|
تأليف:
يان كووسوفيتش
ترجمة
وتقديم: د. هناء عبدالفتاح
وزارة
الثقافة القاهرة 2001
الصفحات: 156 صفحة من القطع الكبير
ليس
بالأمر السهل تحديد ابداعات المسرحي البولندي تادووش كانتور، فهو
رسام ومخرج وسينوغراف وممثل ومنظر في الفنون التشكيلية والمسرحية،
وهو مبدع مسرح الهابننج التجريبي. منذ الاربعينيات وحتى نهايات
القرن العشرين ووفاته عام 1992م كان كانتور يمثل الطليعية الجديدة
او التجريب المسرحي الحديث. وليس في الامكان تحديد فنه داخل اطار
معين ولكنه يجمع ما بين الاصالة والذاتية والاستقلالة مع انفتاح
على ابداعات الآخرين. وفي اعماله تجتمع البنيوية والسريالية
والرمزية والدادية والتعبيرية، من غير ان ينتسب مسرحه الى واحدة
منها. إن ابداعاته تتسم بالشمولية وتمنحنا في الوقت نفسه معطيات
متعددة ومتنوعة لرؤية الفنان لفنه والقائمة على رفض الثيمات
والقوالب الجاهزة لأنساق الابداع وبرمجة العمل الفني وحتى رفض
الاحتراف المهني في الفن، وعلى هذا التدمير لمفردات العرض المسرحي
يبني كانتور مسرحه التجريبي.
مؤلف
الكتاب يان كووسوفيتش ناقد ورجل مسرح يكتب في مجلة ديالوغ
البولندية صدرت له عدة كتب في الادب والمسرح، كما اصدر كتبا مهمة
حول المتغيرات في الدراما والمسرح المعاصر منها المسرح القديم
والجديد عام 1973م. اما كتابة مسرح الموت عند كانتور فهو الأول من
نوعه وفي تتبع سيرة هذا المسرح الذي حمل لواء التجريب في مجال
الفضاء المسرحي ودرامية الصياغة المسرحية الجديدة للكلمة والممثل
ومفردات العرض المسرحي.
يستعرض
المؤلف في الفصل الأول حياة كانتور منذ ولادته عام 1915م في مدينة
فيلوبولي شرقي بولندا. ولأن اباه ذهب الى الحرب ولم يعد فقد عاش مع
امه عند شقيق جدته وكان قسيسا يسكن في الكنيسة، هناك اطلع على عالم
زاخر بالاسرار والشخوص العرائسية التي تمثل حواريي المسيح (ع). وفي
مدينة تارنوف تابع دراسته وبدأت محاولاته في الرسم، ثم التحق
بأكاديمية الفنون الجميلة عام 1934م. وفي «الاتيلييه» الذي كان
يشرف عليه الفنان السينوغرافي الشهير كارول فريتش الخبير في
المسرحين الأوروبي والآسيوي طور كانتور مفردات لغته الفنية. يقول
«كان يروق لنا ان نرسم على مادة القماش، على الورق، فوق الجدران،
أن نصمم، نلصق المانيكانات».
خلال
الحرب العالمية الثانية اسس كانتور مسرحا سريا اطلق عليه اسم «مسرح
ما تحت الارض» وكانت فترة الاحتلال النازي لبولندا مرحلة يدرس
خلالها كانتور فكر «الطليعة» في الفن. وعلى الرغم من اغلاق المحتل
للمسارح ومنعه تقديم العروض المسرحية فإن كانتور استطاع ان يقدم
مسرحية «عودة اوديسيوس» في شقة خاصة، وعن العرض يقول: أضفت بعض
المقاطع من الحياة اليومية مفزعة وبشعة: دكك منخورة، اسلاك حديدية
عجلة عربة متهالكة، حوض غسيل مستهلك. بعد الحرب يبدأ التدخل
الحكومي بالفن باسم الواقعية الاشتراكية، ويمتنع كانتور من
الاشتراك في الحياة الفنية فيحرم من درجته العلمية وعمله كأستاذ في
الاكاديمية. ثم يعود عام 1955 للعمل كفنان تشكيلي وسينوغراف.
تتوالى
فصول الكتاب الثمانية مبينة سمات مسرح كانتور، ويسميه المسرح
المستقل، والذاتي.
وتتلخص
فيما يلي: ـ احلال الافكار الدائمة التي تدور في فلك الحركة محل
الافكار الملفوظة.
ـ
الانسان هو احد ميادين الابداع المسرحي.
ـ
المسرح المستقل هو ميدان للفنون ولكل ما هو خارج الملفوظ، بمعنى
انه ليس تفسيرا مسرحيا للأدب.
ـ البحث
عن مكان مسرحي خارج المكان المشيد. فالمسرح في شكله الحاضر صنيعة
مصطنعة. يقول: انني اشعر بالخجل وأنا جالس على مقعد مريح في
الصالة. والنظريات المسرحية تصاغ بشكل يتناسب مع هذا المكان الذي
لم يعد يحتمله احد. واعتبار المسرح مؤسسة فنية فكرة مسبوقة خادعة.
ـ
الفضاء المسرحي في المسرح المستقل يجب ان يكون مرتبطا اشد الارتباط
بالحياة والحقيقة وليس بتقديم مسرحيات ادبية درامية.
ـ ان
جوهر مفهوم استقلالية هذا المسرح ليست هدفا بل انه يحمل سمعة
تطبيقية تقوم على نبذ المباديء والانظمة التقليدية والمصطلحات
الفنية السلفية مثل: الديكور والسينوغرافيا.. فهي مصطلحات لا ضرورة
لها في هذا المسرح، وما يخصها ينبغي ان يتواصل ويلتحم الى حد
الذوبان داخل المادة المسرحية العامة.
ـ
الممثل في مسر كانتور هاو غير محترف، لا يشكل ادواره، لا يبدع
شخوصا، لا يقلدها، ليس نسخة وفية ولا هو اعادة انتاج لادوار قرر ان
يمثلها. ولأن كانتور يريد ان يحتفظ بطزاجة الانسان، أي لا يمثل،
لذا فإن الممثلين عنده هم مجموعة من الفنانين التشكيليين
المشهورين. المصورين والنحاتين. وجماعة من البشر العاديين غير
المتعلمين الذين لا يعرفون شيئا فعن التمثيل. انه بذلك يحقق حرية
الحركة والفعل عند الممثل. ثم يقوم كانتور بتشكيل ممثليه كما يريد
فهم مجرد منفذين.
ـ علاقة
الممثل مع المادة يجب ان تقوم على ما يلي: ان جسد الممثل وحركته
تأخذ شرعيتها من كل مسطح، ومن كل خط تبنيه على خشبة المسرح،
والحركة تتوالد في حركات متتالية، تخرج من شخصية لتدخل في نسيج
وحركة شخصية اخرى، وبهذا ينشأ نسق حركي محدد بعيد عن الصيغ
التعبيرية المتوازية.
ـ الغاء
المسافة بين خشبة المسرح وصالة المتفرجين، والغاء الرامبا
Foot
Lights واطر خشبة المسرح ومقدمة المسرح. إن حركة الاصلاح الكبرى
والمسرح الطليعي التجريبي لم يستطيعا ان يحلا هذه المشكلة والتي
تتلخص فيما يلي: في وضعية الواقعية هناك وهم كامل وخيال كامل،
فالمتفرج يعي ان ما يشاهد حدوثه في اطار مسرح العلبة الايطالي ما
هو إلا وهم ولذلك يكون المتفرج ملاحظا عاديا، مجرد متفرج. لهذا فإن
اهم قضية بالنسبة لكانتور هي تحقيق اشتراك المتفرج في العرض ذاته.
ـ يخصص
المؤلف فصلا خاصا لمسرح الموت عند كانتور. وفيه يؤكد خيبة الأمل في
اكتشاف الواقع الجاهز، ويتكلم عن تزايد الفكر والذاكرة والزمن في
مسرحه، حتى ان ارواح الموتى تظهر مع الممثلين بشكل مانيكانات، هكذا
تختلط الحقيقة بالوهم، وهو يزيد من اتساع رقعة هذا المفهوم ويمنحه
معنى واسعا ويتضمن مجالاته للفهم التقليدي للعرض المسرحي. يقول
كانتور: «لقد اكتشفت شيئا جديدا، وهو ان الوهم عدا معناه التقليدي
يتضمن معنى ميتافيزيقيا وهذا الجانب الميتافيزيقي للوهم هو
التكرار. وان هذا التكرار هو خصوصية الفن، وإن الوهم اي الفن
يتعامل معه كانتور كما لو انه فصل يقوم على نزع حدث ما من زمنه
التاريخي ووضعه في زمن العمل الابداعي اي العرض المسرحي. والفن جزء
من اجزاء الوهم يقدم بشكل تكراري يقول كانتور:
وكأنه
طقس يقبع في الطرف الآخر من الحياة
مختلط
في اتفاق مع الموت
في هذه
اللحظة يمكن ان نضيف
ان
التكرار ما هو إلا خصوصية الفن
عبدالفتاح رواس قلعة جي |