على مقعد في الحديقة

مسرحية: د.علي سلطان

المنظر: حديقة فيها مقاعد، يتقدم من طرفها شاب ويجلس على طرف مقعد في الوسط، وبعد فترة قصيرة تدخل فتاة وتتلفت وتتقدم وتجلس على الطرف الآخر للمقعد، بعد لحظات ويبدو أن الاثنين يفكران، يلتفت الشاب إليها]‏

الفتى :

صباح الخير يا آنسة، هل تسمحين لي أن أرحب بك وبجلوسك إلى طرف هذا المقعد الذي أجلس أيضاً أنا على طرفه الآخر.‏

الفتاة :‏

(تتلفت إليه باندهاش)‏

الفتى :

(يسبقها ويتابع الحديث) لا، لا والله لست بالجريء ولم أفعل ذلك من قبل.‏

الفتاة :‏

بدأت حديثاً، وأنت تكمله وكأننا أصدقاء من زمن طويل، أنت متعجل أو متهور، ولو كانت الفتاة غيري لربما أهالت عليك شتاتاً من شتائم.‏

الفتى :

يبدو أن يومي هذا يوم سعد، وسوف تدركين بعد دقائق قليلة أو جمل متقطعة، أني امرؤ لا تجوز عليه الظنون، وقد تأسفين لأنه لم يصدق ظن واحد من ظنونك.‏

الفتاة :‏

تتحدث من نفس كأن أحداً ما اعتصرها منذ دقيقة.‏

الفتى :

أشكرك على جلوسك إلى طرف المقعد، وأشكرك على الرد علي أياً كان، إذ تتكلمين إلي، فأنا إذن موجود.‏

الفتاة :‏

وقبل أن أجلس على الطرف الآخر من المقعد الذي تجلس أنت عليه الآن، ألم تكن موجوداً؟‏

الفتى :

أنا منذ سنين لا شيء، لا شيء مطلقاً، أجلس طويلاً طويلاً، وأسير طويلاً ولا أعرف لماذا أفعل ذلك، أتمنى لو يحدثني أحد وأنتظر دون جدوى، وها أنت تتكرمين علي بكلام لطيف، وكنت أستقبله بحرارة حتى لو كان سيلاً من شتات شتائم.‏

الفتاة :‏

أنت محاصر في داخل نفسك، اخرج منها وانظر إلى العالم وإلى الحديقة، وليس لأحد فضل عليك إذ يكلمك، وأنت موجود من دون هؤلاء...‏

الفتى :

انظري إلى هذه الحديقة والأشجار والظلال، ونفس جميلة مثلها، لكنها خاوية من الإحساس بأحد مثل هذه الأشجار والورود لا تحس بمن يراها ويتمتع بظلالها وروائحها.‏

الفتاة :‏

هل أنت مصاب، هل بك مرض؟‏

الفتى :

أبداً، أنا في خير حال وصحتي طيبة.‏

الفتاة :‏

هل أنت متعلم، درست، مثقف.‏

الفتى :

أحمل إجازة في التاريخ منذ أربع سنوات.‏

الفتاة :‏

وعندما جئت تعمل بالتاريخ، لم تجد منه معيناً.‏

الفتى :

(يضحك) لقد أجابني أحدهم وهو يقرأ طلباً لي للعمل بالتدريس، خير لك ألا تقدمه إلى متقرع، فأحسست أن رأسي قد انقرع.‏

الفتاة :‏

وماذا تفعل، هل تنتظر أحداً دائماً يجلس إلى جانبك ويؤنس وحدتك في وضح النهار.‏

الفتى :

أنا أنتظر، أنا دائماً في انتظار منذ أربع سنين.‏

الفتاة :‏

تنتظر من أو ماذا؟‏

الفتى :

أنتظر الرسالة، أنتظر رسالة، أية رسالة، لقد كتبت إلى جهات العالم الثمانية أطلب عملاً...‏

الفتاة :‏

منذ أربع سنين.‏

الفتى :

ولم يصلني أي جواب، أنا لا ألومهم جميعاً، فهناك رسائل لا ترسل، وأجوبة لا تصل.‏

الفتاة :‏

وتبقى وحدك فوق المقعد.‏

الفتى :

مثل أي شيء، أو الحقيقة مثل لا شيء.‏

[يصل شاب صغير يبيع أوراق يانصيب] مرحباً أستاذ، مرحباً آنسة. شيء جميل أن أرى أحداً إلى جانبك يا أستاذ، والله أنت طيب وتستحق الطيبين.‏

الفتى :

شكراً لك وشكراً لحبك لي، لكن اليوم..‏

الولد :

لا تكمل، الرزق على الله، هل ترى صاحبك خلف الجريدة؟‏

الفتى :

أراه كقرمة شجرة شوك جافة، تحدق إلى الدنيا بعيون المتطفل الحسود. سهوة وتطعن ظهرك شوكة جافة منه.‏

الفتاة :‏

[تتلفت نحو شخص جالس يضع جريدة أمام وجهه ولا يتحرك] شيء عجيب.‏

الفتى :

يتقاضى راتباً يكفي عدداً من المجازين أمثالي.‏

[تأتي فتاة صغيرة، وتنادي الفتى، يعتذر ويسير إلى جانبها وهو يقول] سأعود سريعاً، أرجو ألا تخرجي... [تبتسم وتهز رأسها].‏

الولد :

طيب هذا الشاب، ومع أنه لا يملك شيئاً، فإنه يقدم لي شيئاً ما لو ملك.‏

الفتاة :‏

من تقصد؟ الشاب الذي كان جالساً هنا، لا أعرف اسمه.‏

الولد :

الأستاذ ناظر، وكل هذا الكلام والحوار ولم تعرفي اسمه بعد، أنتما شابان من العهود القديمة.‏

الفتاة :‏

وكيف لو كنا من العصر الحديث.‏

الولد :

ألا ترين السينما والتلفزيون. أنا فلان، وأنت يا حلوة (تضحك)... يا سلام كم أنت لطيفة وناعمة...‏

الفتاة :‏

تقصدني الآن أو تضرب مثالاً.‏

الولد :

بل أقصدك، ولولا عذوبة حديثك لما رأيت صديقي يضحك. ما رأيك بهذا الكلام و؟؟‏

الفتاة :‏

حلو.‏

الولد :

ألم يسألك ناظر مثله.‏

الفتاة :‏

لا، هناك شيء يقلقه وهو جاد وخجول.‏

الولد :

وأنت؟‏

الفتاة :‏

ماذا عني.‏

الولد :

ألم تسأليه اسمه وأنت تتحدثين، ألا تتعرفين عليه.‏

الفتاة :‏

هي جلسة جاءت صدفة وتنتهي.‏

الولد :

من يعرف!‏

الفتاة :‏

هل تربح من بين أوراق اليانصيب؟‏

الولد :

نحن باعة هذا الصنف من الأوراق أشبه بالشحاتين. ظلنا ثقيل وصمغي على كثير من الناس، نتذلل ونوطئ الرأس ونستدر العطف دون طائل. أنا مثلاً لم أبع ورقة واحدة هذا اليوم، حالنا مذرٍ...‏

الفتاة :‏

تعيش وحدك؟‏

الولد :

أعيش مع أمي فيما يشبه وكراً عافته الحشرات... لكن لا بد أن أجد لي عملاً آخر... أنا ذاهب وسأعود... أدور ثلاث دورات. [يذهب ثم يعود] لم أعرف بعد اسمك يا صبية؟‏

الفتاة :‏

[تبتسم] اسمي مُهيرة، [مُرة].‏

الولد :

يا سلام، ما أجمل هذا الاسم، [يضحك] واسمي أنا سعدو، يا لطيف...‏

مهرة :

[كأنها تحدث نفسها] إن الذي بيني وبين نفسي أكبر من كل ما رأيت وأرى، فهي لقمة أمر من الصبر وتمشي إليها على درب من الجمر، وتلقت أمي زاداً سيحرق قلبي بسم مشوه لا شفاء منه. وهوى مهرة غالٍ وكبير، لكنها لن تسمع يوماً بمهر لها، وشابة سريعة هي مهرة، لم يقدر بعد أحد على ترويضها، حتى غدا الآن الموت والهوى على شفا عناق، لكن كيف ينتهي. أما حكاية منقرع فحلها سهل وسريع، لكن هناك الذي إذا انهدم لا يبنى من جديد ومن يسمع، ومن يفهم...! كان أبي يناديني ويقول كوني يا مهرة مرة، كوني سيدة الحقول والبراري...‏

ناظر :

(يعود بطيئاً مطرق الرأس، يسلم ويجلس)‏

مهرة :

كنت كئيباً، ورجعت تحمل من كل صنف منه أشتاتاً، ماذا حدث يا أستاذ ناظر؟‏

ناظر :

وعرفت اسمي، إنه سعدو.‏

ناظر :

تحدثت، وتحدثنا، وظل في القلب ما هو أصعب من منقرع.‏

مهرة :

إن لم تقدر على كتمانه فحدث، وأنا أمينة على الكلام المجروح.‏

ناظر :

الجروح لا تصف حالتي أبداً، إنه نوع من مذاق العفن، نوع من رائحة حذاء فوق أنفك أو في مخك تحيله اثنان، واحد منتصب وآخر منبطح.‏

مهرة :

[تضحك] هذه معادلة من الدرجة التاسعة، ليس لها حل عندنا.. إلا إذا خلع المنتصب حذاءه أو خلع المبطوح أنفه وفمه...‏

ناظر :

كلامك يعجبني، فيه شيء من الكتب.‏

مهرة :

ملاحظة صحيحة، لكنها جاءت متأخرة، وربما مرد ذلك أن هذا لتأخر أدخلها في التاريخ وهو اختصاصك.‏

ناظر :

أنت أكثر من ذلك، فلسفة...‏

مهرة :

تماماً، مثلك لكن ليس عند منقرع، بل عند أرسطو.‏

ناظر :

لم أرك قبل اليوم هنا في الحديقة يا فيلسوفي...‏

مهرة :

تابع وأكمل الجملة، قل يا فيلسوفتي الحلوة، الصغيرة، ألم يعلمك سعدو [تضحك]‏

ناظر :

أترين كيف لم نفطن إلى أننا شابان ولم تتحدث بكلمة فيها طراوة أو مجاملة أو تلطف واستلطاف، ولا مزيد الآن...‏

مهرة :

الذي يطفو على السطح هو الذي يظهر للعيون ويقضي ما تحته، ونحن نجري على السطوح المهتزة، فلا نتزن ولا يصدر عنا شيء من الأعماق الحلوة والعواطف الجياشة والنبيلة، فنبدو جفاة كابن الجهم.‏

ناظر :

ائتني بخليفة كهارون الرشيد، ولن أحدثك إلا بالحب وأحلام الزهور.‏

مهرة :

هارون مات في المفهوم والفلسفة.‏

ناظر :

ومات في التاريخ أيضاً، لكن ما لنا ولكل هذا، هو مجرد كلام، ونحن لا نخسر فلنجرب.‏

مهرة :

لا تكشف مرة واحدة كل ما عندك وفي نصف ساعة حتى لا نفسرها خطأً.‏

ناظر :

الحق معك، لقد جاوزت قدري.‏

مهرة :

زعلت، لن يخرج منك شيء من قبيل العواطف، أنت حزين ومشغول وفي ضيق وحرج.‏

ناظر :

كما قلت لك، أنا هنا منذ سنين لا شيء.‏

مهرة :

لا، بل أنت شيء كبير وحساس ومتألم، أنت شيء حقاً لكن تحت مستوى الصفر، تسبق أفكارك دائماً إشارة السالب، الناقص، -واحد...‏

ناظر :

هذا أول منبه يجعلني أنتفض، فعلاً هل أنا كذلك، يسبقني الخافض، ولو كان، فهل أنا مسؤول عنه وحدي؟‏

مهرة :

مهما يكن، فالبناء الداخلي أهم وأقوى.‏

ناظر :

[يفكر مطرقاً وهو حزين].‏

مهرة :

أنا آسفة إذ سببت لك القهر والحزن.‏

ناظر :

كانت تراودني جملة من بعد لقائنا بقليل، وكنت أرجئها، لأني لم أعرف شيئاً عنك.‏

مهرة :

وهل عرفت الآن، وعساها طيبة!‏

ناظر :

أنا أحسست، لكني لم أعرف.‏

مهرة :

هيا قل الجملة قبل أن تنساها وتضيع بين سياق الكلمات.‏

ناظر :

كان بودي أن أقول إليك، لا تشبهيني، إياك أن تشبهيني، وإياك أن تتعاطفي أو تعطفي على لا شيئيتي، على عدميتي، لست الملوم وحدي، كنت أسمع دائماً تلك العبارة عن مشاعر الهزيمة واللامبالاة في كل مكان، وكأن هنا حدث انفصام من الدرجة الثالثة بين الناس والأحداث والتاريخ.‏

مهرة :

دائماً يحدث الانفصام بسبب فلسفي عندما تنهار الإرادات والنفوس، عندما ينهار الداخل، وأنت الآن تستنجد بالخارج وتنتظر منذ سنين، لكن لم يقدم لك أحد شيئاً فأحسست أنك لا تملك شيئاً وبالتالي تحولت إلى لا شيء.‏

ناظر :

وماذا بعد أيتها الأستاذة، دعيني أستعد بعض إرادتي ومشاعري، واسمحي لي أن أفترض أني أحبك وأهواك، ولكن ماذا بعد وأنا في مثل حالي. هل أضحك على نفسي قبل أن أكون أكذب عليك. إذا ذهبت من معظمنا الإرادة، فلا زالت في معظمنا الضمائر الطيبة، تلك هي الذخيرة لما بعد لو كان هناك بعد.‏

سعدو :

[يبدو من بعيد يتحدث مع قارئ الجريدة، يأخذ منه شيئاً ثم يمضي، يعود بعدها ومعه شيء، يقترب ويسلم على ناظر ومهرة] غبت عنكما كثيراً واشتقت، هل حدث شيء خلال ذلك، أم ما زلتما تجهلان اسميكما، لا بد أن جف ريقكما من جفاف الكلام طبعاً.‏

ناظر :

كأنك بيننا، لكن كلما جففتها، رطبتها مهرة بحديثها الطيب وكلماتها الحلوة.‏

سعدو :

يا حلاوة، من أجل ذلك أثبت لكما بلوحي شوكولاتا ينفعان بدل فنجاني قهوة في جلسة لطيفة.‏

مهرة :

أنت مستعجل جداً يا سعدو.‏

سعدو :

حتى يأتي دوري.‏

مهرة :

وهل نحن نحجزك.‏

سعدو :

الأكبر أولاً‏

مهرة :

في المشاعر‏

ناظر :

نحن الآن في أسرة واحدة، أسرة مشاعر على الأقل. لكن هب بعت أوراقاً حتى اشتريت الشوكولاته؟‏

سعدو :

لقد ضحكت على صاحب الجريدة، وصممت له وصفها فقد كانت أمام وجهه بالعرض، فغضب عندما عرف أني رأيت وجهه، فقلت له أني مستعد لخدمته، فسألني عما تتحدثان، فاخترعت له حكاية حب بينكما، وأعطاني عشر ليرات، وقال أعطيك كلما جئتني بكلام مهم.‏

ناظر :

وهل أعجبته قصة الحب.‏

سعدو :

كاد يجن، وكان يبلع ريقه. [يضحك].‏

ناظر :

تعال وتعيَّش على حسابنا، وإذا عجزت عن اختراع الحكايات له، فقد نزودك نحن بها.‏

سعدو :

أنا شاطر، وليس هكذا فقط، فهو أيضاً دب وهذا يسهل علي الأمر.‏

ناظر :

لكن حاذر أن يأكلك الدب مرة.‏

سعدو :

هل سمعت أن دباً أكل ثعلباً، أعوذ بالله.. أنا ذاهب فقد يرزقني الله بحالمين بالثروة. –سلام-‏

مهرة :

أرأيت كيف تحولت الحياة، شاب بسيط صغير يفعل كذا وكذا بلا مدرسة ولا بيت، لا أهل ولا معيل؟‏

ناظر :

كان هذا دائماً في كل الأزمان.‏

مهرة :

لكنه لا يناسب كثيراً عصر العلم.‏

ناظر :

[يصمت وهو يتلفت نحو شخص قادم باتجاهه، يرتبك ويصفر وجهه ويضطرب، تنظر إليه مهرة فتتلفت إلى الشخص].‏

مهرة :

ما بك يا أستاذ ناظر، لماذا كل هذا الاضطراب، مجرد رجل كهل...‏

ناظر :

كنت محتفظاً بسره كمن يضع في جيوبه النار، فجاء ليبوح به من تلقاء ذاته.‏

مهرة :

دعه، فما كان كتم الأسرار يبقى أبداً أو يحل موقفاً.‏

[يصل الكهل ويقف وبيده عكاز، على مسافة قصيرة أمام المقعد، لا يتكلم، يتطلع بغضب، يتجه نحو ناظر يوجه له الكلام] قم والحقني [استدار ومشى، ثم بعد خطوات استدار مرة أخرى فلم يجد ناظراً قد تحرك] ألم تسمع يا أستاذ...؟‏

ناظر :

سمعت...‏

الكهل :

وإذن.‏

ناظر :

لن أتبعك، وليس لك شأن بي.‏

الكهل :

ومنذ متى هذا الكلام.‏

ناظر :

من هذه اللحظة.‏

ناظر :

هو بيتي وبيت أخوتي، وليس لك فيه حق ولا شأن.‏

الكهل :

وأمك.‏

ناظر :

لقد قتلت أبي وتدعي أنك تزوجتها، بينما أنت اغتصبتها، وتستغل أبناءها كالكلاب يعملون وهم صغار وتحصل على كل أجورهم وتهينهم وتذلهم وتسرقهم، وتسكن في بيتهم رغماً عني، من أنت أيها الحقير قليل الذوق!‏

الكهل :

أنا كسار رأسك يا كلب. [يهجم على ناظر]، يضربه ناظر بعنف على وجهه فيسقط أرضاً، ثم أخذ يدوسه بقدمه وعلى رأسه وفمه وينتقم منه انتقاماً جباراً، يتدخل بعض الأشخاص، وينهضون الكهل ويمشون معه إلى الخارج]‏

ناظر :

اسمع أيها الكلب، إن وجدتك في البيت فسوف أقطع رأسك، وإياك أن تدعني أراك في أي مكان، فأنا حتماً ذابحك.‏

مهرة :

[كانت متحفزة جداً إلى جانب ناظر، وكانت مستعدة للقتال معه، تضحك وهي تتلفت إليه] هيا اهدأ اهدأ قليلاً قليلاً وتنفس بعمق بعمق... كل هذا منك أيها المدعي اللاشيء، أيها اللاشيء والفراغ، أنت جبار وقوي...‏

ناظر :

كان بعض منك لو ذكرت بعض حديثك معي.‏

مهرة :

أذكر وأنت تعجبني، كنت الآن كهملت وهو يصرع عمه زوج أمه المغتصب، وماذا في ذلك، فالأحداث يفعلها ملوك وأناس أبطال، ومن لا يفعل شيئاً فهم التنابل والجبناء، لكنه حقاً كما نعته؟‏

ناظر :

وأكثر من ذلك، منذ سنين وأنا أصبر على تلك القشة التي قصمت ظهر البعير، حتى جاءت على حروف كلماتك، وقد قلت لك أن أحداً ما لا يكلمني ولا يحدثني وإني احتفلت بك لأنها جلست إلى جواري، فكنت فريدة بذلك.‏

مهرة :

هل أفلسف لك الأمر [وهي تضحك]؟‏

ناظر :

[يبتسم] تفضلي.‏

مهرة :

القشة كانت منذ زمن طويل على ظهرك، والذي اختلف الآن هو إحساسك بها، بثقلها وهذا الإحساس جاءك الآن دون أن تدري لتثبت أمام فتاة لم يحدث أن تكلمت مع واحدة مثلها، أنك شيء آخر بغض النظر عن زوج أمك فزاد إحساسك بالقشة وفعلت ما فعلت. كان هناك عربيان، وربما كان أحدهما شاعر مشهور وكانا يتصارعان دائماً ويغلب الأعرابي الشاعر، حتى إذا حضرت مرة حبيبته، كان يصرع خصمه... وأنت فعلت الآن.‏

ناظر :

[وهو يضحك] يبدو أننا نفعل أشياء وأشياء ونحن لا نفهم دوافعها ولا نقدر أن نفسر وحيها، ترى أيها أحسن؟‏

مهرة :

هو ما فعلته أنت دون تفسير، كذا تتحرك النفوس كخطف البصر.‏

ناظر :

كم أحسن الآن براحة وسعادة، لقد أوصلت الصخرة إلى الذروة، ورميتها إلى أعماق الوادي في الجانب الآخر.‏

مهرة :

كانت شحنة راقدة في أعماق نفسك وانفجرت.‏

ناظر :

كانت موجهة بدقة.‏

مهرة :

ولهذا لم تصبني.‏

ناظر :

كنت في الطرف الأمين، والباعثة في نفسي عزيمة الإقدام.‏

مهرة :

هي إشارات، بعضها يصيب، وبعضها يخطئ ويتلاشى خلف الصدى.‏

ناظر :

لقاء الموجة بالموجة على نسق مهتز واحد، وها أنت أصبحت على علم بي وبمالي، حدثيني قليلاً عن نفسك.‏

مهرة :

ما زال الوقت مبكراً، فأنت لم تنته بعد، وقد يكون في الخلف ذيول.‏

ناظر :

أعرف، لكن مهما يكن، فأحب أن تجري قضيتان في وقت واحد.‏

مهرة :

وكيف عرفت بالأخرى؟‏

ناظر :

قست الأمر على نفسي.‏

مهرة :

وهو كل من يجلس على مقعد في حديقة يحمل قضية؟‏

ناظر :

على الأقل جاء يستجم أو يتأمل بأمر ولو في الخيال.‏

مهرة :