أغاني مهيار الدمشقي 

 شعر أدونيس علي المسرح السويدي

 غالب الشابندر


مرة أخري يتحفنا المخرج العراقي كريم رشيد برشفة حياة، ترطب من جدب ذواتنا التي أتعبها المنفي وأضناها الاستلاب، وكان اختياره لأغنيات مهيار الدمشقي لأدونيس مدعاة تماه مطلق، بين ذواتنا المستلبة وحيرة السؤال التي عاني منها مهيار في غربته الكونية الهائلة.
كل نص يستحيل علي الدلالة المباشرة، فكيف بنص أدونيس الذي يحمل اشراقات تموز وسط معاناة الكون من العابثين بمصيره، ومن هنا كان مهيار أكثر من شخصية، بل أكثر من رؤية كونية، تارة هو اللاهوت التائه وأخري هو الشيطان الذي يبحث عن ملاذ من لعنته هو بالذات، وثالثة هو المتيقن علي جمرة الانتظار. لم يكن مهياراً واحداً، وكيف يكون واحداً والتجربة التي يختزنها صاحب النص قد عصفت به الحياة بكل طيشها وصدفها وحلاوتها؟!
بدأ العرض هادئاً مطمئناً، فلم يكن مهيار مشغولاً بشيء، كان نائماً مستسلماً لرغوة السكون الكوني الذي يلفه من كل صوب، ولكن (هي) قد آلت علي صيروتها أن تستفزه، أن توخزه، أن تنتزع المحنة الساكنة في داخله وتضعها بين يديه، وليس هناك كالسؤال مدخلاً لاثارة محنة الكون أو فتنة الكون. ولكن المخرج أبي أن يكون السؤال عبارة عن شفرة من حروف، بل قدّم لسؤال عبر جسد لدن هائل، قادر علي التمظهر الرائع بتشكلات كونية متنوعة، رسمت أمام مهيار تلاوين المشهد الكوني الزاخر بالتخلق والتكون، فكانت دهشة مهيار وكانت محنته!
الفنانة السويدية (
Maria Vel) وهي تؤدي دورها دخلت مرحلة (الجسد ما بعد)، لانها كانت قادرة علي الانفلات من مقولات وشروط وكليات المنطق العادي، وقد كان المخرج قادراً أكثر علي تحريك هذه المادة الحيوية لتحريك ثورة الشك أو بالأحري لتحريك حكمة التساؤل لدي مهيار. لقد أراد المخرج أن يجسّد بصرياً الأسئلة الكونية، كانت المؤدية تحترق بكل وجدانها وهي تقدم هذه الاسئلة لمهيار، كانت تصرخ من داخلها، ولكن مهيار كان يجيب بهدوء رغم حيرته، من هنا، كان اختيار المخرج لمهيار في موكب من الهيبة، وهالة من الوقار، لباس أبيض وعمامة مهيبة وجسم ممتلئ لحد ما، وقامة منتصبة، ولكن لم يكن يشبع نهمي هذا الاختيار، كنت أنتظر مهياراً المتعدد، مهياراً ذا الأزياء المتعددة بتعدد حالاته، بتنوع شخصياته، وقد كنت أنتظر صرخة مهيارية تشق عنان السماء، فان الشك واليقين، كل منهما يحدث شرخاً في صميم الكون، فلابد من صرخة عذاب أو فرح. واعتقد ان المخرج كان واقعاً تحت تآثير طقوسية الحكمة المشرقة الوقورة. كانت العلاقة بين مهيار وحاملة الاسئلة تتراوح بين اللقاء والافتراق، لقاء حميم وافتراق علي مضض، الاسئلة وجدت في حضن مهيار، ولكن وجع الاسئلة ما زال ساخناً، يزداد كلما ازدادت حرارة الاحتضان، فلابد من الافتراق مرة ثانية، علي ان خاتمة العمل مبدأ النهاية المفتوحة ليعلن المخرج عن بقاء السؤال حياً إلي الأبد. لقد اختار المخرج ببراعة فكرة المسرح العاري، كان هناك فضاء، فضاء مفتوح إلي حد ما، وبذلك يتماهي فضاء المسرح مع عري الاسئلة وعري الاجوبة، ان السؤال المجرد الذي يتعلق بالفتنة الكونية، يتمتع بعري رهيب، لانه سؤال يحتوي كل شيء ولا يحتوي علي شيء، والنتيجة فراغ غني، وهكذا يأتي الاطار الذي وجد مكانه وسط قماش الرحلة التي عزم مهيار عليها كي يهرب بجلده من شقاء السؤال، وليس من شك ان المخرج كان بارعاً لما قرّر ان تكون حقيبة مهيار هي الاخري فارغة.
يحتل اللاهوت في عمل المخرج مكانة مميزة، والعجز الذي تبدّي علي كرسيه كان بسبب هذا التمرد البشري علي الحكمة التي أرادها اللاهوت للناسوت الوجودي، المخرج هنا قام بحركة فنية مدهشة، لم يخرج عن النص، بل قام بعملية انتاج للنص مرة أخري، وبالتالي، يكون المخرج قام بعمله الخاص، بنصه الخاص، وهو ما اسميه بالنص البصري. مهيار يرمي بالكرات الصغيرة ذات اللون الأبيض إلي الفضاء، فتهطل عليه مئات الكرات، تتقافز من حوله، دونما يحوز علي شيء منها، تري ما هي دلالة هذه الكرات؟ هل هي البذور الكونية الأولي؟ هل هي الحياة البشرية الأولي؟ انها في تصوري ترمز إلي الاسئلة الأولي، هذه الاسئلة التي كانت تشكل جوهر العمل، بقصيده ومسرحه، ومن ثم هي الاجوبة التي تبرعت بها السماء لأنها مسكن اللاهوت، ولكن الأجوبة كثيرة متنوعة، لأن حكمة اللاهوت تريد للانسان الاختيار. ولذا كنت أتمني أن تكون الكرات مختلفة الحجوم والألوان، وكنت أتمني أن يقوم مهيار بحركة دائرية تحوم حول هذه الكرات الغريبة، كرات الجواب اللاهوتي العظيم. كان عمل المخرج كريم رشيد نصاً موازياً، نصاً لا يجسد ولا يحاكي، بل يؤسس، يشيّد، وكل شخوصه كانت قادرة علي الانتقال من الذات إلي الموضوع بجدارة المؤمن بالعمل بل المؤمن بالدور، وقد زاد من روعة العرض هذا الجمع بين تراث الرافدين ومقتربات الغرب، خاصة بين الصوت الفراتي الحنين والرقصة الغربية الحالمة. وهكذا كان التكامل هاجس المخرج بين الثقافة المهاجرة والثقافة المضيفة، ولذا بدأ به وختم به، ومن هنا قد اجترح المخرج تحفته المسرحية الجديدة