استلهام التاريخ في مسرحيات سعد الله ونوس :

كيف بدا ابن خلدون في مسرحية " منمنمات تاريخية " ؟

                                                                                      علاء اللامي

 

  لم يقدم المبدع الراحل سعد الله ونوس في مسرحيته الخطيرة الشأن " منمنمات تاريخية " والذي ضمها المجلد الثالث من أعماله الكاملة  مسرحا تاريخيا بالمعنى المألوف للمسرح التاريخي أو للرواية التاريخية . وعلى الرغم من ذلك ،فأن المادة التي اشتغل عليها دراميا وسرديا، بقدر تعلق الأمر بالجانب البنيوي  النثري  بعنصر السرد ، هي مادة تاريخية بحتة .

إن الإنجاز أو للدقة ،الجانب الأهم من الإنجاز المسرحي التأليفي لسعد الله ، يكمن ويتبدى على جهة التحديد في هذه النقطة بالضبط ، أي في فهمه لكُنه العلاقة بين المادة التاريخية الخام والإنجاز النثري المسرحي الطالع منها وخصوصا في عمله موضوع القراءة " منمنمات تاريخية ".

  قد يبدو الأمر ، للوهلة الأولى ، متعلقا بما يمكن تسميته التوظيف المسرحي للمادة التاريخية وللحكاية كقلب وروح لتلك المادة التاريخية ، ولكن متابعتنا المسكونة بالأسئلة لهذه المسرحية ستثبت لنا خطا هذا التفسير، أو على الأقل عدم كفايته وكفاءته ، إذ أن الموضوع لا علاقة له ،هنا أيضا ،بالتوظيف الاقتباسي، لسبب بسيط هو استمرار نص ونوس بأداء وظيفة النقد الموجه عن بعد ،إن صح القول ،وتسليط الأضواء على نتوءات وأخاديد ،كان من الصعب اكتشافها في السابق على السمت التاريخي. إن عملية هيكلة النص تدخل مع " منمنمات تاريخية " منعطفا خاصا وواعدا لاستجلاء الحقائق التي أراد الكاتب إيقافها على رأسها أو هتك سترها وتجريدها من كساء الوهم لتظهر كما هي في حقيقتها . ويمكن لنا، بقليل من الخفة، والكثير من الحذر ، تشبيه ما يفعله ونوس بنمنمة التاريخ،وذلك بمنح فعل النمنمة بعدا زمكانيا أعمق بكثير مما توحي به كلمتي " وقت " و" مكان " .إنها نمنمة وصياغة  تعنيان أولا وقبل أي شيء آخر،  تقديم المعالجة الجديدة المعاصرة للحكاية التاريخية إياها .ولقد سعى الراحل ونوس لتفسير فهمه الخاص للمسرح انطلاقا من هذه التيمة الرئيسة ،وفي عدة مناسبات. فقد كتب مثلا في مقدمة مسرحيته "الاغتصاب" يقول: ( أن إلهام المسرح الحقيقي لم يكن في يوم من الأيام الحكاية بحد ذاتها ، وإنما المعالجة الجديدة التي تتيح للمتفرج تأمل شرطه التاريخي والوجودي .الأعمال الكاملة مج 2 ص 63) وتأسيسا على هذا ،ستغدو الحكاية التاريخية أو تلك المتخيلة أقل أهمية من المعالجة المسرحية الجديدة والحاوية لمضامين الشرط التاريخي المعاش من طرف الجمهور والكاتب معا .ولكن هل معنى ذلك تَقَصّد العبث بالمادة التاريخية في مرحلة الكتابة الأولية ؟ وهل يعني التأليف بحد ذاته عملية تركيب إضافي مسطحة أو ذات بعد واحد ، تمتح مادتها من نبع الماضي المتجمد في الماضي ،وأيضا من نهر الحاضر سريع الجريان ، أم إنه – التأليف – أكثر تعقيدا وتشابكا من أن تفسره هذه الأسئلة ؟

  لنحاول رصد الموضوع بالعودة الى تجربة سعد الله في المنمنمات ،فهو أولا ، يحافظ على صحة ودقة المادة التاريخية حَدَثاً وشخوصاً وبيئةً عامة. وهو تاليا، يُدخل كلّ ما تقدم ذكره من عناصر ومكونات الى مرجل النثر المسرحي الخاص به،والمشتغل بقوة موهبته وثقافته وإحساسه الوجداني العميق ،ليخرج النص المنجز في منتهى الأمر وكأنه تاريخ عتيق آخر يشبه الى حد التوأمة تاريخنا الجاري أمام أنظارنا . وربما كانت وقفة ونوس مع العلامة ابن خلدون مناسبة ينبغي التدقيق و الفحص الاعتباري عندها ومعرفة مقدار خطل أو صواب الفرض النقدي الذي أتينا على ذكره في ما تقدم من كلام ، مع أنه لم يبدأ بابن خلدون بل بالشيخ المقاوم برهان الدين التاذلي .

الانتصار في هزيمة الشيخ التاذلي :

 خصص سعد الله المنمنمة الأولى للشيخ التاذلي وعنونها كالتالي " الشيخ برهان الدين التاذلي أو الهزيمة " .وثمة قراءتان محتملتان لهذا العنوان ، الأولى تقول بقرن الهزيمة العسكرية أمام جحافل المغول بالشيخ المجاهد قرن السبب بالنتيجة ، فالشيخ لم يتخل عن سلفيته وتشدده مع ما هو عليه من روح مقاوم وطبع جسور وقد تجلى ذلك في موقفه السلبي إبان محنة العالم المعتزلي الشيخ جمال الدين بن الشرائجي.

أما القراءة الثانية ،والتي نميل إليها مرجحين، فهي تلك التي تجعل جهاد الشيخ ذا منحى إيجابي بمعايير التاريخ مقارنة بمواقف رجال دين جشعين الى درجة الكلبية ،وخانعين الى درجة التفريط والخيانة ،ومثالهم هو الشيخ ابن مفلح ومجموعته والتاجر دلامة ومجموعته  ممن  لا يهمهم الوطن والناس والدين بل أملاكهم الخاصة وأملاك الأوقاف التي يسرقونها بانتظام! أما ورود كلمة الهزيمة بعد العاطف المفيد الاختيار "أو" فلا يعدو أن يكون اقتراحا لعنوان آخر مستقل . ومع كل ما تقدم ،وعلى الرغم منه غالبا، يمكننا عبر تلمس حالة المقاومة لدى الشيخ التاذلي والتي تتَذروَنُ في الاستشهاد البطولي والهزيمة العسكرية المؤقتة بسبب من عدم التكافؤ بين القوتين المتحاربتين وخذلان سلطان مصر "  فرج بن برقوق"لأهل دمشق المقاومين . يمكننا إذن قلب المعطى المضموني لهذه المنمنمة واعتبار الانكسار العسكري لأهل دمشق واستشهاد الشيخ التاذلي وزملائه المجاهدين نصرا سيقطفون ثماره ويذكرنا  بمعركة " عين جالوت "التي هزم فيها المغول هزيمة نكراء  . وسوف يغدو هذا التفسير أو الفرض النقدي على درجة عالية من الوضوح والمعقولية متى ما انتهينا من الاطلاع على تفاصيل مواقف وآراء العلامة ابن خلدون الاستسلامية الخانعة بل والبالغة حدود الخيانة والتعاون مع العدو الغازي ورسم خريطة جغرافية  للمغرب العربي مرفوقة بكتاب وصفي للبلاد وناسها وإمكاناتها بريشة ابن خلدون بناء على طلب تيمور لنك.

  ولإعطاء هذا الكلام التعميمي شيئا من الواقعية نعود الى المنمنمة الأولى والتي تمثل بحق رزمة مفاتيح المسرحية وليست مفتاحا واحدا لنجد الركائز التالية والصالحة للنمذجة :

-    الجو العام هو جو هزيمة كارثية فقد سقطت حماة وحلب بيد المغول وتحولتا  الى ركام ومقابر جماعية حتى قيل أن المغول شيدوا مئذنة من جماجم القتلى .

-     جيوش المغول في طريقها الى دمشق . نائب الغيبة، وهو أشبه بقائم مقام الخليفة، أو السلطان فرج بن برقوق، يميل الى "تسليم المدينة بالأمان" للمغول ويحاول الهرب فتتصدى له الجماهير وتمنعه من الرحيل بل و تهينه .

-     الشيخ التاذلي يدعو نائب قلعة دمشق الأمير عز الدين الى المقاومة بالاعتماد على الذات حتى وصول السلطان فرج وعساكره المصرية وتبدأ عملية المقاومة فعلا.

-    رجال الدين من جماعة ابن مفلح يسايرون المقاومين مرغمين ويدفعون الشيخ التاذلي لحسم قضية الشيخ المعتزلي جمال الدين وينجحون في ذلك ،إذ تحرق كتب هذا الأخير  ،ويوضع في الحبس ولكنه ، ولهذا الاستدراك مغزاه المعاصر العميق ، لا يكف عن المطالبة بحقه وواجبه في المشاركة في مقاومة الغزاة  .

-     يحدث أول صدام بين الشيخ التاذلي وابن خلدون ليلة انسحاب السلطان فرج بعد هزيمة عساكره بمواجهة المغول وتبلغه بأخبار حول مؤامرة ضد عرشه في مصر ،حين يعلق ابن خلدون على كلام السلطان المستبد بعبارات خانعة وانتهازية فيوبخه التاذلي: أ تسمي الخذلان فصاحة يا بن خلدون ؟

-     في نهاية  هذه المنمنمة يستشهد الشيخ المقاوم برهان الدين التاذلي حاملا سلاحه ،ولكن عملية المقاومة والصمود في القلعة تستمر. ففي معركة واحدة قتل وأسر أهل دمشق  من المغول حوالي الألف غاز وغنموا الكثير من خيولهم. غير أن هذه المعركة لا تحجب حقيقة الهزيمة العسكرية القادمة بسبب موازين القوى وخذلان السلطان  وتآمر التجار ورجال الدين ولكنها ، أيضا، لا تحجب حقيقة انتصار الخط المقاوم الذي مثله الشيخ التاذلي والأمير عز الدين قائد القلعة على خط الاستسلام  في المدى التاريخي .

  إن أي كلام قد يقال ،ومن باب المقارنات التاريخية بين دمشق التاذلي آنذاك  والراهن العربي العام، سيكون نافلا ومكررا ،ولهذا سنكتفي بدعوة القارئ الى القيام بتلك المقارنات بنفسه فيما بعد ،إذا ما وجد ،وقد يجد،فائدة في ذلك ، وسنواصل نحن رصد الوعي المقاوم المبثوث خلف وفي أحشاء  النص المسرحي الشامل ،وصولا الى تلمس المعالجة الجديدة التي كان يطمح الى إيجادها سعد الله لثنائية النصر والهزيمة أو لجدلية "المقاومة \الحياة ، الاستسلام \الموت "و بما يسمح لنا بمعرفة وتأمل شرطنا الحياتي والاجتماعي من خلال هذه المعالجة لحكاية مركزية من حكايات وجود الأمة .

الوجه الآخر لابن خلدون :

  إنها المصادفة وحسب تلك التي قادتنا الى هذا التسلسل الرقمي أو التراتبي في قراءة نص المنمنمات ،فنحن الآن في المنمنمة الثانية ،وسنختم بعد حين بالثالثة ،لا لشيء يتعلق بالتراتب الزمني ،وإنما لأن طريقتنا في عرض افتراضاتنا النقدية وتسليط الضوء على ما هو مهم لنا من مكونات النص تطلبت ذلك بشكل تلقائي وغير مبرمج سلفا .

  بالعودة الى التساؤل المعبر عنه في عنوان هذه الدراسة " هل يخون العبقري ؟" من الواضح أننا نسجل على بياض ،كما يقال ،اعترافنا بالقيمة العلمية الأكيدة لنظرية ابن خلدون في ما سماه "طبائع العمران البشري" ونعتبر هذا الأمر فتحا فريدا ورائدا في بابه . نقول هذا الكلام على الرغم مما يساق هنا وهناك من تحفظات محقة أحيانا ،حول أسبقية "أخوان الصفا" في التأسيس والتأثيل لهذه النظرية بحسب بعض الباحثين، أو أسبقية مؤرخ كالمقدسي أو المقريزي بحسب باحثين آخرين فهؤلاء وأولئك يعتقدون بأن ابن خلدون ليس إلا مكررا ومعيدا ،أو في أحسن الافتراضات متمثلا ومطورا لتجربة واكتشافات "أخوان الصفا" أو المقدسي والمقريزي في ميدان ما بات يعرف لاحقا بعلم الاجتماع . وإذن فالعبقرية ليست موضع شك أو موضوع نقاش على أهمية هذا وذاك، ولكن المهم في نظرنا، وفي دراستنا المتواضعة هذه ،هو السلوك الفعلي والفردي " الشخصي " لحامل العبقرية بوصفة مواطنا وبصفته ذاتا عاقلة ومسئولة إبان منعطفات حاسمة في تاريخ وحياة أمته ووطنه .

  وقد نفاجئ القارئ بالقول أن صاحب المنمنمات نفسه سبقنا الى طرح هذا السؤال " هل يخون العبقري ؟" ولكن ضمن التباسات العملية التأليفية المعقدة ولهذا سنحاول أن نركز مهمتنا على هدفين أو محورين :

-    تطوير التساؤلات الجنينية التي وردت في النص أصلا حول الموضوع والمضي بها الى آفاقها الحقيقية .

-     طرح تصور أقرب الى روح العلم والتاريخ حول علاقة المثقف ومنتج المعرفة كإنسان بجماعته الإنسانية ضمن خطين :خط المقاومة غير المشروطة بنوع معين من الأدلوجة وخط الاستسلام وخيانة الجماعة .

  أين طرح سعد الله سؤالنا المركزي أو ما هو قريب منه ؟

   بعد استشهاد الشيخ التاذلي خلا الجو لتحالف رجال الدين والقضاة من  جماعة ابن مفلح والتجار والأعيان الممثلين بشخصية دلامة فشرعوا في إثارة البلبال والتشويش على الخط المقاوم عن طريق إدعاء الحيرة وصعوبة معرفة الصواب في وضع معقد ! وهذا ما يحدث في جميع العصور، فمنذ أيام تيمورلنك في الشام الى أيام الصهاينة في فلسطين الراهنة ، ونحن نشهد ونشاهد العديد من  " المتخمين "  بالقلق والحيرة والذهول والتمزق وهم يبررون الخنوع ويروجون الهزيمة والعبودية ،إذ يبدأ دعاة الاستسلام هؤلاء ببلبلة الرأي العام ،تمهيدا للتشكيك في شرعية وصواب المقاومة ،وصولا الى ضرب الجناح المقاوم والانفراد برأس الأمة والوطن ومن ثم تبضيعه  في سوق المساومات الخيانية مع الغازي. والحقيقة فإن إدعاء الحيرة وبذر البلبلة ليسا إلا حركات مسرحية بلهاء تحاول ، مستغلة قسوة الصراع العسكري ، تضبيب الصورة الواضحة  أو المضاربة على الحسبة السهلة كالماء  التي تقول وببساطة :إن من يجد وطنه محتلا وعاصمته مطوقة بقوات الغزاة، وخصوصا إذا كان الغزاة من صنف المغول أو الصهاينة ،فلابد له من المقاومة ،فإما النصر وإما النصر بالشهادة! هكذا وببساطة واحد مجموع الى واحد يعلن المنطق المقاوم عن نفسه . وهذا ما كان يعرفه عبد الرحمن بن خلدون الذي طالت عشرته مع الحيث التاريخي حتى صار ذهنه معجونا به ومشبعا بتفاصيله وعبره البليغة أو هذا ما يعتقده المرء على كل حال . ولكنه - ابن خلدون -  يختار  الميدان الآخر لا ميدان المقاومة ، والطريف واللافت أنه يعبر الى ذلك الميدان على جسر عبقريته ، وهو هنا كمن يستخدم النظرية الماركسية لإثبات استحالة بناء المجتمع الاشتراكي المساواتي ! فهو يحاول تبرير عدم دعوته الناس للمقاومة ،وانحيازه بعد قليل الى تحالف التجار ورجال الدين والأوقاف، بنظريته الخاصة" علم العمران البشري " .وهاهو يقول لتلميذه وتابعه المصري "شرف الدين " ( ألا تعلم يا شرف الدين أن صبغة الدين حالت ، وأن عصبية العرب زالت وأن الجهاد لم يعد ممكنا ؟) وحين يحاججه التلميذ بشدة حماسة وعصبية أهل دمشق أثناء تشييع الشيخ الشهيد التاذلي واستعدادهم التام والصادق لقتال المغول، يقول ابن خلدون ( هذه ليست عصبية يا شرف الدين . تشدق الأحداث وهياج العامة والدهماء ليست من العصبية في شيء . والناس هنا – في دمشق – أهل مدينة وحضارة بلغ فيهم الترف غايته ، وسقطت عنهم العصبية بالجملة . الأعمال الكاملة مج 2 ص 394) وثمة حوار طويل بين ابن خلدون وشرف الدين لا يخرج عن هذا المؤدى  ويدخل في تلافيف قضية المثقف ومبدع الثقافة والعلم والموقف التاريخي ،ويستغرق هذا الحوار التفصيل السادس كله من المنمنمة الثانية . فحين يسأل التلميذ أستاذه ( أليس من مهمة العالم يا سيدي أن ينير للناس ضوءا أو أن يهديهم الى سبيل يخرج بهم من الانحطاط ؟! يجيب ابن خلدون بالنفي ويضيف ( مهمة العالم ان يحلل الواقع كما هو، وأن يكشف كيفيات الأحداث وأسبابها العميقة .) وما ثمة حاجة كما نعتقد للتنبيه الى لغة الحوار المعاصرة والتي تنبئنا عن أن الراحل ونوس لا يضع كلاما في فم ابن خلدون بل إنه يقدم ما هو أقرب الى ترجمة مضامينه القديمة بلغة عربية معاصرة . غير أن الخلاصة الخطيرة التي يعلنها لنا سعد الله و نوس وتلخص موضوع العالم العبقري وموقفه التاريخي ومن ثم قيمته في التاريخ هي تلك التي يقولها مشخص دور ابن خلدون مجيبا على سؤال يلقيه مشخص دور شرف الدين :

-    شرف الدين : ( مباعدا بينه وبين دوره ) ماذا سيقول عنك التاريخ يا سيدي ؟

-    ابن خلدون : ( مباعدا بينه وبين دوره ) لن يذكر التاريخ إلا العلم الذي أبدعته ، والكتاب الذي وضعته . أما هذه الأحداث والمواقف العابرة ، فلن يذكرها أو يهتم بها إلا موسوس مثلك ، ومثل كاتب هذه الرواية .)

تنتهي هنا المنمنمة الثانية مثيرة كثرة من الأسئلة والتساؤلات ألمحنا في ما سلف الى البعض منها ونشعر بالحاجة الآن لطرح أخرى ذات استهدافات مختلفة ومنها :

-    هل كان سعد الله يعبر عن وجهة نظره هو بالقول أن ما يبقى من العالم العبقري هو علمه فحسب أما مواقفه العابرة فلا قيمة لها ، أم عن وجهة نظر ابن خلدون كما فهمها وتوصل إليها هو ؟

-     ما مقدار الحقيقة والصواب في مضمون ما قيل تاريخيا وحاضرا على ضوء الصراع المعاش بين الأمة وأعدائها الخارجيين " الغزاة " والداخليين الممثلين بتحالف الخنوع والقمع  ؟

في اعتقادنا فإن السؤال الثاني يفسر جزئيا ولكن بوضوح طبيعة الإجابة على الأول ، بمعنى: إن سعد الله كان يعبر عن وجهة نظر ابن خلدون السلبية معياريا " أخلاقيا "، وبالتالي فإن مقدار الحقيقة أو الصواب في المضمون الخلدوني مشكوك فيه تماما أن لم نقل إنه على الطرف النقيض للحقيقة المعيارية السائدة حتى يومنا هذا .و قد لا تحتمل المداعبة الواردة في الحوار " لا أحد يهتم بالمواقف والأحداث  إلا موسوس مثلك ومثل مؤلف هذه الرواية " شيئا أكثر من تعضيد هذا الاحتمال من خلال السخرية والهزء من واقع الحال الصراعي ،ومن محاولات تصنيم وعملقة "العلامة" عبد الرحمن ابن خلدون ،وتناسي أو إهمال "القاضي المالكي" عبد الرحمن ابن خلدون ،الذي حمل نسخة من القرآن وعلبة الحلاوة هدية للغازي تيمور، الذي بنى مئذنة من جماجم أهل حلب !فهل نحن إزاء ابن خلدون واحد أم اثنين ، وهل يخون العبقري ؟

 اختلاف المصائر والاتفاق ضد العقل :

 تنتهي المنمنمة الثانية بانشقاق التلميذ شرف الدين على أستاذه ابن خلدون بعد عودة هذا الأخيرة من زيارة الغازي تيمورلنك وتقبيله يده وامتداحه وتقديم الهدايا له . وقد أملى ابن خلدون تفاصيل زيارته تلك على تلميذه ،وحين انتهى منها ،حاول أن يبدأ بإملاء تفاصيل كتاب يصف بلاد الغرب ومسالكه بطلب من تيمورلنك ،رفض شرف الدين الكتابة وافترق عنه بعد أن قال له ما كان ينبغي أن يقال في مواضع كهذه. لقد رفض شرف الدين التورط أو الوقوع في كمين الازدواجية واختار الانتماء الى قلعة دمشق التي صارت هوية المقاومة والحياة  .

 تنتهي هذه المنمنمة إذن بشروع ابن خلدون بتدوين كتابه : " في وصف بلاد المغرب "، وتبدأ الثالثة والأخيرة وعنوانها " آزدار أمير القلعة أو المجزرة " وآزدار هو ذاته الأمير عز الدين قائد المقاومة في قلعة دمشق ويوحي اسمه بأنه من أصول كردية ومعلوم للمشتغلين بتأريخ تلك الفترة المساهمة الفعالة للأمة الكردية في مقاومة الغزاة المغول حيث قدمت عددا مهما من القادة العسكريين البواسل من أمثال حسام الدين عكا الذي قاتل دفاعا عن بغداد حتى الشهادة وناصر الدين محمد الملقب بالملك الكامل الذي قطعه المغول إربا و وذرات صغيرة بعد أن رفض شرب الخمر وبصق بوجه هولاكو الذي أمره بفعل ذلك ،وهناك ناصر الدين القيمري أحد قادة معركة " عين جالوت " وابن كورال وغيرهم كثيرون من أبطال الكرد المقاومين. لنعد الى دمشق على ركح المسرح الونوسي ولنتابع :

  يفلح القضاة والأعيان والتجار في شق ومن ثم تشتيت المقاومة داخل المدينة التي يدخلها الغزاة المغول ويعملون السيف في أهلها ،ولكن المقاومة تستمر في القلعة . يرسل تيمورلنك مجموعة من أعيان دمشق وقضاتها الى القلعة في محاولة لإقناع المقاومين بإلقاء السلاح والاستسلام ،فيجرد المقاومون أعضاء الوفد من ملابسهم ويهينونهم ويعيدونهم عراة الى تيمورلنك .يلجأ الغزاة الى الحل الأخير وهو استخدام أعيان دمشق ومن تبقى حيا من أهلها في نقب وحفر أسوار القلعة فيتم لهم ما أرادوا وتستباح المدينة وينتقم الغزاة من الجميع بمن فيهم تحالف التجار ورجال الدين والأعيان الذين خانوا قومهم وآزروا الغازي  .

  إن جردا سريعا للأحداث ،كهذا الذي قدمناه ، لا يحمل أية قيمة نقدية في حد ذاته ،ولكننا سنسعى الى الإفادة منه على مستويين :

-    رصد عملية المعالجة الجديدة للشرط الوجودي عن طريق غير مباشر ومتروك لمتابع المسرحية قارئا كان أم متفرجا .

-     تجسيد وتبيين المحمولات الأدلوجية أو المعاني الكامنة تحت القشرة الأدلوجية  بالأمثلة الحَدَثية خصوصا في تحليل ،ومن ثم ،تأكيد الفروض النقدية التي وردت في بداية الدراسة .

  كما أن سردا ،مهما بدا مبتسرا وسريعا ،لابد له أن يعرج ويلحظ المغزى العميق لمصير الفيلسوف المعتزلي الحر الشيخ جمال الدين بن الشرائجي  طالما يدور الكلام عن المصائر . فبعد أن يسلّم التحالف الاستسلامي المدينة الى الغزاة ،وبعد أن تستشهد المقاومة ببطولة ،يؤتى بالشيخ السجين جمال الدين الى مجلس تيمورلنك ليحسم  أمره ويحكم في قضيته ،وبعد أن "يروي " البعض ممن حضر المجلس ومنهم الشيخ محي الدين بن العز والعلامة القاضي ابن خلدون  حكايته من وجهة نظر منحازة ،حتى يغضب السلطان تيمورلنك والذي لا نعرف منذ متى تأسلم وهو الغارق بدماء المسلمين حتى حاجبيه، ويأمر بتنفيذ قضاء الله في هذا " الكافر " ،فيصلب الشيخ جمال الدين  على يد الغزاة بعد أن حرمه "الآخرون " من شرف المساهمة في المقاومة و هاهو يحمل صليبه في نهاية المسرحية ويتقدم نحو مصيره المأساوي متسائلا:(عجبت من اتفاقهم في أمري على ما بينهم من الحرب وسفك الدماء.ص466) .إن الاتفاق الذي أشار إليه سعد الله على لسان ابن الشرائجي ،والذي ساد من دون تواطؤ مسبق بين أطراف العملية الصراعية،والتي لا يمكن اختصارها فقط بالمقاومين \الغزاة ،ففي هذا الاختصار يكمن خطر تبسيط التاريخ وتحويله الى معادلات رياضية ميتة .هذا من ناحية ،ومن أخرى،فهو اتفاق ضد العقل والتنوير الذي مثله ابن الشرائجي ،و لا يمكن فصله واجتزاؤه من السياق التاريخي كحدث عابر، لأنه لم يبدأ مع اجتياح الغزاة لدمشق بل سبق ذلك بزمن طويل . من حيث المبدأ ، يمكننا تسجيل الأهمية الفائقة لهذا المحور في المسرحية ،والذي لا نعتقد بأنه أخذ الحيز المكافئ لأهميته نصيا ،ونحسب أن وروده بهذا الشكل، إنما استدعاه المحور الأهم والهيكلي في النص ،وهو الملخص في مواقف وآراء وسلوك ابن خلدون خلال الصراع .لقد أراد سعد الله ، ضمن ما أراد، من فتح هذا التفريع ، اختبار إمكانية التمييز والمقارنة المعيارية بين مجموعة مصائر مأساوية متباينة من حيث المحمول والمحتوى الوجودي، والخلوص من ذلك الى إيجاد تنويعة من الاجتهادات التأملية لمشاهد المسرحية المعاصرة دون محاولة فرض فجة ،كما اعتادت أن تفعل نصوص كثيرة، للاجتهاد الوحيد والواحدي . وهكذا سيكون بمقدور المشاهد ، على سبيل المثال، القيام بمصالحة معيارية بين المقاوم الشهيد الشيخ التاذلي مع المحروم من شرف المساهمة في المقاومة الشهيد الشيخ جمال الدين ومع مقاتلي القلعة في نفس الوقت ، أو الخلوص الى مساواة معيارية هي الأخرى ،بين أطراف التحالف المحلي  والمؤلف من التجار ورجال الدين والقضاة وبين الغزاة أنفسهم . وعلى الرغم من أن بعض شخوص هذا التحالف قد انتهى نهاية مأساوية بسيوف حلفائه المغول ،ولكننا لن نستطيع المساواة وربما حتى المقارنة البحتة بين مصيرهم ومصير شخوص الطرف المقاوم ، لن نستطيع أن نفعل ذلك ،دون الوقوع في خطر تجريد التاريخ من الأبعاد المعيارية "الأخلاقية " وتحويله الى مجرد حركة ذات بعدين زماني ومكاني خالية من المعنى تماما وعبثية حكما وسيعني هذا المآل حكما تحويل العمل المسرحي الى مجرد تصوير فوتوكوبي شاحب لتك الحركة الميكانيكية الكئيبة الأمر الذي شكلت التجربة المسرحية "الونوسية " نقيضه التام والعميق والدائب.

  ونختم بالتأكيد على أن ما قدمناه في هذه الدراسة ،لا يعدو كونه محاولة أولية لقراءة النص من وجهة نظر مختلفة،إن لم نقل مخالفة لما هو سائد، وهي بهذا مفتوحة على احتمالي الفشل والنجاح معا وفي ذات الوقت في سبر أغوار النص وممارسة النظرية التي يتبناها ونوس في تأمل الشرط الوجودي والتاريخي الذي يحياه مشاهد العمل المسرحي ومن دون كثير احتفال بالحكاية .إن هذه القراءة ستكون حلقة أولى فقط ،قابلة للتطوير والتعديل وربما قلب الافتراضات النقدية الرئيسية كلها ،على ضوء الخطة الإخراجية العامة والروح الفنية التي سيقدم بها هذا النص المسرحي فائق الأهمية ، معنى هذا الكلام ،إننا لم نقم في الواقع  إلا بنصف العمل النقدي المطلوب على أكبر تقدير ، بانتظار أن تتاح لنا فرصة رؤية النص وقد أخرج على الركح المسرحي وحينها ستكون لنا وقفة نقدية تكميلية وشاملة أخرى .   

 

 

هل تريد موقعي هو الافتراضي      .أضف موقعي إلى مفضلتك