|

نص
مسرحية
(الحقيبة)
تأليف : ياسين النصير
محيي
الدين زنكنه
...ياسين النصير
مسرحية حفلة عرس أعادت لنا أجواء
المسرح العراقي..ياسين
النصير
تطور
مفهوم الراوي في الحكاية الشعبية.. ياسين
النصير
وعي الحداثة في المسرح
العراقي .... ياسين النصير
الأرجوانة الحمراءمقال في المسرح الكردي
ياسين النصيِّر
|
|

وعي الحداثة في المسرح العراقي المعاصر
ياسين النصير
-1-
نقف الآن على مبعدة عقدين من الزمن -عشرون سنة- من التجارب المسرحية
العراقية المهمة التي حملت بذور التجديد والتحديث في المسرح العراقي، فقد
أسهم المسرحيون العراقيون وعلى مختلف قدراتهم خلال العقود الثلاثة
الماضية على تأسيس رؤية حديثة لفن "العرض المسرحي" لا يشمل النص وحده،
إنما: النص والإخراج والتمثيل والديكور والأكسسوار وصالة العرض والإنارة
والأزياء والجمهور، وكل ما يتعلق بالعرض من لواحق أخرى. وهي أمور ما كان
يجري الانتباه لها في الخمسينات وبداية الستينات، إلا بعد القفزة النوعية
الفنية التي حدثت في أواسط الستينات، وبعد عام 1965 بالتحديد، أي في
الفترة نفسها التي بدأت الثقافة العراقية كلها تتلمس الطريق نحو موجة
الحداثة الثانية(1) لذلك تتيح الوقفة المتأملة الآن لمراجعة الأطروحات
النقدية السابقة، والتي كانت نتاجاُ يومياً وميدانياً لمتابعة العروض
المسرحية الجديدة والقديمة معاً، وفي الوقت نفسه إتاحة الفرصة لرؤية
نقدية دقيقة فيما يخص المسرحيات التي عبرت سنوات إنتاجها ولا تزال تمدنا
بتصورات نقدية حديثة بعد أن اطلعنا هنا على بعض التجارب المسرحية العربية
والعالمية، وبدأنا نقارن بين ما كان لدينا من إنجازات فنية سابقة، وما
ينتج هنا من أشكال للعرض المسرحي المعاصر، وعلى يد مخرجين عرب وعراقيين
وعالميين. في ضوء هذه المستجدات نعيد هنا بناء تصورنا النقدي عما حققه
المسرح العراقي خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
-2-
بدأ وعي التجديد في مسرحنا العراقي، أول ما بدأ من داخل الدرس الأكاديمي
نفسه، الذي كان ولا يزال المعين لكل تحديث معاصر. لقد كان المدرسون
أساتذة إخراج أولاً، قبل أن يكونوا مدرسين يلقون بتعليماتهم على الطلبة،
وهذه المهمة كانت الدافع الأساسي لتأسيس أكاديمية للفنون الجميلة وفيها
قسم للمسرح متخصص بعدما كان هناك معهد للفنون الجميلة تأسس عام 1936، ومن
هؤلاء الأستاذ إبراهيم جلال وجاسم العبودي وبهنام ميخائيل ومحمد جواد
وبدري حسون فريد وسامي عبد الحميد، وإلى جوارهم كان كتاب مسرح متمرسون
منهم يوسف العاني وعادل كاظم وطه سالم ونور الدين فارس وجليل القيسي ومحي
الدين زنكنة.. وغيرهم، وكان الجميع في حاجة ماسة إلى تطوير الدرس
الستانسلافسكي المدرسي وتمارينه الإخراجية، وتجسيده في عرض يجمع بين
الدرس والتجربة المختبرية، ومن ثم تحويل ذلك كله إلى عرض مسرحي جديد
يتلاءم والمسرحيات المترجمة الجديدة، ويتوافق مع موجات التحديث الغربية
التي بدأ المسرح المصري الحديث يقدمها لنا فهما وكتابة نقدية وأسلوب عرض،
وكان نعمان عاشور والفريد فرج وميخائيل رومان ومحمود دياب وسعد الدين
وهبة ويوسف ادريس، في مقدمة كتاب المسرح الجديد في التأليف والترجمة
والأداء والإخراج، كما بدأت دور النشر تضخ المئات من الكتب المسرحية
المترجمة والمؤلفة، وفي الوقت الذي كان المسرحيون يبحثون عن أفق جديد
يخرجهم من الواقعية الانتقادية التي كانت الإطار العام لمسرحية الخمسينات
وبداية الستينات وهي عماد ما كان المؤلف الكبير يوسف العاني يؤلفها طوال
عقدين، بدأت هذه الحاسة الجديدة في التطلع لتأليف وعرض مسرحيات ذات أفق
تحديثي ومن داخل الدرس الأكاديمي أول الأمر ثم من داخل التجارب التي تصل
لهم عن طريق القراءة والمشاهدة ثانياً. فبدأ إبراهيم جلال وسامي عبد
الحميد وجاسم العبودي مرحلة تحديث العرض المسرحي. كان المرحوم إبراهيم
جلال في المقدمة من هؤلاء عندما كان يمزج بين ستنسلافسكس وبرشت أول
الأمر، ثم عبر رفضه لقواعد المسرح الأرسطي، لاحقاً وفق صيغ تنظير لم ترق
إلى مستوى العمل الميداني، إذ كان غالباً ما يغير من تصوراته، فالعمل في
أثناء التمارين كان هو المنهجية اليومية التي يبني بها عرضه المسرحي. وقد
دلل بأطروحته التي نالها من شيكاغو على مثل هذا الطرح للخروج على مألوف
العرض المسرحي. وكان برشت يوم ذاك معروفاً في المسرح الأمريكي أكثر مما
هو معروف في المسرح العربي، حمل إبراهيم جلال تصوراته الفنية "إخراجاً"
وعاد بها إلى العراق، لكنه لم يجرأ التطبيق إلا في أواسط الستينات عندما
وجد في مسرحية (الطوفان) عام 1966 لعادل كاظم بعض ملامح التغريب البرشتي
فبدأت رحلته مع التجريب. أما سامي عبد الحميد خريج المسرح الإنكليزي، كان
يولي الصوت والأداء أهمية استثنائية وكان الإخراج بالنسبة له اكتشافاً
لمسرحية فيها طعم الجديد والمحلي في آن واحد وذلك قبل أن يبدأ تجاربه
المتميزة مع المسرحيات العالمية ذات النهج التغريبي البحت "في انتظار
غودو" عام 1967 على مسرح الجمعية البغدادية في الصليخ، مثلاً.
-3-
النقلة الفنية المتميزة التي بدأ التجريب فيها بين عامي 1968-1966 عندما
بدأت المسرحية العراقية يبني رؤيتها على ما تحدثه الأحداث السياسية في
المنطقة العربية على الثقافة، ثمة حدث كبير غيّر من مفاهيم الوطنية عندما
أحدث نقلاب شباط 1963 في العراق انقلاباً دموياً حاداً وقاسياً قلب مفهوم
الوطنية إلى مفهوم التصفيات الشخصية، وكاد السواد الدموي يغطي الشارع
الوطني كله، ثم جاءت أحداث الخامس من حزيران عام 1967 فغيرت هي الأخرى من
مفهوم إمكانية القوى القومية أن تكون قادرة على الوقوف بوجه الإمبريالية
واسرائيل، مما يعني أن ما حدث في الوطن العربي قبل 1967 من أحداث دموية
في "العراق وسوريا واليمن ومصر وغيرها" كان تمهيداً لأن تجهض القوى
الغربية حركة التحرر العربية التي وصلت قمتها الثورية في حرب السويس عام
1956 ثم ما تبعها بعد ذلك من اصطفاف القوى الثورية في الوطن العربي أدت
إلى قيام ثورة 14 تموز في العراق. إلا أن هذا الوضع على المستوى الثقافي
لم يستقر على شكل فني أو فكري بعد حيث تسارع الأحداث ما كان بمقدورها خلق
بنية راسخة قادرة على التحول المنهجي إلى أشكال تعبيرية جديدة، والمتتبع
للمسرح العراقي يجده طوال الخمسينات وإلى بداية السبعينات كان يتغذى على
الجذور الانتقادية- الاجتماعية السابقة مع استثناءات قليلة شكلت في بداية
السبعينات قفزة فنية سرعان ما أصبحت تياراً فنياً تمكن منه عدد من كتاب
المسرح العراقيين.
لا نعول هنا على العامل السياسي في رسم الصورة الخلفية الضاغطة على الفن
لخلق نماذج تعبيرية جديدة في المسرح، ولكن لا يمكنك في العراق والوطن
العربي أن تلغي العامل السياسي من هذا التأثير لارتباط معظم الفنانين
بحركة يسارية تبني تصورها الفكري على التحديث والتجديد، وفي العراق بوجه
خاص كان الحزب الشيوعي العراقي يضع في برامجه التثقيفية تصوراً ثورياً
للثقافة قائماً على الحداثة والتجديد منطلقاً من فكرة تحويل المشكلات
الاجتماعية إلى صوت شعبي معبر، وقد تحول هذا الصوت في بعض المساهمات إلى
"مايكرفون" للحال الاجتماعية مما سقط في التبسيط. وهذا الذي جعل معظم
الحداثويين لهم صلة ما بالفكر اليساري حتى لو لم يكونوا منتمين إلى تيار
سياسي يساري، يقودنا التصور الفكري هذا إلى تلمس خلفية التحديث من داخل
الحركة الاجتماعية-السياسية مع الهامش الكبير لرؤية الفنان الذاتية. وفي
المسرح العراقي بوجه خاص كان معظم الفنانين يساريين في المقدمة منهم يوسف
العاني الذي يعتبر الأب الشرعي للمسرحية العراقية الحديثة. أما العامل
الثاني في بدء التحديث فقد كان منبثقاً من حركة البنية الفنية-الاجتماعية
نفسها، فقد أسبغت التحولات السريعة في الحياة الاجتماعية على خلق تصور
غير مستقر للحال الواحدة، مما يعني أن الحال نفسها لم تستقر على بنية
مكتملة كي ترى بوضوح، وهذه الحال المغبشة أسهمت في خلق نموذج وشكل مسرحي
يرفض بالضرورة بنية الفصول الثلاثة أو الأربعة المستقرة. هذه النقلة
الفنية الاجتماعية تتبع السجايا العامة لطريقة عيش وحياة، ربما لا تكون
البنية الزراعية وحركة جغرافيا المياه المتنقلة والمتغيرة من هذا التأثير
خاصة إذا ما أضفنا إليها التحولات السريعة التي أرادتها القيادات
السياسية الحاكمة ببرامجها التسريعية في البناء والتغيير مصحوبة بقرارات
سياسية قمعية إذا تقاعس الناس بتنفيذها وراء ذلك المزلاج المتغيّر
والمتسارع في رسم صورة غير مستقرة لأشكال الطرح التعبيري لكل نشاط ثقافي
أو فكري، ومن يدرس طرق التعليم المتسارعة والمصحوبة بقرارات قمعية
(مكافحة الأمية مثلاً) والتي انتهت بعد سنوات من الشروع فيها إلى لا شئ
فقد هيمنت قرارت الحروب على قرارات البنية الثقافية لمجتمع لم يعرف
الاستقرار.
كل هذه المواقف العجولة وغير الدقيقة أسهمت في بناء تصور ثقافي غير دقيق
عن المتغيرات مما انعكس ذلك على طرق التأليف في كل المجالات الفكرية:
الرواية القصيرة، المسرحية ذات الفصل الواحد، القصيدة الغنائية والقصيدة
الدرامية، اللوحة التشكيلية ذات البعد التجريبي والغنائي.. فن العمارة
الذي مال إلى التأرجح بين الخصوصية الوطنية والاستفادة من تجارب
عالمية...الخ.
-4-
تحديث النص المسرحي
فيما يخص بنية المسرحية، شهدت أول مرة في نهاية الستينات وفي مسرحية
"الطوفان" لعادل كاظم بنية الفصول المتداخلة التي تحولت إخراجياً إلى
بنية اللوحات ثم جاء يوسف العاني في "المفتاح" ليبني مسرحيته كلها على
اللوحات وهو ما عدّ يومذاك تطوراً واحتذاء لتجربة برشت الملحمية التي
كانت الكتب المترجمة وأعمال المسرحيين المصريين رافداً تنويرياً للمسار
الفني-البنائي الجديد. التجربتان تعتمدان على جملة عوامل بنائية سابقة:
1- اعتماد عدد من المسرحيين العراقيين على كتابة مسرحية الفصل الواحد
كهوية تعبيرية دالة فشكلوا بذلك أرضية فنية لمسرحية اللوحات، والبناء
القصير في فنون الثقافة العراقية هو الذي حمل بذور التجديد والتحديث،
الشعر والقصة القصيرة وتنوعاتهما هي الأشكال الفنية المسيطر عليها من قبل
فنان يريد إستيعاب الواقع المتغير بسرعة خوفاً من أن تفلت منه اللقطات،
هذا ما حدث في فن القصة عند فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري وآخرين، كما
حدث في شعر السياب والبياتي ونازك. وفي مجال المسرح نجد مسرحيات العاني
القصيرة التي غطت سنوات الخمسينات والستينات كلها هي مسرحيات الفصل
الواحد: مسرحية فلوس الدوة، لو بسراجين لو بالظلمة، ست دراهم، الغذاء لا
الدواء، راس الشليلة وحتى آني أمك يا شاكر، فقد عمد العاني ومجاراة لما
هو شائع في المسرحية الكلاسيكية إلى تقسيم الفصل الواحد إلى فصول ثلاثة
دون أن يكون هناك فصل منهجي واضح، وعندما جاءت موجة التحديث البرشتية وجد
العاني نفسه أمام تأسيس واضح فيما يخص إلغاء الفصول فكتب "المفتاح" على
طريقة اللوحات، وتبعها بمسرحية "الخرابة" وصورة جديدة" وفي كل الأعمال
الأخرى.
وقد عمد معاذ يوسف، وعادل كاظم، وقاسم محمد في أعماله التي قدمها لفرقة
المسرح الحديث، وبنيان صالح في "سيرة أس" ومحي الدين زنكنة في "السؤال"
إلى البناء نفسه، عدا أن المسرحية بدأت تأخذ من بناء القصة القصيرة
والطويلة كما يفعل محي الدين زنكنة في كل أعماله الفنية، كما في
مسرحياته، ثم أصبح المنحى ذاته اتجاهاً فنياً سيطر على التأليف المسرحي
اللاحق لعدد من كتاب المسرح منهم: فلاح شاكر وفاروق محمد وعواطف نعيم،
كما أصبح اتجاهاً في اختيار الأعمال المترجمة فقدمت أعمالاً عدة من فصل
واحد.
2- وفي المسعى ذاته قدم قاسم محمد أعمالاً فنية مترجمة ذات تأثير واضح
على بنية المسرحية القصيرة، منها أعمال أوزفالدو دراكون، حكاية الرجل
الذي صار كلباً، وصديقنا بانجيتو، ومرض أسنان. وهي من أعمال أمريكا
اللاتينية التي قدمت باحتفالية عرض متميزة، ثم واكب المسرحيون العراقيون
المنحى ذاته فقدم سعدون العبيدي أعماله بالطريقة الفنية ذاتها مما يعني
أن اتجاه مسرحية الفصل الواحد القصيرة أصبحت تياراً تحديثياً في العرض
المسرحي العراقي حتى أن فرقاً عدة كانت تقدم ثلاثة أعمال في عرض واحد،
كالفرقة القومية وفرقة المسرح الفني الحديث وفرقة المسرح الشعبي، وقدمت
الفرق القليلة الحضور أعمالاً قصيرة من فصل واحد كفرقة مسرح اليوم وفرقة
مسرح الرافدين وغيرها من فرق المحافظات.
3- وفي المنحى ذاته أقدم التلفزيون على تقديم أعمال مسرحية معدة ليوسف
العاني وقاسم محمد ومعاذ يوسف وآخرين من فصل واحد، مما عد لاحقاً بمثابة
مسرح "التلفزيون".
4- لم يقف العرض المسرحي على تقديم الأعمال القصيرة لسهولة التعامل
الإخراجي وتنوع الأداء والسيطرة عليه فقط، إنما كان التقديم يحاكي بنية
خفية لدى المشاهد برؤية أحداث تحسم بسرعة وتؤدى بطريقة مسيطر عليها،
ولذلك عندما تقدم أعمال طويلة مثل الملك لير ويوليوس قيصر ومكبث وهملت
وغيرها، فإما يجري تعريقها بما يتلاءم والمزاج العراقي، وغالباً ما تختصر
المسرحية وفق رؤية المخرج كما في " هملت عربياً" وإما أن تكون معدة وفق
صياغة إخراجية معينة مثل ما يقدمه صلاح القصب وعوني كرومي وشفيق المهدي
وعزيز خيون وهاني هاني، عالمية وعربية، وإما أن تكون المسرحية ذات منحى
تجريبي بحت بحيث لا تستوعب التفاصيل الكاملة للحدث بل توحي بها وتدل
عليها بعوامل إخراجية وأدائية، وفي العموم أن ترسخ بنية المسرحية القصيرة
في المسرح العراقي لم تكن وليدة رغبة آنية أو افتراضية بل تحامي نزوعاً
نفسياً وبنيوياً قارا في الذات الفنية العراقية: تأليفاً وجمهوراً
وذائقة، وقد نجد صدى هذا المنحى عالمياً أيضاً إذا ما عرفنا أن معظم
الأعمال المسرحية العالمية والروائية الحديثة تميل إلى القصر والتركيز
وعدم الاستفاضة، والتغيير الجوهري في هذا المسعى تغير عصري وفكري وثقافي
واجتماعي.
-5-
تحديث بنية العرض المسرحي
لم يكن العرض المسرحي في الخمسينات إلا بمثابة فرجة متنوعة الأشكال، فقد
كان المسرح جزءاً من فاعلية اجتماعية سياسية أريد عبره أن يتعرف
المشاهدون على رأي فنان ألتزم بقضايا الشعب، وكانت النوادي الرياضية
والمدارس هي المكان الفعلي لمثل هذه العروض الفنية ومن الواجب أن يتضمن
العرض المسرحي جزءاً من فاعلية النادي الرياضي أو المدرسة، فكان العرض
يتضمن فترات إستراحة يقدم الرياضيون فيه تمارين رياضية، هكذا كان يقدم
نادي الاتحاد الرياضي في البصرة فإلى جوار ما يقدمه توفيق البصري من
أعمال يوسف العاني يقدم رياضيو النادي عرضاً لجمال الأجسام، وقل ذلك بشأن
المدارس في بغداد وفي مقدمتها مدرسة التفيض والمأمونية وغيرها. ولما بدأ
الدرس الجامعي وكان ذلك في أواسط الثلاثينات، عندما أفتتح معهد الفنون
الجميلة، والذي كان العرض المسرحي لا يزال يعتمد تسلسلاً منطقياً لمسار
الأحداث بطريقة التتابع والسبب، وكان الأساتذة لا يزالون متمسكين بطريقة
العرض التقليدية، بدأ التفكير بتغيير أساليب العرض بناء على تنامي الحاسة
الفنية بعدم جدوى الأساليب القديمة التي كانت تسيج الفن المسرحي فتخضعه
لقوالب عرض مدرسية صارمة.
النقلة الفنية الكبيرة حدثت في مسرحية "النخلة والجيران" التي أعدها قاسم
محمد عن رواية غائب طعمة فرمان. وقاسم العائد لتوه من دراسته الأكاديمية
في الأتحاد السوفيتي، فقدمها على مسرح دوار في قاعة وجدت نفسها تداخل بين
الجمهور والممثلين بطريقة التقارب وليس بطريقة العزل، فقد كان الممثلون
يندمجون مع الصالة عن طريق المخاطبة المباشرة. وقبلها كانت تجارب إبراهيم
جلال في "الصحون الطائرة" و "الحيوانات الزجاجية" وسامي عبد الحميد في
"في انتظار غودو" في كسر الحائط الرابع، وقد بدأت تؤسس للجمهور رؤية أكثر
اقتراباً من الذي يقدم، لا سيما وإن العرض الذي يعتمد هنا بنية اللوحات
المتداخلة يعطينا تصوراً أكثر اقتراباً من حاجات الجمهور النفسية، فقد
جرى ولمرات عدة حوار مع الصالة أو الرد على انفعالات الجمهور كما حدث في
عرض "البك والسايق" التي أعدها صادق الصائغ عن "بونتيلا وتابعه ماتي".
وتتلاءم فاعلية كسر أو الغاء الحائط الرابع مع موجة التحديث في الكتابة
فقد تغيرت صيغة الحوار القديمة القائمة على سؤال وجواب بين شخصين يقفان
على المسرح ويمثلان قضية، أصبح الحوار بين ممثلين وجمهور عبر تبني الممثل
لشريحة اجتماعية بوصفه شخصية نموذجية تتقدم بطروحاتها أما الجمهور، من
هنا بدأ العرض منسلخاً عن أهم فكرة عاش عليها لسنوات وهي المحاورة
المباشرة مع الجمهور عن طريق الشخصية التي تمثله، وكان الجمهور في هذه
الحال لا يتبنى ولا يعارض بقدر ما كان يشترك في صياغة العرض كله مما فسح
المجال له لأن يغيّر جلسته داخل الصالة وأن يجلس أحياناً على خشبة المسرح
أو أن يحيط بالممثلين كما في عروض مسرحية الخرابة من إخراج سامي عبد
الحميد وقاسم محمد، ومسرحية "بيت برناردا ألبا" إخراج سامي عبد الحميد، و
"الصحون الطائرة" إخراج إبراهيم جلال، ومسرحية "تساؤلات" لعوني كرومي و
"لو" لعزيز خيون ومسرحية "ليلة موت شاعر" لحيدر منعثر، ومسرحيات عدة في
الأكاديمية ومعهد الفنون الجميلة ومسرح "الستين كرسي" ومسرح "اليوم" و
"منتدى المسرح" و "المسرح الشعبي". حتى أمست هذه الطريقة تقليعة تجريبية
ليس من أجل كسر الحائط الرابع (دون إزالته) إنما من أجل أن يصبح العرض
المسرحي بطابع فني جديد يمكن المخرج والممثلين من أن يكونوا جمهوراً
وممثلين في آن واحد. وهكذا لجأ بعض المخرجين إلى أن ينهض الممثلين من بين
الجمهور، أو أن يتبادل الحوار مباشرة معهم دون أن يغير ذلك من مسار النص،
بمثل هذه الحرية الواسعة بدأ تحرك النص كي يخلص من الأطر الكلاسيكية حيث
صار المكان يحكم ويتحكم بالنص نفسه، وأصبح النص أكثر طواعية من قبل أما
متغيرات مكانية ما كان بمقدور الكاتب قبل ذلك الأنتباه إلى ما يمنحه
الوعي بالمكان للنص، فحيث أصبح المكان هاجساً فنياً إضافة إلى كونه بنية
قارة في كل نص، وقد أسهم هذا الوعي إلى تجديد بنية النص والإخراج معاً
إلى درجة التداخل المنهجي بينهما. نفسه يتسع ويضيق في آن واحد وأن يتغير
بين عرض وعرض وفق إستجابة الجمهور أو عدمها. وحتم هذا الموقف على المخرج
أن يكون حاضراً في كل عرض جديد معطياً ملاحظات جديدة لعرض الليلة القادمة
على العكس مما كان مخرج المسرحية سابقاً يكتفي بملاحظاته قبل وبعد
الجنرال بروفة، ثم ينزوي في القاعة أو ربما يحضر العروض اللاحقة، محتذياً
بذلك التقاليد الأوربية في الأعتماد على مدير المسرح الذي قلت وظيفته لدى
المخرجين الشباب المعتمدين على "الدراماتورج" الذي لم يدخل المسرح إلا مع
إبراهيم جلال وفي مسرحية "دزدمونة" ليوسف الصائغ.
ما محصلة هذه التحولات في طريقة العرض المسرحي؟
في البدء أن مفهوم "العرض" جاء به الفنان المخرج قاسم محمد وهو أول من
نظر له في أعماله الأولى، ثم أصبح تقليداً لعدد من المخرجين، وكان ذلك في
أوائل السبعينات وخاصة في مسرحياته التراثية "مجالس التراث" و"بغداد
الأزل بين الجد والهزل" وقد يكون ذلك المفهوم إمتداداً لما جاء به سامي
عبد الحميد في أواسط الخمسينات من مفهوم "الشغل المسرحي" وكتب ذلك في
مجلة (فنون) التي تصدر يومذاك، وتطور لاحقاً ليصبح معياراً جمالياً عندما
فهم معنى "الميزانسين" و "السينوغراف" على يد عدد من المخرجين: جاسم
العبودي وجعفر السعدي وإبراهيم جلال وبهنام ميخائيل ومحسن العزاوي ووجدي
العاني وآخرين. إلا أنه باستقراره على "العرض المسرحي" اكتسب قيمة شعبية
وجمالية في آن واحد.
في المرحلة اللاحقة لمفهوم "العرض" توسع العمل به ليشمل الصالة وخشبة
المسرح والاعلان وحركة الممثل بن الجمهور وكسر الغرابة التي يفرضها الدور
المسرحي على الشخصية وعلى مؤديها معاً، ليتحول "العرض" إلى مفهوم أكثر
شعبية هو "الفرجة" التي تستمد خطوطها العريضة من التقاليد الدرامية في
الميثولوجيا الشعبية في التعازي والأعياد والكرنفالات الدينية الأخرى.
ففي مسرحية "الخرابة" مثلاً تحولت قاعة المسرح كلها إلى عرض، ابتداء من
مدخل القاعة وحتى ما خلف الكواليس، وزينت جدران القاعة الداخلية بعشرات
الصور لأحداث عالمية معيشة أو مستحضرة، وابتدأ التمثيل من خارج القاعة
مروراً بالجمهور وهكذا نجد العرض مفهوماً يقترب من "الاستعراض" ويصبح هذا
المنحى طريقة فنجده في أفضل نماذجه في مسرحية "ترنيمة الكرسي الهزاز"
لمخرجها عوني كرومي في قاعة منتدى المسرح حيث قدم مقاطع تمهيدية من النص
على لسان ممثلتين تقف كل واحدة منهما في غرفة منفصلة لتروي جزءاً من
حياتها ثم تدخلان الصالة بعد ما يكون الجمهور قد تسلّم فكرة البنية
الأساسية للعرض. والطريقة الفنية للعرض، أكتسبت ميزة عراقية، عندما أصبحت
تقليداً يتداوله المخرجون في مواسم العروض المسرحية.
المحصلة الكبيرة لمفهوم "العرض المسرحي" تجسدت في: الإخراج حيث أصبح
المخرج قادراً على صياغة رؤية شعبية للنص اللغوي عندما يتحول إلى حركة،
وهذه الطريقة جعلت من سيطرة المخرج مطلقة على النص، وعندما تصادم عدد من
المؤلفين مع المخرجين، عمد المخرجون إلى تأليف نصوصهم أو لجأوا إلى إعداد
النصوص العالمية كما فعل صلاح القصب وشفيق المهدي وناجي عبد الأمير
وغيرهم. كما أعطى العرض المسرحي قدرة أخرى للممثل الذي تحرر كثيراً من
سطوة المشي - الحركة- المدرسي على الخشبة فقد وجد نفسه حراً في فضاء
مسرحي واسع يشمل الصالة والممرات إليها إضافة إلى خشبة المسرح، وفي الوقت
التي تبدو أنها حرية الممثل، كانت عبئاً على الإخراج إذ عليه أن يملأ
فراغاً واسعاً ويسيطر على حرفياته التي بدأت تشمل كل ما يتعلق بالعرض.
وعلى مستوى التأليف فقد أتاحت فكرة العرض للمؤلف التحرر من قيود المكان
والزمان للحدث، وبدا أن التاريخ كله يتداخل مع الحياة المعاصرة مما فسح
للغة المسرحية أن تتجول في مواقع واقعية ومفترضة دون حساب لطابع محلي أو
مرحلي. ويعد الكتاب جليل القيسي ومحي الدين زنكنة وفلاح شاكر وفاروق محمد
وبنيان صالح من كتاب المسرح المعاصرين الذين وظفوا "العرض المسرحي" في
نصوصهم وتصوراتهم عن حركة الحدث على خشبة المسرح، وربما هي الطريقة التي
كسرت فكرة اغتراب المؤلف عن الإخراج فقد تجاور الاثنان إلى حد التقارب
بين النص والعرض، وأصبح المؤلف أكثر صلة بما يقدمه المخرج من رؤية معيشة
من قبل لنصه، بعدما كان المؤلف لا يحضر العرض إلا عبر نصه فقط. هذا
التجاور جعل المخرج مؤلفاً "قاسم محمد كنموذج" ومن المؤلف مخرجاً "كعادل
كاظم وبنيان صالح وصلاح القصب وناجي عبد الأمير وعوني كرومي وآخرين". ومن
ثم يصبح "العرض المسرحي" في المسرح العراقي تقنية شعبية تقربه من الأعياد
والاحتفالية. التي لم يقف العرض على ما يقدمه الكاتب المسرحي العراقي
فقط، بل وجد المخرجون في أعمال عبد الكريم برشيد والفريد فرج وغيرهما
مجالاً لأن يغذوا به تصوراتهم عن "العرض" الاحتفالي مشفعاً ببعض ما يقدمه
التنظير للمؤلف المغربي عبد الكريم برشيد في "المسرح الاحتفالي".
-6-
التراث ومفهوم الحداثة
المتتبع لحركة النص المسرحي العراقي في السنوات العشرين الماضية يجده في
اتجاهين يجمعهما تيار واحد هو: العرض الشعبي. والاتجاهان مفترقان على
مستوى بنية النص بينما هما متقاربان في الطرح والمعالجة.
1- اتجاه تحديث الحياة الشعبية بمنهجية واقعية-رمزية.
2- اتجاه تحديث النص المسرحي بوساطة الموروث اللغوي العربي والحياة
التراثية والمدونات والنصوص القديمة التي تمتلك رؤية درامية.
وفي المحصلة، كلاهما تراث، احدهما يعاين الحياة الشعبية بوساطة ثوابت
حكائية، هذا ما فعله يوسف العاني في "المفتاح" وقاسم محمد في "كان يا ما
كان" وغيرها، وعادل كاظم في "الخيط" و "مقامات أبي الورد" وآخرون، في حين
تحول التراث كله ونصوصه المدونة إلى مادة لعرض شعبي معيش مزج المؤلف فيه
بين ما كان وما هو حادث اليوم، كما فعل قاسم محمد في "مجالس التراث
وبغداد الأزل، مقامات الحريري، ورسالة الطير" وكما فعل عادل كاظم في
"نديمكم هذا المساء" أو كما فعل يوسف الصائغ في "الباب" وفي "دزدمونة" أو
فلاح شاكر في "ألف أمنية وأمنية" وفي "ألف حلم وحلم" وفي "قصة حب معاصرة"
وغيرها، أو أن يصبح العرض كله "فرجة" عن طريق تحويل الواقع الشعبي إلى
بنية ترميزية لواقع يملك اغترابه عن طريق الفهم المعاكس لمفهوم الشعبية،
فقد منعت مسرحية عوني كرومي "بير وشناشيل" مرات عدة لأنها تفجر مفهوم
"الشعبية" لتجعل منه رؤية نقدية-احتفالية لواقع سيئ ومعيش. أو كما حاول
حيدر منعثر من تصوير مفهوم العالمية-الكونية في عروض تعتمد سلسلة تطور
حياة الكائن الحي على الأرض، وكان معياره العملي هو جعل تصوره عن التطور
مقبولاً فنياً، فقدم "سور الصين" لماكس فريش وكأنها رحلة في الوجود، وقدم
"ليلة موت شاعر" وكأنها إعادة خلق للكائن الواعي في العالم المغترب عنه.
في المحصلة الأولى لهذه الطريقة في الكتابة إذ تغيرت مفاهيم الخطاب
المسرحي العراقي، من أساليب البث المباشر لحقائق الحياة اليومية، إلى جعل
الواقع مرئياً انطلاقاً من جدل التراث والمعاصرة، فما كان من النص إلا أن
توسع شكله فأمتد على لوحات ومشاهد تبدو متقطعة من سياقات أخرى وجرى
تجميعها على خشبة المسرح كما لو كانت تشكل واحدا برغم تباين مواقعها
وتواريخها، في ضوء ذلك لم يعد النص إلا لعبة فنية يجري تشكيلها في كل
ليلة عرض فلم يستقر الشكل الأدائي على نمط من العطاء الواحد المتشابه،
إنما هناك ردود فعل واستجابة لما يقوله المشاهد ويعلق عليه، أو لما يقوله
النقد. وهكذا كانت العروض تستمر لأيام عدة وكأنها لم تقدم إلا لليلة
واحدة.
يكشف التعامل مع التراث عن طرق تحديثية في الشكل المسرحي، ويمكن إيجازها
بالنقاط اآتية:
1- أكتشف المسرحيون العراقيون أن في اللغة العربية طاقة درامية جيدة
تمكنهم من إظهار فعل القول بواسطة لفظ القول، وربما هي طريقة لاستنطاق
اللغة نفسها قبل أن تكون طريقة لتوظيف اللغة العربية الفصحى، هذا ما فعله
قاسم محمد في "بغداد الأزل" وفي "مجالس التراث" حينما أعاد انتاج رؤية
النصوص التراثية بعين نقدية معاصرة. ومثله فعل عادل كاظم في "الطوفان"
وفي "مقامات الحريري" والمسعى ذاته في لغة فلاح شاكر في إعادة صياغة لغة
"ألف ليلة وليلة" بصيغة القول المباشر والحياتي. وكان مسعى تفجير
"الدرامي" في لغة قديمة تسير إلى جوار استلهام التراث، حدثاً ورؤية كما
كان يفعل محي الدين زنكنة وغيره.
2- الشكل الفني لمثل هذه النصوص كان من المرونة لأن يصبح قادرا على
استيعاب ما يجري تحديثه في كل ليلة عرض، وهذا ما جعل اللغة العربية قابلة
لأن تستوعب الرأي النقدي الجديد، وفي الوقت نفسه، تستوعب الإحالة على
واقع معاصر. فمقامات أبي الورد مثلاً كانت تستنطق الإنسان بتحويل المقولة
الصينية القديمة "لا أتكلم، لا أرى، لا أسمع" إلى مدلول اجتماعي معاصر في
ظل ظروف القمع والتهجير واتباع سياسة "الرأي الواحد". وكان العرض مفتوحاً
للإضافة والحذف والتطوير بما يتلاءم ورغبة العاملين في شمول قدر أكبر من
المعلومات في السياق ذاته. وكانت مجالس التراث هي الأخرى منفتحة على
"بغداد" في عصورها الغابرة والحالية مما أعطى المسرحية حضوراً في الذاكرة
والممارسة المعيشة، ومثلها المسرحيات القديمة "رثاء أور لعوني كرومي" و "كلكامش
لسامي عبد الحميد" التي أصبحت هوية للمسرح العراقي في المهرجانات العربية
بعد أن أعيد صياغة النص درامياً.
3- ما يفرضه العرض الحي من شكل فني جديد لا يستقر في عرض آخر ولا مع
تجربة مخرج أيضا، إنما كان اللعب الفني مسيطر كرغبة في التجديد، ولذلك لم
نجد أي مخرج أو مؤلف قد وضع لنفسه معياراً نظرياً أو جمالياً يقدم في
ضوئه تصوراته الفنية واتجاهه في العمل المسرحي، على العكس من بداية
السبعينات حينما كان المخرج يقدم لمسرحيته تصوراً نظرياً وفهماً نقدياً
أشبه ما يكون بالمانفستيو للعرض، كما فعل قاسم محمد في تجاربه الأولى
وعادل كاظم ويوسف العاني ومحي الدين زنكنة وآخرون. والسبب يعود إلى أن
أواخر السبعينات قد استقر المسرح فيها على جملة من أشكال التعبير الفني:
الواقعي الاجتماعي، الترميز لقضايا سياسية، البناء التراثي الملحمي،
تطويع الحكاية الشعبية القديمة، الحدث الواقعي-السياسي المباشر. النزوع
الفردي في التأليف وفي الشخصية المحورية "المونودراما".
-7-
التحديث في معمار العرض المسرحي
ما نعنيه بالتحديث في هذه الفقرة هو ما يخص: الديكور والأزياء والإنارة
والاكسسوار وحتى المكياج واستقبال الجمهور والإعلان واللقاءات الصحفية.
والمتتبع لهذه البنيات المتشابكة الواسعة التأثير يجدها هي الأخرى قد
شهدت تطوراً كبيراً يفوق في بعض قدراتها التطورات الأخرى التي حدثت في
بناء النص والعرض، ولا نعدم القول أن بعض المنفذين والمصممين كانوا في
حوار جدلي وعميق مع المؤلفين والمخرجين في رسم أبعاد الأعمال الفنية
المنفذة والقادمة، ونشهد أول مرة أن يصبح هؤلاء العاملين أساسيين في أي
عمل مسرحي بعدما كانوا ثانويين، أو أن المخرج يقوم بأدوارهم جميعاً خاصة
في مسرح الخمسينات.
نلمس هذه العلاقة بين مصمم الديكور والمخرج والمؤلف مثلاً في ما كان
الفنان كاظم حيدر يفعله مع كل مسرحية يصمم ديكورها، فقد كان كاظم حيدر
يميل إلى تجسيد أحداث المسرحية واقعياً فيرسم "يصمم" ديكورها كما لو كان
واقعاً حقاً (أزقة وطرق وبناء صلب وقوي الحضور وفاعلية اجتماعية تراها في
داخل هذا التكوين المسرحي). وتعد تصميماته لمسرحيات (القربان، الخان،
كلكامش، مجالس التراث وغيرها) ذات أطر تجديدية، وفي الوقت نفسه ذات منحى
واقعي، فكاظم حيدر الفنان التشكيلي كان يرى في ديكور المسرحية الواقعية
بنية فنية لا تنقل الواقع وإنما تجسده بواسطة أشكال تختزله وهذه النقلة
الفنية تعد جزءاً من جعل المسرح حتى ولو كانت نصوصه تجريبية، واقعياً،
مما مكنت العمل الفني لأن يستوعب طروحات المخرج الجديدة وفي الوقت نفسه
أفكار المؤلف وقدرات الجمهور الشعبي لاستيعاب العرض. على العكس مما كان
يفعله فنان الديكور صلاح حافظ وهو مصري الجنسية عمل مدة طويلة مع الفرقة
القومية، فلأنه مختص بالديكور كان يقدم شكلاً فنياً رمزياً وواقعياً في
آن واحد، وعبر أعماله التي كان فنان السينوغرافيا "كامل هاشم" يطعمها
بإنارة متميزة، عرفت ثمة واقعين في المسرح: واقعية خارجية تأتي العرض عبر
لغة النص ورؤية المؤلف، وواقعية يريدها المخرج وفق تصوره لدلالة العرض،
هذه الواقعية الفنية تتحول على يد صلاح هاشم إلى رؤية خاصة للعرض كله
"ديكور شبه واقعي ولكنه يحمل سمات تجريدية، وتفسيرات خاصة بالمصمم إلى
الحد الذي ترى خلال الديكور عرضاً بصرياً للنص، كما في مسرحيات "دزدمونة"
وضياء العزاوي في ديكور مسرحية "المفتاح" ونجم حيدر في ديكورات مسرحية
"الشريعة والباب" وفاروق حسن في "الناس والحجارة" وصلاح حافظ في "تكلم يا
حجر" وغيرها من أعمال لفاضل القزاز وآخرين.
لقد شاع هذا العمل بين الديكورست والنص والإخراج بعد أن أعتمد مفهوم
"العرض الذي يشترك في صياغته العاملون في العمل كلهم" فأصبح الديكور لوحة
مسرحية متحركة ومتحولة البناء والكيان موسعة من فعل التأويل، معتمدا
البعد البصري-التأويلي لاضفاء دلالات أخرى على معنى النص كما في مفهوم
"الشراع" في مسرحية ألف رحلة ورحلة لفلاح شاكر وإخراج عزيز خيون وتصميم
صلاح حافظ. لقد أغتنى مصمم الديكور بشعرية الكتلة في فضاء محدد مما يعني
ان ثمة اغناء بصرياً لفاعلية متحركة فكرياً. وما كنا لنجد مثل هذه الثيمة
الجديدة في العروض الحديثة لو لم يكن هناك تداخل بين تيارات تحديثية
شاملة للمسرحية العراقية على يد العاملين كلهم.
ولم يقف التحديث في جوانب العرض المرئية ، فقد شهد النقد المسرحي الذي
يعد جزءاً من فاعلية الأدب المسرحي بالضرورة، تطوراً هو الأخر، فقد خرج
عن ميدان الانطباع المباشر إلى ميدان التحليل النقدي الأكاديمي، والدراسة
النقدية المنهجية القائمة على تصور ما بالمدارس النقدية الحديثة وهذا ما
ساعد الكثير من العاملين في المسرح، الانتباه لحيثيات العمل المسرحي
بعدما كانت العروض المسرحية تجري بطريقة الذائقة الفردية للمخرج.
-8-
لم يقف التحديث في المسرح العراقي على ما أنتج في المسرحيات التي أنتجها
فنانون عراقيون يعيشون داخل العراق فقط، فقد كان لأعمال الفنانين الذين
غادروا العراق منذ سنوات نتيجة الاضطهاد والملاحقة السياسية لهم بسبب من
إعتقاداتهم الخاصة، قد أسهموا أيضاً في رفد فكرة التحديث بما يجعلها
مترادفة مع المسعى الكبير الذي بدأ في الداخل، وكان معظم الفنانين
المهاجرين هم من خريجي أكاديمية الفنون ومن الذين عملوا لسنوات عدة مع
أساتذة المسرح وتدربوا ومثلوا عشرات المسرحيات، لذا لا يعد خروجهم ابتداء
لهم بل تطوير لما بدأوه هناك. من هؤلاء الفنانين: جواد الأسدي وحازم كمال
الدين ومناضل داوود ومحمد سيف وصالح كاظم وغيرهم.
وتعد المسرحيات التي يقدمها جواد الأسدي في الوقت الحاضر خلاصة لتجربته
الطويلة في المختبر المسرحي الذي أنشأه لنفسه في العمل، فقد كان يختار
النص وغالباً ما يكون من النصوص المفتوحة التي تحتمل التأويل والعمل من
داخلها لأغناء جوانب أشار النص إليها فما كان منه إلا عمقها بالبحث
والرؤية.. هكذا عمل مع "العنبر رقم 6" لتشيخوف ليقدمها كما لو كانت
مسرحية عربية بعد أن أضفى عليها الطابع الشرقي المحلي، والعمل نفسه مع
مسرحية "العلم" التي تحدث فيها عن الثورة الفلسطينية بمنطق عالمي، والأمر
نفسه مع مسرحية "الاغتصاب" و "مكبث" وغيرها. وفي تصور نقدي لي معه وجدت
أن جواد الأسدي بالإضافة إلى كتابته للنص وفق رؤيته الجديدة يميل إلى
اعتماد المختبر اليومي للتمارين كمادة قابلة لتطوير النص والأداء وغالباً
ما جرت تعديلات كثيرة على النص وفق ما يستجد من تطورات على مسار العمل
اليومي مع النص. ولم يقف الأمر عند جواد في رؤيته الجديدة للنص المعاصر،
إنما كان يخضع نصه إلى تنظير فني وفكري يسهم إلى حد كبير في ترسيم الخطوط
الإخراجية التي يسير عليها العمل، وما أفكاره النظرية إلا مرحلية خاصة
بكل نص جديد مما يعني أنه لا يقولب نفسه ضمن مفاهيم ثابتة، وهذه الرؤية
النقدية له جعلت أعماله مقبولة من جمهور واسع في البلاد العربية ويعد
اليوم أحد أهم المخرجين في المسرح العربي المعاصر.
على الجانب الآخر نجد تجربة المخرج حازم كمال الدين التي قامت أساساً على
خبرة معملية في العراق مع فرقة المسرح الفني الحديث شأنه شأن زميله جواد
الأسدي، إلا أن حازم انفصل عن اللغة العربية ليقدم أعماله باللغة
الهولندية حيث يعيش في بلجيكا وتعلم في معاهدها وبدأت رحلته بتأسيس فرقة
من الشباب لأداء أعمال مسرحية تقوم في مجملها على بنية الحكاية الشعبية
العربية القديمة بعد أن يجردها من الكساء المترهل ليأخذ منها جوانبها
المضيئة ويروح مرمما رؤيته وفق صياغات الوعي الغربي لاطار ومبنى الحكاية
القديمة فيقدم لنا حكاية جديدة قابلة لأن تنفتح على الإنسان في كل مكان
مع إبقائه على طابع الروح الشرقي لمادة قابلة للتأويل والتفكيك. وفي هذا
الصدد قدم عدداً من الأعمال الفنية التي لقيت اقبالاً جيداُ وعرضت في
مهرجانات عربية. يقوم فن حازم كمال الدين الإخراجي على فاعلية الجسد حيث
يعطي للجسد حريته الكاملة في تفسير الأفعال وردود الأفعال معتمداً على ما
قدمه المسرح الغربي من جهود في هذا المضمار، وتعد أعماله تمارين في
القدرة الجسدية على تمثل الفكر الإنساني، وما هذا التجريد من اللغة التي
ما عادت الأداة الوحيدة للإيصال، إلا من قبيل السعي لتأسيس منهجية منفتحة
على لغة المسرح. وتعد تجارب المخرجين جواد وحازم واحدة من تجارب الحداثة
التي تغتني بالمسرح العالمي وفي الوقت نفسه تؤسس لها أرضية عراقية وإن
أختلفت اللغات وأماكن العرض.
في الفترة اللاحقة جاء الدكتور عوني كرومي بما يحمله هذا المخرج الجاد من
أفكار فقدم في الأردن أعمالاً جديدة وقدم في المانيا حيث عاد لها بعد
سنوات عودته من الدراسة فيها مسرحيات جيدة باللغة الألمانية، وتعد
مسرحيته "العرس" المأخوذة عن مسرحية برشت "عرس البرجوازي الصغير" التي
قدمها طلبة المعهد العالي في سوريا وعرضت أخيراً في المانيا بأداء فريق
الطلبة الخريجين أنفسهم، واحدة من الأعمال الجريئة والطليعية. ويعتمد
عوني على قدرات الممثل في تفجير جوانب الأداء المضمرة في النص بعد أن
يكون قد حدد له السبل للدخول إلى دوره، وهنا قد تبدو أن سلطة المخرج قد
ضعفت، لكنها خلال هذه الطريقة قد توسعت لتضيف إليها قدرات فنية أخرى،
وتعد هذه الأسلوبية واحدة من طرق التحديث في المسرح العراقي المعاصر

|