|

مسرحية حفلة عرس أعادت لنا أجواء المسرح
العراقي
ياسين النصير
1
شاهدت مسرحية حفلة عرس" أو حفلة زواج" لصديقنا الفنان رسول الصغير.
شاهدتها هنا في هولندا. ومن خلالها بدأت أشاهده مخرجا ولم أكن قد شاهدت
له عملا كاملا في العراق. وسرني حضوره الملفت،هذا، ودأبه المستمر يوم قبل
دورا صغيرا قبل أربع سنوات في عمل لبرشت قدمته فرقة ثانوية في المسرح
الهولندي، وكان دوره يوم ذاك أربع كلمات فطوعها برهافته وخفته دمه
ثم تحولت إلى
أربعة اسطر قبل بدء التمارين ثم إلى صفحتين أثناء العرض. لأن الفنان
راهن أولا على نفسه ككيان له دور مهم مع وجوده هنا، وراهن ثانيا على
قدراته كفنان شاب يبحث في الرياح عن نسمة منعشة فهو من أولئك الذين ما أن
يجدوا فرصة ولو ثقبا في نافذة حتى يستطيلون من خلالها. وكان له هذا
الحضور الفاعل ليستمر أولا وليؤسس فرقة فنية ثانيا ثم ليصبح مخرجا ثالثا.
رسول الصغير الفنان المتنقل بين حقول عدة، الغناء ، كتابة الشعر الشعبي،
النكتة، وبين دول عدة، العراق ، اليمن، الأردن هولندا، و بين مسارح عدة ،
الحديث ، الفرقة القومية، منتدى المسرح ، مسرح الأكاديمية ليستقر الآن في
هولندا كما لو كان قد أكتشف بقعته الخلاقة الصغيرة. ومن حولها وفيها راح
يغني تجربته بما ملكه من أدوات بحث ودراية ولو محدودة ليستقيم في عمل
عراقي رغم لغته الهولندية التي يفتقر لاحتوائها سمعا في صور محلية عراقية
رغم أنه بعيد عن العراق. وهنا تبادر إلى ذهني سؤال مهم وأنا أشاهد حفلة
زواج، ماذا تعني المحلية للفنان وللأديب؟ هل هي مفردات؟ أم صور؟ أم لغة؟
أم تشكيلات ؟. لا أدري، ولكني وأنا أشاهد العرض بلغته الهولندية وبأداء
ممثلة هولندية وفنان كردي القومية عراقي الفن هو شمال عبه رشت. شعرت أن
المحلية كمفهوم بما نعرف عنها عالمية إذا ما أجيد الكشف في أعماقها عن
الإنساني المختمر في كل فعل تأصيل لها. وأن المحلية لا تعني الانغمار في
مفردات بيئية ميتة ولا في صور غير شاملة ولا في حالات منقطعة الجذور. من
هنا لا تقف اللغة في إيصال صور محلية مشبعة بالإنساني حتى لو كنت على
مبعدة آلاف الكيلومترات من بلدك.
ليس في القصة جديد: أنثى تنظر عريسا هذا شيء مألوف، بيتها هو عالمها،
صنعت منه أمكنة صغيرة تتدفأ فيه بعزلتها. ورجل ينتظر عروسا، ليس له بيت،
وليس له مكان. أنه آت من لا مكان، الطريق قدماه والمسافة بيته. هكذا تبدأ
المسرحية فالرجل يأتي بيت الأنثى، وربما هو صورة لبيته أيضا. فالبيت رمز
وطاقة تأويل. ولكن لا الأنثى قادرة على صياغة حياتها بدون عرس، ولا الرجل
قادر على المضي إلى آخر الشوط بدون عرس أيضاً. أما البيت فكان الشخصية
الثالثة وقد أجاد لسيروان جمال مصمم الديكور في جعله بيتا مؤثثا بمفردة
الانتظار: أقمشة بيضاء وشموع وورد وتعويذات وحنة وبقايا رسائل. هي نوع من
الدراما الأسرية المشبعة بالحرمان، ولغة الحرمان تتوالد دائما من
المفارقة الحياتية خاصة إذا كان ثمة سفر لأحد الطرفين. ووسط احتدام مشاعر
اللقاء الذي نستشعره من أول وهلة بين الرجل والأنثى رغم الكلمات التي
تقول لنا على ألسنتهم أنهم بعيدون ، تصل المسرحية إلى هدفها وما بقي من
العرض هو تنويعات على ثيمة الغضب والرضا، وعلى تبادل الأدوار وعلى تغاير
الألفاظ والعودة إلى الماضي لنبش بعض المفارقات. أقول لقد وضح هدف
المسرحية من أول لقاء وربما دخول رسول ميدان التأليف لأول مرة باللغة
الهولندية جعلت النص يفصح عن نفسه مبكراً. فاستهلال المسرحية يسير بخط
واحد هو خط صناعة العرس والتهيؤ للاحتفال به. اللقاء ومن ثم الزفاف
والزواج ليست إلا مفردات للفراغ الروحي، الذي حاول رسول كمخرج وكاتب للنص
أن يملأه بحالات عاطفية ومشاهد تسير باتجاه النهاية، ترى ما ذا يحدث للنص
لو أن الشخصين لم يتفقا، أو أنهما وقفا عند منتصف الطريق، النص لا يجيب
عن مثل هذه الحالات، لا بل أن كل النصوص المسرحية العربية لا تتعامل
بطريقة الاحتمالات، لذا فالنص سار بسرعة الـ 50 دقيقة إلى نهاية كما لو
كان نشيدا علينا الاستماع له وعلى المنشدين تأديته بحماس العاشقين للقول
قبل النهاية.
2
الرغبات المحبطة التي جاء بها الرجل وهو يملي على نفسه لغة العيش ثانية
بدون غربة أو تغرب، هي نفسها الرغبات التي ملأت فم الأنثى وهي تحيى بنصف
حياة،وتريد تكمله ما ينقصها. وكأي امرأة شعبية من جنوب أو وسط العراق،
أنهضت كل الموروثات الدفينة في قلب الظاهرة الشعبية، ظاهرة "الانتظار"
فأشعلت البخور وعلقت " العلك" طالبة مرادها وكتبت النذور والأدعية على
أضرحة وهمية، وأعادت قراءة رسائله ثم تغميسها بالحناء كي يعود مسافرها
المهاجر. وفي الوقت نفسه كان روح ذلك الطائر المغرد البعيد، يمني نفسه أن
يكون في بيته أو بين دفء من يحب وإذا به يعود كأي محارب خسر كل معاركه مع
السلاطين، ولم يبق لديه إلا بضع كلمات يقولها في فراغ اللغة العاشقة.
يدخل الرجل العائد ويدخلنا المخرج معه في وهج حياة صارمة وأكداس من
السنوات الممحلة بالفراغ، ليفصح من خلال اللسان والحركة وفقدان الرغبة في
الابتعاد عن حميمية البيت أن اللغة ما عادت كما كانت من قبل ثمة تراكم
هائل جرى عليها فنبتت عليها الطحلب والسحالى والمراكمات، ليس من لغة
منسابة، ولا من حوار متصل، ثمة تقاطعات بين الاثنين تصل إلى حد العراك.
فالماضي يلقي بثقله في بحبوحة العيش من جديد. كل شيء متقطع وليس من حب
مكتمل بل شذرات من لغة غير مفهومة، وليس من ود، ثمة تنقلات سريعة لا نفهم
منها إلا أن الحزن يبدأ الآن بالنمو ثانية. ووسط طي اللغة تحت اللسان،
ووسط طي المعلومات القديمة، يتقابل الحبيبان وينمو بينهم ذلك الإحساس
الدفين في أن يكونا أسرة أو بيتا أو لغة للحب أو شيئا من مودة لم يجدوا
لها نباتا يصلح لأن يكون شاهدا إلا بضع وردات ذابلة تلقى على الأرض
وسجائر ومفردات وحذاء ملطخ بأوحال الشارع.
3
النص شعري في جوهرة، والتمثيل أكثر شعرية، فقد قدم شمال عبه رشت وهو ممثل
كردي خبرته كفنان له شخصيته أجواء شعرية تتفاعل مع اللغة التي يجيدها
بمرونة من يتفهم كيف تنعكس الأفعال داخليا عليه ولذلك كان كل تمثيله
داخليا على العكس من الفنانة الهولندية أوك أوسترهوف وهي ممثلة مسرح
معروفة أن تمثيلها كان خارجيا. ويعود سبب ذلك إلى أن ممثلنا العراقي ما
يزال منفعلا بدوره يعيشه ويعشقه ويحسبه جزءا من هويته ومعاناته، وقد أوحى
النص في الكثير من مفاصله إلى أن الهجر والتغرب والبعد ومن ثم اللقاء بعد
سنوات والعتب وإشعال الشموع و ونثر الأدعية و.. وصبغ الأيدي بالحناء
وغيرها من الرموز عراقية، توصل وفق مبدأ الاندماج النفسي بالدور إلى حد
التشابه بين الشخصية والدور. في حين لم يعان الهولندي الشاب وحتى في
الخمسين من عمره من مثل هذه المفردات. لذلك مثلها شمال عبه رست وتركها
خارج نفسه فما كان من جسده ولسانه إلا أن نطق بالدور وتفاعل مع المشهد
وأوصله ، ولكنه على مبعدة منه .
في
أطار الإخراج المسرحي ، وجدت أن خطوة رسول الصغير كبيرة ومهمة في تأكيد
أهمية الثقافات الأخرى في حرم المسرح الأوربي ولو كانت مثل هذه الخطوة
بضعة أقدام على الشارع الغربي. فالنص يكتمل أثناء العمل وهذا ما يجعل
النصوص المسرحية هنا عرضة للتطوير على العكس من نصوصنا المسرحية التي
كانت تكتمل قبل بدء التمارين وتتطور معها ولم يجر تغيرها أثناء العمل ،
مما يعني أننا في الدول العربية نتعامل مع النص المسرحي كما لو كنا
نتعامل معه كنص أدبي مكتمل، في حين أن التعامل مع النص المسرحي هنا يخضع
لتطور الفاعلية التمثيلية ولرأي المشاهدين ولتطور رؤية المخرج ولذا ليس
من نص مكتوب بالكامل في المسارح الغربية بل فكرة يجري تطبيقها والتمارين
عليها شأنها شأن أي كائن حي لا ينمو كاملا قبل أن تتضافر الجهود جميعا في
إنضاجه.
للديكور نكهة عراقية فراغ ممتلئ بالبياض، وبقع ملونة هنا وهناك تجسد
نتوءات مسرح يحاكي الروح القلق في اللقاء ومن ثم العرس، وفراغ المسرح
المشغول يدلنا ببساطة أشيائه على قدرة الفانين العراقيين من صياغة رؤية
مكانية شعرية. هل أقول عن التمثيل أكثر مما قلت، فلشمال عبه رشت دور في
نهوض النص تمثيلا من مادته اللغوية إلى مادته الفنية والصورية والشعرية
تحية لفرقة المسرح الحديث في خطواتها في أرض نجوس منعطفاتها بخطوات
هادئة.

|