|

مقدمة
لكتاب
مسرح عونى كرومى والمسرح الشعبى
تأليف
الدكتور على جواد الطاهر
انه لزمن طويل منذ ان فارقنا استاذنا الكبير الدكتورعلى جواد الطاهر ولم
نعد نراه مشاهداً لعروضنا المسرحية. وهو الذى كنا ننظر إليه متابعاً
ذكياً لاعمالنا وضميرا حيا لثقافتنا. ولكن عزاءنا بان روحه مازالت حية
معنا، ووجوده مازال قائماً فى مخيلتنا ووجداننا. فلربما يستغرب البعض
عندما أؤكد اننى آراه كل يوم عندما اقدم على عمل، أو عندما أبدا بالعمل،
وكأنه يراقبنى ويبدي الملاحظة والملاحظتين. وعندما يستعصي الفهم علي ألجا
لما كتبه سابقا عن أعمالي فاجد فيها ما أحتاجه. افكر به نموذجا حيا
للمتلقي الذى سوف نقدم له العمل .. نعم انه حي، أنظر الى كرسيه المتواجد
فى عروضنا. وكأنه كرسي استاذ الجامعة الذي يوجه ويقود ويتابع كل نشاطات
الطلبة. فلقد ظل الدكتور علي جواد الطاهر نموذجا للمتلقي الذى نحاول أن
نوصل إليه ما نريد وما نفكر بهوعندما نخاطبه من خلال اعمالنا كأننا نخاطب
جيلا من المتلقين المتنورين الذين يجدون في ما نقدم على خشبة المسرح بعض
عزاء لهم من فقر ثقافي ونقص في المعرفة. فلروحه الحية اهدينا العديد من
ابحاثنا وكتبنا يوم كان معنا. ونهديه اليوم جهدنا وهو غائب عنا. فكلمة
استاذ أو مفكر أو ناقد هي اقصر من قامة رجل تعلمنا منه الصبر والمتابعة
والداب والحضور والمسؤولية..
لقد تعرفت على أستاذنا الجليل من خلال الأخ والزميل الدكتور محمد حسين
الاعرجى الذى كان حينها أحد تلامذته وزميلي في أكاديمية الفنون الجميلة
وهو يدعوه لكي يشاهد عملا لنا يعرض في كلية الفنون الجميلة قسم الفنون
المسرحية. وكنت سعيداً عندما حضر وشاهد أول عمل لي بعد عودتي من بلد
الدراسة ألمانيا. ونظر إلى تجربة غاليلو نظره جادة فرحنا بها. ولكنه مع
ذلك لم يجازف ويطلق أحكامه علينا بالرغم من إعجابه الشديد بالعمل
وبالتجربة. وبقي تقييمه محصوراً في النص، وما قراءه من خلال النص وأهمية
العرض. مشيراً لأهمية ما قدمنا عبر ملاحظة عابرة خوفاً من أن يراهن علي
تجربة ربما لا تتكرر. مؤكد عبر هذه الملاحظة العابرة على جدبة عملنا
وأهمية اختيارنا .. فرحنا كثيراً بما كتب عن العرض، وأدركنا حينها أن
جهدنا لم يذهب سدي. وإنما هناك من يتابع ويبذل الجهد في رصد نشاطنا،
وهناك من يدرك قيمة عملنا . ويستطيع أن يقرأ عملنا قراءة تأويله إبداعية
خلاقة .. فهذا هو ما نبحث عنه .. ومما يجب أن نستمر من أجله ونبذل الوقت
والمال والصحة وحتى الخوف والقلق لأإنجاز العمل .. وبهذا ربحنا رجلاً وقف
معنا وساعدنا بقلبه وروحه وقلمه ، بفكره ووجدانه.
واليوم وأنا أري صديقاً وفياً وناقداً جليلاً يعمل على تحقيق وإصدار هذا
الكتاب فإنني أنحني أمامه وأمام جهوده وأحيى فيه الصدق، وكيف ولا هو
الصديق والزميل الناقد ياسين النصير الذي تمتد صداقتي له إلى فترة
الشباب. حيث كان هو الآخر يتابع بحرص شديد، ووعي كبير تجربتنا منذ أن كنا
طلبة في أكاديمية الفنون الجميلة ورافقنا بعدها في مسيرة المسيح الذي
يصلب من جديد مؤكداً لنا روح الشهادة والفداء وكتب عن الكثير من أعمالنا
بروح العالم والمجتهد. اختلف معنا، وحاورنا، تغيرنا معه، وتغير معنا.
وكأن صيرورة الحياة تدفع عجلة التقدم سوياً لكي نحمل الهم والوجع
والمرض. ولكي نشترك في أكثر من قربان قدمناه على مذبح مسرحنا العراقي.
هاهو المتفاني الذي يقدم الآخرين عليه، ويعطي إلى المصدرية حقها،
وللريادة وجودها. يكتب بحس الناقد المتفتح، ويراقب كل شئ بحذر شديد إلي
أن يصل القناعة. يؤمن بأن الرأي الصائب يحمل مع هذا بذرات الخطأ، والخطأ
فيه الكثير من الصواب. فله الشكر والتقدير وإلى أستاذنا الكبير الدكتور
على جواد الطاهر الرحمة والحضور الدائم في وجدان الاجيال القادمة من
الفنانين.
عوني كرومي
غاليليو - برخت
برخت شخصة ضخمة فى عالم المسرح ومعروفة على نطاق عالمي . وهو فكر قدر ما
هو فنان قدر ما هو انسان . وتستطيع ان تسير طويلاً فى هذا الخط من
العلاقات الجدلية . واذا تذكرت عصره ، أو بمعنى يدق ماعانى الاحرار من
جور هلتر ، عرفت الشئ باحثاً ع مملجأ يمكنه ان يبت ما احتواه من ازمات
نفسية ويبث ما ملكه من اراء خيرة هجوماً على الاضطهاد ودفاعاً عن الحرية
وخدمة البشرية فى مسيرتها الطويلة وكأنه لابد لها فى تاريخها من مراحل
صعبة يقف فيها الباطل سيفاً فى وجه الحق ، والقديم البالى شرساً ازاء
الجديدي الطالع ، وعلى الحق الجديد ان يضحياً وان يواليا التضحيات والا
فهل هناك أصح من ان الارض تدور حول الشمس ؟ هى بديهية ولكنها بدت كفراً
وبهتاناً يلقى صاحبها اقصى حدود العقاب . وسيلاقى العقاب . العقاي من
يواصل الفكرة .. الى ان تستقر وتصبخ حقيقة أقوى من حقيقة الباطل السابق
والافهل تجرؤ مؤسسة اليوم ان تقول : الارض ثابتة والشمس تدور ؟ والمسأ؟لة
بعد ذلك –
وقبله –
جمود ومصالح وجبن واستغلال الانسان للانسان وأشياء اخرى من هذا القبيل .
وماذا كان يطلب غاليلو ليواصل اراء سلفه العظيم كوبرنيكوس .. ويزيد ؟
يطلب قليلاً من المال يعينه على التفرغ للبحث ويشترى الادوات اللازمة
ويسد رمقه . المطلب تافه جداً ولكنه مستحيل التحقيق فى مجتمع البطقات
والتجارة والجمود والزيف ..
ان غاليليو يريد ان يخدم البشرية يريد ان يصحح أخطاءها ، يريد أن
ينير الطريق ازاءها . أن تتقدم . وهى مطالب ليست صعبة كما تبدو لمن ينظر
اليها من الخارج ، ولكنه تقرب من المستحيل فى حياة القرن السابع عشر ..
وظبت كذلك .. حتى فى القرن العشرين أحياناً كثيرة .. والا فما الذى طلب
برشت ؟ وما الذى يطلبه الاحرار من خدام البشرية بعد برخت ؟ واذا كان
الامر فلم هذا الاضطهاد والمطاردة والتعذيب .. والضحايا والابطال ؟ "
–
وما العمل ؟ لابد من يقراط . لابد وغاليليو ماذا يفعل ؟ وبرشت
؟ وهل وقف الامر عند غاليليو .. وبرشت ؟
يالمحنة الانسان بأخيه الانسان . وهاهو ذا غاليليو يعانى اصناف الضيق ،
ومن هذا الضيق ما يصدر عن عارفى عظم فضله وسلامة رأ]ه .. ولكن هذه
المعرفة شئ والمصلحة والاستغلال والجبن والجمود اشياء اخرى .. ولا تسل ،
بعد ذلك ، عمن يرى الخطر فى غاليليو على منصبه ..! وراح الرجل ينتقل من
مكان الى مكان طالباً العون على تحقيق ما يخدم به البشرية فيلاقى فى سبيل
ذلك سخرية التجار والقساوسة والحاكمين ، ولم يعبأ ومضى يطلب العون
–
اكمالا للسخرية من مجتمع الجائر
–
لدى الامير الطفل الغبى الالعوبة من اسرة مديتشى .. دون جدوى ! ولابد من
محكمة التفتيش . وهنا تبلغ المحنة أعلى ذراها . ولم يعد ازاء العالم
المفكر الساعى من اجل فك أغلال الانسانية الا احد أمرين : قبول الموت او
التراجع ! وتشرنبت الاعناق تنتظر احد الامرين . ويختار غاليليو التراجع
ويفهم ذلك علناً فيذكر مايراه حقاً ويحقق مايراه باطلاً ..
ولم تكن المفاجأة موغلة فى الدهشة ، فقد كان فى سياق الامر مايجر اليها .
ثم انه نظر الحال من وجهة استصوب حكمتها . انه لو قبل الموت فمن الذى
سيواصل البحث ؟ ليمنح محكمة التفتيش ماتريد ظاهراً ، ويمنح نفسه ماتريد
باطناً . ولابد من ان يكمل كتاب " المحاورات " وأن يخرج فكرة الى العالم
الواسع ويسهم فى بناء الجديد واقامة صرح العلم . ولولا ذلك لما تراجع .
فلم يكن بالرجل الذى يتشبث بالحياة ، ولم فى تلك الحياة مايدعو الى
التشبث !
ولك ان تسأل عن سبب من الاسباب التى دعت برخت يعزف عن ابطال الغاية من
نقاء البطولة والشهادة من أمثال سقراط .. الى بطل من نوع غاليليو ؟ وتجد
فى الجواب نم يقول : ان سقراط يصلح ان يكون بطلاً لمسرح يقوم على القواعد
الارسططاليسية ، وبرخت يفتش عن بطل يقيم به به مسرحه الملحمى . وقد يكون
الجواب حيحاً ، وقد تلقى من من يقول لك هل المهم نوع المسرح أو معنى
المسرحة ؟! أما أنا فقد عن لى أمر بعد أن شهد المسرحية
اجل مسرحية غاليليو التى الفها برخت ومثلتها أكاديمية الفنون بجامعة
بغداد فى مسرحها الصغير ( ولا ادرى لم يكن كبيراً ، ولم لا يكون تحت
تصرف الاكاديمية
–
ولو موقتاً- المسرح الجووال .. ) باخراج الدكتور عونى كرومى (
وكان جهده واضحاً وحبه للعمل واضحاً كذلك ومع الحب علم ودراسة ) ومثل
شخصية غاليلو ممثل ( هو ركادوس يوسف ) بلغ ان يكون نفسه وكما اراد ان
يكون برخت نفسو . ومثل المهرج ( صلاح .. ) دوره كما يجب ان يكون المهرج
.. ولكن العنصر النسائى لم يثبت الجدارة اللازمة وكادت فظاعة الخطأ
اللغوى تعصف
ان
لم تكن قد عصفت
–
بجمال التأليف والاخراج والبطل والمهرج .. وافتقدنا
–
كذلك –
الكلمات الغنائية ( ولابد ان تكون رداءة المسرح فى عذر المخرج ) ..
لقد صرنا نحن المشاهدين جزءا من القضية دون ان نفقد كياننا
وحاستنا النقدية .. ولكننا .
لقد سألت نفسى وأنا ابتعد عن المسرح ، لم اختار برخت غاليليو ولم يختر
سقراط .. ؟ فعن لى أمر اعرضه عليك .. وخلاصته ان برخت كان يبحث عن " بطل
" يجانسه لحمله عبئه الخاص ويلقى عليه ما ناء به هو فى موقفه وقد " فر "
من هتلر وعاتب نفسه على الفرار ، فعاش فى مراحل من الازمة النفسية
وتأنيب الضمير .. ومن أجوبة متعددة عن اسئلة متعددة .. وعالم من "
التبريرات " :
ان يواصل جهاده فى الخارج ، ان ينشر فكره فى العالم ، اليد
الملطخة خير من اليد الخالية .. الم يكتب الكثير من مسرحياته الجيدة خارخ
المانيا ؟ الم يكتب غاليليو مثلاً ..
قلت كان يبحث عن بطل يجانسه ، ةيمكنك ان تقول انه وجد غالليو
من يستطيع ان ينفذ خلاله ، وان يضع على لسانه كل مادر فى خلده او ذهنه من
خطرات أو اراء فى تدبر الحال . ولابد من انه نسب الى غاليليو من الاقوال
مالم يقله ومن الحالات النفسية مالم يمر به ، ومن المبررات مالم يكن بين
مبرراته .
وليكن ، فلم يكن برخت أول
–
او اخر –
من فعل ذلك . ولكننا نذكر ما يعن لنا استكمالاً للبحث وقد يتوصل البحث
بالمسرحية والمسرح ، وربما كان من اسرار نجاح ذلك القرب بين المؤلف
وبطله .
أجل ، وقد أجمع العالم على نجاح " غاليليو " المسرحية ، وحال النجاح دون
سؤال عن السر فى اختيار غاليليو دون سقراط ، ولم السؤال ؟ هل المهم ان
يختار البطل الموت او ان يدين المشاهدون الجور والجهل والاستغلال ؟ لا
شأشك فى ان المهم
–
الحالين –
هو الشق الثانى من السؤال . وقد بلغ به المؤلف أعلى حدود الغاية . وما
كان فى المشاهدين من فارق غاليلو ، وماكان فيهم من لم يسخط على مجتمعه
وعلى السادة فى مجتمع القرن السابع عشر .. وكل مجتمع مناظر له على مر
العصور ..
ان غاليليو العالم شهيد كأى شهيد .. وغاليلو المسرحية قد " أقنعت "
الجمهور بذلك ، وقد سارت واياهم عن الوعى ورضى الى هذه النتيجة .
الجمهورية السبت 15 نيسان 1978
رقصة الاقنعة .. يستمر عرضها
كلما شهدت مسرحية فى بغداد ، ازدادت يقيناً بأهمية الشوط
–
أو الاشواط
–
التى قطعناها فى مضمار هذا الفن العالمى .. وربما دعا ذلك الى اعفاء
النفس من الكتابة خشية التكرار وتوالى الاعجاب . ولم يتهيأ هذا الذى
حققناه فى يسروفى يوم وليلة ، وهو يعود فى أساسه الى عدد كريم من الذين
أحيو هذا الفن ونذروا أنفسهم له وتحملوا ماتحملوا م اجله وسعوا حثيثاً
للافادة من التجار المحلية والعالمية .. حتى كان لنا الممثل المبدع
والمخرج الجيد .. والمؤلف الذى يتقدم فى محاولته .. والجمهور .. أجل ..
الجمهور الناضح .
ولسنا بصدد البدء بالمبتدأ واستعراض التاريخ وانما بصدد فرقة
بعينها ، عملت فى صمت وتحد عانت الضيق والفقر المادى ، تلك هى فرقة
بعينها عملت فى صمت وتحد عانت الضيق والفقر المادى ، تلك هى فرقة المسرح
الشعبى " وقد بلغ عمرها اثنين وثلاثين عاماً ، واكتشفت لنفسها فكرة "
الستين كرسياً " ونجحت وهى فى " شقتها " الضيقة الضائعة ذات المقاعد
الستين الخشب .. واختيارها المسرحيات ذوات القيمة الفنية والفكرية والعدد
المحدود من الممثلين والتكليف القليل من المال ومن رآها تمثل " الب "
لجخوف ادرك حسن الاختيار وحسن الاداء وبلوغ الهدف .. ثم عرضت الانسه
جوليا بنجاح اخر دعا الفرقة الى ان توسع من مساحة ارضها فبحثت
وانتهت الى استئجار " مسرح بغداد " ، لمدة
معينة ومواصلة التمثيل عليه .. واتبعت " الانسه جوليا " " امتحان الموديل
" .
وهاهى ذى تطلع فى هذه الايام على الجمهور برقصة الاقنعة من تأليف شاكر
السماوى ، تشهدها فتحس بضرورة الكتابة عما شهدت
واذا تخشى اكرار الثناء على الإخراج تنقذك ضرورة النص على أهمية عودة
جعفر السعدي إلى الإخراج ولمحة في تنبيه الدارسين إلى ظاهرة اجتماع
المخرج والممثل في شخص واحد في المسرح العراقي ، حتى لو لم تكن الظاهرة
عجيبة .
تنظر في الإخراج فلا تراه ( تجريبياً ) ولكنك تراه تركيبياً ، ما هو
بالقديم الجامد وما هو بالجديد المتنطع ، ولكنه المناسب جداً للمسرحية
وظرف المسرح ، وقد جمع له صاحبه بحذق من هنا وهناك ما يناسبه ويكون كلاً
منسجماً ، وإذ قال لك : " لا أنوى أن أقدم شكلاً جديداً في عالم الإخراج
المسرحي " فإنه صادق من جهة وإلا فليس المهم التجديد بكل سبب وإنما المهم
النجاح .
إنه إن لم يكن جديداً بمعنى البدعة فإنه لم يكن قديماً بعامل التزمت
وتنظر في التمثيل فترى فيه ما رأيت في الإخراج فتستدل على انسجام تام
وعلى تبلور في شخصية المسرح العراقي ، ويظل المشاهد ، مهما تعددت
النظريات في الإخراج والتمثيل ، ينشد أن يرى ممثله وكأنه الحقيقة ، ويبقى
للإغريق والارسطو مكاناً لا ينكر وأحسن من تبرز إزاء الجمهور وأنت واع
بهذه النظرية وتلك أن يراك منطلقاً من الأساس الذي قامت عليه المسرحية
نفسها . وهذا هو الذي حدث . فلم يكن الممثلون " الآت " وإنما كانوا حياة
وشخصيات متميزة وقدرات خاصة .
كلهم ، مثل مخرجهم ليسوا من القديم الجامد ولا من الجديد المتهرطق .
ومثل ما تقتضيه طبيعة المسرحية التي يؤدونها هدوءا وانفعالاً وتفكراً ،
وسذاجة لدى السذاجة ، وتعقيداً لدى التعقد . فمن أم ( ماجدة ) تعبث بها
الظروف العاتية ويتبنى الإساءة اليها رجل ( اسماعيل عبد
صـ
481
الزهرة ) من شرار الرجال الذين لا يرون فى الدنيا غير مبدأ واحد هو مبدأ
الوصول بكل سبب وقد ألف المبدأ فى مختلف شئون حياته وصار طبعاً ثانياً
فيه .. الى زوج لتلك المرأة ينتحر ( على التوه ) مخلفاً ابناً اسمه ربيع
( غانم بابان ) اذهله الخطب وهز اعصابه وملأ حياته بالأحلام – الكوابيس
بسبب ماوقعت فيه امه ؟ وابنة اسمها رزيقة ( اقبال نعيم ) لم تكن براءتها
غبية . ويهوى سالم ( د. عونى كرومى ) هذه البنت ويعمل الاخ على اتمام
الخطوبة حرصاً على اخته وانقاذاً لها من تأثير الام وابعاداً لخطر الرجل
الماكر الذى حطم حياة الاسرة ومازال يسعى فى التحطيم ، وكان للرجل الماكر
مكتب عقار وتلفون وصانع اعمى ( عدنان الحداد ) .
لقد نجح الممثلون فى اداء ادوارهم وهى ادار معقدة تطوح بأصحابها الرياح
العنيفة من كل جانب بم فى ذلك الاعمى الذى سمع صوت " الام " فحدثته نفسه
بها بعد ان ينبذها الرجل الماكر عندما تطبق شباكه على رزيقة واذا كان
الرجل الماكر ماكراً منذ البداءة حتى النهاية ، فما كان سهلاً ان يكون
المرء كذلك وكأن المكرة أطوار وتقلبات عليه ان يحسن التطور وفقها .. ثم
لا ننسى ، بعد لك ، دور الحارس الليلى ( جعفر السعدى ) على قصره ، فهو
اول مايباشره المشاهد ، ويزداد قيمة اذا اقترن بالمخر من جهة اخرى .
اشهد ان ليس لدىَّ جديد اضيفه الى كلمة " النجاح " وكان غانم رائعاً فى
تقلبه بين السخرية الحادة والضياع ، بين الحقيقة والخيال بين الواقع
والحلم .. واذا كان فى حركاته لدى السخرية والقوة ايذرنا بفاضل خليل فيما
لديه من حالات الضعف والضياع والاهتزاز النفسى .
و
المؤلف عامل آخر من عوامل النجاح ، وكان واعياً لأجزاء عمله " فى رقصة
الاقنعة تتداخل عدة ابعاد من الصراعات الانسان فى فلك العلاقات
الاجتماعية والقيم الباحثة عن اطر تحميها واشكال تعطيها الديمومة
(
.. ) فنماذج رقصة الاقنعة نماذج وجدت نفسها بشكل قاس فى دوامة متواصلة
التعقيد والتداخل بين ما تختار ومالا تختار ( .. ) اتمنى فى عملى ان اكون
قد انجزت خطوة بناءة على مسار همى الشاغل فى مجال الكتابة للمسرح الا وهو
خلق مسرح العينات التى تتمركز على دواخل شمولية وتتلفع بالملامح المحلية
.. "
وهى كلمة ناضجة وفق فى تحقيق منطوقها الى درجة ملحوظة ، وهو فى منطقه
ومسرحيته مثل المخرج ، مثل الممثلين فى الافادة من جوهر القديم وجوهر
الجديد وفى الترفع عن تزمت التقاليد وانفلات التجاريب ليجد خلال ذلك
شخصيته وليتحرك كما يريد ذلك او هذا ، غير ناس انه عراقى وان العراقى
انسان مثل اى انسان على وجه الارض ، فاذا تم مزج المحلى بالعالمى حصلت
سعة المدى ونبعت ميزة رقصة الاقنعة . ولم يحدث ذك لشاكر السماوى عفواً ،
فقد قرأ وشهد وتأما وسعى واعياً ضمن ظرف يدعوه موضوعياً الى هذه السعة
والى العودة الى نفس الانسانية فىاعماقها وفى تصرفها ازاء مايقع عليها من
الخارج . وقد دعا هذا الظرف نفسه عدداً من كتاب القصة الى مثل الذى ذهب
اليه وكن العامل الموضوعى واحد .
اختار المؤلف العامية ، ولكن المسرحية فيما تتمتع به من انسانية يمكن ان
تؤدى بالفصيحة ولا سيما لدى تمثيلها للمواطنين العرب .
لقد رسم المؤلف خطته بصبر وأناه ليخرج عمله منسجما مع هدفه على وجه من
البقاء والوضوح فيدخل شخوصه ويخرجهم فى الوقت المناسب مازحاً بالحالات
التراجيدية ما يمكن ان يرتبط بها من سخرية وضعف .. وهزل احياناً كما يقع
فى الحياة نفسها .. مجرياً على ألسنة الشخوص ، من الكلام والفكر ما يتصل
بحالاتهم والمغزى التعليمى . ويمكنك ان تقول انه تجنب بتأمله الطويل
الوقوع فى الافتعال واختلاق المناسبات ، أقول : يمكنك ، لأن تجنب ، فعلاً
، كثيراً مما يبدوا اختلاقاً ، ولكن المرء يحس – مع ذلك – ببقية من التلف
وزيادة فى الحركة يمليها " التداخل " و" التنافر حد التجاذب " ويضيع مثل
هذا الاحساس فى مجمل ماتتشح به المسرحية من انسجام ..
وتتكرر فى المسرحية كلمة " الاقنعة " والكلمة اذ تتكرر لا تصل الى من
بلاغة الدلالة حد اقناع المشاهد فىان تكون عنواناً وان تكون راقصة ..ولكن
المشاهد يسير مع التمثيل دون ان يشغل نفسه بدلالة الاقنعة وصلة الاحداث
بالعنوان .
وتسير الاحداث ، وتزداد تعقداً ، ولا بأس ، والمشاهد يتابع وتقع اعصاه
تحت طائلتها فيحتويه الحزن والالم .. وربما البكاء ويدخل ضرباً من عوالم
التطهير ، ولا بأس ولكن لابد من حل ، وها هو ذا الحل يقع مفاجئاً عاصفاً
على اصوات طلقات المسدس . وان انسب ، وربما الارقى ، لو مد فى شأو الحل ،
وطوّل المؤلف قليلاً من نفسه ، اذا لكان اكثر انسجاماً مع
مخططه ولما لاحظ عليه ملاحظة شدة التقليد او ظاهرة الافتعال .
لقد حقق المؤلف ثيراً مما صبا اليه فى تواضع ظاهر ، ولم يرد المخرج ان
يبالغ فى تقديم مؤلفه : " .. قصدت ان أقدم لبلدى ولأمتى مؤلفاً مسرحياً
جديداً فيه تباشير الامل فىان يضاف الى قائمة المؤلفين المسرحيين
العراقيون القليلين الذين اغتنى بهم المسرح العراقى ليأخذ مكانه الطبيعى
فى الساحة العربية " .
اجل ، لقد حقق الملف خطوة مهمة وبقيت ازاءة خطوات لعله أعلم بها منا ،
وتستدعى هذه الخطوات جهداً واطلاعاً على عالم أوسع من عالمنا ، ولو كان
بيدى امر لالقيت به فى خضم مسارح العالم ليتصل بالتجربة مباشرة ويأخذ
الفن على أصوله ومن يجنى البلد ثمرة ناضجة من شجرة ناضجة ، فما كان مثل
شاكر السماوى ليتهيأ لنا كل يوم .
وكان الجمهور الذى حضر العرض ، رائعاً فى إصغائه ، وفهمه " صراعات
الانسان فى فلك العلاقات الاجتماعية .. " ومن ثم كان تصفيقه الحاد لجميع
الممثلين ومعرفته بصعوبة دور " اسماعيل " الذى يكون فيه شريراً مكرها ..
ودور الاعمى الذى لم يكن فى حقيقته أعمى .
لقد تم انسجام فى قاعة " مسرح بغداد " بين اربعة عناصر – ولا اقول :
اربعة اطراف هى : الاخراج والتمثيل والتأليف والمشاهد ، وفى هذا مايدل
علىان عرض " رقصة الاقنعة " سيستمر . ويستمر طويلاً ..
الجمهورية 20/2/1979
كوريولان
كوريولان ، مسرحية يمثلها طلبة قسم الفنون المسرحية فى أكاديمية الفنون
باخراج الدكتور عونى كرومى ، نشهدها هذا المساء الخميس 5/4/1979 .
تدخل القاعة فيتبادر الى ذهنك سؤال قديم لم هذا المبنى الضيق ؟ اما يمكن
تزويد الاكاديمية ، وهى اعلى معهد لاعداد الممثلين ، مسرحاً أكبر من هذا
وأصلح وأليق وأكثر مساعدة على التجويد ؟ السؤال مكرور ، ولكنه يظل من
غير جواب .
واذا كان المسرح على ذلك من الرداءة ، فلابد للفرقة ومخرجها من بذل جهد
يفوق الطاقة والمطلوب والحاجة من اجل تحقيق النجاح . وهذا هو الذى حصل ،
فقد كان النجاح حليف الجهد المبذول فى المات السابقة ، ولابد من بذل أكثر
فى هذه المرة . وتكاد تشك فى النجاح وتنتظر .
أما كوريولان ( واسمه كايوس مارسيون ) فهو شخصية تاريخية حقيقة . هو قائد
رومانى عاش فى القرن الخامس قبل الميلا ، وحقق لقومه الرومان انتصارات
باهرة على أعدائهم ( الفولكس ) وقهر قائدهم ( او فيديوس ) وكان نصره
عليهم مؤزراً فى معركة كوريولى اسم لعاصمة الفولكس – فمنحه قومه – لذلك –
لقب وريولان ، وغلب اللقب على الاسم ، وكاد يصير كوريولان قنصلاً ولكنه
كرهه للعامة ( السوقة ) حال دون ذلك .. فجره الامر الى ان يلتجئ الى
اعدائه الفولكس وقائدهم ، وان يتولى لهم قيادة جيوشهم فى الزحف نحو روما
محققاً النصر على قومه تلو النصر حتى بلغ حدود روما نفسها وكاد يحتلها
لولا توسل أمه ( وزوجته ومرأى طفله )
سجل بلوتارك المؤرخ الاغريقى حياة كوريولان فى كتابة الخالد عن حياة
عظماء الرومان واليونان .
وأفاد شكسبير – فمن أفاد وفيما أفاد – من هذا الكتاب ، ووجد فى كوريولان
مادة مناسبة لمأساة ( تراجيدية ) ألفها حوالى سنة 1608 فى خمسة فصول من
النثر الذى يتخلله الشعر، ووضع على لسان بطله أقسى ما يوضع من شتم
العامة ( الرعاع ) .. وكانت نهاية البطل ان رماه
عدوه ( أفيديوس ) بالخيانة ، وسبب قتله علناً .
ثم
جاء برخت ( حواى عام 1952 ) يبحث فى القيم عن مادة يبث خلالها فنه وفكره
ومعاصرته ، فوجد فى شكسبير ضالة تهيئ له التعرف علىالوجه الذى يحقق له
الهدف المنشود . وقد ينتقم للعامة من هذا المتعالى المتغطرس عليهم ، ،
ويبين عامل الجوع فى الشجاعة وسبب الفقر فى التصدى للاغنياء والمطالبة
بالحق وفرض الكلمة .. وكأنه يعيد كوريولان شكسبير الى اصله ، فاذا جعل
شكسبير الخاص عاماً ، جعل برخت العام خاصاً خاص ارومان القدماء فى منظور
المفكر الحديث .
ولم تعد المسألة لديه مسألة كوريولان وحده .. وانما هو – كما يخبرنا
المخرج – " مادة أولية " " ربطها بوجهة نظر سياسية " " وغير كوريولان من
مسأة كوريولان الى مأساة روما .. فهو ينحو بالمسرحية الى تقديم شعب لا
يريد ان يسلط عليه سيد والا يكون بينه عبيد " .
ولم يكن برخت بالغافل عن دقة المقف ، او المحتاج اى نصح من ينصحه بالحكمة
فى العمل لئلا يبتعد كثيراً عن شكسبير وتختل المقادي رويحمل روما اكثر
مما تحمتل وينسب الى العامة اكثر مما تقبل نسبته اليوم . واذا كان قد نجح
فى عمله ، فلابد من الاحتفاظ بحق شكسبير
صـ
489
الذي هيأ له المادة وفتح الباب واثار الاستلهام ومهد للجديد بالقديم ..
وقد صح ما قاله دارس محترم : " برخت وشكسبير يتضادان ولكنهما يترادفان
ويفسر أحدهما الآخر" .
وجاء الدكتور كرومي فرأى في عمل معاصرة عربية وقال :".. نقدم هذا
الانتاج محاولين ان تكون هذه المسرحية مشاركة فعالة في تسليط الضوء علي
مكونات وتناقضات هذا المجتمع ومشاركة في تفسير وتحليل ظاهرة الخيانه" .
ولسنا هذه الليله ، في مجال أمتحان بلوتارك او شكسبير او برخت ..
وأنما نحن بصدد " امتحان" فرقة ناشئة تعد نفسها لمكان مرموق في عالم
التمثيل .
فهل تنجح هذه الفرقة ؟
أرجو . ولكن نجاح المشاعر المساورة ليست ، في جملتها ، ذات صيغة الثقة
تفاؤلية .. ورغم نجاح التجارب السابقة لهذا المسرح .. ورغم الثقة بالمخرج
الذي يعرف برخت معرفة أكيدة أقرب شاهد عليها نجاحة القريب في "غاليلي" .
أما شهدتها في العالم الماضي ؟ - بلي ، شهدت ، وكان النجاح كبيرا وتبقي
المسأله اختلاف الطلبة .. ثم الخشية الكبرى علي لغتنا من عبث طلبتنا ..
لقد آذوها في العالم الماضي .. وارجو ان يكون المخرج قد تلافي هذا العيب
في عمله العتيد .
ويبدأ التمثيل . وتري البؤس الذي يفل الحديد .. البؤس والجوع ..
والعامة .. ويبرزكاس مارسيوس ، وتسر في أذن جارك :" ان فيه شيئا من هتلر
" وقد ذكرك منظره بمسرحية شهدتها يوما في برلين عن صعود هلتر ، أذ تختلط
الدكتاتورية بالحماقة بالعناد بالجنون ولن يكون كوريولان قنصلا لانه علي
الغاية من الغرور ولا يريد ان يعترف للشعب بقيمة ، او ان يقتنع بأن
للعامة خطرهم رغم ما قدموا من تضحيات ودلوا على وعي ..حتى قرضوا على
الدولة المتعالية ان يكون لهم في مجلسها نائبان . وجر العناد كوريولان
الي الخيانة ، خيانة قوميه ، أن يلقي . بنفسه في احضان عدوه اللدود
اوفيديوس ويتحمل الذل والهوان في سبيل ذلك ناسيا ان اوفيديوس يحمل عليه
خمسة أحقاد ، وان لا يمكن لعدو ان يرحم أمرأ خان بلاده ..
وتجري الامور على المسرح كما يجب . وعجيب أن يتسع مسرح كالذي نحن فيه
لمثل هذه المسرحية الرومانية الجذر ، ولا غرو أن أعجب جاري ( الأستاذ
كاظم حيدر ) بالديكور ، ولا غرو أن اختفت عوامل التشاؤم تدريجيا ، وحل
محلها ضرب من التفاؤل .. والاعجاب .. والاعتراف بالجهد المخلص الذي بذله
المخرج في سبيل ان يجعل من هؤلاء الممثلين
صحيح أن جملة الممثلين لم يكونوا في مستوى دورة كلكامش أو دورة
غاليلو ، ولكن الصحيح – كذلك – أن المخرج استطاع أن يجنب المشاهد التشبث
بالجزئيات والاموار الفردية بما أشاع من عام وبما هيأ به البطل الى
البراعة والابداع والقوة وظهور الشخصية وملء الساحة كما ملأها أمس
كوريولان الحقيقي ، في حيوية وتدفق لدي السراء والضراء ، والعنفوان
والهوان ، حركات وانفعالات ، وصوتا .. لغة .. أجل اللغة ولابد من وقفة
خاصة عند اللغة ، وهي هنا ، في دليل على جهد خاص بذل في هذه الناحية ،
وهو جهد خاص جدا اذا تذكرنا ضعف طلبتنا بلغتنا ، ووضعف طلبة الاكاديمية
علي وجه أخص ، حتى كأن لم تكن اللغة عنصرا جوهريا في التمثيل !
لقد تصورت الجهد تصورا ، ثم أيده العلم ، فلقد كان وراءه خبير
باللغة العربية جدا من عمليه التمثيل ( هو الدكتور عبد الاميرالورد ) ..
واذا سمعنا كسر الراء ( بدل فتحها ) في عرف ، واردنا ، وفتح السين ( بدل
ضمها ) في السوقة ، وكسر الدال والفاء (بدل ضمها ) في دست وفزت ، ولنا
أمل الرأي على الضعف الهائل الذي كان ان يتنبه الممثلون الى والاشراف .
ولنا امل –واخشي ان أقول : وطيد – في أن يتنبه الممثلون الي أهمية اللغة
في فنهم ، وفي أن يشترط المخرجون وجود المشرف اللغوى الجديد بصفة الاشراف
.
والصرف والنحو ليسا كل ما في الممثل ، انهما أبسط مافي هذه اللغة ، ويبقي
– بعد ذلك – تمثل اللغة وادراك مخارجها ،وحياتها في حروفها وكلماتها
وتركيباتها ، وان يتقدم بها الممثلون الى المشاهدين في تمكم وثقة ،فهكذا
كنا نرى ان نرى الفرنسي – مثلا – في مسرحياته الكلاسيكية . مه الابهة
والهيبة المنبثقة عن ذلك اللفظ الجيل .
وقلما ، قلما ، حصل هذا للممثل العراقي ، وكثيرا ما شاهدنا لديه لسان
البطل وأمه فالامر مختلف جدا ، فقد كانا من اللغة على ما يجب فحاصة
ونطلقاً وتمثلا ومواءمة مع الحالة النفسية التى يمروان بها سلبا وايجابا
، كبرياء وتواضعا .
لقد قيل :" تجسيد " شخصية ما ، أي ان يصحبوا شخصا أخر متخيلا . وجانب هام
من فعالية لغة الدراما يتمثل في هذه الخاصية ، بحيث تقنع المشاهدين بأن
ما يقوله الممثل تلك الظروف المحيطة بواقعية وصدق " .
وقد ذكرتنا لغة ممثل البطل وممثلة أم البطل بهذا القول ، فلغتهما درامية
علي الوجة المطلوب ولغة الممثلين الدرامية تنبع عن لغة المؤلف , واننا
لانواجه مسرحيتنا من خلال الالمانية ( أو الانكليزية ) .وانما نواجهها
خلال الترجمةالعربية ، وقد نجحت الترجمة في الاحتفاظ بهذه اللغة ، وبما
كان للغة المترجم عنها من جمال ورواء وبهاء وتماسك شاعري – إذاً – بالخير
المترجمين التونسيين : توفيق عاشور وعز الدين الفرواشي .
وما كانت هذه اللغة الجميلة لتؤتي ثمراتها لولا مطاوعة لساني البطل (
حيدر الشلال ) وأمه ( زاهدة جواد ).. وكان نجاحهما اللغوي عنصرا من عناصر
نجاحهما العام حركة وسكونا ، سخطا ورضا .. ولايمكل الناقد الا ان يثني
عليهما ويذكر لهما فضلهما علي جملة التمثيل ، وقد عم فضلهما أرجاء المسرح
والمسرحية .. وكان البطل عملة نادرة في بابه . أماممثل " أوفيديوس " فكان
يعلو حينا ويهبط حينا . ويدل ارتفاعة علي أنه يملك مؤهلات الممثل المطلوب
وأن الانخفاض الذي يعترية ممكن ازالتة بتدريب أزيد وايام مقبلة .
وبعد…
فأقل مايقال في "كوريولان" التي نحن بصددها ، وبصدد التصفيق لها والتصفيق
الحاد لبطلها .. انها تمثيلية ناجحة . ويثير مثل هذا النجاح عدة اقتراحات
، منها ما رأيناه من ضرورة بنا مسرح جدير بالاكاديمية ، ومنها تصويرها
للتلفزيون ، ومنها اقامة مهرجان خاص المسرح " التجريبي "
لجمهور واسع ، ومنها تصويرها للتلفزيون ، ومنها اقامة مهرجان خاص ، وليكن
في بغداد يعقد في أواخر العام الدراسي من كل سنة ، ليقدم فيه طلبة
الدراسات المسرحية في مختلف أقطار الوطن العربي ثمار تدربيهم وتجريبهم .
ومنها رعاية الممثلين الناشئين رعاية خاصة وتوفير فرص اتصالهم المباشر
بالمسرح العالمي .. ومنها النظر الي المواهب المقبلة لدى القبول في
الاكاديمية .
انها اقتراحات ، واقتراحات فقط ، تنتهي مسؤولية صاحبها عند تقديمها لتبدأ
– بعدها- مسؤولية الآخرين .. والافما كان القصد من كتابة هذه السطور الا
النيابة المؤقته عما يجب أن تكون في البلد من نقد مسرحي ونقاد مسرحيين
.وذلك آت ، ولكنا نريده قريباَ وكما يجب .
اذا كنت رأيتها ، فلا أشك في انك رضيت عنها فقد رضي عنها مشاهدون أثق
بذوقهم وعلمهم وضميرهم .. ولقد أسفت – وأسفوا – للذين فاتتهم المشاهدة .
المسرحية جيدة من نواحٍ كثيرة ، بدءاً عند الاخراج والتمثيل
والجمهور وعوداً الي التأليف .
المؤلف فاروق محمد ، ولعلك لم تسمع به ، وانك لو سمعت اسمه من قبل
لتجاهلته واستكثرت علية ان يكتب عملاً ناجحاً ، وانك ، ولاننا اعتدنا
اسماء طلعت بوجه وآخر ومنها من كان جديراً بالذكر ولكنها لم تلبث ان عادت
اسماء متألقة من حروف تحولت مطامحها عن مجراها الابداعي .
انا مؤلفنا الجديد واذكرك واذكرك باسمه فاروق محمد ، وانت وانا لانعرف
عنه اى شئ ولكننا رأينا له ( كشخة ونفخة ) علي ( مسرح بغداد ) تمثلها (
فرقة المسرح الشعبي ) باخراج الدكتور عوني كرومي ابتداء من 10/6/1981
فأزجينا الحمد للفرقة على مثابرتها ومصابرتها واخلاصها للفن وتضحيتها في
سبيل ذلك بالوقت والجهد وربما المال ، وكأنها – ويمكن حذف الكاف – مطمئنة
الي الكسب المعنوي وهو ما يتأكد لها بعد كل عرض ، حتى ايام ( الستين
كرسيا ) ولا يتم نجاح لفرقة مالم تكن لها هذه ( المواصفات ) حية في
اعضائها كلهم، وليس فيهم رئيس ومرؤوس ومايعتورهم فاصل بين مخرج وصاحب دور
رئيس..
و
"يتشريفاتي " فالجميع موحدون بالروح الفني .
لقد نوعت الفرقة في عروضها وغرَّب مخرجها في التجريب وشرق ولم يكن
التجريب لديه تظاهراً او ظهوراً او تنطعا في هواء ،. انه بحث دائب عن
المناسب ، بحث عن الهوية وربط المعاصرة بالتراث في سبيل بلوغ هذه الهوية
مع جرأة الواثق من حسن نيته وحسن ظن مشاهديه به .
واحسب ان ( كشخة ونفخةٍ ) مرحلة مهمة في هذا التاريخ ، وأسارع فأقول لك
انها ليست تجريباً ولا اغراباً او تغريباً واذا قلت انها اقرب الى
الكلاسيكية في بنائها العام ، ومراعاة وحدتها وموضوعها الاخلاقي الانساني
وتجنبها الشاذ … ولو قلت انها راعت وحدتي المكان والزمان لما ابعدت حتي
عمن أخطأ في تفسير ارسطو اماكتب لك ان تري " سيد" كورني ؟
هي
كلاسيكية البناء وما الضرر في ذلك ، اذا لم تقع في التقليد الحرفي والضعف
والهوان والرجوع الى الوراء والرضوخ الى القرن السابع عشر …، ما الضرر
وقد حوت الجدة والثقة بالنفس .. وقوة الشخصية الهادئة وما كان موضوعها
ليعرض بتفصيلاته في ( أثينة) او ( لندن ) او ( باريس ) لانه موضوع تحول
اشتراكي ، التحول من عهد الملاكين وغرستهم واستغلالهم وعبثهم الي عهد
العدالة التي يأتي فيها على قدر الجهد المبذول ولقد زال فيها ( مجد )
الاستغلال وبقيت منه ضحكاته في التشبت البليد بالاذيال البالية فما كان
كان بعد ذلك السخف ادعي الى السخرية لقد قال غوركي مرة : البرجوازية
كالجدري ، اذا مضي تبقي آثاره وبقايا الجدري في مسرحيتنا الغطرسة السخيفة
والادعاء المزيف ( والكشخة والنفخة ) واذا كان زوال الباطل موضوعاً للجد
فان سخف بقاياه موضوع للجد والهزل معاً . وما كنا نريد لبني الانسان ان
يضعوا انفسهم موضع التندر ويستحيل مصيرهم كوميديا ..
تشيع السخرية في المسرحية علي وجة طبيعي نفاذ ويأتي الحوار عنيقاً من غير
صراخ وتتوالي المشاهد اخاذة من غير تهريج . ولابد من تأكيد جانب الطبيعة
في المسرحية كلها حتي الدور المتكرر الذي يمثله الطبيب الخائب في نجاح
العملية ( التي لم تكن ناجحة في الاصل ) والسؤال عن موعد الطيارة الي
بروكسل ( الذي فاته ولن يعود ) نؤكد الطبيعة التى جرت في ظلالها الاحداث
والكلمات لاننا اعتدنا- مع الاسف – الافتعال في بناء مسرحياتنا ، ولاسيما
ماقصد منها قصداً الي نقل التحولات الاجتماعية – الاقتصادية الى خشبة
المسرح .
الطبيعة .. محمدة لانها دليل تمكن وصدق وايمان …ثم انها عمل نادر جداً
.نأمل ان يكون انسيابها في مسرحيتنا العتيدة اساساً جديداً لما بعدها في
التواصل والتأهيل .
والجمهور يتابع بشوق العارف الذي يريد ان يزداد معرفة واستغرق حين وقع
علي معني نفسي او فلسفي او اجتماعي وكأنه كان يبحث عنه فوجده وما كان
ليجد لولم يكن المؤلف منه واليه … ومع المؤلف فرقة كاملة .
لقد كان الجمهور جديراً بالاعجاب علي وجة يحمل علي الدعوة للتمسك به
والسعي الى ارضائه معه قدماً ، صعدا . وهاهنا من ( كشخة ونفخة) بدء جديد
.. فقد وجد فيها الجمهور مسرحية كان يبحث عنها
واستطتاع المؤلف – ولابد من العودة اليه كلما ابتعدنا عنه – ان يودع
مسرحيته خلاصة من تراث المسرح العالمي غير مقيد بمذهب معين عصر معين ،
وغير قاصد الى الاثار بأي ثمن ، وتملق المشاهد علي حساب الجد الذى هو
فيه . اودع مسرحيته خلاصة عجنت فى نفسه عجيناً ولم تلصق جدارياً ، خلاصة
استمد فيها روح المسرح واضاف عليها من روحه وفكره وعصره ووطنه وأمته ..
ومن الانسانية التى هى الرابط فى كل شئ نسغ حياة .
هذا الذ جرى ولابد من انه قرأ ، وتأمل كثيراً .. ولابد من انه قبل كل ذلك
كان مخلصاً لنفسه واضعاً قارئه ومشاهده غداً موضع الاحترام والتقدير ..
هى
مسرحية جيدة ، وقد اتفقنا على ذلك منذ البدء ، وهى تثير الاعجاب وتستدعى
الرعاية .. ولم ترد هذه السطور الى اكثر من ذلك ، واذا ارادت – وهى تريد
– فهى ترى ان تكون هذه المسرحية فرصة لمناقشة ما آل اليه التأليف المسرحي
لدينا . ان هذه السطور ترى فى ( كشفه ونفخه ) بدءاً للانطلاق السليم فى
تطوير التأليف المسرحى ، كان علينا ان نبدأه منذ اكثر من نصف قرن ،
ولعلنا بدأنا شيئاً منه ولكننا اضعنا خط المسيرة بالادعاء والتعالم
والتجريب وأشياء أخرى .
لابد للتأليف المسرحى من حدث انسايى ينطوى على اهتمام معاصر ، والحدث
قطعة من الحياة الدائمة تخرج منه فروع بقدر وتصب فيه روافد بقدر . وهذا
هو الذى حدث هنا ، فان فكرة العدالة الخالدة الممثلة آنياً بانتقال
الاملاك الواسعة من يد شخص واحد حصل عليها زوراً ( وربما كان ذلك ايام
العصملي ) .. الى الآلاف .. لم تعرض مجردة ، ولو كانت كذلك لجاءت هزيلة
ميتة ، وانما عرضت مع ما لعظامها من لحم ودم وحركة ، وما يكتنف ذلك من
فكر وعاطفة وخيال ووشائج دوام .
وربما كان ابرع مافى الامر جمع قصتين واحدة قصة الاب ( الطبيب الجراح
الشوكتلى الذى اخفق فى اجراء العملية ) وقصة البنت ( الوريثة الثرية
اذهلتها الثورة الاقتصادية ) ، ايهما البطل ؟ كلاهما بطل لا يمثل نفسه
وحدها ثم انهما من طينة واحدة . فاذا قامت المعامل
صـ
501
جادة على مساحة من الاملاك الواسعة ، اجتازت الارض حلالاً ، ومن ثم تدهور
الملاكون تلقائياً ومضى احدهما يأكل الآخر .واذ يبدو البطلان : الاب
والبنت قصتين فإنما هما وجهان لعملة واحدة وهما – لهذا – قصة واحدة ..
وفى المسرحية – غير ذلك – اكثر من قصة تكون مع المجموع كلاً متعاضداً
بمصب نفسى ، طبيعى متماسك بما حوله ، منبثق طواعية عنه :
قصة الاخ الفاسد الذى سرق مجوهرات اخته تاركاً زوجة وطفلاً ، قصة الزوجة
الطيبة المهجورة من وسط دون وسط الملاكين مالاً ، قصة بيع الاملاك وذى
العلاقة القديمة بالوريثة .. والطفل والدلال .. والدجاج الذبيح ولكن تلك
ليست قصصاً مستقلة وانما هى عناصر حياة للقصة الام ، تنحها اللحم والدم
، وترفع نمن شأن المفهوم النفسي فى العمل المسرحي فضلاً عن
المدلول الاجتماعي ..
كان دور البنت الثرية ( جواهر وقد مات به نماء الورد ) متعباً يستغرق
المسرحية ، ودور الاب ( شوكت بك وقد نهض به عدنان الحداد ) غير اعتيادى
وغير مألوف فى مسرحنا الاجتماعي ..
ولابد هنا من توقف قصير فلقد جئنا المسرحية وفى ذهننا جعفر السعدى فى دور
الاب ، حتى اذا بدأ التمثيل وتأكد غياب السعدى وقعنا فى ضرب من الظن اثبت
الحداد سوءة فلقد كان البديل اصيلاً واذا بدا الدور وكأنه مخلوق للممثل
الغائب فانه لكذلك مع الممثل الحاضر .
ولا تعدم ، وانت تتابع المسرحية حتى نهايتها ، ان تلاحظ تطويلاً فى حوار
يأتي بعيد البداية وآخر يرد قبيل النهاية وكأن المؤلف اراد بهما ان يشرح
للمشاهد مالا يحتمل معرفته ليكون فى سياق الاحداث ولم يكن موجب لهذا .
وتلاحظ – كذلك – ان صوت ( الهام ) لم يكن من الوضوح والمدى بحيث يقضى
الفن .
ولكن هذا الذى لا تعدم ملاحظته ليس بشئ ازاء النجاح العام الذى حققه
التأليف والاخراج والتمثيل .. والجو الذى سوغت به ( فرقة المسرح الشعبى )
عامل وجودها ونالت به شهادة الجمهور المشاهد .
واذا كانت فرقة المسرح الشعبى مجربة ومعروفة فان فاروق محمد يبقى تحت
التجربة وعرضة الإمتحان القاسى فى المرحلة المقبلة بعد ان وضع نفسه فيما
يشبه المأزق اذ بدأ التأليف على هذا المستوى من التوفيق .
وبعد فلم لا ننقل المسرحية الى التليفزيون وهى خير فى المعنى والمبنى من
عشرات يعرضها التلفزيون مستوردة علينا .. وانها لما يمكن لن يفهمها
المشاهد من أى قطر كان فهى عراقية عربية انسانية ، وان لغتها – مع ثرائها
ودلالاتها – ليست بالعامية المعرقة وليست بالفصيحة المتقعرة ولا يصعب على
المؤلف وعلى الفرقة كذلك – نقلها الى الفصيحة بتعديل بسيط لا تفقد معه
موحياتها ..
اطمع ان ارى ( مسرحية كشخة ونفخة ) مطبوعة بنصين نصها الحالى ونص تنقل
فيه الى الفصيحة ..
فنون العدد 149 فى 27/7/1981
معنى " الانسان الطيب " فى تاريخ المسرح العراقي
صحيح ماقيل او يمكن ان يقال من ان العمل الفنى الناجح هو ما استطعت ان
تصفه بكلمة طيبة واحدة ، او بكلمات وعبارات ومقالات لا تخرج كثيراً عن
مدار تلك الكلمة .. و " الانسان الطيب " ( ونحن فى 14/9/1985 ليلاً على
مسرح المنصور ) الفها برتلو برخت وترجمها عبد الرحمن بدوى وعرّ قها فاروق
محمد واخرجها الدكتور عونى كرومى ومثلتها بالتعاون التام فرقتا المسرح
الفنى الحديث و " المسرح الشعبي ".
"
الانسان الطيب " هذه عمل فنى ناجح يمكن وصفه بكلمة واحدة هى " الراقى "
وتشتمل الكلمة الواحدة على عشرات المعانى المشتقة منها .
اول معنى يطول شرحه ويؤلمك الوقوف عنده ، لانه يتطلب استعراضاً مجدداً
لتاريخ المسرح العراقي فى كفاحه حتى بلغ درجة الاعتراف به ، وكفاحه حتى
هز كيان الظالمين ، وكفاحه فيما ضحى رواده فى سبيله من مال وجاه وسمعة
ودلوا عليه من ايمان واخلاص وثبات حتى ارسوا له طابعاً خاصاً مستمداً من
طبيعة البلد فى الجد اولا واذا هزل هزل جاداً .
ولا مجال لكلمة " لعب " تقوم مقام ادّى او نهض او اضطلع . وللهزل وقته
ودلالته وظرفه .
ثم
نصل عاماً او عامين انحط فيهما ، واسفاه ، الى درك عجيب غريب لا تدرى –
وتدرى – كيف حصل ومن خطط له ومن انتفع به ، ومَن.. ؟ فمن قائل بجشع
الممثلين ، ومن قائل بتفاهة المؤلفين والمخرجين ، ومن قائل بتقليد المنحط
من المسرح المصرى .. ومِن ومَن ..
المصيبة جديرة بالدرس وكان من آثارها ما أصاب الحريصين على
الفن ( والوطن ) من حزن وأسى لدرجة مقاطعة كل ما
من شأنه او اسمه " المسرح العراقى " اقصد هذا المسرح الذى انتصب فى
الهواء وكأنه يعتمد على اربع ارجل خلال عام او عامين فاذا هو التفاهة
عينها واذا الممثلون " يلعبون " وكأنهم يسخرون من انفسهم ، ولا يجدون
مسوغاً للفخر بالمجد الطريف غير المال الذى " يكتب " عليهم بما لم يظفر
به ممثل عراقى من قبل . ولا اسخف ولا أحط وأدنى من مال يقوم السحت فى
التخريب وعلى السحت الذى يؤدى الى التخريب انه المال الحرام !
وكان اول التخريب تخريب المشاهد ، ذلك المشاهد العراقى الذى اسهمت عقود
السنين فى بنائه حتى بلغ ان يرتاد المسرح لمعنى راق فيستمع ويشاهد ويدرك
وهو راق ، ويتابع فى هدوء واذا انفعل انفعل فى وقت مناسب واذا ضحك ضحك
بقدر مناسب ، واذا بكى بكى كذلك ، والتجاوب تام بين المشاهدين والممثلين
.
اما الآن اقصد خلال العام التعس المذكور او العامين المزبورين فقد حل
الهرج مرج محل الهدوء وقام الدخل خرج مقام الاطمئنان وصار الابتزاز شرفاً
وعد الفساد صلاحاً وجرى مايخجل التاريخ من تدوينه ..!
وعجب الناس وعجبنا كيف صار ذلك بين عشية وضحاها وانزلق اليه الممثلون
والمخرجون والمؤلفون من حيث لا يدرون ، ويدرون وهم كلهم مسئولون علموا ام
لم يعلموا . وعجب الناس كذلك ان يكون فى هذا البلد مثل هذا الجمهور ومثل
هؤلاء الممثلين والمخرجين والمؤلفين .وحاروا ولم يحتاروا فى الاسباب !
والاكيد والآكد انهم سجلوا بانزلاقهم فترة هبوط اخلاقى الى وهدة يئس
المخلصون من الصعود بعدها فقد بدا المرض من العمق بحيث لا تدرك ابعاده
ولا تدفع اسبابه ولو حسبناه وباء لكان له من صفات الوباء ما يطغى ويهلك
وينتهى . ولكنه بدا وباء يشى بالاقامة الطويلة الامد !
ومن هنا يأتى من معانى " الانسان الطيب " هذا المعنى الذى قضى على الوباء
الذى خلناه ابدياً .. فاذا الجمهور هو الجمهور العراقى الذى عهدناه ولو
قلنا انه عاد وهو اصح لما ابعدنا ، جمهور راق فى حضوره فى حركاته وسكناته
فى اصغائه وضحكه فى تقديره للمثلين وفى تذكره المعد والمخرج .. وليس هذا
سهلاً ولابد من ان يكون وراءه شعور عميق بعار الانحطاط الذى طرأ منذ عام
او عامين وشعور اعمق بفداحة الخسارة الروحية التى قابلت مفاخر المكاسب
المالية ، ولابد كذلك من شعور الفاعلين فى البناء فعلاً فيما آلوا اليه
او مارأوه من تداعى العمارة التى اسهموا فى تشييدها حجراً حجراً
لقد فرح اولئك الذين قاطعوا المسرح سنة او سنتين فرحاً لا يوصف ولو وزنته
لما وجدت معادلاً له غير الحزن السابق عليه وغير التخوف الذى اتراهم وهم
يضعون اقدامهم على اولى عتبات القاعة ثم استحال الحزن والتخوف احساساً
بالغرة وكأنهم القوا بأنفسهم مختارين الى ما كان عليهم تجنبه .. حتى اذا
تقاطر المشاهدون وبدأ التمثيل وسار ، تبددت المخاوف وحل الامن وسادت
الطمأنينة .
ليس سهلاً ان يشفى مريض على هذه " السرعة " وان يستعيد صحته على احسن مما
كان عليه قبل الانتكاسة . ليس سهلاً ولكنه ليس صعباً بدليل الذى حدث وما
كان الشفاء ليأتى لولا جهود خاصة مشكورة تضافرت على ايدي المخلصين ممن
يعنيهم تاريخ المسرح العراقى وتعنيهم الرسالة وتعنيهم سمعتهم .
وهكذا ثبت بالوجه الشرعى ان الجمهور لم يكن وحده العامل فى الانحطاط
السابق وانما الانحطاط هو " شركة مساهمة " بين الممثلين والجمهور قامت
بنودها على خضوع رخيص لعوامل رخيصة منظورة وغير منظورة ويدخل فى الشركة
المؤلفون والمخرجون وكل من حسب المال جاها والخراب بناء والنزول الى
الهاوية صعوداً !
تدرك هذا وانت ترى فى " الانسان الطيب " رواداً تعاونوا على وجه لم يسبق
ان تعاون عليه رواد فى التاريخ . منهم من قبل دوراً صعباً مجهداً ومنهم
من رضى بدور ثانوى . وتضافرت الاجيال بتضافر الرواد ولابد من هذا او ذاك
لأن الغاية ابعد من التمثيل نفسه واعلى من الغرض الشخصي .. الغاية
اصلاحية ولو صفتها بالثورية لما أعدت .
وكنت خلال السنة المنصرمة او السنتين تسأل عن رجل بعينه عن شاب اكتهل ،
عن مخرج مبدع فنان حريص محب لعمله حتى كاد يفنى فيه مخلص لدرجة ترفعه عما
انحط اليه اخرون من مخرجين وغير مخرجين .
تسأل عن الدكتور عونى كرومى ذلك المخرج الذى سعى حثيثاً فى البحث عن
شخصية للمسرح العراقي وجرب فأحسن التجريب وكنت تتمنى لو فسح له المجال
لاستثمار تجاربه ولم يتلق م التثبيط مالا يحسن ان يقع مثله تحت طائلته .
واذا لم تكن رأيت له الا مسرحية واحدة ولتكن " غاليليو " أو كشخة ونفخة "
او اية مسرحية .. فانك معى ومعه .
وما سمعت بأن " الانسان الطيب " من اخراج الدكتور عونى كرومى حتى الم بك
شعوران متناقضان الخوف – وما كان لك ان تقع فيه – والفرح وهو حقك وحقه .
الخوف من ان يكون مخرجك المفضل قد اقترب من الفخ وهو شعور غير مقبول منك
، والفرح للامل بالعودة الى السبيل السوى على يد امينة مجربة وهو امل
مشروع ولم يكن لخوفك سبب لولا طغيان الموجة الباغية والا فجوهر مخرجك
المفضل كريم وها هوذا الجوهر يتضح وانت سعيد به سعادتك القديمة مع زيادة
الفرح بالعودة وبالتغلب على عوامل الانحطاط كلها ولا مانع بعد ذلك من ان
يأتى المال حلالاً وقد اتى .
اجل يا اخى ان لمسرحية " الانسان الطيب " معنى واحداً هو الرقي ومعانى
كثيرة هى الشفاء من المرض وجد الرواد وانسجام الاجيال وتجويد الممثلين
وتوفيق الاختيار والتعريق وعودة المخرج .. وسمو الجمهور ..
المعانى كثيرة وكان الجمهور من السمو بحيث فاق من رأيتهم ذات يوم فى
باريس حيث " الكوميدى فرانسيز " ومن فلسفة القضية التى ذهب اليها المؤلف
وجلاها المعد .
وهم يعرفون ان مسألة الخير والشر قديمة ولهم موقفهم مع من سينتصر ولكن
المؤلف اثار فيهم دافع البحث عن الحقيقة وعن السبب وعن الحل وجسم لهم انه
لابد من وجود ( خلل ) ولابد من تشخيص هذا الخلل واذا عمل الانسان على
ازالة الخلل انتصر الخير . وليست المسألة ميئوساً منها المغرقة فى
التشاؤم فالانسان موجود وهو فينا يدعونا الى التفاؤل
والثقة والا لما طاب عيش ولما كان الانسان انساناً .
ليست المسأل معادلة بين الشر والخير والعراقيون وهم شعب كلكامش يعرفون
ذلك .
واذا استحق برخت التهنئة على اعادة الاكتشاف ففينا مستحق الحساب على
الجهل والتجاهل واذا كانت فرقتا المسرح الفنى الحديث والمسرح الشعبى قد
استعادته وكانتا اهلاً للتقدير فى مسرح بغداد وشقة الستين كرسياً التى لم
تتسع يوماً لستين كرسياً .. فان اللوم لأولئك الذى يحسبون الخير فى الشر
و " سيعلم الذين ظلموا اى منقلب ينقلبون " .
والى المزيد من التضافر لنصرة الخير .. ومزيد من " الانسان الطيب " الذى
هو طيب فعلاً " وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل ان زهوقاً "
الثورة الاربعاء 2/10/1985

هل تريد موقعي هو الافتراضي
.أضف
موقعي إلى مفضلتك
|