|

نجوم
المسرح في العراق ..ممثلون...
أم مهرجون؟!
عبدالخالق كيطان
لابد من الإقرار، سلفاً، بأن ما أصطلح عليه بـ «المسرح التجاري»، والذي
نفضّل تسميته بـ «المسرح الاستهلاكي»، قد عمّر طويلاً في جسد المسرح
العراقي، ولذا يصبح لزاماً على الناقد والمتابع أن يخضع هذا المسرح الى
الفحص المنهجي الجاد وصولاً الى محاولة نمذجة هذا النوع المسرحي الذي
يجيء، في أغلب الأحيان، هجيناً من تفرّعات فن الكوميديا «الفارْس،
الفودفيل، مسرح الملهى، الستربتيز... الخ». إنّ مساهمة من هذا النوع الذي
نحن بصدده سترفع الحيف النقدي الواقع على هذا النموذج،
وفي المقابل فأنها توفّر إطاراً نظرياً ربما يصل بالظاهرة الى محاولة
النمذجة التي أشرنا اليها قبل قليل، فهدف هذه الدراسة المساهمة لن يكون
التنكيل بالمسرح الاستهلاكي كما هو شائع، بل في محاولة ردم الهوّة بينه
وبين جمهور متشدد لا يقبل بالفج والسطحي في العرض المسرحي.
لقد تبنت العروض الاستهلاكية مجموعة مختلفة من المقولات لعلّ أهمها
اليافطة التي دائماً ما نصادفها تحت أيّ عنوان لأي مسرحية استهلاكية، تلك
اليافطة التي تقول: «المسرحية الشعبية الكوميدية الغنائية الاستعراضية»
ثم الجملة التقديمية الآتية: «بمشاركة نجوم الكوميديا «فلان» و«فلانة»...
الخ»، وفي الحقيقة، فإن أغلب هذه العروض تتخلى بالدليل العلمي القاطع عن
اليافطة الأولى بعد مرور أقل من خمس دقائق على بدء العرض ونبقى في حيرة
حقيقية ازاء الجملة التقديمية المشار اليها أعلاه.. فمن هم نجوم
الكوميديا في العراق؟ هل هم ممثلون حقاً أو أنهم مجرد مهرجين؟!.
إنّ هذا السؤال المقسوم بـ (أو) قد وجد له صدى حقيقياً عند طرفي
المعادلة: (الممثل ـ الجمهور). فالممثلون المعنيون اعتبروا انفسهم
ممثلين!، واعتبرهم جمهورهم مجرد مهرجين!! مع ملاحظة اننا نتحدث هنا عن
النسب العالية. وبالرجوع الى التواريخ والأرشيف الشخصي لكل واحد من هؤلاء
يتبين لنا إنّ اكثر من نصف العدد الكلّي لهؤلاء (النجوم) هم من خريجي
المعاهد والكليات الفنية!!،
اما المتبقون فقد جاءوا الى خشبة المسرح عن طريق مواهبهم التي إما
اكتشفوها بأنفسهم او ساعدهم في اكتشافها مخرج ما، ولكن، هل يعقل أنّ
ممثلاً درس فن التمثيل لسنوات طويلة يرتضي لنفسه ان يصبح مهرجاً على مسرح
وأمام جمهور؟!،
انه سؤال محيّر، بعضهم يفك هذه الحيرة بمجرد ذكره للمال والعوز المادي
والحياة الصعبة، وتلك كارثة اكبر.. وفي هذا الاتجاه هل سيكون الممثلون
الموهوبون من غير التحصيل الدراسي الأكاديمي قد برأوا من تهمة التهريج؟!،
كلا طبعاً، فالموضوع معهم لا يقلّ أهمية باعتبارهم الان ممثلين، والممثل
فن وعلم لا مجرد موهبة يتيمة، وإذا كان «الممثل» الأكاديمي على المسرح
مسفّاً في بعض الأحوال، فإنّ اسفافه يظلّ أقلّ خطورة من إسفاف «الممثل»
غير الأكاديمي، والذي غالباً ما يلجأ الى البذاءة من اجل اضحاك جمهوره.
لنطلق الان سؤالاً جديداً: كيف يصبح التمثيل تهريجاً؟
إن
الأمر المفروغ منه في هذا الموضوع هو أنّ نسبة ليست قليلة من النجوم
الجدد قد مارست على خشبات مسارح العاصمة بغداد أنواع التهريج ليعيدوا
بذلك الأمجاد الغابرة لذائع الصيت المرحوم جعفر لقلق زادة في فواصله
المعروفة في الملاهي البغدادية في النصف الاول من القرن الماضي على الرغم
من انكارهم لهذا السلف! وأصبح مصطلحاً مثل (التهريج) سائداً في أغلب ما
كتب عن العروض التي شارك فيها هؤلاء، ذلك أنهم عمدوا في أدائهم التمثيلي
على الاعتماد على أبرز (مواقف) المهرّج المعروف،
وهدفهم في ذلك اضحاك الجمهور عليهم، لا من المواقف المركبة، بل ساعدتهم
طبعاً جملة ظروف خارجية منها الوضع النفسي المأزوم للمشاهد العراقي وما
يعرضه التلفزيون العراقي من مسرحيات رخيصة يشارك فيها نجوم معروفون
بمهاراتهم المعتمدة على (مواقف) المهرّج إياها ومن أجل اضحاك الجمهور
عليهم أيضاً بالاضافة الى انحسار أهل المسرح الملتزم لأسباب وتحت ذرائع
مختلفة.
يجدر بنا القول هنا انّ مشاهداتنا لـ (نجوم الكوميديا العراقية) المتكررة
تولّد انطباعاً مهماً يصب في صالحهم دائماً هو أنهم يملكون الكثير من
مقومات فن الممثل إلاّ انّ المشكلة تقع دائماً في كيفية استغلال هذه
المقومات! والسؤال الذي يتفرع عن هذا الموضوع يتعلق بمخرجي مسرحيات هؤلاء
(النجوم)... هل استطاعوا فعلاً ان يقوموا بعملية (صناعة نجم) متطورة
حضارياً؟. لقد قدم الفنان محسن العلي للمسرح العراقي مجموعة غير قليلة من
الممثلين الذين اصبح حضور أيّ منهم في أيّ مسرحية يعدّ بحدّ ذاته عاملاً
لجذب الجمهور، وهكذا الأمر مع الفنانين محسن العزاوي وقاسم وعلي السراج
وفتحي زين العابدين. ولكن، واذا كان النجاح الفني للممثل الفلاني في
المسرحية الفلانية يمثل جوازاً لمشاركات جديدة فإنّ ذلك لا يعني على
الإطلاق نجاح الممثل ذاته في مسرحية أخرى.
وهذا الأمر ينسحب على الكثير من (نجوم) الكوميديا العراقية، ان نجاح
الممثل حافظ لعيبي في مسرحية (ليل وطرب) وحيدر منعثر في (ملك زمانه)
ونجاح ماجد ياسين في (حفلة لسيد محترم) وعلي جابر في المسرحية ذاتها،
يضع، هذا النجاح، الممثل ذاته في اشكال خطير في أعماله القادمة، وهذا
الاشكال هو: هل سيستطيع هذا الممثل ان يخرج من (الشخصية) التي نجح فيها
وعرف بها فيقدم شخصية اخرى ناجحة وتضيف الى رصيده الفني فعلاً؟!.
انه سؤال محيّر وإشكالي
فعلاً، ذلك أنّ الكثير من هؤلاء (النجوم) قد بدأوا فعلاً باللعب على
أدوار سابقة نجحوا فيها فأخفقوا في أدوارهم اللاحقة بشكل لافت للنظر.
ويتدخل عامل خارجي جديد في (صناعة النجم) وهو عامل السلوك الشخصي للممثل
سواء أكان على الخشبة او بين الناس وفي أماكنهم الخاصة والعامة، وهنا
نلاحظ ان الكثير جداً من نجوم المسرح الكوميدي العراقي لم يتعلموا جيداً
كيف يصنعون نجوميتهم ويحافظون عليها ان وجدت، وهكذا، فسرعان ما يخبو بريق
هذا (النجم) ليولد نجم آخر، وبالطبع تظل ايرادات شباك تذاكر المسرحية هي
الفاصل والمعيار دائماً في قياس (نجومية) الممثل الكوميدي.

|