|

حالة ابتكارية تأسس عليها التمرين والبحث فالعرض
المخرج قاسم محمد: "رسالة الطير"
حاوره: ظافر جلود
المقدمة:
المخرج
المسرحي قاسم محمد عمل مشروعاً مسرحياً متفرداً حاول فيه اغناء تجربته
الثرية لجيل من الممثلين الطامحين للتزود بالعلوم المسرحية وتقنيات فن
التمثيل خاصة ان قاسم محمد خزين تجارب عديدة امتدت من مشرق الوطن العربي
الى مغربه هائما في البحث عن الجديد ومتطلعا الى بلورة اسلوب محدث يجمع
ما بين موروث الامة الغني بالدلالات والاشارات وبين لغة العصر الحديث فهو
لا يستثني في اغلب اعماله هذا التوجه المعرفي والفكري بل يزيد في تعميق
آرائه من خلال محاور وافكار مشاركيه. وبعد تجربته الناجحة مع مسرح
الشارقة الوطني في حظوظ حنظلة الحنظلي يبدأ ورشته المتنقلة في اسلوب
حداثة التمثيل هذه المرة في وسط القاهرة حيث فرقة الهناجر المسرحية
المعروفة بميولها التجريبية التي تعتمد على ممثلين هواة، فكانت مسرحية
الطيور رؤية اخرى متجددة بل ومتجذرة في المسرح العربي.
اجواء هذه
التجربة المسرحية وطيرانها بين بغداد والشارقة والقاهرة هي محور حديثنا
مع المخرج المبدع قاسم محمد.
* كيف ترون
عمق هذه التجربة في المسرح المصري
ـ يمر المسرح
المصري، شأنه شأن المسرح العربي، بحالة من الركود والمراوحة في المكان،
هذه المراوحة التي أدت الى التراجع، ان لم يكن التخلف عن مسايرة التطور
الذي يحصل يوميا في المسرح العالمي وان قراءة نابهة لخارطة حركة المسرح
في مصر سترى كم هو محزن حال المسرح المصري راهناً.
ان البحث في
اسباب هذا الجمود والتراجع يحتاج بحد ذاته الى ندوات وبحوث واستقراءات
لتشخيص الاسباب والعلل والمسببين.
ان المكان
الوحيد الذي يسعى ومنذ سنوات لدفع عجلة العمل والتطور، هو مركز الهناجر
للفنون، والذي تقوده بوعي الدكتورة هدى وصفي والتي جعلت من مركز الهناجر،
فرقة عربية ـ عالمية، تتوفر على ورشة عمل فنية مستمرة يدعى له فنانون
مصريون وعرب وعالميون حيث اصبح هذا المركز مكانا للثقافة المسرحية
المعاصرة.. وما دعوتي الى الهناجر وقيادة ورشة فنية انتجت ـ رسالة الطير
ـ عرضا استقطب جمهوراً مسرحيا حقيقيا متعطشاً الى زمن المسرح الجميل ـ
حسبما عبروا عن ذلك الا مسعى من هذه المساعي الابداعية، التي تسعى اليها
الدكتورة وصفي.
وقد نبهت ورشة
»رسالة الطير« الى اهمية التجريب المعاصر ولكن عبر استقصاء الذاكرة
الابداعية العربية الحية على مستويات المضمون والشكل ووسائل التعبير، كما
ان قراءة اولى للنقد التقويمي لهذه التجربة، سيكشف لا عن عمق التجربة
فحسب، بل عن اهميتها في كونها فاتحة لطريق عربي مسرحي تجريبي ومعاصر جدا.
* هل جاء
استقبال الجمهور المصري للعمل كفلسفة فكرية قائمة على عناصر جمالية
مبهرة؟ ـ لقد دأب مركز الهناجر للفنون على عرض كل عمل من اعماله لمدة
»15« يوماً.. لكني علمت بأن العمل والعرض قد تقرر تمديده لمدة اسبوع اخر
نتيجة لاقبال الجمهور المسرحي الواعي والذي وجد حقا وفعلا في مركز
الهناجر ملاذا فنيا وفكريا وثقافيا رفيع المستوى، حيث ان مركز الهناجر
وادارته المبدعة لا يتنازل عن مستواه الفني بل يعززه من عرض لعرض ومن
ورشة لورشة سواء أكانت الورشة بقيادة فنان مصري او اجنبي.
ولعل من اسباب
تمديد عرض »رسالة الطير« هو هذه الحالة الابتكارية التي تأسس عليها
التمرين والبحث ومن ثم العرض. والجمهور المصري المثقف يدعم ويساند ويتبنى
التجارب القائمة على البحث العربي الاصيل في مسرح عربي اصيل، وما ابن
سينا والغزالي وجلبها الى الحياة المعاصرة، عبر شكل عرض عربي تجريبي
يعتمد الذاكرة العربية الحية في مجال الطقس المسرحي، والبحث في مفردات
تعبير ـ مثل العصا ـ كسينوجرافيا تحيي المكان والزمان وتفجر الدرامية
الكامنة في النص الفلسفي وفي فكرته الانسانية الشاملة، الا احد اهم
الاسباب التي جعلت الجمهور المسرحي والوسط المسرحي المثقف والملتزم ان
يقدر عاليا هذا الانجاز العربي في المسرح المعاصر. وان جملة الكتابات
التقويمية قد فجرت الكثير من المسائل والاسئلة التي اعتقد انها ستستمر في
الطرح.
* كنص ما هي
دلائل ومميزات العرض المصري عن سابقيه في العراق؟
ـ للتاريخ
اقول: انني اشتغل على ـ تمرين ـ هذا العرض منذ »16« عاما ما السبب؟ السبب
ان عالما ابداعيا شموليا كالذي اعطاه لنا ابن سينا والغزالي عبر رسائلهما
»رسالة الطير« يدفعك باستمرار الى حلم ابداعي متطلب اي يتطلب منك ان
تحققه، لماذا؟ لان ثمة تمرين جديد يقترحه.. او تقترحه العوالم الانسانية
الكبيرة المعاني المتضمنة في »رسالة الطير« لكلا الفيلسوفين المتفردين.
وان هذا
التمرين لا ينقطع عن التجريد والتجدد سواء اكان في الجسد ام في فضاء
اللعب، ام في وسائل التعبير ام في العودة مرات ومرات الى رسائل الغزالي
وابن سينا واعادة القراءة والاكتشاف والاضافة. لذلك نرى ان كل من شاهد
العرض في القاهرة عبر ورشة مركز الهناجر، وكان قد شاهد عروضا سابقة
للرسالة، رأى كم التغيير الحاصل، ليس في الشكل حسب، بل وفي دلالات
المعاني وربطها بمعاناة الراهن العربي ولعل ميزة جديدة حصلت في العرض
المصري وهي:
الاعتماد كليا
على شباب من هواة المسرح من لم يرتقوا المسرح قبل.. وهذا امر مهم.. وهو
البحث في الوسائل والكيفيات الجديدة التي تؤهل الهواة من الشباب، وعبر
نصوص وعروض غير مألوفة، وتأهيلهم بثقافة ادبية ـ فكرية ومسرحية تعتمد
التجريب على الذات الابداعية، اي على مرجعية بعيدة عن المرجعية الغربية
في مجال التجريب المسرحي، والبحث في البيئة انساناً ومادة. اما بالنسبة
للنص، وكما قلت اني اعيد القراءة والاستقراء باستمرار.. وقد قادني هذا
الى قراءة رسائل اخرى للغزالي وابن سينا..
مما حمل النص
مقاطع جديدة عدا عن »رسالة الطير« حيث كتابات الغزالي في »الخوف والرجاء«
او كتابات ابن سينا في »رسالة السعادة« مما اغنى النص الاول في العروض
السابقة وجعل النص الحالي يحتوي على شخصيات جديدة لم تكن في تلك العروض
الاولى.. على سبيل المثال شخصية »اليائس« ان هذا مسرح لا يمرن الممثل
فقط.. بل يمرن النص وخشبة المسرح وكل وسائل التعبير وبشكل مستمر ومتجدد.
* ما هي فوائد
هذا العرض على مجموعة من الهواة في فن التمثيل؟ ـ انها حقاً مجموعة من
الفوائد. فقد مرت المجموعة في تجربة كيفية تجهيز نص لم يلقب للمسرح، بل
هو رسالة فلسفية بحتة. وقد تعرفت المجموعة على الاليات، والحيويات
الكامنة في الفكر المسرحي، وفي الحلم المسرحي، وفي الخيال المسرحي، وهذه
اسس رهينة للتربية المسرحية، وعبر التمرين الابتكاري المغذى، تتم حالات
من التجريب.
الامر الاخر..
اكتسبت
المجموعة معارف في عنصر مسرحي مهم جدا هو عنصر »المسرحة« وهو عنصر اساسي
في بناء العرض المسرحي التجريبي، الامر الثالث الذي مرت به مجموعة الهواة
هذه هو ادخالها في ورشة تكوين عناصر الممثل العقلية ـ والثقافية،
والجسدية، وذلك من خلال تمارين جسدية يقودها مختص واستاذ في كلية التربية
الرياضية هو »هاني المتناوي« حيث لا يمكن الان بناء عرض مسرحي تجريبي دون
الاعتماد على تمرين الجسد واكسابه مرونات عديدة تساعد على التكيف مع ظروف
تمرين مسرحي ابتكاري لا يتحدد ولا يتجمد ضمن قوالب مألوفة ومتوارثة
ومكررة، بل ينطلق في عالم »المسرحة« و»الخيال« و»الابتكار«.
* هل كان
المسرح المصري والعربي في حاجة الى التنوير في مسالك الادب العربي عبر نص
الطيور؟ ـ لم يكن المسرح بحاجة الى هذا التنوير حسب بل هو بحاجة دائمة
حاضرا ومستقبلا الى اضاءات جديدة، ليسلك سبلا ويطرق طرقا نحو الادب
العربي الثري كله، وبكل تفرعاته ومكوناته وانواعه، لان ذلك سيغني المسرحي
والمسرح والجمهور، كما سيتوفر على انماط جديدة من اشكال ومضامين ووسائل
تعبير، اضافة الى ان تمرينا مسرحيا لكل عناصر العرض المسرحي، ستكتشف
وستضاف، بل وستقود نحو عالم التجريب المسرحي وبحساسية اخرى لها مرجعيتها
الخاصة بها، والتي لو توفر عليها ستؤسس مع الزمن لحالة او لحالات من
المسرح التجريبي الاصيل والعميق والمثقف.
ما اللحظات
الجميلة التي اقتضاها مخرج مبدع في عمله هذا؟ *
ـ حسب »فاختانكوف«:
ينبغي ان يكون التمرين المسرحي عيدا سعيدا هذه هي اللحظات الجميلة التي
يزودنا بها التمرين المستمر، المتجدد.. المتطور.. الذي لا ينقطع عن
الابتكار وعن تغذية هذا الابتكار ..
ان
هكذا تمارين حية وحيوية هي التي تخلق هذا العيد ليس للمبدع حسب، بل
وللمشاهد.. اذ طيلة ايام التمرين ومن ثم طيلة ايام العرض يتجدد العيد
ويجدد السعادة في النفوس سواء على خشبة المسرح ام في صالة المشاهدين.
ولعل من اجمل اللحظات هي تلك التي تعرفت فيها على اصدقاء مبدعين جدد..
وفي مختلف الاختصاصات تقف على رأسهم الدكتورة هدى وصفي مديرة مركز
الهناجر للفنون، فالعرض ينتهي ويمضي.. لكن الصداقة الابداعية ستظل، بل
وتتجدد.

|