بغداد ـ القدس العربي ـ من محمد مزيد



يعد الناقد العراقي حسب الله يحيي من النقاد الأكثر جرأة في تشخيص سلبيات المسرح العراقي وإيجابياته، وتعتبر طروحاته الصحافية والنقدية في الصحافة المحلية العراقية مثيرة للجدل والمنفعة والحنق والغضب من قبل المسرحيين الذين يقرأونه بشغف ويتوقعون لكتابته أن تصب جام نقدها علي الأعمال التي يتناولها، ولما كان المسرح التجاري أحد إفرازات الحصار (المؤلمة) لدي المسرحيين الجادين، و(المفرحة) لدي الطارئين وأشباه الفانين، فقد كانت رشقات قلمه (الحاد) لا تسلم من تناول هؤلاء المسرحيين الجادين، حتي أن الكثير من الوسط الأدبي والصحافي والمسرحي كان يجد في كتابات حسب الله يحيي إثارة ومتعة بالغة لكونها تغور عميقا في التشخيص والنقد الذي يصل أحيانا إلي مستويات قاسية.
صدر هذه الأيام للناقد يحيي مؤخرا كتاب نقدي يحمل عنوان المسرح العراقي.. قضايا ومواقف كان هو الأكثر إثارة أيضا في أحاديث وكتابات المتابعين، تضمن أربعة عشر فصلا من بينها، المسرح إبداعيا، الفكر في المسرح، الجيد والرديء في العرض المسرحي، تكنولوجيا دراسة الفن المسرحي، في الدرس المسرحي العراقي.. وغيرها.
لابد من الإشارة بدءا الي ان أسلوب الناقد حسب الله يحيي غالبا ما يعتمد الانطباعي في التشخيص والإشارة والمعالجة، وهذا الأسلوب كما هو معروف ينأي عن إيجاد آليات تقررها النظريات النقدية المعاصرة، ويفتقر إلي وحدات دلالية - استغوارية تكشف وتساعد في قراءة العمل بما يحمل من قيم لا تتقيد بالمفهوم الانطباعي الذي غالبا ما يعمل اشتغاله بعيدا عن مزاجية المتلقي، إذ أن البناء الدرامي، ضمن الصورة الكلية للعرض المسرحي، يخضع إلي دلالات متداخلة، لا تكشف عنها، الإجرائية المزاجية التي اعتاد كتابها علي تحديد لغتها ما بين الأسود والأبيض، بينما القراءة الدلالية الشاملة تفصح عن استرقاق مكثف لقوس قزح العرض المسرحي برمته.
ولكن بالرغم من ذلك فقد ساهمت كتابات يحيي في العثور علي اخفاقات مسرحية سواء في بنية العرض أو في النص أو في الرؤي الإخراجية، وكانت لمتابعاته المنتظمة، لعروض المسرح التجاري والجاد، في آن معا، أهمية بالغة ساعدت في توجيه الوسط الأدبي والصحافي نحو الاتجاه الذي غالبا ما يشير إليه حسب، لذلك عدت كتاباته، وان شابها نوع من القسوة والجرأة، مؤشرا لهبوط أو نجاح العرض المسرحي.
من هنا اجدني مستعــــرضا لمقولات خاض فيها الناقد قد لا أري من ناحيتي مبررا سياقيا إلي الخوض في التعــــليق عليها بسـبب ما تحمل من أفكار تفصح عن نفسها بسهولة، مركزا بالطبع علي الكثير مما يمكن تسميته بالتقويل المباشر في كتابته ! ففي فصل أمراض المسرح العراقي (لاحظ كلمة أمراض) يتناول الناقد بشيء من الجرأة ما يعده أمراضا، ومن هذه الأمراض كما يراها في قوله.. عملية مسخ الأعمال المسرحية العربية والعالمية بدعوي توظيفها للظروف السياسية والاجتماعية للقطر دون احترام للمؤلف ولإبداعه كما حدث في معظم أعمال بريشت وشكسبير وسترندبرج وغيرهم وتقاضي أجور عن عملية التشويه والمسخ هذه .. وقوله غياب حرية الفنان المسرحي ضمن حالة الاجتهاد فغالبا ما يكون فرديا وقد حجبت العديد من النصوص المسرحية بسبب عدم اتفاق أفكارها مع أفكار فاحص النص أو اختلافه الشخصي معه، وهناك نصوص تحجب في جهة وتعرض في جهة اخري فيما تكون النصوص متداولة للقراءة .. وقوله عدم وجود موسم مسرحي ثابت ولا وجود لخطة سنوية للعروض المسرحية التي تعرضها الفرق المسرحية الرسمية والشعبية فغالبا ما تعلن الفرقة القومية للتمثيل عن عروض مسرحية ستقوم بعرضها بتاريخ محدد تلغي فيما بعد ما أعلنته كما حدث في مسرحيات نديمكم هذا المساء و دائرة الفحم البغدادية و الشرارة .. وقوله لا يوجد موقع جاد يمكن للفرق الشعبية أن تشغله، فقد توقفت فرقة المسرح الفني الحديث عن إنتاج أعمالها بعد أن قدمت عملا مسرحيا زينة النساء قبل أعوام ، وبات نشاطها اقرب إلي الكتمان منه إلي العلانية وتوقفت فرق المسرح الريفي ومسرح الشباب والمسرح الحر والمسرح الطلابي عن تقديم الأعمال المسرحية منذ زمن بعيد إضافة إلي تكرار - والقول دائما لحسب الله - الوجوه في معظم المسرحية والسينمائية والتلفزيونـية وحتي الإذاعية مما جعل الجمهور يملها ويبتعد عن متابعتــها وهذا الاتجاه متعلق بالسلوك والتعامل الشخصي بين المخرج والممثلين وتبادل المنافع المشتركة دون المحاولة لاكتشـــاف المواهب الجديدة التي تبرز بين طلبة كلية ومعهد الفنون الجميلة، واختفاء ظاهــــرة مسرح الشارع والمقهي والتي كان الدكتور سعدي يونس من ابرز رواده. وتوقفت مديرية المسارح عن تقديم المحاضرات المتخصصة بالفن المسرحي التي اعتمدتها منذ أعـــوام إضافة إلي ذلك كان هناك اكثر من عشـرين فقرة ألقي الضوء عليها حسب الله يحيي.
إن هذا التشخيص لما يمر به المسرح العراقي راهنا، يساعد علي بلورة نوع من التكوين لفضاء الثقافة المسرحية التي خصبها الجو العام الذي يعيشه أبناء هذا البلد منذ الحرب العراقية الايرانية مرورا بحرب الخليج الثانية وسنوات الحصار وتداعياته التي مازالت آثارها شاخصة إلي يومنا هذا، إذ يشير المؤلف إلي إن بعد الانحسار الواضح الذي واجه المسرح الكوميدي التجاري في الأشهر التي تلت إعلان الاتفاق علي إيقاف الحرب بين العراق وإيران وما صاحب هذا المسرح من مواقف نبيلة كشفت عنها الصحافة والنقد في فضح الأساليب والممارسات غير السليمة للمسرح التجاري كف عدد كبير من الجمهور الذي كان يتابع تلك العروض عن مشاهدتها وتوقفت عدة مسرحيات بعد أن أخفقت تجاريا وتعذر إنتاج مسرحيات اخري بعد أن وعي الجمهور اللعبة التي خدع بها من جراء تلك المسرحيات النكدة والفقيرة والفارغة من المحتوي، وكان يؤمل أن يأخذ المسرح العراقي الحقيقي الحيز الذي يستحق اشغاله باعتبار أن المسرح أداة تربوية وأخلاقية وفكرية وكــــونه مؤسسة تسهم في إغناء ذاكـــــرة وحواس الناس الذين تخاطبــهم وان يعود إلي ميدان عمله الثقافي الذي غاب عن حضوره عدة سنوات، تسنم فيها المسرح التجاري الكوميدي زمام الأمور وكان لابد من العودة إلي المعدن الجيد لكي يطرد المعدن الرديء، إذ أن منبرين أساسيين في العراق اندفعا معا وتوجها بتقديم عرضين مسرحيين يسيئان إلي واقع الحركة المسرحية التي ننشد رقيها وبعث الحياة فيها بعد أمد طويل من الصمت.
وفيما يخص موضوعة الحرب نجد الناقد المؤلف يفرد فصلا مهما يتناول فيه تاريخية مسرح الحرب في العالم والعرب ومسلطا الضوء الكاشف علي المسرح العراقي وكيف تناول قضية الحرب إذ يقول فيه إن منظور البطولة علي خشبة المسرح منظور يتعلق بمجمل العمل ورسمه علي خارطة الأحداث فقد يكون متألقا قياديا بين الجماعة كما في مسرحية الرأس التي أعدها الدكتور مالك المطلبي عن مسرحية بابلو نيرودا تألق جواكان موريتا ومصرعه إخراج محسن العزاوي واعاد إخراجها طارق هاشم وقدمها في معهد الفنون الجميلة بعنوان سعيد محاد ومصرعه الشخصية المحورية هنا شخصية تحقق الشهادة والتضحية وتمد جسرا لعبور الآخرين وبطولتها جزء من بطولة جماعية. ويشير الناقد في ختام بحثه حول مسرح الحرب إلي إن مما يعاب دائما علي هذا المسرح كونه يقع في المباشرة والتسطيح، السخرية في التعامل مع القوي الضد، غياب المناقشة الهادئة، المبالغة في الحركة، وإقحام اكثر من شكل مسرحي واكثر من فن إلي العمل المسرحي الواحد.
وفي فصل وحدة المصير العربي في المسرح الحربي يشير إلي إن المسرح العراقي شغل لسنوات طويلة بالنضال الذي تخوضه الأقطار العربية ضد التجزئة والتخلف والاستعمار والصهيونية، ووقف إلي جانب الشعب الجزائري وقد وجه نضاله الباسل ضد المستعمرين وخاض تجارب مماثلة مع الشعب العربي في مصر ضد العدوان الثلاثي واكد بسالة مدن عربية كبور سعيد ودمشق وكل مدن فلسطين المحتلة وغيرها في مواجهة أعداء الأمة العربية وتأكيده علي وحدتها في مواجهة المستعمرين والصهاينة ومعايشة الواقع العربي ضمن فهم قومي أنساني شامل ورفض المساومة مع أية قوة أجنبية واعتماد الكفاح المسلح طريقا للوصول إلي تحقــيق ارادة الشعب ورفض منطق السلطات الفوقية واعتماد الجــــماهير قاعدة اساسية في النصر ومن ابرز هذه الأعمال تقف مسرحية سعد الله ونوس حفلة سمـــــر من اجل 5 حزيران إخراج جاسم العبودي لتكـــشف هذه المسرحية عـــــــن القوي المتخاذلة وردة الفعل الحاسمة والثورية القائمة علي فعل عربي مسلح لمواجهة الصهيونية، ومسرحية ايها المشـاهد جد عنوانا لهذه المسرحية لجليل القيسي مؤلفا وسامي عبد الحــــميد مخرجا تقديم فرقة المــــسرح الفني الحديث لتعالج ذات الحــــدث الذي جاء في مسرحيات تناولت القضية الفلسطينية، وتتــــناول مسرحية الشــــياح لإسمــــــاعيل فهد إسماعيل إخراج د. فاضـــل خليل واقع الحرب في لبنان من خــــلال منطقة الشياح وتستـعرض مسرحية كفر قاسم لجان الكسان إخراج مقـــــداد مسلم وقائع الحرب التي شنها الكيان الصــــهيوني ضد سكان كفر قاسم الفلسطينية مساء 29 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1956 وذلك بإصدار أمر مفاجئ يمنع التجول وضرب السكان العائدين من إعمالهم بالرصاص مؤكدين علي الوجه الصهيوني التدميري في تصفية الوجود العربي داخل فلسطين