تطور مفهوم الراوي في الحكاية الشعبية
ياسين النصير
تسعى هذه المحاولة إلى وضع توصيف عام للخطوط
التي سارت عليها العلاقة بين الراوي منذ إن كان مجرد فكرة في رحم القول
الشفهي ، وحتى تحولاته الأخيرة التي أصبح فيها متماهيا مع المروي له ومع
المؤلف. والطريقة التي سارت عليها خطوات الراوي منذ ذلك الزمن المجهول
وحتى اليوم ما تزال تنال من البحث والتقصي ما تجعلها طريقة في مناهج
البحث النقدي المعاصر.
وحتى لا يشط بنا البحث نوضح نقاط أساسية في هذه المعالجة:
1-
هي أننا بصدد
إنشاء ترسيمة منهجية توضح أن الراوي ما زال قائماً وإن تغيرت سبل وأشكال
ظهوره وفاعليته.
2-
هي أن الراوي
بدا خطواته الأولى منعزلا عن النص كشخصية حيادية - خارجية، ثم دخل النص
بوصفه جزءا من بنية النص.
3-
هي أن القيمة
المعرفية والجمالية التي صاحبت ظهور الراوي في النص الشفاهي والمكتوب هي
قيمة تشكيلية- لغوية، مما جعلت الدور الإجرائي الذي سلكته هذه القيمة في
إغناء النص مجسدة بشخصية محددة الملامح تغيرت تبعا لتغير أشكال وطرق
تعبير الحكاية.
4-
أن وجود حكاية
ما في أي نص تعني وجود الراوي، وكأنهما معا يشكلان فعل الحكي الذي هو جزء
من خاصية الإنسان ككائن حي .
في ضوء ذلك لا يصبح الراوي في هذه المعالجة شيئا مستقلا عن البنى
المعرفية الأخرى،كالنص والمؤلف والسياق الاجتماعي والتراث والسبل الخاصة
بسجايا الشعوب وتقاليدها ، بل هو جزء من هذا كله وقد اتخذ أشكالا تعبيرية
خاصة بكل شعب ، وكما يشير أرسطو في فن الشعر إلى أن الحكاية كامنة في
صلب كل موضوع ، بل يمكن القول أن الراوي هو أحد أهم الأطراف في تشكيل
مبدأ فعل الحكي عند الإنسان.
إن هذا الشخص الذي نشاهده هنا أمامنا أو نسمع صوته،
ممثلا كان أم مجرد راو حيادي
–خارجي
– داخلي ، هو رحلة تاريخية تمتد إلى آلاف السنين،
كان نواة في رحم النص القديم، ثم تحول إلى كائن بشري حي في النصوص
الأدبية والفنية .
ولأنه شخصية وفكرة معا فلم يستقر على تركيبة واحدة، ولا على تشكيل
معرفي واحد، فنراه عبر رحلته التاريخية وقد تغير جلده مرات عدة، وكأنه
الشيء الوحيد الذي يجب أن يبقى في النص محافظا على خصائصه القديمة، هل هو
بنية قارة من تلك البنى التي شخصها فلادمير بروب في فن الحكاية؟ .
في محاولتنا هذه نحاول ترسم خطى الراوي، منذ أن ظهر
في أول نص يمتلك حكاية وهو ملحمة كلكامش قبل أربعة آلاف سنة وحتى النصوص
الحديثة المكتوبة للمسرح أو للرواية أو للسينما.
ففي أول ظهور له كان صوت إله، كما نسمعه ولا نراه في
نص كلكامش:
هو الذي رأى كل شيء فغن بذكره يا بلادي
وهو الذي عرف جميع الأشياء وأفاد من غيرها
وهو الحكيم العارف بكل شيء.
لقد أبصر الأسوار وكشف عن الخفايا المكتومة
وجاء بأنباء ما قبل الطوفان…الخ
يخبرنا النص الاستهلالي عن قدرات كلكامش بأنه هو: الذي عرف كل شيء، وهو
الذي يمتلك الحكمة، وهو الذي لدية قدرة البصيرة، وهو الذي له إمكانية
الكشف عن الغيب والأنباء وبما سوف يحدث :
1-
صوت فيه شيء
من الالوهية التي تتحدث عما حدث في الماضي عما سوف يحدث في المستقبل
2-
لا ينطق إلا
عن الأفكار الكلية الكبيرة التي تحدد المصائر البشرية.
3-
له مسحة دينية
– طقسية، هي مؤشر على الفعل المشترك بين السماء والأرض.
4-
لديه رسالة
يريد إبلاغها للناس.
5-
هدفه محدد في
أن يجعل السامع متيقظا لسماع حكاية كلكامش الأسطورية.
6-
مادته
الروائية هي ما يحدث على الأرض، بوساطة ملك نصفه إله ونصفه الآخر بشر.
النقلة الثانية للراوي في الحكاية جاءت من داخل النصوص الدرامية
اليونانية وهي على ثلاثة أشكال
1-
الشكل الأول
تمثل في الملاحم اليونانية القديمة ،الإلياذة والأوديسة.
وكعادة الملاحم لا تبدأ إلا بالغناء، مصاحبة مع الموسيقى:
يبدأ استهلال الإلياذة هكذا: "غنِ أيتها الربة غضبة اخيلليوس بن بوبيليوس
المدمرة"
ويبدأ استهلال الأوديسة هكذا: " غن ربة الشعر عن الرجل الراحل الذي هام
يجوب الآفاق بعد أن دمّر مدينة طروادة المقدسة"
ميزات الراوي في هذه النصوص هي كما يلي:
1-
أن الراوي
بشراً ومغنياً وموسيقياً وأعمى. أي أن يكون شاعرا وأن يجيد حفظ الشعر لأن
الملاحم والأساطير كلها إما شعراً أو كلاما منغّماً.
2-
أن يجيد
الغناء والعزف الموسيقي وأن يشد السامع لما يتلو، لأن رواية الشعر لا
تقال إلا ومصاحبة للموسيقى.
3-
أن يجلس على
قارعة الطريق ليسُمع المارة حكايته
–أناشيده. ولموقع الراوي في الطريق هو بناء
هيكل شبه مسرحي من مكان يسلكه الناس جميعاً .
4-
تتمنطق لغة
النص المروي حسب قدرات الراوي باللغة الأسطورية ، وهدفه محدد برواية
حادثة قارة معينة قديمة ، الطريقة الفنية في روايتها هي المختلفة من راو
إلى آخر.
5.
في الراوي
شيء من قدرات الحكيم والعراف.
6.
يحكي عن الفعل
المشترك بين السماء والأرض.
7.
المخاطب هنا
هو الإلهة اليونانية وهي أنثى.
الشكل الثاني في الأدب اليوناني القديم بدا مع نشوء الخطابة.
واشترط أرسطو في الخطيب الذي هو الراوي جملة شروط منها:
1-
على الراوي
أن يمتلك شخصية قوية ومؤثرة وله قدرة على السيطرة الكلامية والعقلية على
المستمعين.
2-
أن تكون له
حجة قوية في ما يطرحه من رأي وأن له موضوعا يهم حياة الناس.
3-
أن يكون فصيح
اللسان واضحا ، وإذا صوت جذّاب، وقدرة في الأداء تقترب من التمثيل،
وأن يجيد التوقف في فواصل الحدث والسيطرة على محاور النص، وأن يجعل
الموضوع منساباً في أسماع السامعين.
4-
أن يكون له
موقع مرتفع بين المستمعين أو في صدر المجلس وأن يجلس عليه.
5-
يحدد أرسطو
العلاقة بين الخطيب
– الراوي والمستمعين
بقوله" أن نجعل المستمع أحسن استعداداً نحونا أو نثير حفيظته وأحيانا
لجذب انتباهه أو لصرفه"
6-
أن يبدأ بداية
مؤثرة تشد السامعين إليه.
7-
ليس شرطا أن
يكون الخطيب
–الراوي شاعراً أو موسيقيا ولكنه يستعمل
الكلام المنغم والأشعار في تأكيد غرضه ولذلك لا بد أن يكون على دراية
بالموسيقى والشعر.
8-
بما أن
موضوعات الخطب من تلك التي تتصل بحياة الناس اليومية أو من الأمور
البرهانية والقضائية تطلب من الخطيب
– الراوي أن يكون على شيء
من الحكمة والدقة في القول والاقتصاد وعدم الأفاضة، والربط بين أجزاء
الحكاية .
9-
أن ينتقل
بصوته في الأداء من درجة إلى أخرى تبعا لمواقع تسلسل الحكي والمشكلات
التي توضحها الخطبة.
10-
أن ينفعل
الخطيب وفق سياق النص عليه أن يبكي السامعين وأن يضحكهم. فالسامعون كما
يقول أرسطو للخطبة هم ليسو مستمعين مثاليين، بل هم مستمعين كما نجدهم في
الواقع.
11-
بما أن غرض
الخطبة هو إيصال رسالة ما إلى مستمعين من الذين نعرفهم، لا بد من وجود
مرسل ومرسل إليه ورسالة، وعلى الراوي أن يفهم هذا المثلث .
ونجد فن الخطبة في التراث العربي
– الإسلامي من أكثر
الفنون صلة بالدين وبحياة الناس بعد أن حرم الإسلام قول الشعر في غير
الغرض الديني، وما اعتماده النثر إلا من قبيل توسيع دائرة الخطابة ، هذا
ما وصل إلينا من تراث كبير في الخطابة اعتمده الخلفاء من بعد الرسول وما
زال معتمدا إلى اليوم في المساجد الإسلامية مثل خطبة الجمعة.
الشكل الثالث الذي وصلنا من الأدب اليوناني للراوي يتمثل هذه المرة بوعي
نقدي لموقع وأهمية الرواة في الثقافة. ذلك هو الراوي
–الناقد.
في محاورة سقراط وأيون في حدود 388 قبل الميلاد بعنوان الراوية. يؤكد
أيون أن أهل إبيداوروس يقيمون مسابقات الرواة على أنغام الموسيقى . ويلخص
ارسطو ميزاة الرواة بما يلي:
1-
أن يكونوا على
أأنق حال ليبدو مظهرهم حسناً.
2-
أن يكونوا على
اتصال دائم بطبقة من الشعراء لا سيما هموميروس.
3-
لا يستطيع
الراوي أن يكون جيدا إلا إذ كان على معرفة وثيقة بالألفاظ.
4-
الراوي هو
العراف عند ارسطو ولذلك عليه أن يجيد فن التنبؤ الذي هو عند الشاعرز
5-
أن الراوي
يمتلك روح إلهام ربانية بثته فيهم لربة الشعر " ميوس" وإن الله نفسه هو
المتكلم فيهم. وهو يحادثنا من خلالهم.
6-
الراوي مفسر
للنص الشعري، كما هو ناقد له.
7-
أن يبكي
الجمهور وأن يضحكهم.
8-
على الراوي أن
لا ينسى من الذي يتلوه، فالنص محكوم بمعنى مكتمل.
9-
أن يميز بين
عازف وآخر ، وبين قول وآخر.
10-
من كان راويا
ممتازا كان قائدا ممتازاً.
11-
للراوي مسحة
من المقدس فهو يتلو من روح الله.
في الكتب السماوية ومنها القرآن الكريم نجد الراوي وقد ظهر بأشكال عدة:
الشكل الأول: هو الله نفسه وهو يخاطب إبليس .
لنقرأ في سورة الأعراف :
" ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا
إبليس لم يكن من الساجدين."
الراوي هنا هو الإله، هو الذي يروي قصة عصيان إبليس له أولا ثم لآدم
وللبشرية ثانياً وهي رواية تتجه بخطابها لمتلقي القرآن أو المخاطب .
وفي هذه السورة نجد ثلاثة رواة هم على التوالي
الشكل الثاني: إبليس وهو يخاطب الله " كما ورد في النص القرآني"
" ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا
تجد أكثرهم شاكرين."
الشكل الثالث: آدم وهو يخاطب الله بعد أن خرج من الجنة كما ورد في النص
القرآني"
" قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونَنْ من الخاسرين"
الشكل الرابع: النبي محمد وهو يخاطب مستمعي القرآن. أي أن النبي يكون
راويا ثانيا للرواة الأوائل. وكل من يقرأ النصوص الدينية يتلبس دور
الراوي، هذه هي ميزة الرواة السماويين أصحاب الرسالات الكبيرة. .
خطاب الثلاثة الأوائل مكانه السماء والمستمعون لها هم الملائكة، بينما
خطاب محمد مكانه الأرض والمستمعون لها هم البشر.
هذه التبادلية بين السماء والأرض في موقع الراوي هي النقلة الكبيرة التي
أنزلت الراوي من السماء إلى الأرض لا حقا، ومن النصوص الدينية المقدسة
إلى النصوص الإنسانية و الأدبية.
ونلاحظ بدءاً أن كل الأنبياء رواة لكلام الله، وهذا يعني أن صفة الراوي
تتحول هنا من بنية مجهولة إلى بنية معلومة، مشخصة بنبي أو بوصي .
وإذا انتقلنا إلى الأدب العربي ، الشفاهي منه والمكتوب فقد كان
في عصور ما قبل الإسلام ، أي العصور الجاهلية والعصور الإسلامية الأولى
معتمداً على الرواة، لم يدون معظم الشعر الجاهلي ما عدا المعلقات التي
علقت على الكعبة، ولما نشطت حركة التدوين دون معظم الشعر عن طريق الرواة.
كذلك الأمر بالنسبة للحديث النبوي وكلام الحكماء والأئمة المرسلين
والفقهاء والمشرعين ، ومعهم الحكايات الشعبية والسير الشعبية والأقاصيص
ومقطعات النثر والنحو وغير ذلك. ولم يعتمد، التدوين المدروس إلا في القرن
الأول والثاني لتصبح قضية فكرية وفلسفية في القرن الثالث عندما نشطت حركة
الترجمة الفلسفية والأدبية من اليونانية .
ميزات الراوي في هذه المرحلة المعقدة من تاريخ الأدب والنص الديني على
درجة كبيرة من الأهمية، ندرج هنا بعض تلك الميزات:
1-
أن يكون
الراوي ثقة بين قومه وصادقا وأمينا وحافظا جيدا للنصوص وغير ملحن في
الكلام.
2-
أن يكون من
أصول عربية أو من أصول تتقن اللغة العربية.
3-
أن يكون بين
الرواة الآخرين.
4-
أن لا يعرف
عنه شهادة الزور والكذب والنفاق والسرقة.
5-
أن يكون
متدينا فيما يخص النص الديني، وأن يكون ثقة معتمدا فيما يخص رواية الشعر
والنثر.
6-
أن لا يتعامل
في نقل الأخبار والحكايات معاملة من يسترزق منها.
7-
أن تتفق
روايته ورواية أكثر من واحد من الرواة الآخرين فيما يرويه ويدونه.
8-
أن يكون من
سكان البادية حيث إتقان العربية ولهجاتها جيداً.
9-
الراوي في هذا
الميدان ليس إلا شخصا مثقفا ، عارفا بأصول النقل ، لا تصاحبه أية أفعال
ولا يتقدم هو بالقول ما لم يطلب منه وفق صيغة أتبعها الخلفاء في جمع
الحديث من أفواه الناس.
فيما يخص رواة الأدب لم يطلب منهم أن يكونوا على المستوى
المعرفي الذي عليه رواة الحديث. من هنا تسرب مبدأ الشك الذي أسسه
الغزالي ومن ثم أعتمده ديكارت إلى النص الأدبي وأعتمده الدكتور طه حسين
في كتابه عن " الأدب الجاهلي" الذي شكك في صحة رواية العديد من قصائد
الشعر الجاهلي ونسبه إلى الشعراء ، الأمر الذي أثار عليه حفيظة المؤسسات
الدينية والجامعية في مصر. لأن مبدأ الشك نفسه يمكن أن ينسحب على رواة
النص الديني.
وعلى جانب أخر من المعرفة في أهمية الراوي فقد ترجمت كتب كثيرة من
الأدب الهندي والفارسي وفيها رواية على لسان الحيوان والإنسان، كحكايات
"رفسان هفزانه" الذي ترجم للفارسية والذي أصبح أساسا لعدد من حكايات ألف
ليلة وليلة. من الكتب المترجمة إلى العربية حكايات أبن المقفع، وما رواه
الفيلسوف ديدبا فيها، و في الأدب العربي كتب كثيرة رويت على لسان الإنسان
والحيوان ، كرسالة الطير للسهروردي والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان
التوحيدي وفصول عدة من الأغاني لأبن قتيبة ورسالة الغفران للمعري ،
والمقامات التي اختصت ببطل شعبي من عامة الناس هو السروحي للأصفهاني
لتتحول لاحقا إلى رواية السير الشعبية كسيرة الظاهر ببريس، وعنتر بن
شداد وغيرها .
إلا هذه الكتب لا تجعل من " الراوي" بطلا شعبيا ولا راوية لملاحم عدا
السير الشعبية والحكايات، مما يعني أن فرزا منهجيا جرى في العصور
العباسية الأولى لمفهوم الراوي الذي تحول لاحقاً إلى بطل شعبي وإلى صوت
يستبطنه الأدباء والعامة كي يقولوا على لسانه ما يمكن أن يكون أدبا
معارضا للسلطان والمؤسسة الثقافية.
تعتبر ألف ليلة وليلة مصدرا للكثير من المعارف والأفكار كانت وما تزال
معينا لأعمال فنية ومسرحية وموسيقية في الغرب وفي الشرق، فيما يخص
الراوي في حكاياتها فثمة راويان لها:
الراوي الأول هو شهرزاد، التي استخدمت فن " الحكي" أسلوبا للقضاء على نزعة
شهريار الدموية، ولها بدايتان
1-
ما تبدأ به كل
ليلة بقولها: بلغني أيها الملك السعيد أن
…
2-
ما تبدأ به كل
حكاية بقولها " اعلم أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف
العصر والأوان" أو " وحكي أيها الملك السعيد أن
…" أو " ومما يحكى أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان…"
الراوي الثاني هو الراوي الشعبي الذي يروي في ليالي رمضان وبعض المناسبات
الدينية هذه الحكايات.
|