الوقوع في خلط ومغالطة. ذلك لأن الأدوات التصورية الضرورية لتحليل كل
منهما، ليست نفسها. وهذا الخلط متعدد، ويكون مسؤولا عن تحديد المواقف
المختزلة إزاء العمل المسرحي.
1-1-1: الموقف الكلاسيكي:
أول المواقف الممكنة حيال
العمل المسرحي، هو الموقف الكلاسيكي "العقلاني" أو شبه العقلاني، والذي
يعطي الأولوية للنص، ولا يرى في العرض المسرحي سوى وسيلة للتعبير عن النص
المسرحي، وأداة لترجمة مفرداته، وبالتالي فإن مهمة المخرج المسرحي تنحصر
في ترجمة النص بكل "أمانة" من لغة مكتوبة الى لغة أخرى مغايرة.
وهذا الموقف يفترض فكرة أساسية وهي فكرة.التكافؤ الدلالي بين النص
المكتوب والعرض المرئي، والشيء الوحيد الذي بامكانه أن يتغير هو "مادة
التعبير" حسب مفهوم هيلمسليف HJELMSLEV
أما مضمون وشكل التعبير فيبقى هو نفسه عندما ننتقل من
نظام: علامات - نص الى نظام: علامات - عرض. إلا أن هناك احتمالا كبيرا في
أن يكون هذا التكافؤ مجرد صورة وهمية حيث إن مجموعة العلامات البصرية،
السمعية والموسيقية، التي يبتكرها المخرج ومصمم الديكور والموسيقيون
والممثلون تشكل مدلولا (أو تعددا دلاليا) يتجاوز مجموع النص. وعكسيا فإن
الكثير من بنيات الرسالة (الشعرية) للنص الأدبي، سواء كانت بنيات
افتراضية أو بنيات واقعية،تتلاشى أو أنها لا تدرن، ويطمسها العرض نفسه.
الأكثر من وذلك أنه حتى ولو استطاع العرض بمعجزة ما، أن يعبر عن النص كله
فإن المتفرج سوف لن يستمع الى النص بأكمله. جزء وافر من المعلومات ينمحي،
وفن الإخراج والتمثيل يأتي أساسا لاختيار ما يجب تسميعه واقصاء ما لا يجب
تسميعه. إذن لا يمكن إطلاقا أن نتحدث عن التكافؤ الدلال.
إذا رمزنا لمجموعة
العلامات النصية بالحرف ن، ولمجموعة علامات العرض الممثلة بالحرف
ع، فإن هاتين المجموعتين، يكون لهما تقاطع غير ثابت يتغير من عرض
الى آخر، وسنحصل على شيء يشبه الشكل التالي:
وحسب أسلوب الكتابة وشكل
العرض، يكون انطباق هاتين المجموعتين ضيقا الى حد ما، ويكون من المفيد أن
نميز بين مختلف أنواع العلائق نص -عرض. إن الموقف الذي يقوم على إعطاء
الأولوية للنص الأدبي يموه بوهم الإنطباق (وهذا ما لا يتحقق أبدا) بين
مجموعة علامات النص ومجموعة علامات العرض. وحتى لو حصل الإنطباق المستحيل
فإن التساؤلات حول معرفة هل العرض لا يشتغل سوى كنظام من العلامات، ستبقى
على حالها.
إن الخطر الرئيسي لهذا
الموقف يكمن طبعا، في الرغبة في تجميد النص وتقديسه الى الحد الذي يتوقف
فيه نظام العرض كله، ويصبح خيال المخرجين والممثلين جدبا. ويكمن كذلك
أكثر، في الرغبة (اللاواعية) في سد شفرات النص وقراءته ككتلة متماسكة لا
يمكن اعادة انتاجها إلا بالاعتماد على أدوات أخرى، تعوق كل إنتاج
لموضوع فني. والخطر الاكبر ليس في منح الامتياز للنص، بل في القيام
بقراءة خاصة للنص، قراءة تاريخية مرموزة، محددة إيديولوجيا، والتي من
الممكن أن يؤدي التقديس الأعمى للنص الى تخليدها. ونظرا للعلاقات (لا
واعية لكنها ذات سلطة) التي تربط بين نص مسرحي ما، وبين الظروف التاريخية
لعرضه، فأن هذا الإمتياز الذي يعطى للنص، بإمكانه أن يؤدي عبر مسلك غير
مألوف الى منح الامتياز الى عادات العرض النمطية والمتعارف عليها، وبمعنى
آخر الى الحيلولة دون أي تقدم للفن الركحي (فن الخشبة). ولهذا فإن
بعض ممثلي ومخرجي فرقة «لا كوميدي غرانسيز» La
comédie Fransaise (فرقة مسرحية عريقة في باريس) يتوهمون أنهم يدافعون بكل تأكيد عن نزاهة
وطهارة نصوص موليير وراسين، بينما هم لا يدافعون سوى عن قراءة مرموزة
لهذه النصوص، وعن نمط جد محدد للعرض. نرى هن خلال هذا المثال، ليس فقط
كيف أن الامتياز المعطى للنص يعتبر مجازفة من شأنها تعقيم المسرح،.بل
كذلك السبب في الالحاح على ضرورة التمييز بشكل واضح وصريح بين ما هو نص
وما هو عرض في العمل المسرحي. واذا لم يجر هذا التمييز، فإنه سيكون من
المستحيل تحليل علاقات أحدهما بالآخر، وكذا اشتغالهما المشترك.إن
عدم الوعي بهذا التمييز ص الذي يؤدي بدعاة أولوية النص، الى إلقاء
مفعول العرض على النص وحده، مع كل ما يشوب هذا الرأي من تناقض.
1-1-2 الموقف الطلائعي:
الموقف الآخر، وهو الأكثر
شيوعا في الممارسة الحديثة للمسرح، هو الموقف الطلائعي (طلائعية فقدت
شيئا من لونها في الأعو ام الأخيرة)، ويتمثل في رفض النص المسرحي رفضا
يكون أحيانا قاطعا: المسرح في مجمله، هو ذلك الحفل الذي يتحقق أمام، أو
بين المتفرجين، وما النص سوى
أحد عناصر الم وربما
الأقلها أهمية. وبهذا سنحصل على شيء مثل:
ويمكن لحصة ن ان
تتقلص أكثر فأكثر، بل يمكن أن تؤول الى العدم، وهذه هي أطروحة أرطو، ليس
كما نطقها هو بلا شك، بل بالشكل الذي مرارا فهمت فيه خطأ، على انها رفض
جذري لمسرح النص (3). إنه شكل آخر للوهم، العكسي والتماثلي مع الموقف
السابق،وهذا ما يجبرنا على تفحص مفهوم النص المسرحي في علاقاته مع العرض،
عن قرب.
1–2:
إن السبب الرئيسي في الخلط القائم، وبشكل خاص في التحاليل السيميائية
للمسرح، ويأتي من رفض التمييز بين ما ينتمي الى النص وما ينتمي الى
العرض. والمؤلف الحديث لأندري هيلبو ANDRE
HELBO يحتوي
على العديد من الإسهامات الهامة ويحمل عنوانا منتحلا "سيميائية العرض"
لكن الملاحظ أن أهم ما في العمل يميل نحو النص المسرحي.
1-2–1:
بيد أنه ليس من الممكن ان نتفحص علامات النص وعلاقات العرض غير اللفظية
بنفس الأدوات المنهجية. فالسانطاكس ASYNTAXE
(علم التراكيب) والبروكسميك APROXEMIQTJE
هما مقاربتان -مخلفتان للعمل المسرحي لا يستحسن الخلط بينهما في البداية
حتى ولو استلزم الأمر توضيح علاقاتهما في وقت لاحق، وحتى لو كان
الإستشفاف السريع لهذه العلاقات أمرا غير يسير.
1-2–2:
الخلط الذي يستقر في صلب مفهوم المسرح، هو كما عرفه رولان بارت
ROLAND BARTHES
مقاله الشهير «محاولات نقدية »
ESSAIS CRITIQUES
ويقول فيه: «إننا إذن على صلة بتعدد صوتي معلوماتي
حقيقي، وهذا هو التمسرح: كثافة من العلامات ». اسئلة كثيرة إذن
تواجهنا، مثل. أين يتحدد موقع هذا المسمى التمسرح ؟ هل من الواجب إقصاؤه
من النص والابقاء عليه في العرض فقط ؟وهل النص هو محض نشاط كتابي محاكم
بقراءة «ادبية» بينما التمسرح هو من فعل العرض ؟ إذا كان الأمر
كذلك فإن كل سيميائية للنص المسرحي ليس لها أي معنى، وكل سيميائية للعمل
المسرحي يجب أن تتعلق بالعرض المسرحي وحده.لنتذكر الآن بعض المعطيات وهي:
أ- إن النص المسرحي له
وجود داخل العرض، في شكله الصوتي، كوحدة فونيمية، وله حضور مزدوج: يلي
العرض أولا، ثم يصاحبه ثانيا.
ب- بالمقابل، صحيح أنه
يمكن دائما قراءة نص مسرحي كعمل غير مسرحي، ولا شيء يمنع من قراءته
كرواية واعتبار حواراته كحوارات روائية، وتلميحاته الركحية (الإشارات
التي يوجه بها المؤلف القاريء) كأوصاف سردية. نعم يمكن دائما تحويل
مسرحية الى رواية كما أنه يمكن عكسيا، تحويل رواية الى مسرحية: «يمكن أن
نصنع مسرحا من كل شيء» هذا ما قاله انطوان فيتز VITEZالذي
أخرج مسرحية كاترين
CATHERINE من
اجراس بال Les cloches de Bàle
لأراغون.ARAGON
وهذا يعني أننا نطبق على النص الروائي عملية تحويل نصي مشابهة لكن في
منحى عكسي، للعملية التي نقوم بها، حين نسوغ حكاية المسرحية كنوع
من الحكي الروائي (6) بصرف النظر عن التمسرح. إننا انطلقنا من افتراض
قبلي باعتبار انه توجد بداخل النص المسرحي مجموعة من القوالب النصية
"التمثيلية" وأن كل نص مسرحي يمكن تحليله حسب إجراءات خاصة (نسبيا)، تسلط
الضوء على ما هو جوهري في تمسرح النص. وهذه الخصوصية في النص ليست هي
نفسها في القراءة الممكنة له، حيث إنه إذا استطعنا قراءة
راسين RACINE فإن معنى النص الراسيني يفقد نكهته الابداعية.
لنصف هذه النقطة التي
سنحاول أن نبينها لاحقا: توجد في الكتابة المسرحية، وبشكل دقيق في
افتراضاتها القبلية، خصوصية مطلوب منا الاحاطة بها. فكل نص شعري أو
روائي، لابد أن يعاد تكييفه حتى يراعي شروط الكتابة المشهدية ويتلاءم مع
ظروف العرض فوق الخشبة.
1-2-3:
ما هو النص المسرحي؟ يتكون النص المسرحي من جزءين مختلفين لكن غير قابلين
للانفصال هما: الحوار والتلميحات الركحية (الإرشادات أو
التوجيهات). والعلاقة النصية بين الحوار والتلميحات الركحية، تتغير بتغير
المراحل التاريخية التي يمر منها المسرح. فهي تكون أحيانا غائبة أو شبه
منعدمة (7) ويكون بإمكانها أحيانا اخرى أن تحتل مساحة شاسعة داخل النص.
فمثلا في المسرح الحديث، لدى أداموف
ADAMOV
جينيه GENET يكون النص
التلميحي ذا أهمية جمالية
ودلالية قصوى. ونجد في افعال بدون اقوالACTES
SANS PAROLES
لصمويل بيكيت
SAMUEL BECKETT
النص ما هو إلا مساحة شاسعة من
التلميحات الركحية. وحتى
في تلك النصوص التي تبدو فيها التلميحات منعدمة، فهي ليست ملغاة بالمرة،
حيث إن النص يتضمن أسماء الشخوص، ليس فقط في لائحة البدء، بل داخل
الحوارات وعند الإشارات الى الأمكنة، وبالتالي فهي تجيب على السؤالين: من
؟وأين ؟ والذي يدل عليها هو المحتوى التواصلي، وهي تحدد نوعا من
التداولية ,PRAGMATIQUE
أي الظروف الملموسة للاستعمال اللغوي: نرى كيف أن التنصيص على التلميحات
الركحية، يقود الى كيفية الاستعمال اللغوي داخل العرض الذي لا تظهر فيه
تلك التلميحات ككلمات.
إن الاختلاف اللغوي
الأساسي بين الحوار والتلميحات الركحية يمس الفاعل في عملية الإخبار، أي
يتعلق بمسألة: من المتكلم ؟ في الحوار، إنه ذلك الكائن الورقي الذي نسميه
الشخصية (المختلفة عن المؤلف). أما في التلميحات الركحية فإن
المؤلف نفسه هو الذي:
أ- يسمي الشخصيات (يعين
في كل لحظة من يتكلم)، ويخصص لكل واحد حيزا يتكلم فيه أو جزءا من الخطاب.
ب- يشير الى حركات وأفعال
الشخوص في استقلال عن الخطاب كله. هذا الاختلاف الأساسي، يتيح رؤية كيف
أن المؤلف لا يكلم نفسه في المسرح، بل يكتب لكي يتكلم واحد آخر في مكانه،
وليس فقط واحد آخر، بل جماعة من الأفراد، عبر سلسلة من الكلمات
المتبادلة. فالنص المسرحي لا يمكن إطلاقا تفكيكه كمناجاة ولا حتى كتعبير
عن "شخصية "، عن "عواطف" وعن "مشاكل" المؤلف (8) فجميع المظاهر الذاتيه
ترجع بشكل صريح الى ألسن أخرى. إن أول خط مميز في الكتابة المسرحية، هو
كونها لا تكون أبدا ذاتية بحكم أن المؤلف يرفض أن يتكلم باسمه الخاص
وبإرادته الخاصة، والجزء الوحيد من النص الذي يعبر عن ذات المؤلف يتكون
من التلميحات الركحية فقط. غير أن التلميحات الركحية هي الجزء السياقي
للنص ويمكنها ان تختصر الى ابعد حدود الى ان تصبح نادرة (9). والحوار
باعتباره دائما صوتا للآخر المتعدد سيكون تراكبا لمجموعة من الأصوات، اذا
استطعنا تفكيك صوت الكاتب المتكلم بطريقة هيرمنوطيقية
HERMENEUTIQUE
أو بأخرى. فضلا عن ذلك فإن المشكل «الأدبي» هو ذلك التستر (التخفي) للانا
بما يقوله الآخر، وهذا التستر هو نتيجة بديهية لرفض الكلام عن الذات
(10).
1-2-4: إن النص
المسرحي على النحو الذي يقدم فيه، سواء كان مطبوعا أو مخطوطا، بين دفتي
كتاب أو على صفحات دفتر، يمتلك عددا معينا من الخصائص:
أ- تكون مادة التعبير فيه
لغوية (بينما مادة التعبير في العرض متعددة).
ب- يتلى دياكرونيا
(تعاقبيا)، وفق قراءة أفقية، متعارضة مع طبيعة العرض المادية ومتعددة
الدلالات. والنص الأدبي بالرغم من أنه «مجدول » بشكل أفقي، فهو يفترض
قراءة وفق الترتيب الزمني (حتى ولو أن إعادة القراءة أو الرجوع الى
الوراء يقلبان هذا الترتيب) بينما الإحساس بما يمثل فوق الخشبة يفترض لدى
المتفرج التنظيم الزماني والمكاني للعلامات المتعددة والآنية.
2- العلاقة في المسرح:
2-1:
بحكم أننا نعرف الكلام كيفما كان نوعه، على أنه نظام من العلامات المخصصة
للتواصل، يكون من الواضح أن المسرح ليس كلاما، وأنه لا داعي للحديث عن
الكلام المسرحي. ومثلما ينكر كريستيان ميتز وجود "علامة سينمائية" فإنه
يمكن الحديث بكل صرامة عن: «العلامة المسرحية»: إذ انه لا يوجد أي عنصر
قابل للعزل في العرض المسرحي يكافيء العلامات اللغوية بطابعها المزدوج
اعتباطا وبلفظها المزدوج (على المستويين المورفيمية والفونيمي) (11)
وبالتالي فإن كل تشبيه للفعل المسرحي مع سير العمل التواصلي (مرسل شيفرة
- رسالة - متلق) يفسح المجال لهجومات بعض المتشددين وجورج مونان أحد
دعاتهم المتحمسين (12).
غير أنه يجب ملاحظة ما
يلي:
1- اذا لم يكن النص
المسرحي، كلاما مستقلا، فهو قابل لأن يحلل كموضوع ذي شيفرة لغوية حسب:
أ
- قواعد ألسنية (لغوية).
ب
- عملية تواصلية، نظرا لأنه بدون شك، يرسل خطابا معينا.
2- العرض المسرحي هو
عبارة عن مجموعة أو نظام من العلامات ذات طبيعة متعددة، تابعة جزئيا إن
لم تكن كليا، الى نظام تواصلي، ما دام أنه يتضمن سلسلة معقدة من المرسلين
(في ارتباط ضيق بعضهم مع بعض) وسلسلة من الرسائل (في ارتباط ضيق بعضها مع
بعض، حسب شيفرات دقيقة جدا)، ومتلق متعدد لكنه متموقع في نفس المكان. وأن
يكون المتلقي غير قادر على التجاوب بشكل عام مع العرض، فهذا لا يعني أنه
لا يوجد تواصل كما لاحظ مونان. فكل خطاب مرسل بواسطة شيفرة مورس أو بلغة
شيفرة أخرى، يوجد جواب بالحركة او بالكلام العامي أو أنه لا يوجد كلام
البتة. وتطابق شيفرات الذهاب - إياب ليس تماما شرطا مطلقا للتواصل. فإذا
لم يكن التواصل حقا يمثل الوظيفة الكلية للعرض، واذا لم يكن بالامكان
إهمال لا التعبير، ولا ما أسماه مونان المثيرات (13)، فإنه من
الممكن، بالمقابل، محاولة تحليل كيف يمكن لعلاقة نص - عرض أن تنتظم
بالانطلاق من فرضية أن الفعل المسرحي هو علاقة بين مجموعتين من العلامات
لفظية وغير لفظية.
2 –2: تعريف سوسير
SAUSSURE
للعلاقة:
نعلم أن العلامة حسب
سوسير هي عنصر دال يتكون من جزءين مرتبطين ارتباطا عضويا، لكنهما قابلان
للانفصال منهجيا (مثلما أنه لا يوجد نظام منعزل في الكون ومع ذلك يمكن
دراسة قوانينه الحركية والحرارية بشكل منفرد) وهذان الجزءان هما: الدال
وسنرمز له الحرف د والمدلول وسنرمز له بالحرف م (14).
وميزة العلامة اللغوية هي نسبيتها الاعتباطية، أي غياب علاقة مرئية
للتشابه بين الدال والمدلول: كلمة كرسي لا تشبه كرسيا. وميزة أخرى
للعلامة اللغوية هي الخطية، بمعنى أن تفكيك رموز العلامات اللغوية يتم
على التوالي حسب الترتيب الزمني. والعنصر الثالث في الثالوث العلاماتي،
هو مرجع العلامة، أي العنصر الذي تحيل اليه العلامة في السياق التواصلي،
والذي يمثل كائنا ما في العالم، ولا يمكن أن يحال اليه دون احتياطات نظرا
لوجود مراجع متخيلة. وهكذا فان كلمة "كرسي" تقبل المورفيم «كرسي» كدال،
سواء كان هذا المورفيم كتابيا او صوتيا، وتقبل مفهوم كلمة كرسي
كمدلول،أما مرجعها، فهو إمكانية وجود كائن كرسي في العالم وليس بالضرورة
حتمية وجود كائن كرسي في العالم.
2 –3 العلامات اللالفظية:
سنقدم هنا بعض التعاريف،
دون الدخول في النقاشات التي تثيرها لأننا لسنا هنا بصدد إعطاء الأسس
النظرية لسيميائية المسرح.
يميز لويس برييطو
LUIS PRIETO
بين العلامات اللاقصدية، والتي يسميها أمارات (وهكذا فإن الدخان هو أمارة
النار) وبين العلامات القصدية والتي يسميها إشارات (نفس الدخان
يمكن ان يشير الى وجود شخص في الغابة إذا كان ذاك هو الرمز المتعارف عليه
اتفاقا). وسواء كانت لفظية أو غير لفظية، فإن العلامات يمكن أن تكون
أمارات أو إشارات: يمكنني أن أبين أو أن أشير سواء بواسطة الكلمة أو
بواسطة طرق أخرى (الحركة، ملامح الوجه، الخ). ففي مجال العرض، تكون
العلامات اللفظية أو غير اللفظية، عبارة عن إشارات بحكم انها نظريا قصدية.وهذا
لا يمنع من ان تكون كذلك أمارات (عن شيء اخر غير الشيء الرئيسي الذي تنم
عنه (15))، كما أنه لا مانع ايضا من وجود علامات - أمارات متعددة أخرى لا
يأخذها المخرج, او الممثل إراديا بعين الاعتبار، لكنها مع ذلك تشتغل داخل
العرض.إن التصنيف الاصطلاحي لدى بيرس
PEIRCE
يصنف العلامات الى: أمارات (أو قرائن)، إيقونات، ورموز. فالأمارة تكون في
علاقة تحاور وتماس مع الشيء الذي تحيل اليه ( مثلا العلاقة دخان – نار)،
والايقونة تتحمل علاقة التشابه مع الشيء المعبر عنه (التشابه مع المظهر
مثلا). هذه المفاهيم تثير نقاشات متعددة حيث إن برييطو يبين أنه بالرغم
من كون الأمارة بعيدة عن تعيين علاقة بديهية، فهي تستلزم عملا تصنيفيا
يرتبط بصنف اكثر شمولية هو: «عالم الخطاب »(16) فإذا رجعنا الى نفس
المثال العامي المذكور، فإن الدخان لا يمكن أن يكون أمارة على النار إلا
إذا كان الفضاء
السوسيو ثقافي قد أسس هذه
العلاقة سلفا. فإذا افترضنا نارا تشتعل بدون دخان فإن اشتغال الأمارة
ينهار.
والأيقونة نفسها كانت محط
تساؤل من طرف أمبيرطو إيكو
UMBERTO ECO
(17) الذي لاحظ أن «التشابهات » بين الأيقونة والشيء، جد مشكوك فيها،
ولا يعول عليها. بينما الرمز، فهو حسب بيرس موجود "سلفا" وخاضع للشروط
السوسيو ثقافية: مثلا الزنبقة والبياض الناصع يرمزان الى البراءة.
2 – 4 العرض والشيفرة:
يتكون العرض من مجموعة من
العلامات اللفظية وغير اللفظية. فالرسالة اللفظية الواردة داخل نظام
العرض بمادتها السمعية (الصوت) تتضمن نوعين من العلامات: العلامات
الألسنية التي تكون الرسالة اللغوية، والعلامات السمعية بكل ما في الكلمة
من معنى (صوت، إيقاع، مقام، رنة) الرسالة اللفظية يعبر عنها إذن، حسب
شيفرتين اثنتين: لغوية وسمعية تضاف اليها جميع الشيفرات التي بواسطتها
يمكن تحليل العلامات اللالفظية وهي الشيفرات: المرئية الموسيقية
البروكسيمية الخ.
كل رسالة مسرحية في العرض
يتم تحليلها إذن من خلال العديد من الشيفرات، الشيء الذي يمكن المسرح
وبشكل مفارق من ان يسمع ويفهم حتى من طرف الذين لا يمتلكون الشيفرات
كلها: يمكننا أن نفهم مسرحية من غير ان نفهم لغتها المنطوقة،أو من غير أن
نفهم تلك العبارات المحلية التي تدخل في مجال الشيفرة الثقافية المعقدة،
او الخارجة عن إطار الاستعمال العام. فمن الواضح أن السادة النبلاء
الأكبر أو تابعيهم لم يكونوا على إلمام بتلك التلميحات الميثولوجية في
عروض راسين المسرحية، لأنهم كانوا آنذاك أميين لا يدركون شيئا والمتفرجون
الباريسيون الذين شاهدوا (وأحبوا) عروض كامبييلو
CAMPIELLO
التي كتبها غولدوني واخرجها جيورجيو ستريهلر. لم يكونوا يفهمون اللهجة
العامية لبلدة البندقية الايطالية والكثير منهم لم يطلعوا لا على فنون
البندقية ولا على مرجعياتها. لكن بقيت لهم جميع الشيفرات الأخرى التي
كانت تمكنهم من استيعاب القدر الكافي من العلامات، والتي يجب أن نضم
اليهم الشيفرات المسرحية المحضة، وخصوصا تلك التي تفترض «علاقة تكافؤ»
بين العلامات النصية وعلامات العرض، حيث إنه بالامكان اعتبار كشيفرة
مسرحيه مثلى كل شيفرة تتخذ «كفهرس للتكافؤ» (18) أو «كقاعدة للتكافؤ حدا
بحد، بين نظامين متقابلين» وهذه الشيفرة تكون مرنة، قابلة للتغير ومرتبطة
بالثقافات مثلها مثل شيفرة اللغة.
2 – 5 ملاحظات حول
العلاقة المسرحية:
نظرا للكم الهائل من
الشيفرات في العرض المسرحي، فإن العلامة المسرحية مفهوم معقد لا تدخل
التواجد (الوجود المشترك) في الاعتبار فقط، بل كذلك الانطباق بين
العلامات. إننا نعلم أن كل نظام للعلا مات يمكن أن يقرأ حسب محورين
اثنين، محور التعويضات أو محور القياسات التصريفية
PARADIGMATIQUE
(المحور العمودي)، ومحور التأليفات أو محور التراكيب
التعبيرية
SYNTAGMATIQUE
(المحور الأفقي): وبمعنى آخر، يكون لدينا في كل لحظة
من العرض إمكانية تعويض علامة بأخرى لها نفس القياس التصريفي (نفس
الباراديغم). فمثلا: أمام الوجود الحقيقي لعدو ما خلال صراع ما، يمكن
تعويض العدو بشيء يرمز اليه أو بشخص آخر يتنسب الى نفس باراديغم العدو.
من هنا تأتي مرونة العلامة المسرحية وامكانية تفويض علامة تنتمي الى
شيفرة بعلامة تنتمي الى شيفرة أخرى. فالدموع التي توجد في مسرحية فيدر
PHEDRE
أخرجها أنطوان فيتيز كانت ممثلة (معوضة) بحوض مملوء
بالماء كان الممثلون يغمرون وجوههم فيه. ومحور التراكيب التعبيرية يتضمن
توالي وترابط سلسلة العلامات بحيث يمكن بواسطة التعويض، تشغيل شيفرة دون
أخرى، ونقل الحكاية من نمط علاماتي الى آخر،من غير أن يكون هناك إخلال
بالترابط. ومن هنا نرى كيف أن التكديس العمودي للعلامات الآنية في العرض
(اللفظية،الحركية، السمعية.. الخ) يمكن من اللعب بكل مرونة على المحورين
الباراديغمي والسانطاغمي ومن ذلك تأتي قدرة المسرح على قول عدة أشياء في
وقت واحد وتتبع عدة حكايات آنية ومتشابكة.
2 – 6: المعنى التعييني،
المعنى الايحائي
نفهم جيدا أن الصعوبة
الأساسية في تحليل العلامة المسرحية مرتبطة أساسا بتعدد دلالاتها. وهذا
التعدد الدلالي ليس ناتجا فقط عن وجود نفس العلامة داخل مجموعات تتعلق
بشيفرات مختلفة ومتواجدة ركحيا: وعلى هذا فإن الجزء الملون للباس ما هو
أولا وقبل كل شيء عنصر بصري
للوحة ركحية، لكنه يندرج
كذلك ضمن المنظومة الرمزية لشيفرة الألوان ويشكل ملابس الشخصية المسرحية
محيلا الى وضعها الاجتماعي أو الى اشتغالها الدرامي ويمكن كذلك أن يشير
الى العلاقة الباراديغمية لشخصية تحمله، مع شخصية أخرى تتضمن ملابسها
اللون نفسه. انه تعدد دلالي مرتبط بسير تكوين المعنى: فزيادة على المعنى
الأساسي، والذي يسمى المعنى التعييني (مرتبط عموما بالحكاية الأساسية
داخل السياق الدرامي)، وهو عادة معنى «بديهي»، كل علامة (لفظية أو غير
لفظية)، تحمل معها معاني ثانوية، متغيرة بالنسبة للمعاني الأساسيه (19).
2 – 7: ثالوث العلاقة في
المسرح:
انطلاقا من الافتراض
السيميائي السابق (وجود نظامين من العلامات المسرحية واحدة لفظية،وهي
الخاصة بالنص ن وأخرى لفظية / لا لفظية وهي المتعلقة بالعرض ح)
نستخلص
عددا معينا من النتائج
حول العلائق ن / ع.
فإذا كان د هو دال
النص ن و م هو مدلوله و ج هو مرجعه، واذا كان د
هو دال العرض ع و م هو مدلوله و ج هو مرجعه، سيكون
لدينا:

(يعني أنه سواء النص أو
العرض هو نسبة بين دال ومدلول تحيل الى مرجع) والفرضية «الكلاسيكية »
التيترى أن المسرح هو «ترجمة أمينة للنص »، تريد أن يكون م=م و
ج=ج. أي أن مدلولي المجموعتين ن، ع متساويان أو
أنهما متقاربان جدا (إذا لم يكونا متساويين فسيكون ذلك راجعا الى عجز في
العرض ع) ويحيلان الى نفس المرجع، وكل شيء يتم كأن هناك حشوا
وازدواجية في المعنى بين النص والعرض. لكن، أن نفترض بان مجموعتين من
العلامات لهما مادة تعبير مختلفة ويمكن أن يكون لهما مدلول متساو، معناه
ان نفترض أن حقيقة الدال لا تؤثر على المعنى. بيد أنه يمكن ملاحظة أنه:
1- لا يمكن لمجموعة
الشبكات النصية، أن تجد في شموليتها مكافئا في مجموعة علامات العرض. بل
يبقى جزء من النص لا يشمله التكافؤ فيسقط ويتلاشى. وسنرمز لهذا الجزء
بالحرف ص.
2- اذا كان ثمة فقدان في
المعلومات، عند المرور من النص الى العرض (شعرية النص بكاملها تكون
أحيانا صعبة التجسيد)، فهناك في جانب آخر ربح في المعلومات بعلم أن
العديد من علامات العرض تستطيع أن تكون أنظمة مستقلة سنرمز لها بالحرف
س لها عدة مساقط (س1، س2،س3،...) وليس لها ما يكافؤها في مجموعة
العلامات النصية.
2 – 8: مشكلة المرجع:
إن المرجع ح يحيل الى
صورة معينة في هذا العالم، أي الى أحد الأشكال السياقية لكائنات العالم
الخارجي. وهكذا فإن التاج في إحدى تراجيديات كورني
CORNEILLE
لا يحيل لأي شيء حقيقي، من الذهب ومرصع الى حد ما بالأحجار الكريمة،
بالقدر الذي يحيل فيه الى الملك كما يراه كورني (وجمهوره). ففي مجال
العرض هناك قانون مزدوج للمرجع ج:
1- يتطابق مع المرجع جـ
الخاص بالنص المسرحي، ويصبح مرجع التاج في مسرحية "أوطون"
OTHON
لكورني والتي مثلت سنة 1975، هو الملك بالمفهوم
الكورنيليالي (نسبة الى كورني).
2- يكون كذلك، حاضرا بشكل
مادي فوق الخشبة، في صورة واقعية أو مجازية، حيث إنه لا فرق بين تاج
حقيقي وبين ممثل بلحمه ودمه يمثل دور الملك ويتطابق مع التاج من خلال
مجاز مرسل.
وهكذا فان العرض المسرحي،
ينشيء للنص أو بالأحرى ينشيء لنفسه مرجعه الخاص. وهذه الوضعية تكشف عن
مفارقة، سيميائيا، من الضخامة بمكان. فكل علامة من العرض ع ستوجد
مرة ثانية مع ثلاثة مراجع:
أ - مع المرجع ج
المرتبط بالنص الدرامي.
ب - مع نفسها باعتبار أن
العرض هو مرجع نفسه
ج - مع مرجعها جَ
في العالم المادي.
وهذه الوضعية المفارقة
تسم اشتغال المسرح نفسه بحكم
1- يكون المرجع ج
للنص ن في نفس الوقت، نظاما عالميا (مثلا الملك في عصر كورني)
وعلامات واقعية "تمثل" ن فوق الخشبة. بمعنى أن العلامات النصية
ن تنشأ من طرف الكاتب وتحيل الى نسقين للواقع، نسق الواقع في العالم
المادي، ونسق الواقع فوق الخشبة.
2- تنشأ مجموعة علامات
العرض ع كنظام مرجعي للنص ن = الواقع الذي تحيل اليه
الكتابة المسرحية. لكن في الوقت نفسه ومثل كل علامة يكون للمجموعة ع
مرجعها الخاص. الحديث، ج (دون احتساب، بطريقة غير مباشرة، المرجع
ح للنص ن). فإذا أخذنا مثال التاج لدى كورني، سنرى كان العرض قام
بصنع ملك حامل للتاج وحاضر بشكل ملموس فوق الخشبة وهو مرجع النص
الكورنيليالي. وهذا الملك يشتغل في نفس الوقت فعلامة تحيل الى المرجع
التاريخي للقرن السابع عشر (عصر لويس الرابع عشر) وكذا الى المرجع
التاريخي للقرن العشرين (... وما يمثل الملك بالنسبة اليوم ؟) نرى إذن
كيف أن الطبيعة نفسها للعلامة المسرحية (ن+ع) في شموليتها، هي التي تكيف
القانون الأساسي للمسرح وطبيعة نشاطه التطبيقي المتجدد باستمرار. إننا
نأمل أن تعمل فرضيتنا المفارقة، حول العلامة المسرحية، على تسليط الضوء
على اشتغالها التاريخي. ففي كل لحظة تاريخية، كل عرض جديد يعيد إنشاء
ع كمرجع جديد على ن أي كواقع مرجعي جديد (متفاوت قليلا
بالضرورة)مع مرجع ثان ج مختلف وحديث (له ارتباط بلحظة معينة من
زمن العرض) ولهذا نفهم كيف ولماذا المسرح (حتى المسرح النفسي الذهني أو
التصويري الهزلي) هو ممارسة إيديولوجية، وأكثر من هذا، فهو في أغلب
الأحيان مسرح سياسي بشكل ملموس. كما أننا ندرك كذلك لماذا لا يوجد أمل،
لا في إعادة تكوين عرض تم إنجازه في زمن لويس الرابع عشر، ولا حتى - وهذا
أمر مختلف - في إعطاء صورة مرجعية لمرحلة لويس الرابع عشر، ولا طمس هذا
المرجع التاريخي بهدف تحديث نص من القرن السابع عشر مثلا: لا يمكن
لمسرحية "كاره البشر" لموليير أن تؤدي وظيفتها بملابس المدن الحديثة والا
ستفقد مرجعيتها المزدوجة. يصبح من الواضح إذن. ان الفعل المسرحي في
العرض، هو موقع جدلي بامتياز.
3- المسرح والتواصل:
3-1: إذا أردنا أن نلخص
أهم ما حاولنا أن نبينا الى غاية الآن عن فرضيات العمل المسرحي، المتعلقة
بالعلائق بين النص والعرض الدرامي، سنقول بأن "الإنجاز المسرحي" يتكون من
مجموعة من العلامات تنقسم بدورها الى مجموعتين جزئيتين: النص ن
والعرض ع وهذه العلامات تندرج في إطار نظام تواصلي وتشكل محتواه
الإرسالي. وبالرغم من أن هذا النظام معقد نسبيا، فهو يخضع الى قوانين
التواصل:
المرسل
(متعدد): المؤلف + المخرج + الممثلين + باقي المهنيين.
الرسالة: ن + ع
الشيفرات: شيفرة لغوية.
إدراكية (سمعية بصرية) + شيفرات سوسيو ثقافية ("اللياقة وآداب السلوك "،
"محاكاة الواقع "، علم النفس "). شيفرات مسرحية محضة (مكانية - ركحية،
خاصة بالأداء المسرحي... الخ وهي تحدد الإطار التاريخي للعرض).
المتلقي: المتفرج،
الجمهور.
والاعتراض الأساسي الذي
يوجهه مونان الى الفرضية التي تجعل المسرح فنا ضمن أنظمة التواصل لا يبدو
مقنعا على الإطلاق. فهو يقول:
"إن الألسنية قومت وظيفة
التواصل بأن اعتبرتها مركزية وهذا أدى ببايسينس (Buyssens)
وبلغويين آخرين الى التمييز بين الأفعال التي تتعلق بقصد في التواصل
والتي يمكن أن نحققها (وجود متحدث مرتبط بسامع بواسطة رسالة تحدد سلوكيات
ممكنة التحقق) وأن نعزلها عن الأفعال التي لا تتوافر فيها هذه الميزة.
حتى ولو أننا كنا نسمي هذه الأفعال (اللاقصدية) الى غاية الآن باسم
العلاقة، وحتى لو أننا كنا نقوم بدراستها ضمن إطار اللغة. إن هذه الأفعال
الأخيرة يسميها طروبتشكوي
TROUBETZKDI
أمارات واعراض وهى معلومات يعطيها المتحدث عن نفسه
دون نية أو قصد في التواصل " (20).
يبدو من هذا، أن مونان
يخضع التواصل الى القصد في التواصل. إلا أنه يبدو أن القصدية، غير ممكن
نفيها في المسرح. فحتى لو أثبت الممثل فيته في التعبير فإنه لا يريد أن
يعبر عن نفسه، بل عن شيء مزعوم. فالقصدية في التواصل لا يمكن أن يكون
مردها الى النية في تبليغ أو معرفة محددة، واضحة ومتميزة، حيث إنه
بإمكاننا أن نرغب في التواصل حتى ولو أننا نعلم ما نريد إيصاله بوضوح
والفن بشكل عام يميز بين القصدية في التواصل وبين الإرادة في قول شيء
دقيق ومحدد. يمكن أن نرغب في التواصل بينما الرسالة تتضمن جزءا كبيرا غير
ناجم عن القصدية. والمسرح من بين أشكال فنية أخرى، بغزارة وثراء علاماته،
وبامتداد وتشعب الأنظمة التي يحدثها، يتجاوز بشكل لا متناه القصدية
الأولى في التواصل. فاذا كانت هناك خسارة في المعلومة بالنسبة للمقصد
الأصلي، فسيكون هناك أيضا ربح غير متوقع. وحتى لو أننا تركنا جانبا مسألة
الضجيج (أي تلك العلامات اللإرادية التي تشوش على التواصل) فإنه في كل
اتصال يكون جزءا من العلامات اللارداية، اللاشعورية (لكن لا يمكن أن
نجازف شططا بالقول بأنها غير قصدية) ويكون استقباله ممكنا أو أنه يفرض
على المستمع. ففي الحياة اليومية، تكون الايماءات النبرة الصوتية، فلتات
اللسان، الكلام الزائد، خطابا يكون في مجمله مسموعا من طرف المتلقي.
إن هذه الملاحظات
المألوفة منذ سيجموند فرويد، وقبله بدون شك، تمكن من فهم كيف أن التواصل
في المسرح قصدي في عمومه، وربما في جميع علاماته الهامة (وهذا عمل
المخرج)، مما يجعل كلمة تواصل مستحقة في المسرح، حتى ولو أن الكثير من
العلامات المسرحية المرسلة لا يمكن أن تدخل ضمن مجال القصدية الواعية،
وحتى لو أن تصديتها لم تطرح على الاطلاق نظرا لأن هذه القصدية لا يمكن أن
تهم كل علامات اللغة الشعرية فالكاتب المسرحي والمخرج بإمكانهما أن
يقولا: لقد أردنا أن نتكلم حتى ولو حصل وأن قالا: إننا لم نرد أن نقول
هذا، أو أنهما لم يستطيعا أن يقولا ما "أرادا قوله ".
3 – 3 الوظائف الست:
إذا قبلنا افتراض أن
الفعل المسرحي هو عملية تواصلية (حتى ولو أنه غير مقتصر على ذلك)، فإننا
نستنتج من ذلك أن الوظائف الست التي ابرزها جاكبسون(21)
JAKOBSON
مناسبة ليس فقط لعلامات
النص، بل أيضا للعرض المسرحي، فكل واحدة من هذه الوظائف ترتبط، ونحن نعلم
ذلك، بالعملية التواصلية:
أ- الوظيفة
الانفعالية: وهي أساسية في المسرح، وترتكز على المرسل، بحيث يحاول
الممثل أن يفرضها بكل إمكاناته الجسدية والصوتية على المتلقي بينما يعمل
كل من المخرج
والسينوغرافي في ترتيب
عناصرها الركحية بشكل "درامي".
ب- الوظيفة الندائية:
وهي تتجه نحو المرسل اليه وتفرض على المستقبل المزدوج، أي المستقبل -
الممثل (الشخصية)، المستقبل - الجمهور، بأن يعي إجابة مؤقتة وذاتية.
ج- الوظيفة المرجعية
أو الاحالية أو السياقية، وهي لا تترك أبدا المتفرج ينسى سياق
التواصل (التاريخي الاجتماعي السياسي وكذا النفسي) وتحيل الى شيء
"واقعي".
د– وظيفة اقامة
الاتصال وهي تذكر المتفرج في كل لحظة بشروط التواصل، وبحضوره كمتفرج
في صالة المسرح. فهي تعمل على قطع الاتصال أو ربطه أو اطالته بين المرسل
والمستقبل (بينما تعمل داخل الحوارات على تأمين الاتصال بين الشخوص).
والنص والعرض بإمكانهما القيام معا بهذه الوظيفة.
وظيفة ما وراء اللغة
(22) او اللغة الواصفة، وهي نادرا ما تكون حاضرة داخل الحوار
ويمكن أن نسميها وظيفة تفسير اللغة (تتكلم عن اللغة نفسها) كأن نقول
مثلا: المرأة هي أنثى الرجل، أو أن نقول: الشيفرة التي أستعملها هي شيفرة
المسرح.
و- بعيدا عن كونها أسلوب
لتحليل الخطاب المسرحي (وخاصة النص الذي فيه حوار) فقط، فإن
مجموعة الاجراءات التواصلية بإمكانها توضيح العرض باعتباره ممارسة
ملموسة: فالوظيفة الشعرية تهتم بالرسالة المرسلة في حد ذاتها،
ويمكنها أن تبين العلاقات بين مختلف القنوات الدلالية سواء كانت خاصة
بالنص او بالعرض. ويكون اشتغال المسرح ذا طبيعة شعرية أكثر من أي فن آخر
إذا كان العمل الشعري كما أراده جاكبسون، إسقاطا للباراديغم على
السانطاغم، للعلامات النصية - الممثلة على المجموعة التعاقبية
الدياكرونية) للعرض.
3 – 3: المتلقي –
الجمهور:
سيكون خطأ فادحا القول
بأن دور المتفرج في العملية التواصلية دور سلبي فلا يوجد أي ممثل ولا أي
مخرج فكر في هذا. لكن الكثيرين يكتفون باعتبار المتفرج بمثابة مرآة ترجع
العلامات التي ترسل لإثارة انتباها، بشكل منكسر أو أنه على أكثر تقدير،
مرسل "مضاد" يعيد علامات ذات طبيعة مختلفة مبينا اشتغالا ندائيا لا غير
"استقبلك خمسة على خمسة " (كما هو الشأن في مرسلات الراديو)، أو: "أنا لا
أستقبلك كليا" (وهذا ما يعبر عنه بصفير الاستهجان أو بالضحكات المعاكسة
التي تطلق في غير وقتها) وفي الحقيقة أن وظيفة التلقي لدى الجمهور جد
معقدة. أولا لأن المتفرج ينتقي المعلومات، يختارها، يرميها، يدفع الممثل
في منحى معين من خلال علامات ضعيفة لكنها قابلة للإدراك بشكل واضح من طرف
المرسل كتغذية راجعة(FEED.
BACK) بالإضافة
الى ذلك، فإنه ليس هناك متفرج واحد، بل متفرجون متعددون، يتفاعلون مع
بعضهم ويؤثرون الواحد في الآخر. فنحن لا نذهب نادرا الى المسرح منفردين
فحسب، بل إننا لا نوجد لوحدنا في المسرح، وكل رسالة مستقبلة تنكسر (على
الذين يجلسون بالقرب منا)، تصطدم يعاد أخذها ويعاد إرسالها في تبادل جد
معقد.
وأخيرا، فبدون شك أن
المظهر الأكثر مفارقة والأكثر استعصاء على الفهم في ظروف المسرح بشكله
الايطالي هو المتفرج بالرغم من كون المخرج هو الذي يصنع هذا المتفرج،
يتكلف بإعادة تركيب العرض ككل، سواء على المحور العمودي أو على المحور
الافقي. فالمتفرج يضطر لمتابعة ليس فقط قصة، حكاية (المحور الأفقي)، بل
يعمل على إعادة تركيب الوجه الشامل لكل علامات العرض المتقاطعة في كل
لحظة وهو مجبر في نفس الوقت على الاندماج في العرض (المماثلة) والخروج
منه (المسافة) ولا يوجد بدون شك أي نشاط يتطلب هذا القدر من الاندماج
الذهني والنفسي. من هنا تأتي بكل تأكيد، الميزة الفريدة للمسرح، والضرورة
الحيوية لاستمراريته داخل المجتمعات المختلفة بأشكالها المتعددة. إن
بريخت ليس هو الذي اخترع هذا الاحتكام الخلاق للمتفرج (23) وانما عمل فقط
على إعادة اكتشاف القانون الأساسي للمسرح، في منأى عن سلبية الجمهور
البورجوازي. ذلك القانون الذي يصنع من المتفرج مشاركا وممثلا يأخذ القرار
(دون أن تكون هناك ضرورة لإشراك أي حدث
HAPPENING).
3 – 4: الانكار –التوهم:
3-4-1: إن إحدى خاصيات
التواصل المسرحي، هي أن المتلقي يرى أن المرسلة ليست واقعية أو بمعنى
أدق. ليست حقيقية. فإن استطاعت الأمور أن تسير بشكل طبيعي في حالة قصة أو
حكاية (شفوية أو كتابية) يكون موضوع مادة التعبير فيها متخيلا، فإنه في
حالة المسرح تكون الوضعية مختلفة: فما يجسد فوق الخشبة هو شيء حقيقي
ملموس، والوجود الواقعي للكائنات والأشخاص لا يمكن أبدا أن يكون موضع شك.
إلا أنه إذا كان هذا الوجود يدخل في نسيج الواقع بدون نقاش، فإنه يتفق في
نفس الوقت أن يكون معرضا للإنكار وموسوما بعلامة ناقص (-). فالكرمي
الموجود مثلا فوق الخشبة ليس هو نفس الكرسي الموجود في العالم: لا يمكن
للمتفرج أن يجلس عليه، ولا أن يحوله من مكانه. إنه شيء ممنوع، ولا وجود
له بالنسبة اليه، وكل ما يحدث فوق الخشبة (فضاء وكحي مغلق ومحدود) يصبح
ذا طابع غير واقعي.
إن الثورة الحديثه داخل
فضاء اللعب المسرحي (ملاءمة الخشبة للشكل الايطالي أو غيابها خشبة حلقية،
مسرح دائري، منصات، مسرح الشارع) وكل ما يمزج بين الجمهور وفرجة العرض،
بين المتفرج والممثلين لا يمكن أن يبطل الخاصية اللاواقعية للعرض. وحتى
لو كان هناك إخراج لحدث واقعي (كما هو الشأن في المسرح السياسي ومسرح
التهييج) فإن هذا الواقع سيكون بعد مسرحته عبارة عن قانون غير واقعي يجعل
الواقع مشابها للحلم.وقد قام مانوني(O.MANNONI)
في كتابه "مفاتيح للمتخيل (CLEFS
POUR L'IMAGINAIRE)
بتحليل مفهوم الانكار هذا بشكل مفصل فبالنسبة لفرويد يعرف الحالم بأنه
يحلم، حتى ولو انه لا يعتقد، أو لا يريد اعتقاد ذلك. والمسرح له نفس
قانون الحلم عند فرويد: فهو بناء متخيل يعرف فيه المتفرج بأنه معزول كليا
عن نطاق الوجود اليومي. وكل شيء يسير لدى المتفرج وكأنه يعيش داخل فضاء
مزدوج: فضاء يتعلق بحياته اليومية التي تخضع للقوانين الاعتيادية الخاصة
بوجوده، والفضاء الآخر هو ذلك المكان الذي يتم فيه نشاطه الاجتماعي بشكل
مغاير والذي تصبح فيه القوانين والنظم الشائعة التي توجهه، غير قادرة على
ضبطه كفرد مأخوذ من نشاط سوسيو اقتصادي خاص به، إن المتفرج يصبح "لا يدله
في الأمر" (او تحت التأثير..؟!) ويمكن أن يسمح لنفسه برؤية القوانين التي
تسيره وهي تشتغل دون أن يكون خاضعا لها، ما دامت هذه القوانين بواقعيتها
المكرهة منكورة بشكل صريح.
3-4-2: التوهم المسرحي:
لنذهب بعيدا ونقول بأنه
لا وجود لما يسمى بالتوهم المسرحي. فمسرح التوهم ما هو إلا تحقيق منحرف
لعامل الانكار: الأمر لا يتعلق سوى بدفع التشابه مع "حقيقة " العالم
السوسيو اقتصادي للمتفرج الى أقصى مدى، بحيث يصبح هذا العالم في مجمله
متأرجحا في الانكار. فالتوهم ينعكس على الحقيقة نفسها، أو بمعنى أدق،
عندما يكون المتفرج في مواجهة حقيقة ما، ويحاول تقليد هذا العالم بشكل
جيد وبمحاكاة للواقع لا مثيل لها، يجد نفسه مرغما على أن يكون سلبيا.
فالعرض يخاطبه قائلا: "إن هذا العالم الذي أنتج هنا بدقة لا متنامية يشبه
تماما العالم الذي تعيش فيه. وما دمت لا تستطيع التدخل في عالم الخشبة
المسيج داخل دائر ته السحرية، فإنك لن تستطيع أن تتدخل في عالم الواقع
الذي تعيش فيه " إننا نصل هنا، عبر انحراف لا متوقع للإنكار الفرويدي الى
الانتقاد الذي وجهه بريخت الى مفهوم الاندماج (التطابق أو التماثل).
وهكذا يتضح معنى تلك
القصة اللامعقولة والمعبرة لراعي البقر الأمريكي ذاك الذي عندما دخل الى
قاعة العرض المسرحي لأول مرة في حياته سارع بتصويب مسدسه نحو الممثل الذي
يؤدي دور الخائن محاولا القضاء عليه. ليس ذلك لأنه يجهل بأن ما يرده ليس
"حقيقة" وانما لأن تمرد المتفرج غير المطلع يأخذ هذا المظهر الساخر،
انطلاقا من اللحظة التي يفرط فيه في التوهم ويحاط بسياج من العجز. فراعي
البقر الامريكي المتعود على الفعل السريع لم يكن على علم بأن التدخل في
صالة العرض شيء غير مسموح به.
وهنا نضع اليد على
المفارقة التي أثارها بريخت: فالمسافة تكون جد كبيرة بين المتفرج وبين ما
يراه في العرض بقدر ما يصل الاندماج بينهما الى أقصى مداه وهذا يؤدي
بالتالي الى خلق مسافة بين المتفرج وبين أفعاله الخاصة في العالم. وهنا
يمكننا أن نقول بأن المسرح يصل الى مستوى تجريد الأفراد من أسلحتهم أمام
أقدارهم الخاصة.
3-4-3: إن ظاهرة
الانكار المتعلقة بالمسرح، ليست دون عواقب إيديولوجية مباشرة فالمسرح
الطبيعي المرتكز على البحث عن الايهام، بشكله الايطالي وبجداره الرابع
الشفاف الذي يعزل جزءا من "الواقع" ويحوله من موقعا، له تأثيره على
المتفرج: فالمتفرج يتحول الى شخص رناء عاجز، يجد اللذة في التأمل دون
القدرة على القيام بالفعل. وقد كان بريخت محقا عندما نعت هذا النوع من
المسرح بالمسرح المحافظ الأبوي الذي يجعل من المتفرج طفلا مهدهدا.
فالميلودراما أو الدراما البورجوازية تصور كل واحدة منهما الحلم الانساني
في التحرر العاطفي وهو تحرر لا يحدث سوى في المخيلة.
3-4-4: الانكار، المسرحة:
إذا كانت الواقعية
الطبيعية بطبيعتها غير واقعية وتسبب في السلبية، واذا كانت الطبيعة
الثورية ليست أكثر تقدمية ولها نفس النتائج، بحيث إن المتفرج يبقى جامدا
في مقعده بسبب التصور الوهمي للواقع، فإنه لابد من وجود مجال نظري
وتطبيقي لتجاوز مرحلة التوهم هذه. لقد اختار انطونان أرطو الطريق
"التراجعي" - ليس المصطلح هنا بمعناه القدمي بل يأخذ معنى تاريخيا فقط -
والذي عبره يعود المسرح الى "الاحتفال" حيث "الواقع" لا يحتاج للتجسيد
وحيث يتم بناء طقوس
وشعائر متخيلة عمدا أو عن
سابق قصد أما بريخت، وهو أقل ثورية على ما يبدو في هذا المجال، فقد اكتشف
الطريق الفخم للمسرحة. بمعنى آخر أن بريخت قام ببناء سلسلة من العلامات
التي تضمن للمتفرج إدراك أنه يوجد حقا في المسرح.
ومعنى هذا، أنه إذا رمزنا
الى الرسالة التي يتلقاها المتفرج في الظروف العادية (أي في مسرح يسوده
التوهم) بالحرف ر، فان هذه الرسالة تكون على الشكل: ر = س
حيث الحرف س يرمز الى الرسالة المرسلة فوق الخشبة لكن اشارتها
تنقلب وتصبح سالبة بالنسبة للمتفرج نتيجة لعامل الانكار. أما اذا كانت
هناك مسرحة ( مسرح داخل مسرح) فإن رسالة أخرى سنرمز لها بالحرف ص،
تنطلق من منطقة المسرحة في اتجاه الفضاء الركمي المحيط بها مع قلب
للاشارة (-ص) ثم تنطلق من الخشبة نحو المتفرج مع قلب ثان للإشارة
(-(-ص).وهذا ما يمكن التعبير عنه بالصيغة.
ر = - س – (-ص) = س + ص
وتنتج عن هذا وضعية تلق
معقدة يكون فيها المتفرج مجبرا على الأخذ بعين الاعتبار القانون الثنائي
للرسائل المتلقاة، وبالتالي إحالة كل ما ينتمي الى مجموعة الفضاء الركمي
الى الانكار، ووضع جانبا منطقة القلب (الانعكاس) الناتجة عن المسرحة.
وبشكل عام، فان الأغاني، المهرجين، اللافتات كانت تلعب عند شكسبير وبريخت
دور المسرح داخل المسرح، أي أنها كانت عبارة عن عناصر تبين المسرح على
أنه مسرح لا غير.
3-4-5: المسرحة – النص:
يبدو أن كل ما يسمى
الانكار/ المسرحة لا ينتمي الى النص بل الى العرض. غير أنه سيكون من
الخطأ الأخذ بهذا
الاعتقاد بحكم أن الانكار يكون له حضور مسبق داخل النص. فهو يكون واردا:
1- في التلميحات الركحية
التي هي عبارة عن الأوجه النصية بـ: الانكار - المسرحة، فالمكان يشار
اليه على أنه مكان - مسرح وليس مكانا واقعيا. والملابس تشير الى التنكر،
القناع، بمعنى أن هناك مسرحة لشخصية الممثل.
2- بشكل سلبي من خلال
وجود "ثقوب نصية ". وهذه الثقوب مهمة، يتم ملؤها في العرض وتجعل
القراءة البسيطة للنص في وضع أقل راحة، وبشكل خاص، فإن كل ما ينتمي الى
الحضور الآني لفضاءين أو مساحتين للعب يجازف بالا يظهر سوى من خلال
الأحاديث التي يقولها الممثل على حدة (محادثات الخلوة) أومن خلال ثقوب في
الحوار.
3- في لا معقولية
وتناقضات النص: وجود فئات متعارضة في نفس المكان،عدم تناسق شخصية مع
نفسها، وهو ما يسميه النقد الكلاسيكي (وكذا النقد المدرسي الجامعي
الأكاديمي) بـ "الاستبعاد" (البعد عن احتمال الحدوث) وهي دلائل نصية على
وظيفة الانكار المسرحية. وكما هو الشأن بالنسبة للحلم، فإن الخيال
المسرحي يقبل التناقض والمستحيل ويقتات منهما، ثم يحولهما ليس فقط الى
دلالات بل الى عناصر فاعلة. ومكان "الاستبعاد" هو نفسه مكان الخصوصية
المسرحية الذي يتناسب على مستوى العرض، مع عدم استقرار العلامات(25):
انزلاق أداة من وظيفة الى أخرى، تحول سلم الى قنطرة تحول صندوق الى نعش،
تحول كرة الى طائر، انزلاق الممثل من دور الى آخر... إن كل توفق للنص أو
للعرض في بلوغ المنطق السائد لـ "التفكير السليم" يرجع أساسا للامكانيات
التي يتيحها التمسرح. فالمسرح (26) وكما نعلم منذ أمد بعيد، يعطي
الامكانية لقول ما لا يتوافق مع الأصول الثقافية أو مع المنطق الاجتماعي:
كل ما لا يمكن التفكير فه منطقيا، أخلاقيا، وكل ما يعتبر فضيحة اجتماعية
أو ما لا يمكن التعامل معه إلا حسب إجراءات قانونية حازمة يصبح في
المسرح، في حالة تحرر تام.
نستنتج من هذا، أن المسرح
بإمكانه أن يضع أداة تشير الى مكان التناقضات ومواطن الاشكالات التي ليس
لها حل.
هوامش ومصطلحات مرجعية
1-
DISTINCTIONS DE
LOUIS HJELMSLEV.
2-
LANGAGE ET CINEMA.
P:13.
3- انظر التحليل اللافت
للانتباه لجاك داريد1:
In L'écriture et la
différence “Laparole
soufflee” والذي
بين فيه كيف ان مسعى أرطو كان يتمثل في الالتجاء الى النص كآخر طريق
ممكن. أما نحن فنسجل: من جهتنا أن حقيقة المسرح تكمن كذلك في اللغة
(المصوتة).
4- Sémiologie de la
repsésentation. Edit. complexe. Bruxelles,1975.
5- دراسة العلاقات بين،
الكائنات البشرية المبنية في المسافة الفيزيائية انظر:
Edward T. Hall le langage
silencieux, -Mame, 1973. et la dimension cachée, seuil , 1972.
6- في البرنامج المصاحب
لعرض "حفلة عرس لدى البورجوازيين الصغار"
Noce chez les
petits-bourgeois
من تأليف بريخت واخراج فانسون وجوردوي كان اسم كل شخصية في المسرحية
مصاحبا بسيرة ذات شكل روائي.
7 - لم تكن التلميحات
الركحية متقدمة بالطبع، لكن المؤلفين كانوا يعتبرون الابقاء عليها ليس
مهما. ففي النشر الأول لأعمال شكسبير لم تكن التلميحات الركحية موجودة،
أما في الأعمال المنشورة لاحقا فقد أصبح لها وجود، لكنها كانت مستمدة من
النص.
8 - هذا لا يعني أنه
لايمكن القيام بهيرمنوطيتية
Une hérméneutique
على ذات الكاتب من خلال النص، لكن هذا ليس له أية علاقة بوظيفة النص.
9- انظر:
BENVENISTE:
L'opposition
discours- recit.
10- إذا ما ووجهنا
بالكتابة الموضوعية فيما يسمى بـ "الرواية الجديدة" مثلا، سنقول بأن
الكتابة الروائية لا يمكنها أن تطمس ذاتية الكاتب بتغليف هذه الذاتية
بسمة ذاتية أخرى انظر
INFRA
في فقرة " discoursdu
théatre
Le",
مقاربة اكثر تفصيلا لمشكل "الموضوعية" في المسرح.
11 - المورفيم = الوحدة
الصرفية الصغري، الفونيم = الوحدة الصوتية الدالة (المترجم).
12 - انظر:
G. Mounin Introduction à la
sémiologie Edit.
Minuit.1970
13- إن وجود المثيرات لا
يخص المسرح أو العرض وحدهما. فهناك علامات كثيرة تكون واردة في السياقات
التواصلية، تشتغل كعلامات وكمثيرات: فإشارة خطر تفهم على انها علامة، لكن
بإمكانها أن تجعلنا نعد وبكل ما اوتينا من قوة. والأدب الايروسي، ونظام
الألوان، مثلا هما مجموعتان تتكونان من علامات محركة ومن مثيرات في نفس
الوقت.
14- لتعريف العلامة أعطي
سوسير مثالا بالورقة. فهي غير قابلة للانقسام على مستوى السمك. لكنها مع
ذلك تتضمن جزءين مستقلين وغير قابلين للانفصال هما: صفحة الوجه وصفحة
الظهر. (وهذه هي اعتباطية العلامة). وقد عمل هيمسلويف على تمديد هذا
التمييز بان جعل
مستوى التعبير يتقابل مع
مستوى المحتوى، واستخلص من ذلك: شكل / مادة التعبير/شكل مادة المحتوى.
15- يمكننا أن نقول بان
الامارات تحيل كذلك الى معان إيمائية اي الى معان تأتي في المرتبة
الثانية بعد المعاني الرئيسية. انظر
INFRA..p.13
16. L. PRIETO: MESSAGES ET
SIGNAUX. P.U.F. 1972
17. UMBERTO ECO:
LASTRUCTLJRE ABSENTE MERCURE DE FRANCE. 1972. P. 174 ETSUIV
18. P.56
نفسه
19- يعتبر هيلمسليف أن
المعاني الايمائية هي محتوى للمستوى التعبيري الذي يكون مجموعة من
العلامات التعينية (تحليل استأنفه رولان بارت:
Communications N4
Elémentsde
sérniologie)
20. G.Mounin: cit, p. 68.
21. R. JAKOBSON: ESSAIS
DE liguistique générale édit. de Minuit, 1966.
22- "وظيفة ما وراء اللغة
هي الوظيفة اللغوية التي من خلالها يتخذ المتحدث من الشيفرة التي
يستعملها (.....) موضوعا لخطابه.
de linguistique (Larousse).
Dictionnaire
الكلمات التي نستعمل هو مجال ينتمي الى وظيفة ما وراء
اللغة.
23– " في هذا المنظور
يترك المسرح دورا فعالا للمتفرج الذي لا يكفي بالمشاهدة فقط (....) وهو
يستغل هذا المناخ الذي يمنحه حرية التصرف ويصبح فاعلا بسهولة لا تتصور:
لان نمط الوجود الأكثر سهولة يوجد في الفن"
BRECHT: petitorganon,
Ecrits,
p. 207
24- انظر:
DENIS BABLET: les
révolutions
scéniques xxe siécle, soliétéintern. ationale d'art du xx –siécle,
1975
25- انظر
INFR,A, chap
”L’objet" p.177
26- " هذا هو الفن
الكبير: كل شيء فيه يصدم، (“Surie
lhéatre
épique" Brecht: Ecrits, p.
331).

|