|

الثقافات المتعددة في المسرح الأوربي المعاصر
عدنان حسين أحمد/ أمستردام
انعقد في مسرح (
COSMIC
) في أمستردام مؤخراً المؤتمر العالمي لمسرح الثقافات
المتعددة في أوربا. وقد شاركتْ فيه سبع دول أوربية وهي بريطانيا،
ألمانيا، أسبانيا، بلجيكا، إيطاليا، فرنسا وهولندا. وتأتي أهمية هذا
المؤتمر من خلال أوراق العمل والشهادات والمداخلات التي قدّمها ممثلوا
هذه الدول التي أيقنت الآن أن قضية التعدد الثقافي قد أصبحت ظاهرة واقعية
لا يمكن الاستهانة بها أو تجاوزها بأي حال من الأحوال. ففي برلين وحدها
هناك ( 180
) جنسية، وهذا يعني ببساطة أن هناك (
180
)
ثقافة، وهذا الأمر ينسحب على بقية البلدان الأوربية التي تعيش حالة
الاندماج والتكامل والتعدد الثقافي بعد موجات الهجرة التي شهدها القرن
العشرون لأسباب سياسية واقتصادية وثقافية.
ولا شك أن المؤْتَمِرينَ جميعاً يتفقون على أهمية مسرح
الثقافات المتعددة، ويرونَ فيه إغناءً وإثراءً للمشهد الثقافي الأوربي،
لكن بعض المشاركين جاءوا غير مدججين بهذه الفكرة أصلاً. فالهاجس الأساسي
الذي كان يسكن مخيلاتهم هو هاجس عالمي (
UNIVERSAL
) يعتمد
على تنوع الثيمات والشخصيات وطرق المعالجة. أي أنهم كانوا يعملون من دون
أن يضعوا في حسبانهم هذه التعددية الثقافية (
MULTICULTURALISM
) التي
جمعتهم على طاولة النقاش أمام حشد كبير من المعنيين في شؤون المسرح
وشجونه. وقد أثار هذا المؤتمر أسئلة عديدة اتسم بعضها بالغرابة مثل تعريف
فكرة التعدد الثقافي، وتحديد معالمه الخارجية، ودوره في عصر العولمة
والثورة المعلوماتية التي اجتاحت كل شيء تقريباً. والأغرب من ذلك أن بعض
الهولنديين كانوا يطالبون المسؤولين عن الشأن الثقافي بتوفير فرص السفر
والعيش في بعض البلدان الأفريقية والأسيوية ليجلبوا أفكاراً وطروحات
ورؤىً مسرحية جديدة في حين أن عدد الجنسيات الأجنبية في هولندا قد بلغ (
150
) جنسية!
بعض المشاركين الذين مثلوا بلدانهم كانوا أصلاً من
المهاجرين وقد أثبتوا حضوراً فاعلاً يوازي حضور المخرجين والمؤلفين
والممثلين الأوربيين، وقد تجاوزوهم في بعض الحالات متفردين بخيارهم الفني
وأسلوب عملهم كما حصل مع الفنان المخرج حازم كمال الدين الذي يقف وراء
نجاح فرقة ( صحراء
93
) مع بقية الفنانين والتقنيين الذين يعملون برفقته. فالفنانة
أندوروبازنهام رئيسة الوفد البريطاني متحدّرة من أصل هندي، وهي معنية
بالمتلقي البريطاني أكثر من عنايتها بالمتلقي الهندي الذي لم يخطر لها
على بال، والفنان حازم كمال الدين متحدر من أصل عراقي ويحمل الجنسية
البلجيكية، والفنان جون ليردام، سورينامي الأصل ويحمل الجنسية الهولندية.
وهؤلاء الثلاثة وجدوا أنفسهم مضطرين للتعاطي مع فكرة التعدد الثقافي سواء
شاء بعضهم أو لم يشأ. إن فكرة التعدد الثقافي هي ليست معياراً للعمل
المسرحي كما أنها ليست بوصلة تحدد الاتجاه الصحيح لحركة الفرق المسرحية
التي أُسست في المنافي، ولكنه عنصر إغناء وتنويع وتلوين وكسر للرتابة
والجمود. فالمخرج والمؤلف حازم كمال الدين ( مؤسس فرقة صحراء
93
) في بلجيكا لم يتخلَ عن المسرح الشرقي الذي انقطع إليه منذ بداياته
الفنية، وعزز الالتزام به منذ عام
1987
وهو عام وصوله إلى بلجيكا، بل أنه طوّع الممثلين البلجيكيين
والأندونيسيين والهولنديين ووجه عنايتهم إلى المسرح العربي خاصة، والمسرح
الشرقي عامة. وحازم كما يعرف القريبون منه أنه مطلع على أغلب التيارات
والمدارس الفنية الحديثة. وهذا يعني من بين ما يعنيه أن المخرج حازم كمال
الدين لا يزال غير مكترث بفكرة التعدد الثقافي، ويرى في طروحاته الشرقية
قوة جاذبة لم تُستنفد بعد، وأعتقد في أنه نجح في جعل البلجيكيين يلهجون
بأسماء عربية، ويخوضون في موضوعات عراقية أو عربية أو شرقية.
المخرج الألماني أندرياس فردودنبيرك جمع بين شخصية كورية
وآخر ألماني من دون أن يفكر بالتعدد الثقافي، في حين اختار المخرج
الأسباني خوان مارتنيز عدداً كبيراً من شخصيات مختلفة، إحداهن تتكلم
بالعربية، بينما تتكلم الشخصيات الأخرى بالبرتغالية والفرنسية والإيطالية
من دون أن تخطر له فكرة التعدد الثقافي على بال. أما المخرجة والمنتجة
الإيطالية فقد وضعت يدها على الجرح الغجري النازف في البلدان الأوربية
التي تهمش الغجر وتقصيهم وتبعدهم كل يوم عن الحياة الاجتماعية مع سبق
الترصد والإصرار. تميزت مداخلة المخرج والممثل والكاتب المسرحي حازم كمال
الدين بالطرافة والسخرية اللاذعة والخروج عن قالب الطروحات النمطية
السائدة ( فهو يشكر السيد صدام حسين ونظامه الديكتاتوري الذي اقتلعه، كما
اقتلع آلاف الفنانين والكتاب من العراق ووزعهم في المنافي الأوربية.
فلولا صدام حسين لكان حازم كمال الدين مخرجاً أو كاتباً مسرحياً أحادي
الثقافة يتنقل بين بيروت ودمشق والقاهرة. ) لقد استطاع حازم كمال الدين
أن يوصل أفكاره العديدة بشأن المسرح متعدد الثقافات، كما استطاع أن يلفت
انتباه الوفود المشاركة في هذا المؤتمر عبر ورقته الجدية والمتهكمة في
آنٍ معاً، وعبر الدقائق السبع التي عرض فيها مقطعاً من مسرحية ( رأس
المملوك جابر ) التي أوقعت الحاضرين في ذهول مؤقت. وربما يكون حازم كمال
الدين هو الشخص الوحيد الذي أُثني عليه بإفراط شديد من قبل السيد خريس
كوله مان، المدير السابق ل ( البالي ) والذي قدّم ملخصاً لرؤاه ومقترحاته
لمهرجان المسرح متعدد الثقافات والذي سوف يعقد في ديسمبر عام
2002
.
لقد اقتبس السيد خريس مقتطفات طوال من ورقة المخرج حازم كمال الدين،
واستشهد بها في كلمته الختامية لأنها كانت دقيقة وعميقة وملامسة لفكرة
التعدد الثقافي.

هل تريد موقعي هو الافتراضي
.أضف
موقعي إلى مفضلتك
|