نص مسرحية  (الحقيبة) تأليف : ياسين النصير

 

 محيي الدين زنكنه ...ياسين النصير

 

مسرحية حفلة عرس أعادت لنا أجواء المسرح العراقي..ياسين النصير

 

 تطور مفهوم  الراوي في الحكاية الشعبية.. ياسين النصير

 

وعي الحداثة في المسرح العراقي .... ياسين النصير

الأرجوانة الحمراءمقال في المسرح الكردي ياسين النصيِّر

 

 

التيار الواقعي  في النقد المسرحي العراقي

    ياسين النصير 

 لنتساءل أولا ما الواقع؟ ثم نعمق التساؤل بما الواقعية؟ الواقع كما تشير قواميس الفلسفة هو" وجود الشيء مقابل لعدمه وكمقابل مقابل أيضا للأشكال الأخرى الممكنة الوجود"( 1). وتحديد الواقع هنا- الوجود وعدمه- تحديد صرف، يحيلنا إلى تصور أن الواقع شيء مادي، ولأنه شيء مادي، فأية أشكال مفترضة أخرى هي من قبيل الع  أما المفهوم الفلسفي للواقع فيختلف بعض الشيء وأن كان ما ذهبنا أليه، فهو" وجود الشيء الجوهري في شيء ما" ؟ والشيء ما هو مادي أيضا بما فيه الفكر والوجود، الجوهر نفسه، وحتى ولذلك ففهمنا للواقع يجب أن يكون فلسفيا حتى يمكننا الاطمئنان لأن ندخل ميدان الأدب بفهم أوضح. وإذا كان مفهوم الواقع المجرد يثير مثل هذا الالتباس، ترى ما شأن الواقعية؟ في القواميس الفلسفية والنقدية لا ترى الواقعية إلا معرفة بالإضافة..  كالواقعية الاشتراكية، والواقعية الذرية، والواقعية الجديدة، الواقعية الساذجة، واقعية العصر الوسيط، الواقعية النقدية في الفلسفة، الواقعية النقدية في الأدب والفن. وكل هذه الواقعيات تتحدث عن جوهر الشيء الموجود بالفعل. أما إذا أردنا أن نصف اتجاها أو تيارا أدبيا أو فنيا بالواقعية كأن نقول" التيار الواقعي في النقد المسرحي العراقي" مثلا فعليه الحذر من التسمية وفي التوصية وما تسميتي له بـ" التيار" إلا تخفيف له ولجعل المادة التي أعالجها لا تخضع بالضرورة لصرامة المصطلح النقدي بشعبه وفنونه. ولذلك أعني بـ " التيار" هنا مرة الاتجاه ، ومرة بالمنحى وعذري في ذلك كله أنني أحاول أن أقدم توصيفا نقديا لمادة غير متماسكة نقديا. وفي ضوء هذه المهمة يقع العنوان الذي اخترته لهذا البحث الواقعية النقدية، أما المادة التي اخترتها كنماذج للدلالة عليه فهي الأخرى تقع تحت طائلة أوسع للمسألة النقدية، ولكن ما العمل ونحن نجد في الكتابات حول عروض المسرح الكثير من الآراء التي توصف بالفهم الواقعي للفن، وكان كتابها ممن ارتبطوا فلسفة وثقافة بالواقع العراقي، سياسة ووجودا وتاريخا وفلسفة ومعايشة، وكانت كتاباتهم تعطي انطباعا حقيقيا لما تعانيه الناس وعما يجب أن يحتويه الفن المسرحي. ولم يقتصر هذا الفهم العام للواقعية على الكتاب النقاد. وإنما هو موجود في معظم التصورات الاقتصادية والفكرية العامة، فكانت كل الجهات ولحد اليوم وبخاصة الجهات المسؤولة عن تطور المجتمع، تقدم تصورها الإيجابي للمجتمع من خلال فهمها لمتطلبات الواقع العراقي بحركته اليومية والفكرية.

      إذن فالواقع والواقعية شيئان مترابطان، فالواقع مادي، أما الواقعية فمفهوم فلسفي تتحدث عن الجوهر في الشيء، ولذلك لجأ النقاد الواقعيون إلى " تحليل النص الأدبي والفني الاجتماعي والتاريخي" ( 2) . أو كما يقول بيرتولد برشت" بالواقعية أقصد: اكتشاف علل تعقيدات المجتمع أما أدوات الكشف هذه فهي إبراز الحقيقة، المنظور الطبقي، تأكيد عامل التطور، جعل تجسيد الأمور ممكنا وتجريدها كلما أمكن ذلك".

      أما الدكتور حسين مروه فيرى أن الواقعية مشروطة- بشروط أربعة:

1-    التفاعل بين الفن والواقع.

2-   لا يتحقق هذا التفاعل إلا بين طرفين يتمتع كل منهما بميزة ارتباط وجوده بـ" عملية" وكون هذه "العملية" ذات آلية داخلية مركبة ومعقدة.

3-    أن كلا من العمليتين المتفاعلتين مستقلة عن الأخرى بآليتها الداخلية.

4-    أن هذه الاستقلالية نسبية، وليست مطلقة(4).

إلى هنا ونحن في التوصيف النظري للواقعية في الأدب والفن والآراء حول هذا الموضوع كثيرة ومتعددة ويكفينا إذ تتحدث عن أدب أمة ما، لا تغفل خصائص أمة أخرى ، برغم ما يلحق الأمر بعض الضرر إذا ما سحبنا مفهوما عاما مجردا وطبقناه دون دراية على أي أدب. وأدبنا العراقي بل العربي ككل، لاشك أن له خصائص إنسانية، يجد فيما يجده بها أنه يتطور بتطور الواقع، وأنه يعكس بصورة معقده وليست آلية، أحداث الواقع، وأنه وأن كان يعكس هذه الأحداث، إلا أنه يتطور نوعيا بما يجعله يسبق أو يتخلف عن تطور الواقع،وأن كل هذه التفاعلات، سواء أكانت في الأدب نفسه أم في الواقع فهي نسبية، وتخضع لظروف تاريخية معقدة. ولذلك علينا أن نحذر المقولات المتشكلة مسبقا في فهم أية ظاهرة. وعليه فلواقعية هنا، تقدم خطوط عمل وليس توصيفات مسبقة.

    وفق هذا السياق النظري، دعونا ننظر إلى كتابنا وهم يعالجون العروض المسرحية.

    من الضروري التأكيد قبل الدخول في أبعاد هذا البحث على نقطتين اثنتين : الأولى: هي أن التيار الواقعي في النقد المسرحي العراقي اسم أطلقه على مجموعة من التغيرات النقدية التي تعالج العلاقة بين الفن والواقع ضمن مرحلة تاريخية معينة. ولذلك تصبح مجموعة الآراء والأحكام النقدية التي كتبها الأدباء أو المعنيون والنقاد هي مادة هذا الفهم، وذلك لأن تيارا واقعيا متكاملا في النقد لا يوجد، وإنما توجد تصورات نقدية واقعية لها قوة المعرفة، كما ان وجود تيار واقعي نقدي متكامل يتطلب بالضرورة وجود تيارات نقدية أخرى. تبلورت عنها أو تطورت منه، بحيث يمكننا معاينة التقاطعات والاتفاقات النظرية فيما بينها وفي ضوء هذه المهمة لي وأنا أسمي نوعا من النقد بالتيار الواقعي، محاولة لإضفاء بعض خصائص الواقعية على بعض الكتابات القريبة جدا من هذا التيار . جاعلا من التصور الكلي لمفهوم الواقعية في النقد مادة يمكن التأشير أليها لاحقا.

     النقطة الثانية: أن التيار النقدي ينمو بوجود حقيقتين اثنتين الأولى هي: استمرار المسرح الواقعي في العرض وفي الكتابة، ومتتبع مسرحنا العراقي يجده يمر بمراحل تطور غير صحية، على العكس ما يحدث في المجتمع، ففي الخمسينيات مثلا كان المسرح واقعيا أنتقاديا، وفي الستينات وأوائل السبعينات اصبح المسرح إلى جانب الواقعي فيه، تجريبيا ، ولاهثا وراء التيارات العبثية واللا معقول  وفي الثمانينات عاد في هذه المرة في جزء من عروضه إلى الواقعية، ولكن الواقعية الساذجة التي تقدم شرائح اجتماعية من أجل الإضحاك لا الفعل، ما أردت الوصول أليه في الحقيقة الأولى، هو أن الواقعية في المسرح لا تنمو في التقاطعات دائما وإنما تنمو في التواصل وصولا إلى الحقيقة الثانية، وهي أن النقد المسرحي الواقعي لا ينمو ولا يتطور إلا في ظل مسار فني  متصاعد وفي بيوت الواقعية المتعددة الضفاف.

     وفي العراق أدباء وكتاب مسرح، وفي العراق صحافة، وأجهزة ثقافية وفي العراق طبقات وفئات اجتماعية. وفي العراق أحزاب وتنظيمات وكان الكل يدعو للواقعية من منظوره الخاص، ثم استقر المطاف بمعظمهم إلى تبني الواقعية منهجا في الثقافة وفي الممارسة. والأدباء أبناء لمجتمعهم، تربوا في أحضانه، وعانوا ومعاناته، وكتبوا وفق حاجاته وفي العراق أدباء جاءوا من الشعب، وانحدروا من المدن الصغيرة والقرى والأرياف، ومن عاش في المدن الكبيرة عرف تناقضاتها، فكان الواقع العراقي مكانا عراقيا كليا أول الأمر، ثم اصبح الواقع العراقي مكانين مكان عراقي بمواجهة مكان عراقي آخر، هنا بدأت أولى خطوات الفرز. حينما أصبحت الأزقة المظلمة والأكواخ والصرائف، والبيوت الطينية، والشوارع الضيقة والحانات، والبيوت الخلفية.. الخ أمكنة ذات هوية طبقية واجتماعية تقف بمواجهة القصور والبروج والأماكن السرية، والدوائر الحكومية، والمحلات الخاصة، وبداية الفرز المكاني حيث البيئة أحد أهم عناصر فهمنا للواقع- بدأ الفرز الاجتماعي للناس، وكانت البدايات هي المعاينة الحسية المباشرة لحركة الواقع اليومي وكان المؤلف والمخرج معا قد ألبس شخوصها الجراوية والدشداشة. وحولوا ألسنتهم إلى مكرفون للحال الاجتماعي وأستنطقهم الكاتب بما يمكن أن تستنطق به فئة كاملة، ومثلهم الفنان المسرحي بنموذج شعبي ذي هوية طبقية محددة. ما أردت قوله في هذه النقطة المهمة أدبنا النقدي الواقعي منه نشأ نشأة سياسية، وأن النقاد الواقعيين في العراق نقاد مشبعون بالمناخ السياسي الأنتقادي أول الأمر، ثم تبنوه آخر الأمر. بمعنى آخر أن أية مقالة نقدية لم تصف بالكامل من تأثيرات المدارس الأخرى، لكنها تغلب المنحنى الواقعي في المعالجة والطرح والفهم على بقية المناحي.

       في ضوء ذلك يمكننا القول أن النقاد الواقعيين قرءوا وشاهدوا الأعمال المسرحية ، ومن ثم كتبوا عنها في ضوء المشروع الأيديولوجي أي القصدية التي يفرضها الناقد على العمل المسرحي المشاهد أو المقرئ كمشروع للكتابة، والقصيدة هنا فعل عياني، تاريخي، يعاين الواقع المعيش،  ويعاين العمل الفني ثم يبحث عن العلاقة التفاعلية بين الاثنين. والوعي الأيديولوجي هذا، له شروطه الموضوعية والذاتية، أولا أنه يتحرك على أرضية اجتماعية، وثانيا يعالج عملا يتفاعل نتاجا ومعرفة مع هذه الأرضية، وثالثا له حامل، أي ناقد يوظف أبعاد هذا الوعي تاريخيا. ونجد أنفسنا أما فهم متغير خلال السنوات الأخيرة من حياة نقدنا ومسرحنا العراقي. فعندما يخيب أحد أضلاع المثلث الأرضية الاجتماعية والتفاعل نجد المقال النقدي يضطرب ويشتت، ويتضمن فهما أو مفاهيم أخرى. كما أن التغير نفسه يصيب المقال النقدي هذا ما قدمت شيئا ما تخرج به عن مألوف العروض السائدة فالشروط الموضوعية والذاتية لإنتاج نص مسرحي مغير، تفرض على الناقد إمكانيات تفسير جديدة، كما حدث في النقود التي كتبت حول مسرحية" المفتاح" ليوسف العاني مثلا. حيث فسرها البعض بأنها مسرحية مع حركة التاريخ والمجتمع. وفسرها آخرون بأنها" تضع أساسا للتغير في مسرحه" (5) وقال عنها فؤاد التكرلي " مفتاح إلى أفق جديد من آفاق المسرح العراقي"(6) وفسرها آخرون بأنها" تحصيل قيما فكرية وأخلاقية لمجتمع يجتاز مرحلة معينة من مراحل تطوره"(7) كما يقول الدكتور جميل نصيف.

    وعموما فالنقد يوم ذاك مشبع بالنظرية، ومنطلقة الخاص، هو الاهتمام بالجديد الجاد.

   إذن كيف فهم النقاد العراقيون الواقعية فكتبوا نقدهم في ضوئها أولا ثم ما هي الواقعية الأكثر شيوعا في مسرحنا ونقدنا ثانيا؟ فإذا كان التساؤل الأول يجعلنا نهتم بالفهم الانطباعي السائد في النقد، ونعده نقدا واقعيا والتساؤل الثاني، فنقول أن تيارا أو تيارين من الواقعية هما الأكثر انتشارا في نقدنا وهما: الواقعية النقدية ، والواقعية الاجتماعية، والأولى أهم وأوضح، والثانية أحدث وأقل، ولا توجد الثانية إلا بعد الأولى وبعد أن تشبعت الثقافة بها. ولما كنا لا نزال اجتماعيا في مرحلة نقدية لمؤسسات ولعهود قديمة، فالواقعية النقدية حية وضرورة. ومن خصائصها:

1-    كشف شرور المجتمع البرجوازي والتغلب على تناقضاته- من خلال تطوير فكرة تحرير الإنسان اجتماعيا وروحيا.

2-    نؤكد على المثل العليا الاجتماعية الديمقراطية في أذهان الناس(8).

3-  تؤمن الواقعية النقدية، بالمفهوم الشعبي للفن، والشعبي كما يسميه برشت، فن مفهوما للجماهير العريضة، ويتبنى ويعزى أشكال تعبير هذا المنظور ويصححه، ويمثل أكثر أقسام الشعب تقدمية حتى يمكنها من القيادة، وهو فن مفهوم لباقي أقسام الشعب، ويرتبط بالتقاليد ويطورها. ويضع بين يدي ذلك الجزء من الشعب الذي يعمل على الوصول إلى القيادة والمعارف والمنجزات(9).

4-  وتدعو الواقعية الانتقادية إلى الانتباه للتاريخ كنماذج يجب احتذاؤها والعمل على منوالها. ولذلك يتجاور في الفن الواقعي، النقد والتاريخ .

5-  البطل في الأدب الإنتقادي الواقعي " ذو لهجة ساخرة حزينة، وطريقة تهكمية في النظر إلى ذاته، ونفور من الانطلاق أو الانشراح والتكلف والتساؤل وهو لا يثق بالعبارات الطنانة أو بأي شكل من أشكال الانفعال بل يتميز بميله إلى كل ما هو بسيط في كل شيء كما يتميز بحنينه إلى أن يضمن موطئ قدم في مجالات الحياة تتسم بالإيجابية والثقة والجمال والخير"(10).

6-  تعتمد الواقعية الانتقادية: الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية الحميمية كجزء من بناء تعاطف إنساني، وكجزء من موقف فكري واجتماعي من الواقع السيئ والمظلم، وليس هذا هروبا من المواجهة، بل خلق يوتيبيات صغيرة يجسدون عليها أحلامهم اليومية والمشتركة.  

7-  وتؤمن الواقعية الانتقادية بالجماعية، فهما بناء وكمضاد للفردية التي تؤدي حسب مفهومها النظري إلى الموت الروحي، ولكن أبطال كتاب الواقعية الانتقادية لم يتخلصوا تماما من الطابع الفردي" وهنا موطن التناقض الرئيس المسؤول عن خلق التشاؤم الذي يعتبره المعاصرون من الملامح اللازمة للإنسان المعاصر"(11)

8-  ومن الملامح الواقعية الانتقادية، أن الأدب الواقعي، يظل باستمرار" يعنى بفحص المتطلبات النفسية للعمل أكثر من عنايته باتجاهه وهدفه أو شكله"(12).

9-  تؤمن الواقعية الانتقادية بإثارة الأسئلة، فالتساؤل مفتاح للدخول إلى عوالم الآخر، ومهما كان نوع التساؤل وهدفه، وطريقته، فهو جزء من الشك الديكارتي الباحث عن أسرار العالم الموضوعي والنفسي والاجتماعي. وتساؤل بطل الانتقادية يبتدئ بنفسه ، بتاريخه، بوجوده، كي يقيم الإجابة على أساس من الوعي بما يحيط به، وبما يضيف عليه، وعندما يستوي الوعي وحجم المشكلة ينتقل بالتساؤل في منطق أهم تساؤله ليصبح تساؤلا لفئة، أو لجماعة، وبالضرورة سيكون تساؤلا ثوريا انتقادا.    

10-    " الواقعية الانتقادية لا تتقدم من غير أن تتناول الموضوع الخطير الذي يتعلق بانتقال الرجل العامل إلى الوعي السياسي وإلى فهم قيمته التاريخية أن هذا الانتقال يوسع حدود الشخصية، ويغير بناءها الداخلي، ولا يؤكد فيه على الحقيقة الروحية للفرد بل على تاريخ النمو الأيديولوجي للجماهير الواسعة"(13).

11-    أما بطل الواقعية الانتقادية فمتحرك، وحركته مادة وصورة للتجديد ونعني بذلك تصبح حركته" مصدر تجديد للعوامل والأشكال الثوري التحرري"(14).

12-          تعني الواقعية الانتقادية" بتصوير واقع معاصر لا يتصف بالترفع والحياد بل يتغذى بمعتقد أخلاقي بعينه"(15).

13-    تؤمن الواقعية الانتقادية" بالبطل المتحمس، الذي لا يعرف الحياة الوسط، فأما النعاس وأما نوازن الحياة، أما الولع بأحاسيس الحياة المفرحة، وأما المعاناة"(16).

14-    يميل الأدب ونقد الواقعية النقدية إلى إبراز السمات الفنية للعمل الأدبي ولو تم ذلك بحدود، لأيمانها أن الشخصية المتحمسة لابد لها من شكل فني يستوعب حماسها وثوريتها، والشكل الفني غالبا ما يستمد من الواقع، أو من خلال تصور معين لحركة الواقع وقد تمثل بنماذج من الشخصيات المتميزة أسلوبه. ولذلك ففن الواقعية الانتقادية في غير مهادن، ولا هو انعكاس أحادي، ولا هو وجهة نظر، وإنما هو تجسيد للمواقف المؤثرة في حياة الشعب.

15-    تعتمد الواقعية الانتقادية على المفهوم الواسع للواقعية ككل، أي طريقة الفهم الأدبي والفني للواقع، وهنا لابد أن يكون  الاعتماد هذا سياسيا رحبا يتجاوز كل الأعراف، وكما يقول برشت" لا ينبغي أن نقتصر في فهم الواقعية على أعمال خاصة قائمة، بل علينا أن نستخدم كل أداة ممكنة- جديدة أو قديمة جربت أم لم تجرب، مأخوذة من الفن أو غيره- لنصور للبشر والواقع في شكل يعينهم على التحكم في هذا الواقع"(17).

 

هذه بعض التصورات المنهجية عن الواقعية الانتقادية، وبالضرورة هناك غيرها، أو ما هو مشترك بينها وبين الواقعيات الأخرى. وما يهمنا في هذا الصدد أن الواقعية الانتقادية هي أقرب إلى أدبنا كله أن لم يكن في معظمه، فهي توجه كتاب ارتبطوا بالواقع، وتوجه ثقافة أرادت أن تحكي عن الواقع، وتوجه فلسفة تؤمن بالتغيير، والتحول، والتطور، وإذا كانت بعض مفردات الواقعية الانتقادية قد جرت لها تحولات وتداخلات في تيارات أخرى، كالواقعية الاشتراكية، والأدب النفسي، أو سواهما. فذلك لأنها الأساس النقدي الذي تتشرب به كل التيارات الأخرى، وعلى سبيل المثال أنها وحدها التي يمكن الحديث عنها بقناعات واضحة، خاصة في مجتمعات تسعى لأن تغير من توجهها باستمرار. فالعنصر الثوري الذي يبدو خافتا في أدب الواقعية الانتقادية نجده ينمو ويتطور في أدب الواقعية الاشتراكية، وهذه بدورها لم تقم لا فلسفة ولا تصورا إلا على أرضية نقدية واضحة. لذلك لا يخلو أي أدب من الانتقادية حتى ولو كان تجريديا.

     وإذا كان أدبنا المسرحي قد حمل تصورات الواقعية الانتقادية بوصفه معالجا لواقع اجتماعي معيشي، فهل حمل نقدنا المسرحي الذي عالج تلك المسرحيات المكتوبة أو المشاهدة، شيئا من تصورات الواقعية الانتقادية؟ هذا لابد لنا من الانتباه الحذر، فبعض تصورات الواقعية الانتقادية في الأدب قد لا تكون بالصيغة نفسها في النقد لأن النقد يحكي عن فن يعكس واقعا، في حين يعكس الفن عن الواقع مباشرة، وهنا يدخل عامل الوعي النقدي العام بمشكلات المجتمع عنصرا فاعلا في صياغة المنهجية النقدية، فالنقد إذن يتحدث عن فعل الفاعل، في حين لا يتحدث الأدب إلا عن التفاعل ولذلك نجد النقد الواقعي شبع بتصورات فكرية وآراء متعددة قد لا تكون كلها في صلب المنهج الواقعي، فثمت انطباعات، وثمت تصورات ذاتية، وثمت آراء فردية، إضافة إلى اللغة الصحفية التي كتبت بها معظم النقود، ومع قدر واضح من التبلبل المنهجي عند الناقد نفسه ، ولكننا بالصورة الإجمالية التي نتوخاها من نقدنا المسرحي نستطيع الوقوف على ملامح تيار تطور لاحقا على معايشة المنهجية الواضحة في النقد.

 

مفاهيم الواقعية في النقد المسرحي

    درج معظم كتاب المقالات النقدية عندنا على توسيع معنى الواقعية فمنهم من يسميها بالشعبية، فيروح مطالبا بخلق مسرح شعبي. ومنهم من يسميها بالمحلية فيروح مطالبا بخلق مسرح يستلهم الأحداث المحلية. والأكثر تعميما من تلك الصفات، هي الشعبية. فهذا الناقد محمد كامل عارف في موضوع" كيف تخلق مسرحا شعبيا" يطالب بأن يتصل المسرح العراقي" بالكتلة الأكثر عددا من الشعب" ويعد عدم الاتصال هذا المشكلة رقم واحد ويرى" أن المسرح ملك الشعب، وينبغي له أن يتواصل في أعمق أعماق الجماهير الكبيرة. ويجب أن تفهمه هذه الجماهير وأن تحبه وعليه أن يوحد مشاعرها وأفكارها وأرادتها وأن يثير همتها يبغي أن يوقظ وينمي فيها فنانين" .

    ويضع الكاتب جملة معادلات لتحقيق التوازن بين الشعب والمسرح، ويتساءل كيف نجعل الشعب يفهم فننا ويحبه؟ بل كيف نجعله يشعر بأن المسرح من مستلزمات حياته الضرورية؟ ويضع محمد كامل عارف في مقاله تصورا واضحا في خلق مسرح شعبي، ويعتقد أن هناك طريقتين يمكن أتباعهما:

1-    استغلال التشابيه التي تقام في الاحتفالات الدينية، ومثله في ذلك الاحتفالات التي تقام في اليونان تكريما للإله "ديونيوس".  

2-    استغلال الفلكلور العراقي في المسرح لتحويل الروايات والأساطير الشعبية إلى مسرحيات.

ويعتقد الكاتب أن هذا الطريق يمكنه أن يبرز الجوانب الإيجابية في التراث الإنساني، وأن يلغي الحواجز المصطنعة بين الأقطار العربية. ثم يضع الكاتب ثلاثة عناصر لتطوير استغلال الفلكلور.

1- ما يحمله من دافع ثوري.

2- ما يمتلكه من عنصر توجيهي.

3-فيما يحمل من عنصر استجابة.

   الشعبية إذن في مفهوم محمد كامل عارف هي البحث عن أشكال تعبير جديدة مستمدة من الواقع، وفي الوقت نفسه منفتحة على ثقافات الإنسان  فيقول أن تحقيق ذلك يجعلنا" نحقق قيام مسرح عراقي صميم يسمو إلى المرتبة العالمية بشخصيته المستقلة المستمدة وجودها من التراث الشعبي الخالد. الجماهير الكبيرة"(18).

   ويعزو النقد الدعوة لقيام مسرح شعبي إلى التحولات الجذرية التي حدثت في المجتمع. فقد بدأ الانتباه إلى الفلكلور مبكرا. ولكنه لم يدخل ميدان الإبداع الدبي والفني إلا متأخرا، وكان ظهوره مرتبطا بحركة المجتمع الذي بدأ يستعمل العامية في الفنون كالقصة والمسرحية. وعد هذا الاستعمال جزءا من الفن الواقعي، فالأديب لم يعد مضطرا إلى ازدراء التراث الشعبي أو الترفع عن استعمال اللغة العامية، لأنه لم يعد يخضع إلى نظام وظروف تملي عليه ذوق الطبقة الحاكمة التي تنظر إلى الأدب الشعبي واللغة العامية نظرة احتقار" لنظرتها  إلى الطبقات الاجتماعية الأخرى. بل نجده بخلاف ذلك. نتيجة الوعي وتغير العلاقات بين القوى الاجتماعية. يجل أكثرية الشعب ويحاول أن يربط مصيره بها، وأن يخدمها عن طريق أدبه وفكره بكل الوسائل الممكنة"(19).

    والدعوة هذه قائمة حول البحث عن العلاقة بين الأدب والفن والواقع والدكتور صالح جواد الطعمة، أحد المنظرين للاتجاه ذاته، فقد كتب مقالات أخرى يناقش بها استعمال اللهجة العامية  في القصة والمسرحية موضحا هدفه من هذا كله بقوله" أن ما يبرر استعمال اللهجة في الأدب القصصي أو المسرحي هو حرص الكاتب من جهة على مراعاة العناصر الفنية في تكوين عمله الأدبي، وفي مقدمتها الصدق الفني والواقعية واستغلال اللغة في تجسيد الأفكار والانفعالات وحرصه من جهة أخرى على إيصال معانيه بصورة مؤثرة إلى أكبر عدد ممكن من مشاهدي مسرحيته"(20).

    الصدق الفني ، الواقعية، اللهجة، استغلال اللغة كلها من خصائص الأدب الواقعي والدعوة لها، والتنظير حولها قائم على أساس أن التوجه الفكري للنقاد والكتاب يوم ذاك مبني على العلاقة الجدلية بين الثقافة والمجتمع. ولم تخفت هذه الدعوة إلى اليوم، إذ ما يزال الكتاب والنقاد يطالبون بها. فهي ليست مقولات مرحلية وإنما حاجات أن أغفلها الأدب، ابتعد عن المجتمع. وأن مارسها اقترب من الفئات الأكثر حاجة ومصلحة إلى التطور، فالدعوة إذن قائمة على تصور واضح. هو أن يرافق الأدب والمسرح تطور المجتمع من خلال الوعي بمشكلاته وأفكاره ودوره الحضاري.   

     ومن المفاهيم الأخرى للنقد الواقعي الانتقادي الاهتمام بالمحلية كإطار عام يعطي انطباعا على ارتباط الكاتب بمجتمعه وأفكاره. وأن النموذج الإنساني الذي يسعى أليه، هو بالأساس إنسان محمل بمشكلات محلية وللمحلية تأسيس وتوليد تأسيس لأنها تولد لدى الكاتب إمكانية الخوض في المعارف المتاحة المعروفة والمعيشة،وتوليد لأنها تتيح للكاتب مقارنة مع محليات أخرى فيولد من خلالها تصورا إنسانيا عاما، ولذلك ركز النقد الواقعي على المحلية بوصفها الموقع الذي يثبت تاريخية الحال المعروضة والموقع الذي يستنطق الكاتب لغة وشكلا وفكرا: يقول الدكتور صلاح خالص عن مسرح يوسف العاني" أنه يعرض صورا حية من الحياة العراقية فيثير في الجمهور الضحك عليها والسخرية منها لأنها تظهر غريبة وغير منسجمة مع المنطق والعقل ولكي يفعل ذلك لا يلجأ إلى البحث عن الصور الغريبة والشاذة، وإنما يختار صورا من الحياة المألوفة التي نراها كل يوم فيعرضها عرضا يقوض فيه إبراز جوانبها المثيرة دون أن يكلف نفسه عناء البحث وراء الصور الغريبة. ولعل إبداع الفنان يبدو في هذا التحسس المرهف بمظاهر الحياة التي تحيط به واختيار جوانبها المؤثرة"(21).

     والصور المألوفة، الجوانب المثيرة، التحسس المرهف بمظاهر الحياة..الخ كلها من نبات المحلية وإلا كيف يستطيع الكاتب أن يكون واقعيا أن هو أغفل أو تجاهل هذه السمات والخصائص؟ ولذلك فالدعوة النقدية لتبني هذه السمات دعوة تنصب في الإطار الفني الأيديولوجي معا. وكتابنا النقاد يوم ذاك يزاوجون بين الاثنين. توسلا بهما وتأكيدا لهما. يكتب عن مسرحية البستوكه مثل. وهي مسرحية معرقة عن " ليويجي بيرانديللو" ومن إخراج سامي عبد الحميد، أن " في هذه المسرحية صورا تتطابق مع الحياة والناس في الريف العراقي، كذلك رأينا أن يكون الحوار باللهجة الريفية"(22) ولهذه النقطة المهمة دلالات، منها أن المحلية قد تكون لهجة. وقد تكون صورة وقد تكون واقعا محددا ومنها وهذا هو الأهم أن واقعا عراقيا حتى لو لم يكتب عنه موجود في كتابات عالمية أخرى. هذه المحلية المفرطة بحساسيتها كانت موضع اهتمام الكتاب والفنانين في الستينات، ولعل المفتش العام لغوغول وطرطوف لموليير، وغيرها من المسرحيات الشعبية كانت توفر حاجة نقدية وثقافية لتعميق الإحساس بالمحلية. وقد كتب الفنان بدري حسون فريد حول ظاهرة التعريق التي انتشرت يوم ذاك قائلا" تدور هذه الأيام في الأوساط الفنية موجة تعريق المسرحيات العالمية (..) والمتحمسون لهذه الأفكار يبغون من وراء هذه المحاولات تقريب تلك المسرحيات العالمية إلى ذهن المتفرج العادي ولاشك أن الذين فكروا بذلك كان هدفهم الأول وليس الأخير كسب الجمهور العراقي لمشاهدة المسرحيات التي يقدمونها سواء أكان التعريف " كليا" أي بقلب الشخصيات والزمان والمكان إلى شيء عراقي، أو "جزئيا" أي بقلب الحوار إلى اللهجة الشعبية"(23). والمحلية ليست اللهجة ، بل السجايا والمواقف وأسلوب العيش والتفكير وطرائق الحياة اليومية، أنها أشكال معاشه تعبر عنها بصيغ فنية متطورة كما نرسخ عبرها النماذج التي يجب أن تكون مثالا، ولذلك فالمحلية هي مألوف الحياة ويومنا، هي الصورة الإنسانية الكلية وقد وجدت أبعادها في نص عراقي مؤلف، أو نص أجنبي معرق. بل أن القاص عبد الملك نوري من مقال عن مسرحيته فلوس الدورة يطالب بالانتفاع من المسرح العالمي كي يثقف المسرحيون العراقيون المهتمون بالمسرح الشعبي" أنني أرى بأن الاستمرار على تمثيل ما يسمى بالمسرحيات الشعبية. لا يمنع من القيام بتجارب لتمثيل مسرحيات عالمية بسيطة(..) وأظن أن من المستحسن الإكثار من هذه التجارب، وتوجيه جهود المشتغلين في المسرح نحوها، وتعويد الجمهور على تذوقها"(24). وطالبة عبد الملك نوري الانتفاع من المسرح العالمي تكمن في الحاجة الثقافية إلى تطوير مفهوم الواقعية من المسرح العراقي. فالشعبية عنده ليست اللهجة ولا الموضوع وإنما هي" أن المسرح العراقي لا يوجد في اتجاه مدروس منظم للانتفاع بالتراث العالمي(..) وأن إغفال هذا التراث هو الذي أغلق الحلقة المميتة على ما يسمى بالمسرحية الشعبية"(25).

    وتفرض المحلية، وطابعها الفن الشعبي طريقة في اختيار الشخصية النموذجية أو النمطية، فالحس النقدي والواقعي المباشر لا يعالج الواقع ومشكلاته إلا متى تجسدت هذه المشكلات بحياة شخص أو أكثر وجدت مرئية ومعايشة من خلال ممارساته ومواقفه وأفكاره. ودراسة ميدانية للعلاقة بين فنون وأدب تلك المرحلة والفئات التي عكستها نجد أن الشرائح الاجتماعية الفقيرة، عمال/فلاحون/ سكنت حواف المدن/ الفقراء/ الخدم/ أصحاب المحلات الصغيرة.. الخ.هو الأكثر حضورا في البنية الثقافية. وبالتالي فخطاب الكاتب المسرحي أو الروائي كان يجد في هذه الشخوص ممثلين لفئات اجتماعية أوسع لكنه لا يجسد في نتاجه إلا مشكلات هذه الشخصية المفردة . لذلك كثرة المعالجات التي تصب في ثنائية الخير والشر. الغني والفقير ، الوعي والغياب الوعي. وتكاد معظم مسرحيات يوسف العاني القصيرة تصب في هذا التيار.

    " أن مفهوم الشر عند يوسف العاني في " أني أمك يا شاكر" و"راس الشليلة" و" تؤمر بيك" ليس إلا السلطة البرجوازية وأن مفهوم الخير ليس إلا البديل لوضعية النظام السائد(..) وما يلاحظ أن البطل في هذه المسرحيات لم يعد ممثلا سلبيا لمفهومي الخير والشر. وإنما أصبح مجسدا لهما ولن نجد الصورة الواضحة لمسرحنا في الخمسينيات إلا من خلال هذا المفهوم"(26).

    والشخصية النمطية هي التي أعطت لمسرحنا هويته الواقعية بوصفه بشرا يتحدث، وبشرا يعمل، وبشرا يعرف، وبشرا يعبر عن آلام الناس وكان المسرح ونقده يقف من هذه الشخصيات موقف المتبني لها والتحريض من خلالها، فيجعل منها صوتا ومكرفونا للحال الاجتماعية ولغة متأصلة في الثقافة ولعل اكتشافها في خارج إطار الأسرة فتح مجالا للأدب لأن يتحرك في ميادين العمل الاجتماعية : الوظائف، السجون، المقاهي، العيادات، المحلات. فالناس هناك يجتمعون وفق سياق معرفي واجتماعي أوسع من إطار التجمع الأسري، وخروج الشخصية إلى هذه  المواقع دفع بالكاتب بأن يرى الحال المعنية من خلال نوافذ أوسع.

   ويستطيع النقد الواقعي أن يؤدلج طبيعة ظهور مثل هذه الشخصيات فيجعل منها بشرا بما سيحدث أو محملا إياها أفكارا أكبر من حقيقتها ، فهي وإن بدت إنسانية ، شاملة الرؤية، ثورية اللفظ والفكر، إلا أنها ذات خصوصية علمية. وليس هذا عيبا أو انتقاصا لأن الفكر أندفع ليحاول طرح تصوراته من خلال النموذج الشعبي المحمل بقضية اجتماعية ولهذا السبب عندما حدثت ثورة 14 تموز 1958 أعيدت مرة أخرى المسرحيات ذاتها في بغداد والمحافظات ليرى الجمهور حاله التي كان عليها وما يزال يحياها.

  هذه الصورة التي تبدو معكوسة في الفهم الواقعي، نجدها حية حتى اليوم، فالعديد من كتاب المسرح وبخاصة في شكله الكوميدي- الساخر يعود إلى النماذج تلك لأنها وحدها امتلكت الرسو الحقيقي بوضعها وثبتت على تركيبة نفسية واجتماعية . ويخطئ من يعتقد أن هذه النماذج الشخصية قد انتهت أو تحولت ، فهي ما تزال حية ولكن حياتها ووجودها ظهر بشكل مختلف آخر، بل أكثر عمقا، وجذرا وتلوناً، ولذلك فنحن ما نزال بحاجة إلى شيء من الواقعية الانتقادية في مسرحنا.

الواقعية الاجتماعية في النقد المسرحي

 

 ظهر مفهوم الواقعية الاجتماعية في نقدنا في الستينات وأوائل السبعينات، وذلك من خلال التطور الذي أصاب بناء المسرحية نفسها. وتطلب هذا البناء رؤية نقدية تقترب من النص وتحاوره، وفي الوقت نفسه تمالي التطور الاجتماعي والثقافي ككل. وعربيا وعالميا، والمتتبع لهذا التيار الجديد في النقد يجده وريثا حقيقيا لتيار الواقعية الانتقادية وللكتاب النقاد أنفسهم، فقد وجدوا في مفاهيم: الثورة، التجديد، الانعكاس، التثوير، التغيير.. أسسا لتجديد أدواتهم النقدية لا سيما وأن المرحلة الجديد نفسها تتطلب أدوات نقدية أكثر وضوحا،أدق تعبيرا من السابق. في ضوء ذلك نجد الكتابات النظرية التي ظهرت في الستينات تمهد ثقافيا لمثل هذه الواقعية. يقول الدكتور صلاح خالص " إن الفنان الواقعي الحديث لا يرى صور الحياة في أحد أوضاعها فحسب، بعد أن يعطيها شكلا ثابتا جامدا، وإنما يجب أن يعرضها وهي تتحرك وتنمو وتتطور، فتبدو آثار الماضي الأفضل سائرة نحو التداعي في متون الحاضر المضطرب.و هكذا تبدو الحياة وهي في حركتها الدائبة وتلاحق تباشير المستقبل السعيد في ثنايا الشقاء الحاضر التعيس" ( 27).

      فالواقعية التي يريدها الدكتور صلاح خالص رصد لحركة الواقع في نموه وتطوره ومنه يظهر الموقف الأيديولوجي واضحا، فقد ارتبطت هذه النظرة بالواقعية بالفهم الاجتماعي التقدمي وبأنها ركيزة موفية من ركائز التغيير الثوري للمجتمع.

      في ضوء ذلك نشط المسرحيون العراقيون في تقديم المسرحيات التي تحاكي الواقع في تطوره، وفي نظرة المسرحيين بقيت محكومة بالأشكال القديمة وتطلب الأمر البحث عن أشكال فنية جديدة يصب الكاتب فيها تصوره والحاجة للشكل الفني فرضتها التيارات الجديدة في المسرح العالمي، وليس غريبا أن نجد برشت وبينر فاينسي وسواهما من أكثر الكتاب انتشارا الأول في تطويعه الفن الشعبي حكاية وأساطير وحياة يومية للدرامية الجديدة، والثانية في توظيفه الوثيقة السياسية وإعادة العمفية والأفلام لمفاهيم المسرح الجديدة. وكانت نتيجة التزاوج بين الفن الشعبي والمفهوم السياسي للمسرح أن سعى كتابنا إلى استحضار شكل فني جديد، يتصل بالموروث وفي الوقت نفسه يتفتح على النفس والحاضر والثقافة، وكانت باكورة هذا المسعى مسرحيتين ( المفتاح) ليوسف العاني و( الطوفان) لعادل كاظم. الأولى في استلهام الحكاية الشعبية مادة أساس لها والثانية الاستفادة من الأسطورة البابلية في الخلود مادة أساس في بناء مسرحيته. ونجد الاتجاه يتعمق أكثر عندما بدأت رحلة قاسم محمد مع الرواية العراقية في " النخلة والجيران" وهو ينهض من أسلوب السرد والحوار كيانا مسرحيا متميزا أحتوى المفهوم الشعبي للحكاية والمفهوم التجريبي في الإخراج والأداء.

    الواقعية الاجتماعية بنت تصورها المعرفي على التطور في البناء بعدما فرض الواقع نفسه أشكاله التعبيرية الأكثر شيوعا في الممارسة والفعل . هذه الواقعية يحدثنا عنها الأستاذ يوسف عبد المسيح ثروت فيقول".. ينبغي لهذه الواقعية أن تكون إيجابية متماسكة متطورة نقدية تلتزم بالتيارات التقدمية والثورية على نحو بناء"(28).

    ويطبق الأستاذ ثروت مفاهيمه هذه على عدد من المسرحيات العراقية ابتداء من( الخرابة) مارا بـ(الشريعة) و( المفتاح) و( أشجار الطاعون) و(دائرة الفحم البغدادية)و( الغريب) و(البيت الجديد) و( تموز يقرع الناقوس) وغيرها من المسرحيات.

    1- تعد الواقعية الاجتماعية مفهوما متقدما لتوضيح العلاقة بين الأدب والمجتمع ومسرحياتنا تأليفا ونقدا كانت أقرب المفاهيم إلى الثقافة وإلى الأيديولوجيا حتى الكتابة عن أي مسرحية ذات بعد ثقافي وفكري جديدين لابد لها وأن تؤسس وجودها على هذه العلاقة فالدكتور جميل نصيف يكتب عن المفتاح مثلا فيقول" أن قيمة مسرحية المفتاح في رأيي تكمن في طابع الخبرة والأصالة الذي ميز هذه المسرحية عن معظم المسرحيات العراقية(..) أن لجوء الكاتب إلى الفلكلور الشعبي بحثا عن شكله وفي طابع ملحمي لمسرحيته لم يؤديهما كان يتوقع البعض إلى صرف أذهان المشاهدين عن المضمون الجديد لها، بل على العكس قد ساعد على تركيز انتباههم حول هذا المسرح بالذات، ذلك أن المشاهد لم يجد صعوبة في الفصل بين الجو الأسطوري الجميل للمسرحية وبين مضمونها الحياتي والإنساني".

     2- وعدها يوسف عبد المسيح ثروت" أساسا للتغيير في مسرح العاني باعتبارهذه منطلقا لحركة جديدة في أجواء المسرح العراقي عموما"(30).

  في " الخرابة" ينمو العاني نحو المسرح السياسي الوثائقي والتأليفي وفي شكله الفني ويطوره وتصبح المعادلة واضحة الآن : مضمون جديد وشكل جديد، وتصبح الواقعية الاجتماعية هدفا من أهداف النقد والتأليف وعدت في الكتابات العديدة حول هذه الظاهرة فتحا في ثقافتنا المسرحية "المسرحية" العراقية اجتماعية أولا ولمدة طويلة بمعنى أنها تعرض مشاهد من المجتمع (..) ولتكن- بعد ذلك المسرحية اجتماعية أو سياسية لأن الاجتماع والسياسة لا ينفيان الفكر(..) لامهم في مؤلفنا أن يقترب من دائرة الفكر وأن يكون في اجتماعيته أو سياسته أعمق كثيرا مما حوله وأن يكون المشاهد في خطوة من خطوات الفكر الفني المتحرر"(31). فالفهم الواقعي عند الدكتور على جواد الطاهر يتعلق بمنظوره إلى حركة التأليف أولا، وإلى استجابة الناس إلى المسرح ثانيا، وإلى العلاقة بين الفكر والاجتماعية ثالثا. وفي العديد  من مقالاته النقدية حول المسرح والمسرحيات نجده يتبنى الجديد القائم على وعي بالمجتمع، ويدعوا له إذا كان متطورا عالما المشكلات فاهما العلاقة الجدلية بين الشكل والمحتوى، متضمنا أفقا أرحب للتعدد والتنوع.

   يتسع مفهوم الواقعية الاجتماعية في النقد المسرحي فيستوعب المسرحيات التي تستلهم مادتها من التراث الشعبي والأسطوري والتاريخي فالشكل الفني الجديد القائم على إبدال الفصول بالمشاهد جعل للمؤلف حرية في اختيار الموضوعات المتباينة الأزمنة والأمكنة، كما أن التمثيل الجديد الذي أنشأه المسرح الحديث، بأن يأخذ الممثل الواحد أدوارا مختلفة أعطى للتأليف حرية اختيار الأحداث المتباعدة.. فالواقعية الاجتماعية لا تتصورها خارج إطار الثورة في التقنية الفنية بل هي ملازمة لها، ونشوءها يأتي بالضرورة من أن الواقع الاجتماعي ونتيجة لتراكم حالاته فرض نوعا من الفهم الجدلي للعلاقات المتغيرة والمتجددة بين مفاصله. ولذلك انفتحت المسرحية العراقية الجديدة على آفاق متطورة مكنتها من إبدال بعض أسمال ثوبها القديم بأثواب أكثر حرية. كتب محي الدين زنكنه " السؤال" مستفيدا من حكاية من ألف ليلة وليلة ولكن السؤال بشكلها التاريخي والشعبي كانت معاصره ودالة على الحاضر ومؤجلة له .

" السؤال" ترتبط بفكرة محورية-هي أن الإنسان عبر نضاله قد يبتعد في الزمان والمكان عن العصر الحاضر ولكنه خلال الرؤية النقية يستطيع أن يعبر هذا الزمان أو ذاك آخر"(32).

إذن فاستلهام التراث التراث، هو جزء من الفهم الواقعي الاجتماعي للفن، وإذ يواصل قاسم محمد وعادل كاظم هذا الطريق الذي توسع أخيرا فشل اللغة والفلسفة، نجد أنفسنا حقيقة واضحة وهي الواقعية الاجتماعية في مسرحنا وفي نقدنا كانت تعبيرا حقيقيا عن مشكلة الحرية . الحرية في المجتمع، والحرية في التعبير الفني فمسرحية النخلة والجيران مثلا لقيت نقدا مبنيا بعضه عدها فتحا جديدا وبعضه عاملها كما لو عامل المسرحية المتماسكة البناء، يقول الدكتور جميل نصيف " كم كنت أتمنى لو أن قاسم محمد لم ينجذب وراء الأجواء الشعبية التي سحرته في مثل هذا العدد الكبير والصور المختلفة"(33). ويقول سامي عبد الحميد عن العرض نفسه " تصور المسرحية فترة عاشتها طبقات الشعب المسحوقة، وقد كان الصدق في التعبير والحذف في الاختيار والرصانة في التركيب، والقوة في تصوير الشخصيات.. فبدت عراقية لها صفاتها المميزة"(34). ويقول عنها ثامر مهدي " لقد تمتعت المسرحية بطريقة مضاربة مشوشة تقوم على البدء من فعل معين ثم البدء في نقل آخر"(35)، بينما تقول الدكتورة سلوى زكو عناه في حوار مع مخرجها.." أن المردود الذي نحاول إبرازه في عملنا المسرحي الجديد هو البحث عن البديل"(36)، وتقول عنها الدكتورة سعاد محمد خضر".. لقد أراد قاسم محمد لبعض شخصيات المسرحية أن تتعمق جوانبها السلبية ساحبا بذلك ظلال السلبية هذه لتعبر عن حالة الشلل والقلق والترقيب"(37).

    وعن الخرابة، مسرحية يوسف العاني يكتب ثامر مهدي فيقول" فالعاني هنا مثل أي كاتب جريء يتحدى التصنيف، فيمكن القول أن التعبيرية والواقعية الجديدة يمتزجان في عمله"(38). وعنهما يكتب محمد مبارك قائلا" .. فإذا بك تنتقل بين الماضي والحاضر، وتجوز المدينة إلى الريف، والقصر إلى الخرابة ، وبدو المحكمة إلى المسرح أو ساحة القتال. بيد أنك في هذا التنقل وذاك الجواز، إنما تزداد وعيا بالحديث وتأمل رؤيا"(39)، أما يوسف عبد المسيح ثروت فيقول عنها" استعان الكاتب فيها ببرشت وطريقته الملحمية وبقياس وأسلوبه الوثائقي، وقد استطاع العاني أن يوفق بين الطريقتين فضلا عن إخفاء نكهته الخاصة أليها"(40).

    يتوسع في المرحلة نفسها مفهوم الواقعية الاجتماعية في النقد يعالج مسرحيات ومفاهيم أقرب إلى الواقع منها إلى التراث.. أشجار الطاعون،  والغريب، والكاع ، وعدتها مسرحيات تحكي عن الشعب وعن معاناته. وبذلك نجد العودة إلى المواقع التي مارست الواقعية الانتقادية عليها فعلا، ولكن بطريقة أكثر ثورية وأوقع مقصدا، فالكاتب اليوم ما عاد مقتنص أشخاص بأوضاع ، وإنما مقتنص حالات بأشخاص .

   في المرحلة ذاتها زاد اهتمام المسرحيين العراقيين بالترجمة والأعداد والتعريف. وكان مسرح أمريكا اللاتينية والإنكليزي والألماني والسوفييتي من أكثر المسارح ترجمة وأعداد، أفتتح التيار نفسه قاسم محمد بثلاثية اوزفالد داركون وعمقه المسرحيون بمسرحيات برشت، وواصله بتقديم تشيخوف وغيره وعقدت ندوات وكتبت نقود، ونوقشت آراء في التجريد والتجديد، واستقر الموقف على أن هذه المسرحيات تغني توجه المسرح العراقي، ورفدت بتصور جديد يعمق مساره التجريبي الواقعي ويسند الأفكار الاجتماعية التي تبلورت فيه وساعد ذلك كله أن أخذ خريجو الدول الاشتراكية من الفنانين على عاتقهم تقديم الجديد المترجم والجديد المعمق للمسار العام. هكذا أثارت مسرحيات مثل " بونتيلا وتابعه ماتي، وهملت عربياً ، ونفوس،  وشيرين وفرهارد، وروميو وجوليت، وإلى جانبها قدمت- البيت الجديد- و- بغداد الأزل بين الجد والهزل- الينبوع- نشيد الأرض- محاكمة الرجل الذي لم يحارب- أي  بي  سي  A .B.C - عروس بالمزاد- ثورة الزنج- ..الخ فكانت مواسم 72-73، من أكثر المواسم تزاوجا بين المسرحية الواقعية الجديدة والمسرحية العالمية المغذية للتيار نفسه، وقد قدمت أما معرفة أو معدة أو مترجمة وكان الجميع يبغون تأكيد منهجيتهم الواقعية..

     أما النقود التي كتبت حول هذه المسرحيات وغيرها فكثيرة جدا، وفيها تصور فكري لمعنى وهدف هذا التوجه، قلت عن مسرحية" نفوس" التي أعدها قاسم محمد عن " البرجوازية" لغوركي" لقد حول قاسم محمد الجو الشعبي لروسيا عام 1902 إلى جو شعبي عراقي في عام 1965 فوجدنا حادثة تسجيل النفوس التي جرت في هذا العام بمثابة تسجيل" نفوس" طبقية بدأت تغرز ملامحها على الواقع العراقي". وقال عنها كامل مراد" أن المسرحية دليل على صدق وعظمة موقف الواقعية الاشتراكية من العصر ومن مشكلاته الإنسانية وتساؤلاته الفنية الملحة"(41).

    وقال عنها يوسف عبد المسيح ثروت" أن المسرحية قادرة على مواجهتنا بالمنظور الجديد للحياة منظور الانقلاب الحاسم الذي لابد أن يقتلع من الأساس كل القيم البالية التي نشبت بها"(42).

    والمحاولات تلك سارت في اتجاهات متعددة منها ما أستلهم التراث مادة وتصورا" كبغداد الأزل.." ومنها ما عالج الواقع مباشرة مثل" نشيد الأرض" ومنها ما عاد للأسطورة مثل " الطوفان" ومنها ما يحكي عن الواقع المعاصر وأحداثه مثل " عروس بالمزاد".. ومنها ما يحكي عن صراع العراقيين ضد شركات النفط الاحتكارية مثل "سيرة أس" لبنيان صالح .. وعن هذه الأخيرة يكتب علي مزاحم عباس قائلا" لقد أراد المؤلف تحويل المسرحية إلى أداة للتوعية والتحريض من خلال شكل ملائم تماما، أراد أن يقول أن مثال أس ما زالوا موجودين في كل مكان في التربية والتجارة والفن والأدب مهمتهم يبثون اليأس ويزرعون الانتهازية ويعاملون شعبنا باحتقار، ويستعدون للانقضاض، ولكن الأمل عميق وراسخ بأن الشمعة تطرد الظلمة، فأشعل الشمعة وامتدي يا حرية، عدة الشعب ضد الرجعية. هذه سيرة أي طرف من أطراف أخطبوط: أسود أبحث عن أطرافه الباقية وأفضحها يا شعبنا الطيب"(43).

     ويعود قاسم محمد ليقدم مسرحية جديدة " أنها أمريكا" أثبت فيها أن مسرح الأخبار السياسية ممكن وأن العملية الفنية تتطلب رؤية سياسية لذلك عمد قاسم إلى تجميع عدد من أخبار الصحف التي تتحدث عن أمريكا وعمل منها مونتاجا حواريا جميلا.. كان الهدف الأساس منها إدانة إنسانية لأمريكا.

    في هذه الفترة تتزاحم الأحداث في المجتمع العربي حرب1973 ، الانفتاح الوطني على الأحزاب ، تعدد الصحف، تعميق العمل الفني في وعي الناس.

          فكان حصيلة ذلك كله أن تعددت الرؤى الواقعية وتراوحت الواقعية الطبيعية العادية والمباشرة، وبين الواقعية الاشتراكية والواقعية التجريبية، وكانت كل العروض تقدم في حسابها أنها تعطي للمرحلة تصورا فنيا يتلائم والسهو الفكري والاجتماعي فيها. يكتب جليل القيسي مسرحيتين، "جيفارا عاد فافتحوا الأبواب "و " جد عنوانا لهذه التمثيلية أيها المتفرج" يتحدث في الأولى عن الأمل والحرية والثورة وفي الثانية عن حرب تشرين .. وكلتا المسرحيتين تصب في فكر واهتمامات المرحلة.

     ويمكن أجمال خصائص الواقعية الاجتماعية في النقد المسرحي بنقاط عدة منها:

1-  أن النقد توجه إلى المضمون العام، فوجده معالجا لمشكلات المجتمع وتطوره وفق منطق التغيير فالكثير من المسرحيات كانت تنشد التغيير أو تواكب التغيير عراقيا وعربيا.

2-   لم يغفل النقد الواقعي حرفيات البناء المسرحي ككل فالنص، الشكل، والديكور، والتمثيل والإنارة، والأزياء ،والجمهور أيضا.

3-   ركز النقد على البنية الجديدة للمسرحية العراقية ومنها إدخال الحكايات والأغاني  والراوي وتبادل الأدوار للممثل الواحد.والبناء المشهدي بدلا من بناء الفصول وتعدد الأزمنة بدلا من الزمن الواحد. وتعدد الأمكنة بدلا من المكان وتداخل الأفكار وتنوعها وصياغة الشكل من الأخبار والعمل والمعلومات العامة ودخول السينما كجزء من العرض المسرحي، وظهور مساحات درامية للتراث اللغوي والفكري وتحويل قاعة العرض كلها إلى جزء من البناء العام للمسرحية وجعل المشاهد يحيا في العرض حتى قبل دخوله إلى الصالة.

4-  أهتم النقد بالجمهور وبآرائه وعقدت لذلك ندوات عديدة، اشترك فيها معظم العاملين في المسرح، وصيغت قرارات مهمة، تناولت العلاقة بين الدولة والمسرح. كما اهتم النقد بمسرح الشباب وخصص له تقويمات وبحوث وأهتم النقد كذلك بما يقدم بالمحافظات من تجارب جديدة كجزء من توسيع الأحكام بالمسرح الواقعي.

5-   عالج النقاد الواقعيون العلاقة بين الحاجة إلى المسرح وتوسيع قاعدة النقد الفني، وركز اهتمامه على ما يقدم في أكاديمية الفنون ومعهد الفنون.

   وعقدت لذلك ندوات ونوقشت القواعد التي تسهم في بلورة تيار شبابي من الممثلين.

6-  أهتم النقد بماكنة العرض وعالجها كجزء من البناء الثقافي العام وبوصفها أداة تثقيف جماهيريا وليست أمكنة للعرض المؤثث وجرت لذلك استفتاءات للجمهور المتعدد وجعلت نتائج إيجابية جيدة في هذا الخصوص.

7-   عالج النقد وبوضوح العلاقة بين المسرح العراقي المحلي والمسرح العربي والمسرح العالمي، واعتبر التداخل والتواصل بين التجارب إغناء لفكر المشاهد العراقي. وأن عرضا يعالج واقعا ما في أية بقعة من العالم يعالج بالضرورة الواقع المحلي العراقي. وأن قضية التأميم مثلا ليست قضية محلية بل قضية دولية وأن حرب1973 ، حرب من أجل إعادة التوازن للكيان العربي ككل.. لذلك كان النقد ميالا اربط مصير المجتمع بمصير إنساني أشمل.

8-   ركز النقد على التجارب الشابة الجديدة وعلى طرق الأداء والمعالجات التي مما جعل من العمق جميعها تعزز مساحات واسعة للعمليات النقدية.

9-   مال النقد إلى إبراز دور البطولات الجماعية مركزا على الظاهرة ككل على الفرد النموذج معطيا للبعد الاجتماعي عمقه الفكري في صياغة رؤية جماعية للعرض لذلك كثرت المجاميع المنشدة والمجاميع المؤدية.

10-    كثرت في هذه الفترة فرق النقابات العالمية والمهنية وقدمت عروضا معظمها يصب في تيار المسرح الواقعي، وقد أهتم النقد بها بوصفها ظاهرة اجتماعية ذات هوية طبقية.    

  

      

 

الهوامش

 

1-الموسوعة الفلسفية. م روزنتال. ب .بودين. ترجمة سمير كرم منشورات دار الطليعة. مادة- الواقع .

2-م. ن.

3-    عيون المقالات.ع 1988/11 حوار مع محمود أمين العام ص34.

4-    م.ن. شعبية الأدب برتولد برشت . ترجمة ، خوري عاشور ص45.

5-    م.ن. بحث عن الواقعية والواقع . د. حسن مروة ص 29

6-  الطريق والحدود. مقالات في الأدب والمسرح والفن،منشورات وزارة الثقافة والإعلام سلسلة دراسات 118. ص. 207عام 1977 مطبعة دار الحرية.

7-    م.ن. ص. 228

8-     10 مسرحيات من يوسف العاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1 ، 1981 المقدمة بقلم الدكتور جميل نصيف.

9-    الموسوعة الفلسفية م مذكور ص 528

10-          عيون المقالات مصدر مذكور ص 44

11-          المثقف ، ملاحظات حول الواقعية الانتقادية. فلادمير دنبيرو ترجمة د. صالح جواد الطعمة. ص 7

12-          م.ن. ص 11

13-          م.  ن . ص 11

14-          / .ن. ص11

15-          م. ،. ص 16

16-          الواقعية . موسوعة المصطلح النقدي . ديمين كرانت،  ترجمة عبد الواحد لؤلؤة ص 94

17-          في سبيل الواقعية ألافريتسكي. ترجمة د. جميل نصيف ص 226 منشورات وزارة الثقافة والإعلام.

18-    الماركسية والنقد الأدبي. تيري أجلتون. ترجمة د. جابر عصفور منشورات عيون ط2 الدار البيضاء عام 1986 ص 72

19-          مجلة الفنون ، محمد كامل عارف. ليف نخلق مسرحا شعبيا ع 22 ص2 مطبعة الأمة سنة بلا

20-           مجلة المثقف . الشكل الفني والظروف الاجتماعية. د. صالح جواد الطعمة. ع 7 مايس حزيران 1959 ص2

21-          مجلة المثقف . اللغة العامية واستعمالاتها في العمل الأدبي ع 15 ك 2 شباط 1960 د. صالح جواد الطعمة.

22-          مقدمة حول الأدب المسرحي د. صلاح خالص. نشر المقال في 10 مسرحيات من يوسف العاني ص 12

23-          المسرح العراقي في عام 1967. بدري حسون فريد ص84 مطبعة السعدون 1968

24-          م. ن. 94

25-          مجلة" الفنون" ع7 س2 مايس 1957 ص 24

26-          م. ن. ص 23

27-          مجلة المثقف العربي المسرح العراقس بيت تطور الواقع وتطور المدارس الحديثة ع

28-          10 مسرحيات من يوسف العاني م مذكور ص 13

29-          الطريق والحدود مصدر مذكور ص 224

30-          10 مسرحيات مصدر مذكور ص 19

31-          الطريق والحدود مصدر مذكور ص 207

32-          من حديث القصة والمسرحية د. علي جواد الطاهر منشورات دار الشؤون الثقافية ط1، 1978 ص 400

33-          م. ن. ص 446

34-          مجلة المثقف العربي ، نحو دراسة جادة للمسرح العراقي  ع1 آذار 1971 ص 56

35-          م. ن. ص 15

36-          مجلة " ألف باء" ع 73 في 9/12م 1969. النخلة والجيران بين الكل والجزء

37-          ألف باء ع 67 في 22/ 10/ 1969 النخلة والجيران قبل رفع الستار

38-          الثقافة الجديدة ع 9 عام 1969 النخلة والجيران ص 122- 123

39-          ألف باء ع 95 في 20/ 5/ 1970 الخرابة وعودة إلى التخطي

40-          مجلة ألف باء ع 96 في 27/ 5/ 1970  مسرحية الخرابة بين الإدانة والاحتضان

41-          مجلة الأقلام ع 11 عام 1973 صورة المسرح العراقي الراهن

42-          جريدة الفكر الجديد ع 23 في 26/11/1972 نفوس شهادة الواقعية الاشتراكية ضد القهر البرجوازي

43-          مجلة ألف باء ع 147 في 3/ 9/ 1972 مسرحية نفوس من الداخل والخارج

44-          مجلة الإذاعة والتلفزيون ع 105 تموز 1974 سيرة أس مسرحية عمالية ناجحة.