|

القاص والكاتب المسرحي والروائي شاكر خصباك:
أدبي هو الشاهد الوحيد
على اضطهاد الشيوعيين والوطنيين!
أجرى الحوار:
كريم جثير
القاص والكاتب المسرحي
والروائي المعروف شاكر خصباك.. اسم له أهميته الكبيرة في تاريخ وتطور
القصة العراقية، فهو من الجيل الثالث لرواد القصة بعد (محمود أحمد
السيد)، جعفر الخليلي، عبد المجيد لطفي، شالوم درويش وذو النون أيوب..
وشاكر خصباك بدأ كتابة القصة مبكراً، فمجموعته القصصية الأولى «صراع»
صدرت عام 1948م وقد كتب القصة قبل ذلك التاريخ بعدة سنوات أيام كان
طالباً في المتوسطة، واستُقبلت مجموعته الأولى تلك باحتفاء كبير من قبل
النقاد والأدباء وقتها. يقول (علي جواد الطاهر) في معرض حديثه عن هذه
المجموعة «أنت تلمح الروح القصصي جلياً في كل مكان، وأنك أمام قصاص في
كل ما تقرأ، إنك أمام قصص
لها طابعها الفني لا
حكايات على السلاطين وكيفما اتفق، بل إنك تؤمن أنك أمام قصاص منذ الجملة
الأولى لأية قصة». كما كتب المرحوم (غائب طعمة فرمان) في مجلة «الرسالة»
المصرية عدد 870 في 6 مارس 1950 «نراه لا يحفل بالحوادث والمفاجآت بل
يخلق من الحوادث الصغيرة عملاً فنياً بإطار من التحليل النفسي ويخلق الجو
المشوّق الذي يدفعك إلى الاعتراف بأن للكاتب موهبة فنية ووعياً في جميع
الأمور وأغلب أقاصيص شاكر حافل بهذا النوع من التحليل النفسي».
وشاكر خصباك، وكما قال
أيضاً (عبد الله نيازي) عام 1951 في جريدة «الوميض» البغدادية، «فنان
مطبوع يعرف كيف يستحوذ على النفوس ويسيطر على العقول، لقد شعرت وأنا أقرأ
قصصه أنني عثرت على صديق يعتز به. وعبثاً حاولتُ فيما بعد أن أبعد عن
فكري صورة من صوره العديدة الرائعة».. ثم أعقب شاكر خصباك مجموعته ـ صراع
ـ بمجموعته القصصية الثانية «عهد جديد» عام 1951، ثم الثالثة «حياة
قاسية» عام 1959، بعدها بدأ الكتابة للمسرح حيث ظهرت له مسرحية «بيت
الزوجية» عام 1962 ومسرحية «الغرباء» عام 1965، بعدها أصدر روايته المهمة
والمعروفة «الحقد الأسود» عام 1965 والتي أعيد طبعها تحت عنوان «السؤال»
التي تتحدث عن إحداث شباط 1963. ثم مسرحية «الشيء» عام 1966 تلك المسرحية
التي تناولتها الدراسات الأدبية والمسرحية والتي تتحدث عن الفترة ذاتها.
ومن المفيد أن نذكر هنا ما قاله عبد المجيد لطفي عن هذه المسرحية..
«إن هذه
المسرحية عمل وثائقي كبير لا يلهم به إلا رجل حساس نبيل إلى جانب كونه
أديباً وفناناً. فلقد ظننت قبل أن أقرأ مسرحية «الشيء» أننا لم نخرج ولو
بكسب جزئي للأدب من خلال تلك المعارك الوطنية ومن هذه الردة المأساة.
إنني أقول جاداً وغير مجامل إن مسرحية «الشيء» إدانة صارخة ليس لليوم ولا
لغد قريب وإنما إدانة تلقي البرابرة وحملة الأحقاد أجيالاً. فلقد ضمّت
المسرحية أكثر الوجوه الوطنية نبلاً وبراءة وأثقف من في البلد من عقول
ومواهب وبسالة. ولا أعتقد إلى هذه اللحظة أن كاتباً كتب شيئاً من وحي
وآلام تلك المرحلة السوداء ما يوازي دقة وحرارة وجمال مسرحية «الشيء»..
الشيء الذي كان يأكل كل شيء.. بما في ذلك الأعراض والمواهب وجهد التعب..
وإنني لأشعر الآن ـ تجاه هذا الكتاب ـ بالخجل لأنني لم أكتب شيئاً بهذا
العمق والحرارة.. ربما بسبب أنني لم أمر مروراً عميقاً أو شخصياً بتلك
المأساة الوطنية والأخلاقية ولم يكن لي شرف الاعتقال في تلك الهجمة
البربرية..».
وبعد «الشيء»
صدرت له روايته الرائعة «حكايات من بلدتنا» عام 1967 و«القضية
والمخذولون» مسرحيتان عام 1992، ومسرحية «الدكتاتور» عام 1995، ورواية «هيله»
عام 1996، «كتابات نقدية» عام 1995، وكتابه «ذكريات أدبية» عام 1996، وهو
كتاب سيرة وضع بأسلوب مشوّق ويحمل بين ثناياه رؤية نقدية متميزة وبغاية
الأهمية، فلم يكتفِ خصباك بسرد سيرته الأدبية فقط إنما أرّخ ومن خلال هذه
السيرة لمرحلة مهمة من مراحل الأدب العربي خاصة تلك الفترة التي كان فيها
خصباك في مصر وقد ربطته علاقات وثيقة مع أهم أدبائها مثل محمود تيمور،
نجيب محفوظ، عبد الحميد جودة السحار، نعمان عاشور، أحمد عباس صالح، يوسف
الشاروني، والكاتب اليمني علي أحمد باكثير وغيرهم.. وشاكر خصباك مازال
يواصل الكتابة وقد صدر له في السنوات الأخيرة عدد كبير من الأعمال آخرها
روايته «أوراق رئيس» عام 2000.
وقد أمدّ الله
في عمره حتى الآن وكاد يفقد حياته في أحداث عام 1963، يوم تم اعتقاله هو
والمخزومي وخالد الجادر وعودة شاطي وعدد آخر وفي سيارة واحدة، ويذكر هذه
الحادثة في مقاله (ذكريات عن مهدي المخزومي) المنشور في (الثقافة
الجديدة) العدد 289 تموز/ آب 1999 حيث يقول: «في طريقنا إلى مديرية الأمن
العامة كدنا نفقد حياتنا، فما أن اجتازت سيارتنا جسر الشهداء حتى أوقفتها
ثلة من الضباط، وتساءلوا من نكون؟ فأجابهم المسؤول عن السيارة أننا
شيوعيون ـ وكان بصحبتنا في السيارة عدد من الحرس القومي، فطلبوا من رئيس
حرسنا أن ينزلنا من السيارة لينفذوا فينا حكم الإعدام طبقاً للبيان رقم
13. لكنه أجابهم بحزم أن لديه أمر بتسليمنا إلى مديرية الأمن العامة
وأننا أمانة بين يديه.. واشتد الجدل بينه وبين الضباط وشهر كل منهم سلاحه
في وجه الآخر ونحن نتفرج على الجدل وكأن الأمر لا يعنينا! وأخيراً تراجع
الضباط وسمحوا لسيارتنا بمواصلة طريقها، وهكذا أنقذنا من الموت
بأعجوبة..».
واحتفاءً
بكتابنا المبدع الكبير المخضرم شاكر خصباك، الذي يقيم، ومنذ أكثر من عشر
سنوات، في اليمن، كان معه هذا الحوار:
● الدكتور شاكر خصباك،
قبل «صراع» مجموعتك القصصية الأولى.. كانت البدايات ومحاولاتك الأولى
لنشر قصصك في الصحف والمجلات.. تلك البدايات التي ارتبطت بأسماء مهمة رعت
موهبتك، فهل لك أن تحدثنا عن هذه البدايات؟
□ بدأت بنشر قصصي منذ عام 1945 وكنت ماأزال تلميذاً في المتوسطة واتسع نطاق
النشر حينما انتقلت إلى «الثانوية» وأنا أدين بالشكر لمجلة «الهاتف»
النجفية التي كان يصدرها المرحوم جعفر الخليلي، وهو نفسه كاتب قصة، لذلك
كانت المجلة تهتم اهتماماً خاصاً بالقصة. وقد نشرت قصصي الأولى على
صفحاتها. وفي تلك المرحلة لقيت رعاية كريمة وبالغة من المرحوم الدكتور
علي جواد الطاهر الذي كان قد عيّن مدرساً للغة العربية في إحدى مدارس
الحلة الثانوية، وكلانا من أبناء الحلة أباً عن جدّ. وكان متأثراً تأثراً
شديداً بخالي أستاذه في دار المعلمين العالية الدكتور محمد مهدي البصير،
ولعل ذلك كان دافعه للاهتمام بأدبي في البداية، واستمر اهتمامه هذا إلى
النهاية. كذلك لقيت رعاية واهتماماً في بداياتي من الأديب المرحوم عبد
المجيد لطفي وكان من قصاصي تلك المرحلة المرموقين، وقد توثقت صلتنا فيما
بعد وهو الذي كتب مقدمة كتابي «صراع».. ولا أنسى أيضاً تشجيع الأديب
المصري الكبير محمود تيمور رائد القصة العربية والذي تأثرتُ بقصصه بدرجة
عظيمة في تلك المرحلة من حياتي الأدبية حتى أنني أهديت إليه باكورة
إنتاجي الأدبي وهي مجموعة «صراع». وهناك كتاب آخرون تأثرت بهم في تلك
المرحلة من أدباء الغرب وعلى رأسهم القصصي الفرنسي جي دي موباسان.
● مجموعتك القصصية
الأولى (صراع) الصادرة في عام 1948 في مصر أثارت ضجة في الأوساط الأدبية
وقتها. وكتب عنها المرحوم غائب طعمة فرمان مقالاً ذكر فيه بأن (صراع)
«نصر جديد للقصة العراقية»، كما كان غائب من أشد المدافعين عن هذه
المجموعة عندما هاجمها فؤاد الونداوي وهو الوحيد الذي هاجمها. فما أهمية
(صراع) بالنسبة لك وما موقعها بالنسبة للقصة العراقية؟
□ أولاً، لم يكن الأمر بالنسبة لـ(صراع) كما صورته،
فكل ما في الأمر أنها استقبلت من قبل النقاد استقبالاً طيباً. وما أبداه
المرحوم غائب من حماسة لها، وكذلك ما أبداه المرحوم الدكتور علي جواد
الطاهر من حماسة أشد لها، وكذلك المرحوم عبد المجيد لطفي، ربما كان وراء
تلك الحماسة عاطفة الصداقة أو التشجيع. فلا تنس أن عمري حين صدورها لم
يكن يتجاوز الثامنة عشرة، وكنت قد كتبت قصصها ما بين السادسة عشرة
والثامنة عشرة من عمري، ولا شك أنها كانت تمثل في حينها خطوة متقدمة
بالنسبة للقصة العراقية. وكانت تختلف عن النمط الذي كان يكتبه قصاصو
مرحلة الأربعينات من أمثال جعفر الخليلي وعبد المجيد لطفي وذو النون
أيوب. ولم يكن قد صدر من مجموعات قصصية تخرج على هذا النمط سوى مجموعة
قصصية لعبد الملك نوري بعنوان (رسل الإنسانية) ولم تمثل شيئاً جديداً،
ومن هنا جاءت أهمية مجموعة (صراع). فإذن كانت هي بنت وقتها فحسب، هذا كل
ما في الأمر.
● في أي جيل قصصي نضع شاكر خصباك؟
□ أنا لا أؤمن بفكر الأجيال، أنا أومن بالتواصل. وإذا كنت منذ بدأت كتابة
القصة أؤمن بروح التجديد، ومجموعة (صراع) تحمل فعلاً تجديداً واضحاً في
أساليبها عما كان مألوفاً في القصة العراقية يومذاك، فأنا ماأزال حتى
اليوم أؤمن بالتجديد، ولم أتنكر له يوماً، ولكن ليس نوع التجديد الذي
يفهمه البعض على أنه الخروج على المألوف، حتى ولو بلغ حدّ الإيهام،
وأعتقد أن آخر رواية صدرت لي عام 2000 وهي رواية (أوراق رئيس) وقبلها
(موت نذير العدل) و(الخاطئة) هي مصداق لقولي هذا، ولن تجد أية رواية من
رواياتي مكتوبة بنفس الأسلوب، ولذلك فإنني أرفض أن أصنّف ضمن جيل معين من
كتاب الأدب القصصي في العراق.
● وما هي أهم رواية كتبتها، أو تجدها الأقرب إلى نفسك؟
□ لا أفضّل رواية على أخرى، فكلهم أبنائي (ولنستعير هذه العبارة من الكاتب
المسرحي آرثر ميلر)، والأب لا يفرّق في حبه بين أبنائه.
● يطلق عليك الكاتب
القصصي والروائي المخضرم لتواصلك مع الكتابة حتى الآن دون توقف.. ولولا
محاولاتك المستمرة في التجديد لما واصلت حتى الآن ولما كتبتَ رواياتك
الأخيرة ومنها (هيله)، (الهوية)، (امرأة ضائعة)، (الطائر)، (قصة حب)،
(موت نذير العدل)، (الخاطئة) وأخيراً رواية (أوراق رئيس) التي تعدّ واحدة
من أهم الروايات التي كتبت عن الدكتاتورية، فماذا يعني لك التوقف عن
الكتابة؟ وما أهميتها بالنسبة لك..
□ التوقف عن الكتابة يعني لي الموت، وأشكر الله الذي مدّ في عمري وأتاح لي
بذلك فرصة الكتابة، فقد كان ينبغي لي أن أموت في شباط عام 1963 في حركة
البعث، وكان ثمة شعرة تفصل بين حياتي وموتي، مع مفكرين آخرين أجلاء، وكان
جسر الشهداء سيكون شاهداً على موت كوكبة عظيمة من مفكري العراق، ولكن
الله أراد لي ولهم الحياة فوصلنا بسلام إلى معتقل رقم (1). أما أهمية
الكتابة بالنسبة لي.. فأنا أحب دائما أن أكون شاهد عصري.
● ولماذا الجغرافية؟
أعني إذا كنت قد عرفت ومنذ البداية ميولك إلى الأدب وانحيازك إليه، لماذا
درستَ الجغرافية؟
□ «مكره أخاك لا بطل» فوزارة المعارف هي التي فرضت عليّ دراسة الجغرافية
حيث اختارتني عضواً في البعثة العلمية إلى مصر لعام 1947 ـ 1948، وكنت قد
حققت تفوقاً في درس الجغرافية، بالذات في الامتحان الوزاري (البكالوريا)
وبعد أن درست الجغرافية دراسة أكاديمية أدركت أنها ليست بعيدة عن ميدان
الأدب، فمحور الأدب هو (الإنسان) ومحوري الجغرافيا هما (الأرض)
و(الإنسان) فليس هناك إذن تناقض بين الجغرافية والأدب فأحببت الجغرافية
كما أحببت الأدب من قبل.
● وبعد كل هذه السنين،
ما هو الأقرب إلى نفسك الأدب أم الجغرافية، خاصة وأن البعض يطلق عليك
«شيخ الجغرافيين العرب».. من جانب آخر وصلت أعمالك الأدبية إلى (24)
عملاً ما بين مجموعة قصصية ورواية ومسرحية؟
□ ووصلت أعمالي الجغرافية إلى عشرين عملاً ما بين تأليف وترجمة، وليس
للجغرافية «شيخ» بل «شيوخ» ربما كنت أحدهم بسبب سني.. وأجيبك باختصار على
سؤالك بالمثل القائل «ما الحب إلا للحبيب الأول».
● كتبت القصة والمسرحية والرواية.. إلى أي منهم تنحاز أكثر؟
□ أنا لا أجد أي فارق بين هذه الأنواع الثلاثة من الأدب القصصي، فأنا في
الحقيقة أكتب المسرح للقراءة بالدرجة الأولى، وعلى المخرجين أن يكيّفوا
كتاباتي للمسرح بما يتقنونه من فن المسرح، ورواياتي في الحقيقة ليست
روايات بالمعنى الصحيح، فهي ما يمكن أن يطلق عليه اسم «قصة طويلة»
Long Story
أو
رواية قصيرة ولذلك لا أجد تبايناً في ميادين كتابتي.
● مسرحيتك (الدكتاتور) الصادرة عام 1996 في اليمن، واحدة من أهم المسرحيات
التي كتبت في العشر سنوات الأخيرة.. إلا أن القليل استطاع الاطلاع عليها
وعرف قيمتها، فبمَ تعلل ذلك؟
□ ربما السبب يعود إلى ضيق نطاق النشر في اليمن، وأنت تعرف ظروفه، أو ربما
لأن مسرحياتي كلها تعالج قضايا خطيرة لا يوافق عليها الحاكمون في كل
الدول العربية، أمثال مسرحية (الشيء)، (القضية) و(الغرباء) وكل مسرحياتي
القصيرة ذات الفصل الواحد.
● عندما نقرأ نصاً
مسرحياً لشاكر خصباك نعرفه له دون حاجة للعودة إلى اسمه، فهناك خصوصية
تميز نصوصه المسرحية، فأعماك المسرحية تتدخل فيها الصفة القصصية كونك
قاصاً وخاصة في بناء الشخصيات وصياغة الحوار والعكس صحيح. أيضاً نجد
الكثير من قصصيك ورواياتك تعتمد في بعض مشاهدها البناء الدرامي القريب من
فن المسرح. فإلى أي حد انتفع مسرحك من كونك قاصاً أو قصصك من كونك
مسرحياً؟
□ للإجابة على هذا السؤال أقول إنني بدأت أساساً ككاتب قصة لا ككاتب
مسرحية، وبدأت كتابة القصة مبكراً، ولم أكن في تلك المرحلة قد شاهدت
المسرح، فقد تربيتُ في مدينة صغيرة هي مدينة (الحلة) وكما تعلم فالمسرح
عندنا لم يكن له في تلك المرحلة المبكرة وجود حتى في بغداد العاصمة، ولم
يكن المسرح يعرف في العراق إلا على خشبات المسارح الصغيرة التي كانت تقام
في المدارس وهو مسرح بدائي بطبيعة الحال، ولم يعرف العراق المسرح الحقيقي
إلا بنشوء معهد الفنون الجميلة بداية الأربعينات في بغداد على يد المرحوم
(حقي الشبلي) ورغم ذلك فحال المسرح لدينا في العراق كان مختلفاً عما هو
في مصر ولبنان وسوريا وإن أصبح في العقود الأخيرة أكثر تطوراً، وإذا ما
نظرنا إلى المسرح فإنه ومنذ مطلع القرن العشرين وربما منذ نهاية القرن
التاسع عشر ظهر نشاط مسرحي في لبنان وسوريا ومصر على أيدي مسرحيين
معروفين من أمثال (مارون النقاش، والقباني، ويعقوب صنوع) وهم معروفون لكل
المعنيين بتاريخ المسرح والحركات المسرحية، وإن كان ذلك النشاط قد تعرض
لفترات ازدهار وخمول حسب الظروف وأريد أن أؤكد هنا أن مصر بالذات شهدت
منذ العقد الثاني من القرن الماضي والعقد الثالث على نحو الخصوص نشاطاً
مسرحياً مزدهراً كان على رأسه جورج أبيض ويوسف وهبي وعزيز عيد وعبد
الرحمن رشدي، فليس غريباً أن يبرز كتاب مسرحيون مرموقون في مصر مثلاً،
فقد تربى البعض منهم في حضن المسرح. فكاتب مسرحي مثل توفيق الحكيم قد
تربى في حضن المسرح بمعنى هذه الكلمة ومنذ كان في مقتبل عمره ومارس
الكتابة المسرحية للفرق التمثيلية وهو في العشرين من عمره. أما في حالة
المسرح العراقي فلا يمكن أن يدعي أي كاتب مسرحي عراقي أنه تربى في حضن
المسرح، ولهذا يمكنني القول إن مسرحي هو الذي استفاد من كوني قاصاً وليس
العكس، وطبعاً انعكس ذلك على اهتمامي ببناء الشخصية والحوار الحي الدقيق
الذي يعبر عن الشخصية تعبيراً داخلياً وخارجياً والحقيقة إن اهتمامي
بالمسرح قد حدث لا نتيجة لقراءاتي بل نتيجة لاحتكاكي العملي بالمسرح
أثناء دراستي في أوروبا وعلى نحو التدقيق في إنجلترا، فمسارح لندن ماتزال
تمثل أرقى المسارح في العالم، ولا تدانيها إلا مسارح فرنسا، وأنت تعلم
بالطبع أن التراث المسرحي الإنجليزي يعود لقرون عديدة وقد أدمنتُ مشاهدة
المسرح أثناء دراستي في إنجلترا وانتفعت من ذلك كثيراً وهكذا ترى أن أول
مسرحية لي هي مسرحية (بيت الزوجية) قد ظهرت عام 1962 وكنت قد نلتُ شهادة
الدكتوراه وعدت إلى بغداد لأكون أستاذاً في جامعة بغداد منذ عام 1958 أي
أن هذه المسرحية قد ظهرت بعد عودتي من لندن بأربع سنوات. وهكذا ترى أن
مسرحي هو الذي انتفع من كوني قاصاً وليس العكس.
● تشيخوف كاتب قصصي أثّر
في كتاب القصة العرب كثيراً، ولا يخفي شاكر خصباك وهو يذكر ذلك في كتابه
(ذكريات أدبية) تأثره بهذا الكاتب العظيم، وتشيخوف ليس كاتب قصة فحسب
إنما هو من أعلام المسرح العالمي الكبار أيضاً، فهل اتجاه شاكر خصباك إلى
المسرح بعد أن كتب القصة جاء بتأثير من تشيخوف أيضاً، أم أنه وجد في
المسرح ما لم تستطع القصة استيعابه أو إيصاله؟
□ لابد أن أعترف بأن مسرحيات تشيخوف التي قرأتها
مبكراً ضمن ما قرأته من أدب تشيخوف لم تؤثر فيّ كثيراً ولم أعجب بها كما
أعجبت بقصصه، فالمسرح كما تعلم يكتب لغرض التمثيل قبل كل شيء، ولم أدرك
قيمتها الحقيقية إلا بعد أن رأيتها تمثل على خشبة المسرح وإلا بعد أن
ألفتُ قراءة المسرح بعد أن اعتدت مشاهدته، ولكن بعد أن اتسعت ثقافتي
المسرحية بقراءة أمهات المسرح العالمي على اختلاف أنواعه النرويجي
المتمثل بـ(أبسن) والسويدي المتمثل بـ(سترندنبرغ) والإنجليزي المتمثل بـ(برنارد
شو ووايلد) والأمريكي المتمثل بـ(تنسي وليامز وآرثر ميلر ويوجين أونيل)
أدركت قيمة مسرحيات تشيخوف الحقيقية وأنا لا أشك أن مسرحيات تشيخوف هي من
أعظم ما أنتج من مسرح عالمي بالرغم من قلة عددها فهي لا تتجاوز خمس
مسرحيات طويلة وبضع مسرحيات قصيرة ولا شك عندي أنها من أفضل ما كتب من
مسرحيات روسية، وبالمناسبة هناك عدد كبير من الكتاب المسرحيين الروس
الكلاسيكيين ويمكن القول إن جميع الكتاب الروس الكبار، ربما عدا
دستويفسكي، قد كتبوا للمسرح بما فيهم تولستوي وتورغنيف وغوركي، ولكن
مسرحياتهم جاءت دون مسرحيات تشيخوف ولستُ في حاجة إلى القول إن تشيخوف
كان مجدداً في المسرح وإنه خرج على مسرح القرن التاسع عشر التقليدي
(طبعاً لابد من القول هنا إن المجدد الحقيقي في المسرح الحديث هو (أبسن)
النرويجي و(سترندبرغ) السويدي..) لكن لمسرحيات تشيخوف نكهة خاصة بها
تختلف عن نكهة مسرحيات أبسن وسترندنبرغ، ولم يتخلص فيها تشيخوف من روحه
القصصية، فهذا الجانب واضح جداً في مسرحياته وخصوصاً في طريقة رسمه
للشخوص وفي الروح الإنساني الشفاف الرهيف الذي يطبع كل مسرحياته والذي
تميزت به من قبل قصصه، إن مسرحياته تعتمد عموماً الحركة الإنسانية
الداخلية وبالتالي فهي تتخذ الحوار أساساً للكشف عن ماهية حياة الشخوص
ولست أرى في ذلك نقيصة في مسرحه، فلم يقل أحد مطلقاً إن مسرحيات تشيخوف
غير صالحة للتمثل إلا في حالة إخراجها بصورة سيئة وهذا ما حدث حينما مثلت
وللمرة الأولى مسرحية (طائر النورس) والتي فشلت فشلاً ذريعاً وربما هي
سببت إصابته بمرض السلّ حينما خرج من المسرح هائماً على وجهه في ليلة
باردة رطبة وكذلك حال مسرحياته التي مثلت على المسرح الإنجليزي وأخرجت
إخراجاً سيئاً جعل بعض معارفي يسألوني (ولكن ماذا فيها يا شاكر؟!) وهنا
أعود إلى لب سؤالك حول مدى تأثري بمسرح تشيخوف فأقول إنني لا أعرف إن كنت
متأثراً فعلاً بمسرحه أم لا.. وكل الذي أعرفه أنني حينما أكتب للمسرح لا
أفكر بأحد وأنني بعيد عن تقليد أي كاتب مسرحي أعجب به، وأنا في العادة لا
أخضع لأفكار معينة في التقنية الروائية أو المسرحية بل يفرض الموضوع عليّ
تقنيته الخاصة.
● ألا ترى معي أن أسلوب
المناقشة والحوار الطويل في مسرحك ما عاد يستوعبه المسرح الحديث، وهو ما
وقع فيه (علي أحمد باكثير) في مسرحياته، وهل جاء ذلك من تأثيرات (برنارد
شو) ومن قبله أبسن أم انطلق من خصوصية شاكر خصباك والذي يريد أن يقدم
(أدباً مسرحياً) مقروءاً أكثر من أن يقدمه ممثلاً على خشبة المسرح؟
□ أحب أن أقول أولاً إن أشكال الكتابة المسرحية متعددة
للغاية وتقنياتها متنوعة إلى أبعد الحدود، فليس هناك إذن في رأيي شروط
خاصة للكتابة المسرحية ولو أنك حاولت أن تتبع ما قدم من عروض مسرحية على
مسارح العالم الكبرى في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وروسيا لوجدت
أنها تقدم مسرحيات من كل العصور على اختلاف تقنياتها بدءاً من المسرح
اليوناني الكلاسيكي وانتهاء بمسرح اللامعقول (بيكيت وأداموف ويونسكو) وكل
هذه الأنواع المسرحية متعايشة مع بعضها بل لعل جمهور المسرح القديم أكبر
عدداً من جمهور المسرح الحديث أو مسرح التغريب، وبالمناسبة إن مسرح
التغريب في فرنسا لا يحظى إلا بعدد محدود جداً من الحضور ولا يقدم إلا
على مسارح صغيرة أقرب إلى مسرح الجيب، عدا استثناءات قليلة من المسرحيات
التي حظيت بشهرة خاصة، وماتزال مسرحيات موليير وراسين وكورني تحظى بجمهور
واسع أكثر من جمهور مسرحيات سارتر وجان جينيه ويونسكو وجان كوكتو.
أنتهي إلى
القول إن المسرحيات التي تعتمد الحوار أساساً هي من أكثر المسرحيات
نجاحاً، فالمسرح أساساً هو (حوار) في جوهره ونجاح هذا المسرح أو فشله
يعتمد بالدرجة الأولى على أهمية القضايا التي يثيرها والطريقة التي تطرح
بها ثم مدى نجاحه في تقديم الشخوص التي تتولى هذا الحوار، وهنا أود أيضاً
أن أشير إلى أمر جوهري وهو دور المخرج في نجاح المسرحية فهناك دائماً ما
يتحلى به المخرج من مهارة وحذق في فهم النص المسرحي وتفسيره ثم تقديمه
بطريقته الخاصة على المسرح. وقد ذكرت في مكان آخر أن مسرحية (طائر
النورس) لتشيخوف فشلت حينما قدمت للمرة الأولى على خشبة المسرح، لأن
مخرجها فهمها فهماً سيئاً وقدمها بطريقة تقليدية سقيمة، لكن أبو المسرح
الروسي الحديث (ستانسلافسكي) فهمها فهماً صحيحاً وقدمها بأسلوب آخر فنجحت
نجاحاً منقطع النظير..
هذا جوابي على
الشق الأول من سؤالك، أما جوابي على الشق الآخر الذي يتساءل إن كنت أكتب
أدباً مسرحياً أم تمثيليات فأقول بأنني بكل تأكيد أكتب أدباً مسرحياً
للقراءة أكثر مما هو للتمثيل وكما قلت سابقاً فإن مدى صلاحيته للإخراج
على خشبة المسرح تتعلق بالمخرج الذي يتولى ذلك ومدى اتساع أفقه ومهارته
وأعود فأكرر ثانية أن ثمة فرقاً بين الأدب المسرحي و«التمثيليات» التي
تكتب من أجل إخراجها على المسرح والتي قد لا تنشر حتى في كتاب. أما
بالنسبة لبرنارد شو فأنا بالتأكيد لست متأثراً بمسرحه، فمسرح برنارد شو
فكري بالدرجة الأول وأزعم أن برنارد شو لم يكن معنياً في يوم من الأيام
بتقديم شخصيات إنسانية وفي ظني أن الحوار في بعض مسرحياته المطولة يتحول
إلى كلام ممل ولستُ أدري كيف جاز له أن يصرّح أكثر من مرة أن مسرحه أعظم
من مسرح شكسبير مع أنه يعلم جيداً أن الشخصيات التي قدمها شكسبير هي
شخصيات خالدة أبد الدهر..
● مسرحيتك (الدكتاتور)
الطويلة، وكذلك مسرحياتك القصيرة التي كتبتها في الفترة الأخيرة ومنها
(اللص)، (القهقهة)، (هي وهي)، (في انتظار جودو) وغيرها، تنبئ بأن تحولاً
قد طرأ على مسرح شاكر خصباك، فبينما كان يكتب (أدباً مسرحياً) بدأ يكتب
مسرحاً درامياً (ولا يعني هذا أن أعماله السابقة خالية من الدراما) فهل
هذا يعني أن شاكر خصباك قد بدأ يكتب أدبه المسرحي وفي ذهنه (خشبة
المسرح)؟
□ أنا شخصياً لا أشعر بمثل هذا التحول.. والواقع أن الكاتب لا يستطيع
أحياناً الحكم على أعماله، وقد يكون الدارسون والنقاد أقدر على تلمّس
التحولات التي تحدث لدى الكاتب أو الفنان على اختلاف حقول الفن ولذلك فقد
تكون ملاحظاتك صحيحة، وأحب هنا أن أؤكد بهذه المناسبة بأن صلتي العملية
بالمسرح شبه معدومة، فلم يحدث لأية مسرحية من مسرحياتي أن أخرجت على خشبة
المسرح، وكان ينظر إليها على اعتبارها نوعاً من أنواع الأدب وخصوصاً
وأنني اشتهرت منذ مطلع ممارستي للكتابة بكوني قاصاً ولا أستبعد أنني ربما
عدلتُ من أسلوب كتابتي للمسرح لو شاهدت مسرحياتي تمثل على خشبة المسرح.
ولكنني آمل ألا يحدث ذلك لي لأنني كما قلت في مكان آخر معني بـ(الأدب
المسرحي) أكثر من عنايتي بالتمثيل ويهمني جداً أن أكون مقبولاً لدى قراء
مسرحي أكثر من مشاهدي المسرح.. وأؤكد هنا أيضاً بأنني ضد الجمود ومؤمن
بالتطور وذلك منذ مطلع ممارستي الكتابة وقد لاحظ ذلك عليّ أحد أدبائنا
الكبار وهو الأستاذ (عبد الملك نوري) الذي كتب عني مقالة في مطلع عام
1953 قال فيها: «هو يمتاز على الآخرين الذين ينقلون عن الواقع بأنه يتعمق
في مواضيعه ويكتب أقاصيص حقيقية لا قصاصات، وأخيراً يمتاز بجهاده المخلص
الدائب في سبيل تحسين فنه وتطويره».
● وماذا يمثل لك لقاء
على صفحات مجلة (الثقافة الجديدة) وهل لك ذكريات مع هذه المجلة تحديداً؟
□ تمثل لي مجلة (الثقافة الجديدة) حماسة الشباب وفورته.. فقد عملت بحماسة
شديدة من أجل صدورها، فقد اتصل بي القائمون يومذاك على إصدارها وعلى
رأسهم المرحومان صلاح خالص وصفاء الحافظ لكي أتولى الإشراف على الجانب
الأدبي فيها، فقبلت بكل سرور. لاحظ أنني لم أكن منتمياً إلى الحزب
الشيوعي لا أولاً ولا آخراً، وكان من المفترض أنها من إصدارات الحزب
الشيوعي العلنية، ولا أدري لماذا اتصلوا بي بالذات. وكان ذلك في أواخر
1953. وعملتُ بهمة في المجلة، ومن جملة الأدباء الذين قدمتهم إليها
المرحوم عبد الوهاب البياتي، وقد حمل أول عدد من أعداد المجلة قصة لي
بعنوان (آمنة). لاحظ أن مجلة (الآداب) البيروتية التي صدرت عام 1952 أو
أوائل عام 1953 قد اختارتني أيضاً في هيئة التحرير الشرفية كما اشتمل
عددها الأول على قصة لي بعنوان (الكسيح)، ولعل هذا هو السبب الذي جعل
المشرفين على مجلة (الثقافة الجديدة) يختارونني مسؤولاً عن الجانب الأدبي
فيها. وقد خاضت مجلة (الثقافة الجديدة) صراعاً مع السلطة وكنت أنا طرفاً
فيه. فقد أغلقت السلطات المجلة بعد صدور عددها الأول، فعمل القائمون على
أمرها على الحصول على امتياز جديد باسم (الثقافة الحديثة) وأتذكر أننا
قابلنا من أجل ذلك المرحوم وصفي طاهر من أجل أن يسهّل لنا مقابلة روفائيل
بطي الذي كان وزيراً للإعلام يومذاك. وبعد صدور العدد الجديد أغلقته
السلطة ثانية، ولم يكن هناك مجال لإصدار المجلة ثانية، فتعهدت لزملائي أن
أقوم بإعداد كتاب عن أنطون تشيخوف والذي كان مجلس السلم العالمي قد طلب
الاحتفال بالذكرى الخمسين لوفاته. وبالفعل صدر كتابي عن أنطوان تشيخوف في
الميعاد الشهري لصدور المجلة، وكان أول منشورات مجلة (الثقافة الجديدة)،
وأول كتاب يصدر عن تشيخوف باللغة العربية على ما أظن. فجنّ جنون السلطة
وبدأت حملة مسعورة لاعتقال المشرفين على المجلة وكتّابها في صيف عام
1954، لكنني كنت قد سافرت إلى بريطانيا آنذاك لنيل الدكتوراه في
الجغرافية فنجوت من الاعتقال.
وحينما عادت
مجلة (الثقافة الجديدة) إلى الصدور في أعقاب ثورة تموز عام 1958، كان أول
كتاب أصدرته من منشوراتها هو كتابي (الكرد والمسألة الكردية). وهو أول
كتاب يدعو إلى منح الأكراد الحكم الذاتي كحل للمسألة الكردية، وقد منع
تداوله بعد صدوره بأسبوع. ويسرني أن أكون أول من طرح هذا الحل من
المفكرين العراقيين. وقد وجدتُ صعوبة في إقناع القائمين على المجلة بقبول
مثل هذا الطرح، ولم يكن قد تبنى هذا الحل أحد، حتى الحزب الديمقراطي
الكردستاني، الذي تبناه في عام 1960، ثم تبناه الحزب الشيوعي العراقي في
عام 1961، وبعد جدال طويل معهم اتفقنا على أن أستبدل عبارة «الحكم
الذاتي» بعبارة «الإدارة الذاتية». وهكذا ترى أن لي مع مجلة (الثقافة
الجديدة) تاريخاً عريقاً أعتز به، وماأزال أعتز بهؤلاء المناضلين الذين
هم على استعداد دائم للبذل والعطاء بلا مقابل، وهذا أكثر شيء أحبه فيهم
وأكبرهم عليه.
● أخيراً، وبصراحة.. هل أنصفك النقد؟ ولماذا؟
□ لا أعتقد أنك في حاجة لأن تسأل مثل هذا السؤال لأنك تعلم أنه لم ينصفني
النقد إلى في مرحلتي الأولى. وبهذه المناسبة قال لي أحد الأساتذة
الأكاديميين من النقاد مرة «أنت ظالم ومظلوم» فسألتُه «وكيف ذلك» فأجاب:
«أنت لا تحاول أن تقدّم نفسك للمعنيين، والمعنيون قد ظلموك لأنهم لا
يتحدثون عنك بما تستحقه، وهكذا ظلمت نفسك وظلموك». ويؤسفني أن أقول إن
مجلات الشيوعيين على اختلافها من جملة من ظلموني، تتجاهلني لأنني لستُ
شيوعياً، فلا داعي لأن يطبّلوا لي ويزمروا، بل إنهم لا يجدون مبرراً لأن
يضعوا اسمي على غلاف المجلة باعتباري كاتباً ثانوياً في حين يضعون أسماء
لا ترقى إلى مكانتي الفكرية والأدبية، مع أنني أكثر من دافع عن الشيوعيين
بمن فيهم كتابهم والمحسوبين عليهم. ولا أظن أن أحداً ينسى روايتي (الحقد
الأسود) والتي نشرت فيما بعد بعنوان (السؤال) وكذلك مسرحية (الشيء) وكذلك
رواية (حكايات من بلدتنا) والتي كتبت حول أحداث عام 1963 الدامية، شاهداً
على ما أقول. وأعتقد أن أدبي هو الشاهد الوحيد على ما ارتكبت من جرائم
تجاه الشيوعيين والوطنيين يومذاك، فقد دخل مئات الأدباء والشعراء من
الشيوعيين المعتقلات، لكنهم التزموا الصمت حول بشاعة وإجرام ما حدث فيها،
أو كتبوا شذرات لا تغني.
كما أنني أعزو
سبب تجاهل أعمالي ـ الأخيرة ـ وأقصد بها التي صدرت في أواخر الثمانينات،
وهي مستمرة في الصدور حتى اليوم، لكونها تطبع وتنشر في اليمن ومجالها كما
تعلم ضيق جداً فلم يطّلع عليها الكثيرون، ومع ذلك قد تدهش إذا قلتُ لك إن
تجاهل أدبي من قبل النقاد لا يعني لي شيئاً كثيراً فأنا أكتب من أجل أن
أكون شاهداً على عصري ومتفاعلاً معه ومنفعلاً به، وهذا هو هدفي الأول من
الكتابة، ثم لأرضي شاكر خصباك قبل كل شيء، وإرضاؤه أمر عسير في هذا الزمن
الذي ساده الطغيان والتجبر والذي يحكمه حكام عديمو القيم وأعداء
للإنسانية، أنا أربأ بنفسي أن أطبّل لأدبي وأزمّر وأتصل بفلان وعلان من
الكتاب ليكتب عن أدبي كما يفعل الكثير من الأدباء اللامعين الذين يستجدون
الكتابة عن أدبهم، هذا فضلاً عن أن أدبي يتعفف عن دغدغة الغرائز الجنسية.
وحالي هذا شبيه
بحال المرحوم غائب طعمة فرمان الذي لم يتملق الكتاب يوماً ليكتبوا عنه،
ولحسن الحظ أنه وجد في الكتاب الشيوعيين مناصرين له ومقدّرين لأدبه، ولعل
المتحمس الوحيد لأدبي في الوقت الحاضر هو أنت، وبدون مقابل، فبارك الله
فيك.
وأخيراً وليس
آخراً: ما قيمة أدبي اتجاه أدب تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف وشكسبير
وهمنغواي وبروست؟ ورحم الله من عرف قدر نفسه.

|