|
سباعي السيد
يعد
مفهوم أفق
التوقع مفهوماُ هاماً في دراسة التلقي. فالجمهور عندما يظهر عرض
جديد
يكون مهيأ
بالفعل لطريقة معينة من التلقي من خلال تجربته للعروض السابقة
وخبرته
الجمالية
عموماً .
العرض
الجديد يثير لدى المتفرجين أفق التوقع وقواعد
اللعبة التي
اعتادها من خلال العروض السابقة. ويختلف هذا الأفق في سياق
المشاهدة أو
يصحح أو يتم
تعديله وربما يبقى كما هو.
ولكن كلما
زادت الفجوة بين
العمل
الجديد وأفق التوقع القائم, زادت أصالة العمل وجودته. و لنتذكر
مثلا مشاعر
السخط و
الإحباط التي انتابت جمهور أول عرض في انتظار جودو
Waiting For Godot
لصمويل بيكيت ، في
أول مواجهة بين الجمهور و عمل من أعمال مسر ح
العبث.
وهناك عناصر
أخرى تساهم في تحديد أفق التوقع في التجربة
المسرحية,
ومنها عنوان العرض ذاته, والوصف النوعي للعرض سواء كان كوميديا أو
مسرحية
استعراضية..
وكذلك الإعلان والدعاية والمقالات المنشورة بالصحف والمجلات عن
المسرحية..
ولافتات المسرح التي تضم أسماء نجوم المسرحية.
وما نتوقعه
كجمهور من
مسرح تجاري
يختلف عما نتوقعه عندما نشاهد مسرحاً تابعاً للدولة.. بل أن أسعار
التذاكر
ذاتها تلعب دوراً هاماً فيما نتوقعه من التجربة المسرحية.
أيضاً
تلعب وسائل
الإعلام دوراً هاماً في تحديد أفق التوقع.. فعندما يبث التليفزيون
المسرحيات
الهزلية الخفيفة ذات المستوى الفني المتواضع أو الرديء.. فإنها
تصنع لدى
الجمهور
صورة ذهنية مفادها أن دور المسرح الإضحاك، وبالتالي يتأثر تلقيه
للأعمال
المسرحية
البعيدة عن هذا المفهوم.
ينتهي عرض
المسرحية ويخرج الجمهور وفي
داخل عقل كل
من أفراده معنى مختلفاً للعرض، لكل وجهة نظره في ما شاهد من أحداث.
هاملت مثلاً
يمكن أن أن ننظر إليها كمسرحية ميلودرامية تتحدث عن انتقام هاملت
من
قاتل أبيه
كما يمكن أن ننظر لها بوصفها مأساة شعرية رفيعة المستوى تناقش قدر
الإنسان
ومصيره وحريته.
ولكن لماذا
يختلف معنى العرض وماهيته من متفرج إلى آخر؟
إن ذلك يرجح
ببساطة إلى أن المتلقي يقوم بإعادة بناء الأحداث والأفعال
مرة أخرى.
وعملية إعادة البناء هذه تعتمد أساساً على الذات المدركة وكفاءتها
في
استقبال
الدلالات المختلفة التي تبثها خشبة المسرح.
وترتبط
كفاءة
المتفرج
بمدى علمه واستيعابه لما يسمى بالشفرة الفنية التي يتضمنها العرض
المسرحي
أو العمل
الفني بشكل عام. وهذه الشفرة
code تنقسم
إلى مستويين: الأول خاص بالتقاليد
الفنية
الدرامية أي الخاصة بصناعة العرض, والثاني يتعلق بالتقاليد
الاجتماعية
والإيديولوجية والثقافية في مجتمع ما.
الشفرة كما
يقول ياكوبسن هي عملية بناء
تبدأ من
الرسالة واكتشاف الشفرة وقراءة الرسالة في حدود معرفة المتلقي الذي
يقوم
بحل الشفرة.
ومن هنا يكون التفاوت بين أفراد الجمهور في استيعاب الرسالة الفنية
ومضمونها
تبعاً لمستوياتهم الثقافية وقدراتهم العقلية واستعدادهم الذي ينمو
من
معارفهم
وخبراتهم الجمالية.
عندما نشاهد
التليفزيون يمكن أن نكون
بمفردنا
بالمنزل حيث يمكن أن نشاهد الفيلم أو المسرحية من خلاله.
أما في المسرح
فتجربة
المشاهدة تتسم بأنها جماعية فهناك علاقة بين المتفرج وبقية أفراد
الجمهور..
وهو يتأثر
بردود أفعالهم من ضحك وتصفيق وغير ذلك. وربما يلاحظ القارىء أنه
عندما
يشاهد
المسرحية مع بضعة أشخاص فقط يتفرجون فيما يختلف عن رؤيته لنفس
المسرحية وقد
أصبح المسرح
كامل العدد. فهناك تفاعلات معقدة تتم بين خشبة المسرح والجمهور,
وبين
المتفرج
وبقية المتفرجين.
أخيراً..
كيف يستجيب المتلقي لما يعرض عليه..
أو ببساطة
ما هو تأثير العرض المسرحي على المتفرج؟
أن هناك عدة
مستويات للتأثير
أو
الاستجابة من قبل المتفرج, فهناك مستوى الإثارة التي تؤدي إلى
الإعلان عنها
بالضحك أو
التصفيق أو فيرها وهي استجابة حسية وتلقائية.
ثم هناك
مستوى
تأكيد موقفه
من خلال موقف الشخصيات المسرحية, فهناك دائماً وجهة نظر يتبناها
المتفرج
ويتعاطف معها وينحاز إليها وبالتالي ينحاز إلى الشخصية المسرحية
التي
تقدمها.
أما المستوى
الثالث من مستويات تأثير المتفرج بالعرض فهو مستوى البحث عن
الوحدة
الكلية للنص المسرحي من خلال العناصر المسرحية المتفرقة
والمتناثرة.
لعلنا نؤكد
أن قضية المتفرج أو المتلقي تبدو قضية أساسية
وملحة الآن
ليس في مجال المسرح وحده. فالقاعات المسرحية الخاوية والمعارض
الفنية
التي تبحث
عن مرتادين تدفعنا دفعاً إلى البحث عن أسباب عزوف المتفرج عن
المسرح ، أو
بالأحرى أسباب اهتمامه به |