السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  19 - 1- 2004

  رثاء الفجر وطلاسم محايثة للواقع ..

د . تيسير عبد الجبار الاّلوسي

 

لنتكلم بصمت قاسم مطرود

الناقد والكاتب المسرحي قاسم مطرود   أكتب عن علاقات طيبة وأقيمها مع شخصيات تلعب على الورق حاوره: عدنان حسين أحمد/ لاهاي

أمسية

 للمؤلف المسرحي العراقي قاسم مطرود أكتب أكثر من نص في النص الواحد  ,,علي شايع 

قراءة متأخرة،

في الحزن العراقي

  علي شايع

مسرحية

للروح نوافذ أخرى

تأليف    قاسم مطرود 

في نوافذ

قاسم مطرود

د. يوسف رشيد

مسرحية

الجرّافات لا تعرف الحزن

   تأليف قاسم مطرود

 قراءة في

 تراجيديا الجرافات لا تعرف الحزن د. تيسير الآلوسي

الدم في مسرحية

( بعيدا بانتظار الضوء )

قاسم مطرود

   نص مسرحية 

رثاء الفجر تأليف قاسم مطرود

 

    الحزن.. وحكايته

  علي شايع

مسرحية (الجرافات لا تعرف الحزن)

تأليف: قاسم مطرود

إخراج: أحمد شرجي

العرض: يومي 15 و 16 ديسمبر 2001

المكان: المتحف العالمي- روتردام/ هولندا

مر زمن طويل على العرض المسرحي (الجرافات لا تعرف الحزن) للكاتب قاسم مطرود،والذي أخرجه  احمد شرجي. وبقي العمل في ذاكرتي، يحضر، ويستعاد،بقوة. فقلت ربما هي قوة الحزن حين يصبح أداة للتعبير، ويأخذ بقوته حصانة فاعلة لا تزول بزوال لحظته، ولعل مثل هذا الحزن العراقي( في نفسي) يختار من كل حكايا الأرض ما يلائم أوجاعه مزايدة وإمعانا بترديد حكاية النفي والاغتراب والسؤال الأكبر.لكن لم يكن ذلك وحده ما يجعل عملا فنيا يشغل حيزا في الذكرى التي تتأمل في الحزن.بل سيضاف له الحضور الفني المميز لعمل قال كنص، ودارت أحداثه برؤية إخراجية رائعة. وربما قلت في الأولى وفق ما يراه الباحث الوردي لصلتي كعراقي توصيفاً لحضور الدمع في الخارطة: " من تموز الى الحسين ،لأهل العراق حكايا في الحزن ستستمر وتتكرر". وقلت في الرؤية الفنية للمؤلف والمخرج لحظة تقولب هذا الحزن في النص كذات عراقية أدارها المؤلف بروكستيا بخبرة كبيرة، حتى تساءلت ؛ بمثل هذا القالب أراد المؤلف أولا أن يمدد ذواتنا في مستوى عالٍ من وعي أسطورة الحزن العراقي،والتعامل معها ،حد اختيار الحل الأمثل اعتسافاً، وهو يرضخنا وتفاصيل مشاعرنا وفق مقياس الحكاية؟، لا لشيء سوى البقاء في حكاية البطل، بينما يدفعنا المخرج في ذات الوقت لكسر الايهام-البريشتي- في الطريق الى هذا،كما لو ان البطل يتفرج ايضا على المسرح والجمهور،وهو يشاهد في المشهد السينمائي الخلفي،هبوط الجلاد الى الواقع، في ذات اللحظة التي يشترك فيها الجمهور بذاكرتهم مع الخشبة. كان ثمة تناغم كبير بين فكرة المؤلف وبين ما أضافه احمد شرجي وفجره في روح العمل، أيضا كعمل تطهيري بالحزن،يتواتر طيلة العرض في أحداث وتداعيات وشدّ تمتدّ مع كل جزيئة فيه، ذات المشاهد.وكان المخرج احمد شرجي موفقا وهو يستثمر أداة الحزن تلك بقوة.

أمكنة وأزمنة متداخلة وأناس يبحثون عن مستقر .. هكذا أراد مؤلف العمل لهذه الحكاية أطارا وهيكلاًً.. بيئة العرض أشجار جرداء وصندوق بريد كبير كتابوت، وأشياء أخرى فجّرها المخرج في روح النص من موت المؤلف وإلغاء نفوذه مؤقتا، ليتحرك في مساحة هي ذاتها سرير الحزن فأتخذه منطلقا لها كونه يكرر:(الحديث عن الخريف والموت وعن هذه الدكة التي لم تضجر من تكرار الأحزان ) .. كتابة مطرود للنص كانت تأسيساً واعياً..وتجلياً بقي ثاقب الرؤية وأضاء للمخرج جسداً وهيكلاً آخر بما يشبه النص الجديد المولّد..الذي اراد ه وعمّق به رؤى الحكاية الحزينة.. وبقدر ما كان الحزن مرجعية شاملة تأخذ الأفعال منها تسلسل هذه الحكاية التي تبدأ برجال غابت عن قلوبهم الشمس ،كانت انكسارات ذلك العجوز(ضحية الجلاد الأزلية) تحت تعذيبهم رمزا للشموخ وتوقا للنجاح .. الحزن الذي ما اراد لنا_المخرج_ من خلاله ان نكون محايدين او نكتفي باستحضار الانفعال المجرد.بل ان نحضر جميعا في ذلك الشخص وهو يصارع فوق الخشبة، لقد تعامل بمفردات جديدة في تداخل الزمن (الذي يُشبِّهه الضحية بصندوق كبير مددوا فيه عمره) بين الابن السياسي الهارب والأب السجين ومن مكابداته لغربة جديدة تبدأ بموت الزوجة ودورة الزمن الكابوسي وتناميه. استفاد احمد شرجي بعمق ووعي كبير من هذا التداعي في حكاية الفصل الواحد المضغوطة والمكتوبة بحبكة درامية غير يسير جمع أطرافها لعيون الجمهور. لكنه استخدم أدوات كثيرة واستند الى خلفية موسيقية ناغمت أوجاع العجوز المتلاطم في جنبات المسرح ، مكان  وَضَعَ ستار كاووش لمسات ديكور كانت في صميم العمل .وهبوط الجلاد من شاشة العرض السينمائي الى المسرح بحركة ذكية غير مسبوقة أراد خلالها الاستفادة  من وحدة الرؤية هذه، الحركة التي أخذت من اللحظة العراقية في زمن السجن كل إمكانيات الحدوث وسوريالة تلك المواجهة اليومية من دون تكيف اذعاني للواقع الدكتاتوري وجلاديه بل نقض له والبحث  عن دروب لإدارة مجابهته حلماً، اشتركنا فيه بصرخة بريخت" جميعهم أولا أحد. كلهم أو لا شيء. الفرد وحده لن يستطيع خلاصا"،حتى لكأن كل شيء على الخشبة، قال بهذا، وتناغم فيه وصولا لرؤية المؤلف بتوحدّ كل الاشياء للبوح عن ذكرى.ولحظة لم تعد الكلمات تقول كل شيء ،وهي كذلك بوصف هذا الحزن العراقي الهائل ، تداعى المؤلف بالقول : ( أني لا أحسن البكاء انهاري جففها الرصاص).في مثل هذه اللحظة، كنت،ارى المؤلف اكثر من البطل، المؤلف كاتبا، وشاهدا على الماضي، وحاضرا في استيعاب واقع الاغتراب واحتواء مفرداته.

  وفي رؤية درامية شاملة  للعمل حاول ان يستثمر كل مساحة المسرح والمساحة في ذهن الحضور من أسئلة وأفكار لجأ خلالها بترتيب منظورات متجددة ومتبادلة .. ما لبثت ان وصلت الى محطاتها عبر هذا الحوار الحاذق،والحركة المتوازنة، مفصحة عن نضج رؤية المخرج وابتعاده عن طرح السطحي لموضوعة هي من يوميات المدرك العراقي في المنفى . أسس للحكاية  تكويناتها الحركية التي تعدّت الجهات الأربع الى جهة قادمة من البعد الرابع ... البعد الذي هبط منه الجلاد الى المسرح .. احمد شرجي اراد الوصول الى  قول العلاقة التي أسسها  بأدواته متحركاً حتى النهاية المفتوحة على أفق الاغتراب هذا.

و لتأطير كل أسئلة المؤلف بمنظومة فنية وهندسة مسرحية محكمة، أجاد  احمد شرجي بامتياز كممثل ومخرج، مستفيدا بشكل كبير من وجود المخرج المسرحي هادي الخزاعي، ممثلا، معه.

أستطيع القول الآن: لم يكن الحزن و ثيمته ما ذكرني بهذا العمل، بل الحضور الفني المبدع في النص، والإخراج.