النص المسرحي ما بين الهوية والتغريب

بقلم : محمد رحيم / ألمانيا

1- تمهيد

   إن المسرح بأدواته المتعددة هو إحدى مرايا المجتمع ، التي تعكس همومه وتترجم نبضات الشعب ، فإذا فقد المسرح تلك الخاصية ، وصار بمعزل عن قاعدة الجمهور العامة ، وأعلن وجوده تحت شعار " المسرح تسلية وترفيه " ، هنالك يطفو على السطح هذا السؤال : الهوية في النص المسرحي . وهى قضية متفرعة تمتد جذورها إلى حيث نشأة المسرح العربي ، والهوية هنا ليست لغة فقط ، وإنما هي صدى المجتمع وتفاعلاته ؛ من حيث أن النص المسرحي أطروحة الكاتب عبر انفعاله ونبض المجتمع . وليس هذا معناه أن الإغراق في المحلية هو ما يعطى النص هويته ، ولكن بمعنى طرح الظروف من خلال الشخصيات وليس العكس . فمن هذا المنطلق يكتسب النص العالمية دون أن يفقد هويته . ومثال لذلك أعمال ستراندبرج و إبسن ، فعلى الرغم من أن شخصيات الكاتبين اسكندنافية ، إلا أنها تخطت المحلية إلى العالمية ، إذ أن الشخصيات تشكل الظروف وتتفاعل معها ، حيث أن جينات الطبائع في الشخصية المسرحية ؛ هي التي تحدد تطوراتها حين انفعالها والظروف .

   وكي نلم بالأبعاد التامة لتلك القضية ، لابد لنا وأن نتطرق إلى مراحل تطور المسرح العربي بدءا من النشوء حتى العصر الحالي ، فإن جذور تلك المشكلة تكمن قبل كل شيء في مرحلة النشوء .

   وفيما يلي سنذكر العوامل التي ألمت بها ، ليس على سبيل التحليل التاريخي أو الاجتماعي ، فليس هذا هو مجال البحث ، وإنما لإلقاء الضوء والتعرف على جمهور المسرح بتلك الحقبة ، وخاصة بمصر وسوريا لكونهما مهد المسرح العربي . فإذا نظرنا للعوامل ، وهى ما بين سياسية ، اقتصادية اجتماعية ، فعلى الرغم من أن العامل الاجتماعي يأتي في مؤخرة القائمة ، من حيث كونه عامل مؤثر في حسم مرحلة النشوء ، إلا أنه أشد العوامل فاعلية في قضية هوية المسرح العربي ، وبما أننا بصدد قضية الهوية فحري بنا أن نبدأ بالعامل الاجتماعي ، بغض النظر عن كلا العاملين السياسي والاقتصادي ، إلا فيما يتعلق بمادة البحث ، إذ أن تأثيرهما في المقام الأول ينحصر في تحديد نوعية الطبقة الممارسة للمسرح . ومن ثم سنوجه اهتمامنا لسرد الملامح الفنية والاجتماعية للإنسان العربي في منتصف القرن التاسع عشر، والذي من أجله تم استيراد هذا الفن الأوروبي ! على الرغم من أن كلا الشعبين- حينذاك- المصري والسوري في أشد الحاجة للخبز وليس للمسرح ، لكن- وكما نعلم جميعا- أنه من سمات الشعوب المتحضرة وجود مسرح وأوبرا . وكمنطلق للبحث-سنتبع المثل القائل " إذا أردت أن تتعرف على شعب ، فانظر في فنونه " ، إذ أن فنون الشعوب هي مرآة حضارتها وتراثها . وبما أن فنون العرب قبل الإسلام ؛ وفى المقام الأول فنون لغوية ، وبما أن اللغة قد وجدت أقصى مراحل البلاغة في القرآن ، فلا جرم إذن أن نقول أن الفنون العربية هي فنون إسلامية الطبع والطابع ، حيث أن التراث العربي الإسلامي قد شكل وجدان وارثيه في أي زمان وفي أي مكان كانوا ، فمن هذا التراث انبثقت أفانين الفن العربي ، من خطابة ، شعر ، خطوط ، قصة ، نغم ...... إلخ ، بينما فن التشخيص بمعناه الفعلي لم يكن يوما من الفنون العربية ، أما في المطلق حيث أنه يشمل الأداء ، فإذا استثنينا الـ episches - Theater كما عند بريخت ، وأدرجنا هذا العامل تحت فن الخطابة ؛ والذي يتطلب التفاعل بين الخطيب والمتلقي ، فلم يبق أمامنا سوى الغناء ؛ وهو فن أداء الكلمة مصاحبة بالنغم ، وغالبا مفهوم الغناء ׃ صوت جميل مدرب يشدو بكلمات موزونة ، وليس أداءً دراميا وهذا يفسر فشل فن الأوبرا في خلق قاعدة من الجمهور بالوطن العربي .

   ومما تقدم نرى أن فن التشخيص ؛ وهو قوام المسرح ، فن غريب على الجمهور العربي ، لذلك كان من المنطقي بل من الضروري أن تسبق مرحلة الاستيراد فترة تمهيد ؛ وهذا لا يعنى فقط إعداد المشاهد لهذا الفن ، وإنما بمعنى خلق جسر تقارب بين المسرح والفنون العربية ، حتى لا يولد هذا الفن غريبا ، فإن المسرح أب الفنون ؛ وبإمكانه استيعاب أشكال الفن العربي . ولكن على العكس من ذلك قد تم استيراد المسرح - سواء في مصر أو في سوريا- بمادته الغربية المترجمة ، ومن خلال ذلك اقتصر على طبقة محدودة من الشعب ، ألا وهى الطبقة المعتادة على الفكر الأوروبي ، حيث أن ميلاد المسرح في مصر قد كان على يد يعقوب صنوع (1839ــ1912) يهودي مصري ، قد درس في إيطاليا على نفقة أحمد يكن باشا ، ثم عاد إلى مصر وعمل كمعلم لأبناء الطبقة الراقية . وفى عام 1870 أعد مسرحية من تمثيل فرقته والتي يتكون أعضاؤها من تلاميذه عدا النساء ، من الأوروبيات . ثم عرض تلك المسرحية على الخديوي إسماعيل وعدد من النبلاء والأغنياء ، حيث قد نالت إعجابهم ، ومن ثم أصبح الخديوي ممول لفرقة صنوع حتى عام 1872 حيث غضب الخديوي عليه ونفاه إلى فرنسا .

   ومنذ نفى صنوع لم يحدث الكثير على ساحة المسرح المصري سوى بعض الترجمات للأعمال الفرنسية كطرطوف لموليير التي ترجمها عثمان جلال ( 1873) ، إلى أن انتقلت فرقة سليم النقاش إلى مصر- والتي تتكون من 12 ممثل و4 ممثلات- آملة في دعم الخديوي للفرقة كما دعم صنوع من قبل . قدمت فرقة سليم النقاش عدة عروض بالقاهرة والإسكندرية ، أولها عايدة عن أوبرا عايدة لفيردي ، في محاولة لإرضاء الخديوي إسماعيل وجذب اهتمامه ، حيث أن الخديوي كان يأمل أن تكون أوبرا عايدة عرض الافتتاح لدار الأوبرا المصرية ، ولكن لم يكن فيردى قد انتهى من كتابتها بعد ، فعرض بدلا عنها في الافتتاح ريجوليتو . وعايدة التي قدمها سليم النقاش لم تكن أوبرا بل اتخذت جزئيا  شكل الأوبريت ، الحوار يتنوع ما بين شعر ونثر دونما مبرر ، والشعر بعضه مكسور وغير مقفى ، كذا شخصيات النص دون أبعاد درامية .

   ومن تلك اللحظات ؛ لحظات ميلاد المسرح العربي يتبين لنا أن المسرح قد ولد بثالوثه الخالد- الفنان، الجمهور، الممول – طبقيا . ولتأكيد ذلك يكفى أن ننظر في المعجم تحت مادة " سرح " فنجد أن مسرح ما هو إلا " مرعى " ، ولا ندرى إلى الآن من الذي اختلق تلك الكلمة كمقابل لـ - théâtre الفرنسية والتي كانت تستخدمها تلك الطبقة المذكورة ، و  théâter هي عن اللاتينية theātrum عن اليونانية théātron من الأصل théā بمعنى " مشاهدة " ، وناهيك عن أنه لم توجد بالفعل محاولة جدية لتأدية الكلمة الفرنسية بالمعنى الصحيح ، فإن الطامة الكبرى تكمن في إعداد وترجمة النصوص الإنجليزية والفرنسية التي قدمت على خشبة المسرح حينذاك ، من حيث الموضوع الذي لا يتناسب والجمهور العربي ومن حيث الشكل الفني ، إذ أن معظم المسرحيات التي قدمها صنوع ، والذي يصفه البعض كأب المسرح العربي - بينما الأب الحقيقي والذي كتب أول نص مسرحي عربي هو مارون ميخائيل النقاش ( 1817- 55 ) وهو نص " البخيل " -  كانت من طراز الـ -vaudeville  وهي فرنسية تعنى في الأصل " أغانى شعبية ــ رقص شعبي " وهى قد اشتقت من Val de Vire بنورماندى ، حيث أنه في أوائل القرن الخامس عشر قد قام الشاعر الفرنسي الشعبي Olivier Basselin بكتابة مثل تلك الأغاني ، وفى القرن 16 و 17 كانت تغنى مثل تلك الأغاني الشعبية على نغمات بسيطة ، وفيما بعد تطور هذا الشكل الغنائي إلى كوميديا غنائية خفيفة ، ثم تراجعت الأغنية في هذا الشكل المسرحي حتى كادت تتلاشى غير أغنية واحدة في نهاية العرض ، والـ - vaudeville المتعارف عليه الآن هو المسرح الشعبي الكوميدي ، إلا أن الإنجليز والأمريكان يعرفونه ك-variété .

ومن هنا يتضح لنا جيدا أن المسرح العربي في نشأته قد قدم قبل كل شيء  كوميديات شعبية فرنسية أو إعدادا للأوبرات الإيطالية ، على الرغم من أن عامة الجمهور يجهل ما هو الـ - croissant وما هي  الـ -  pasta.

وللحديث بقية .

النص المسرحي ما بين الهوية والتغريب 2

بقلم : محمد رحيم / ألمانيا

   لقد رأينا في المقالة السابقة أن المسرح العربي قد ولد أوربي النزعة والهوية ، حيث أن المستوردين قد قدموا هذا الفن في قالبه الغربي دون محاولة جدية لتعريب المادة أو التقارب بين هذا الجديد والعقلية العربية . ونحن في هذه المقالة سنحاول أن نعرض للأسباب التي أدت إلى خلق تلك النزعة الغربية والتي يعانى منها المسرح العربي حتى الآن .

   إننا لا ننكر أن المسرح فن أوروبي ، وأن الدراما وهى كلمة يونانية drãma عن drãn بمعنى " فعل " ، وهي ضرب من النصوص الفنية والتي تختلف عن النثر والشعر من خلال فقدانها لعنصر السرد- بغض النظر عن das epische Theater- حيث أن النصوص الدرامية تطرح الصراع خلال الشخصيات الدرامية وأقوالها . لكن لا يعني هذا أن يكون المسرح العربي مجرد نسخة باهتة للأصل الأوروبي ، فهناك أعمال أدباء عرب من العصور الوسطى تحتوى على عناصر درامية ، والتي يمكن إعدادها للمسرح ، نذكر على سبيل المثال لا الحصر " البخلاء "  للجاحظ ، " حي بن يقظان " لابن طفيل . فوجود مثل تلك النصوص يجعلنا نتساءل : لماذا لم يحاول القائمين على المسرح في مرحلة النشأة إعداد مثل تلك الأعمال للمسرح بدلا من محاولة تعريب الشخصيات الدرامية الأوروبية لعرضها في إطار عربي ؛ كي تتناسب وقاعدة الجمهور العام . وكما سنرى فيما بعد أن بعض تلك المحاولات قد أساء إلى النص الأصلي دون أن يصل بالشخصية المترجمة إلى الواقع المحلي . ومثالا لذلك ترجمة وإعداد نجيب الحداد ( 99- 1867) لنص شكسبير روميو وجولييت ، والتي عرضت سنة 1890 باسم شهداء الغرام ، وهى مزيج ما بين نثر وشعر ، حيث يطالعنا روميو- والذي أدى شخصيته الراحل سلامة حجازي - كعاشق عربي ؛ قد أسهده الحب وجافاه المضطجع ؛ فبات يتطلع للقمر وينشد الشعر كدأب الشعراء العرب . لم يبدأ المعد بمشهد شجار الشارع الذي يجسد طبيعة الصراع بين العائلتين ويلقى الضوء على البيئة التي نبت فيها هذا الحب ، وإنما بدأ بلقاء الحبيبين الرومانسي ، وكأن علاقة الأسرتين عامل ثانوي  ومحور الدراما هو الحب . لم يبرز المترجم الصراع الذي قاد الشخصيات إلى النهاية المأساوية ، وإنما قدم قصة حب حزينة تتأرجح بين المنظور العربي للحب وطبيعة الشخصيات الأوربية التي قد أهملها المعد ؛ ليتيح للمشاهد التعاطف مع الشخصيات الرئيسية من خلال معايشتها للحب بمفهومه العربي . ومن ثم قدم نجيب الحداد بدلا عن روميو الإيطالي روميو البادية . مثال آخر من سلسلة الإعدادات للأعمال المسرحية العالمية بتلك المرحلة هو هاملت عام 1901 لطنيوس عبده . إذ أن المترجم لم يسمح بموت بطل كهاملت ، حيث أن الأبطال لديه لا يموتون ؛ لم ينتهي النص بموت هاملت ، وإنما بظهور شبح الأب ومطالبة هاملت باسترداد العرش . وبذلك نجدنا أمام هاملت من نوع آخر ليس كما قدمه شكسبير متردد ومفكر ، ولكن هاملت على شاكلة سيف بن ذي يزن .

   على ضوء المثالين السابقين يتضح لنا أن المترجمين- في المرحلة اللاحقة للاستيراد- قد حاولوا جهد طاقاتهم تعريب الشخصيات دون الدراما ، ولكي يتسنى لنا فهم ذلك ؛ يكفينا أن ننظر لأحد جمل هاملت الخالدة ، والتي كان من الأفضل أن يتنازل عنها المعد حتى لا تتعارض وهاملت المعرب " كائن أم غير كائن ، تلك هي المسألة " . إن تلك المقولة التي يلفظها هاملت متسائلا عن وجوديته ومحللا للأحداث بينما والده قد اغتيل على يد عمه كلاوديوس ، لجديرة أن تطرح هذا السؤال : هل من المعقول لدى المشاهد العربي أن يطرح المطالب بالثأر موضوع كهذا ؟ إنه ولا شك هناك توازى ما بين مقولة كهذه ومقولة امرؤ القيس في موقف مشابه حيث قال " اليوم نساء وخمر ، وغدا ثأر وأمر " . امرؤ القيس بتلك المقولة قد حسم أمرا ، بينما مشكلة هاملت أنه لا يستطيع الحسم ؛ ولذلك تأتي جملة مثل تلك معارضة لطبيعة هاملت الجديدة التي قد منحتها له الترجمة . وعليه لم يتعرف المشاهد على هاملت كما لدى شكسبير ولم ير هاملت العربي ، وهناك العديد من الأمثلة التي تؤكد أن تعريب الدراما هو الأساس وليس تعريب الشخصيات . فلربما كان من الأسهل بدلا عن الترجمة أن يبحث المعدون عن المادة العربية والتي بدورها تقدم شخصيات عربية ، دون الوقوع في متاهة التعريب والترجمة وتشويه النصوص الأصلية .

   فمن هنا نرى أن أحد الأسباب الرئيسية لمشكلة الهوية في النص العربي هو الدوران في فلك الدراما الأوربية والتقليد ، وكأنها شيء مقدس لا يجب الخروج عنه أو التحرر منه . إننا لا ننفى وجود دراما عربية على درجة عالية من الجودة في أوائل العشرينات من القرن المنصرم كأعمال فرح أنطون ( 1922- 1874) ، إبراهيم رمزى (1949 – 1884) ، محمد تيمور ( 1921 - 1892) ، ولكن قد استغرق ظهور مثل تلك الأعمال ما ينيف عن نصف قرن .

   إنه من الطبيعي أن يحتاج المجتمع فترة زمنية لهضم فن جديد والتفاعل معه ، لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نوعية هذا الفن ليست بالغريبة مطلقا ، وخاصة في مصر وبالتحديد في القرن الثالث عشر حيث أن الجمهور قد اعتاد على مشاهدة خيال الظل ، ورائد هذا الفن هو شمس الدين محمد ابن دانيال ( 1311 - 1248) ، والذي كتب نصوص لتلك النوعية من المسرح منها على سبيل المثال " طيف الخيال " . ويلي مرحلة خيال الظل الكراكوز وهي تركية بمعنى " العين السوداء " ، وبالمصرية العامة " أراجوز " ، وهو غني عن التعريف ، فمنذ الطفولة يعرف الأطفال الأراجوز ويحبونه . ومن هنا نرى أن فن المسرح والدراما بغض النظر عن التشخيص ليس بالغريبين على المجتمع العربي ، حتى يحتاج تلك الفترة الزمنية لتقديم أعمال درامية عربية ، على الرغم من وجود جسر اتصال والذي يمثله خيال الظل .

للحديث بقية ..

  

النص المسرحي ما بين الهوية والتغريب – 3

بقلم : محمد رحيم / ألمانيا

   لقد ذكرنا في المقالة السابقة مرحلة الترجمة في طور نشأة المسرح العربي ، والتي لعبت دورا هاما في قضية الهوية في النص المسرحي ؛ من حيث قيامها بتعريب الشخصيات دون الدراما ، وكأن الفعل منفصل عن الفاعل ، والشخصيات وكأنها ليست نتاج المجتمع والبيئة . فرأينا روميو الإيطالي وقد أضناه السهاد فلم يجد سميرا سوى القمر ، فيقرض فيه الشعر كدأب بن الملوح ، بينما هاملت الإسكندنافي المتردد ذو الطبيعة الباردة يثور ويتطلع للعرش على وتيرة سيف بن ذي يزن . إننا لا نجحد جهود المترجمين في تلك الفترة والتي ساهمت إلى حد كبير في نشر الثقافة المسرحية ، خاصة ما يتعلق بالأعمال العالمية الخالدة ؛ فإننا ندرك جيدا أن ترجمة الأعمال الأدبية هي أصعب أنواع الترجمة ، فهي ليست مجرد ترجمة للكلمة ، وإنما تصوير المجتمع كما يراه الكاتب مع مراعاة زاوية الأطروحة في العمل الدرامي ؛ بمعنى حياد المترجم في طرح شخصيات الكاتب . فمثلا إذا أردنا أن نطرح شخصية Blanche DuBios ( الشخصية الرئيسية في مسرحية تينسي ويليامز AStreetcar Named Desire ) وهى شخصية مدللة ، مدمنة للكحول ذات شبق شديد ، قد جاءت لتعيش لدى أختها المتزوجة (Stella  ) بعد وفاة والدهما ، حيث أنها قد فصلت من وظيفتها كمعلمة لسوء سلوكها . تلك الشخصية قد طرحها المؤلف في إطار الصراع بين الرغبة والواقع دون أن يحاكمها أو يسِمُها بالعهر ، فإذا حاولنا تقديم تلك الشخصية للمشاهد العربي مع مراعاة أمانة الترجمة ودون محاكمة الشخصية ، والتي من الصعب تعليل دوافعها وإبراز معاناتها لمجتمع شرقي ، فإننا بالفعل إزاء معضلة ؛ وهذا هو ما نعني بصعوبة ترجمة الأعمال الدرامية .

   إن حديثنا عن الترجمة ليس لنقض المترجمين ، وإنما محاولة للتعرف على أسباب قضية الهوية ، فكما ذكرنا في المقالة الأولى أن المسرح العربي قد بدأ نشاطه بأعمال مترجمة ولم يبدأ بأعمال محلية على الرغم من وجود مسرح خيال الظل ، والذي يعطينا بدوره مثالا عن فن المسرح والدراما ، وان لم تكن المادة الدرامية المكتوبة لتلك النوعية من المسرح تتطابق ومفهومنا العصري للدراما ، إلا أنها تهيئ لنا مدخل لتفهم هذا الفن وذلك عبر تراثنا العربي . وفى هذا الصدد يقدم لنا المسرح الهندي المعاصر مثالا يحتذى ، فالمسرح الهندي الحديث لم يعتمد على الدراما الأوربية بطبيعتها الغربية على المجتمع الشرقي كمنطلق لنشأته، وإنما استسقى براعم نهضته المسرحية الحديثة من مناهل التراث والفن الهندي القديم ؛ فالرقص والتشخيص والغناء تندرج تحت الطقوس الدينية التي كانت تمارس في المعابد ، والتي بدورها تكون أحد أشكال الديالوج الدرامي ، فإذا تحدثنا عن أول monography هندية ( القرن الثاني الميلادي ) سنسكريتية ، والتي كتبها الراهب Nātyaśāstra Bharata- بناءا على أمر الإله Brahmā ، فصمم الكاتب 4 أشكال لهذا العرض ׃

1.    خطابة وشعر ،

2.    رقص وموسيقى ،

3.    مشاعر ،

4.    صراع ؛

 وقسم الشخصيات إلى نوعين ׃ رقيق حساس ،  وغاضب عدواني . فمن خلال هذا التصميم تطالعنا الملامح الدرامية لهذا العمل بغض النظر عن جودته . وعلى ضوء هذا المثال يتضح لنا التوازي بين تلك المرحلة في تاريخ المسرح الهندي - والتي اتخذها الهنود كجسر ارتباط بين التراث والمسرح بمفهومه الحديث كي لا يولد هذا الفن غريبا - وبين مرحلة خيال الظل والتي أهملها القائمون على المسرح العربي في طور النشأة .

   إن قضية الهوية في النص المسرحي ليست مشكلة آنية تقبع جذورها فقط في طور النشأة والتي يمكن حلها بمجرد معرفة أخطاء السابقين وتجنبها ، وإنما هي قضية مستقبل المسرح العربي والذي منذ أعوام عديدة قد فقد فاعليته وثقة الجمهور وأصبح قاصرا على المهرجانات العربية أو على المسرح المعلب ، الذي نطالعه أمام شاشات التليفزيون في الوطن العربي . إننا لا نتحدث عن موقع المسرح العربي من خريطة المسرح العالمي ، أو عن إمكانية وصوله للعالمية فهذا أمر قد حسم وفرغ منه ، وإنما نتحدث عن فقدانه لمحليته ودوره المعتاد كأداة ثقافية في إعداد النشئ وتطوير المجتمع ، فلقد فقد المسرح مصداقيته كوسيلة تعليم جادة وكصرح للفن الراقي . إن عجز مسرحنا المعاصر عن طرح واقعنا هو أكبر دلالة على السلبية وفقدان الهوية ، والانقياد حيث اللامعنى ، وكأننا نحتاج الآن لنصوص غربية كي تعكس لنا همومنا اليومية وتعبر عن واقعنا ، أو نحتاج إلى رامبو ليحررنا من السلبية ويقفز بنا إلى القرن الواحد والعشرين .

   لم يعد لدينا الآن خيار في انتقاء المادة الفنية المشاهدة فالمسرح قد تخلى عن دوره كأداة ثقافة وترفيه واسلم الراية لشاشات العرض ، والتي قلما تقدم أعمالا أدبية هادفة. إنه لمن المؤسف والمحزن أن لا نجد بديلا للمادة الغربية التي تعج بها دور العرض في الوطن العربي ، فالمشاهد يجد نفسه مضطرا لمجاراة العصر وقبول المتاح من المادة المعروضة فإن لم تكن غربية بحتة فهي تقليد محلى للأصل الغربي مواكبة للعصر وركوبا للموجة.  فالجيل الجديد الآن قد وجد مثله الأعلى في نجوم هوليوود المصنوعة للاستهلاك ، فهو يقلدهم ويتتبع أخبارهم بشغف وولع ، ويحفظها عن ظهر قلب ، بل معرفته بها أفضل من معرفته بأسماء زعماء الوطن العربي ، ومتابعته لها أكثر من متابعته لقضية الشرق الأوسط .

   إننا لا نستطيع أن نلقى باللوم على الجيل الجديد ونصفه بالتغريب ، ونترحم على قيم الأجيال السابقة ووعيهم القومي ، فليس هذا عدلا ، إن ما وصل إليه حال المسرح العربي والكلمة الجادة هو صنع الأجيال السابقة وصنع يدينا إذ لم نقدم له قدوة عربية يقتدي بها كمثل أعلى ، بل تركناه فريسة للتيار الغربي والمادة الأمريكية .

للحديث بقية ...

النص المسرحي ما بين الهوية والتغريب – 4

بقلم : محمد رحيم / ألمانيا

   لقد ذكرنا في المقالة السابقة ما آل إليه حال المسرح العربي ، حين تخلى عن دوره الثقافي والتربوي في المجتمع ، وأضحى أداة ترفيه لطبقة محددة . ولقد ناقشنا من قبل قضية الطبقية في نشأة المسرح ، والتي مازالت تلاحقه حتى الآن ، ولكن بشكل آخر ؛ يتناسب والعصر . فقديما كانت طبقية المسرح تشمل المادة المطروحة فكرا وقالبا، أما الآن فقد انحصرت في ثمن تذاكر العرض لا غير ، حيث اللا أطروحة والوجبة المعتادة ؛ لحم أبيض وكوميديان ، وذلك تحت شعار " الهدف الضحك " . وهذا هو جل ما يقدمه المسرح التجاري ، أما المسرح الثقافي ؛ وهو همنا الشاغل ، لا نجد له تواجد حقيقي ، فلقد تراجع وانزوى وأعلن استسلامه أمام زحف المسرح التجاري ، وصار ذكرى للمثقفين ، حين التحق نجومه بقافلة " الهدف الضحك " . إنه من الصعب فهم هذا الشعار ، هل الهدف هو ضحك المشاهد أم الضحك عليه ؟ إننا نتساءل دائما : كيف تسنى للمسرح التجاري هذا النجاح الباهر ؟ فإننا ندرك جيدا أنه لا مسرح دون جمهور ، وأن المسألة تقع تحت طائلة قانون السوق العام " العرض والطلب " ، فعلى ما يبدو أن الجمهور العربي يستمتع بتلك النوعية من الترفيه وينشدها ، إلا أننا لا نستطيع أن نقطع بهذا لعدم وجود البديل . فمن الثابت علميا أن المسرح هو وثيقة تاريخية واجتماعية للعصر ، فعلى سبيل المثال " مسرح العبث " والذي ظهر في أوروبا في منتصف القرن المنصرم ، حيث عبر العديد من الكتاب خلال هذا القالب المسرحي الجديد عن معايشتهم وما اعتمل في نفوسهم أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية . لقد ألقوا بوثيقة تشهد على العصر ، فحين نطالع الشخصيات المسرحية لهؤلاء الكتاب ، نجدنا أمام شخصيات يحكمها اللامعقول وسيطرة المجهول ، تعيش بدائرة المجتمع الفردي ، تتطلع للحرية ، حيث اللاقيد ، تأبى المعتاد تتمرد على أصفاد العقل ؛ تخلق واقعها المنشود في أعماق اللاوعي ، حيث الرفض التام للذوبان والانصهار ، فتقف على أعتاب العزلة واللانهاية . فنرى ذلك واضحا في " لعبة النهاية " Beckett ، كذلك لدى Adamov في " Parodie " وأيضا عند Genet في " Le Balcon " . إن شخصيات تلك النصوص سجينة قوى مجهولة تتحكم في مصائرهم ، تدفعهم نحو اللامعقول . كذلك يطالعنا انهيار الأسرة لدى Ionesco في عدة أعمال ، منها على سبيل المثال :

 (La leçon, Les chaises, Victimes du devoir) كذلك لدى Pinter في مسرحيات عدة منها :

(The Caretaker, The Homecoming, Old Times) أيضا ذات القضية عند Albee في أكثر من دراما ؛ مثلا :

(The American Dream, Whos afraid of Virginia Woolf) ، فجميع تلك الأعمال الدرامية قد اتخذت تفكك الأسرة وانفصال أفرادها كمحور للطرح . أيضا يطالعنا Pinter في مسرحيته ( No Mans Land ) بالأحلام الفردية التي تنتحر على أعتاب الواقع وضغوط العالم الخارجي ، حيث اللاحل ، ويتضح لنا  ذلك جليا خلال أول أعماله الدرامية عام 1959 ( The Room ) فالشخصيات تحيى في خوف مطلق مما خارج الغرفة ، لا تدرى لمَ ؛ خوف من المجهول وانتظار أبدى . أيضا من الأعمال الدرامية التي تعكس الواقع كما تراءى للكتاب في تلك الحقبة مسرحية :

(La Grande et la petite manœuvre) للكاتب المسرحي Adamov ، حيث تفقد الشخصية الرئيسية في النص أطرافها واحدا تلو الآخر ، حتى تتحول لقطعة لحم لا فائدة لها . هنا يعكس المؤلف مشاعره ويلقى بوثيقة تشهد على العصر وتدينه ، وذلك بأسلوب قاسي ومباشر . كذلك شخصية Winnie   في مسرحية ( Oh les beaux jours )  لـ : Beckett تبتلعها الرمال التي تقف عليها . أيضا تختفي شخصيات Genet في المرآة التي تنظر إليها كما في  ( Les bonnes, Le Balcon, Les nègres ).

   في جميع تلك الأعمال الدرامية نجدنا إزاء مجتمع يبتلع أفراده ، يحطمهم ، يجعل منهم نفايات لا تصلح لشيء ، يلقى بهم فريسة للخوف والفزع في دائرة اللانهاية . حتى إن الحب لا يستطيع أن يصمد أمام هذا الخوف الجارف فيحتويه ؛ إنه حب مبتور بلا جذر ؛ وليد الموقف والوحدة كما صوره Ionesco في مسرحيته "Jacques ou la  soumission "  مشوه لاإنساني .

   إن شخصيات هؤلاء الكتاب لا يتعاملون مع اللغة كوسيلة اتصال وتفاهم ، وإنما كأداة تعذيب ؛ حيث ينظرون العالم الخارجي عبر نافذة الخوف ومنشور الشك ، فهم لا يتحدثون ، وإنما شيء ما يتحدث داخلهم ، يرفض ترجمة الواقع جمل وحروف ، فتصير لغتهم لغة آلية ، تسجنهم ؛ يختنقوا ، فتولد الغربة والمجتمع . إن المسرح العبثي كما ذكرنا هو مرآة عصر قد دفع مثقفيه للبحث عن المعنى حيث اللامعنى ؛ حين أدرك الإنسان أنه أداة في قبضة المجتمع تصنع به ما تشاء ، فلا يستطيع رداً أو تعقيبا ، إنها الحقيقة التي لم يستصغها الأدباء فأنتجت دراما العبث . فعلى ضوء هذا المثال يتبين لنا أن المسرح العبثي قد سجل الحياة الثقافية والاجتماعية لعصر قد اختلطت فيه الأشياء لحد اللافرق ، فصار الإنسان المتحضر يبحث عن معنى لوجوديته أو تفسيرا للأحداث ؛ بداية كعضو في المجتمع ونهاية كآلة بلا كتالوج محدودة ذات عمر افتراضي وبدون قطع غيار أو ضمان . هذا هو ما سجله لنا هذا المسرح عن تلك الحقبة المذكورة آنفا ، فنعود لنتساءل ماذا سجل لنا المسرح العربي ، أو ماذا يسجل لنا المسرح المعاصر ؟ ملابس النجوم أم تهافت المسرح ؟!