|
" ليالي أحمد
بن ماجد " وفرادة الصورة
عرض: عباس الحايك – أبو ظبي
العرض: ليالي أحمد بن ماجد
التأليف والإخراج: جواد الأسدي
الممثلون: أحمد الجسمي،سميرة أحمد،مرعي الحليان،ابراهيم
سالم،آلاء شاكر،محمد العامري،بلال عبدالله،سعيد عثمان والطفل-بشار عزت .
بمشاركة فرقة إنانا بقيادة جهاد مفلح
موسيقى: رعد خلف
تصميم الإضاءة : فاسيل فافكون
سينوغرافيا : فيكتور ايفانوفس باريبا/ زهير محمد راضي
في افتتاح الدورة الثامنة للمهرجان المسرحي للفرق الأهلية بمجلس
التعاون لدول الخليج العربي المقام في أبو ظبي في الفترة بين 21-28
سبتمبر/أيلول 2003 ، وعلى مسرح شاطئ الراحة ، المسرح الأحدث والأطور
عالمياً ، قدم جواد الأسدي رائعته " ليالي أحمد بن ماجد" . والنص الذي
كتبه جواد ذاته ، يحكي رحلة أحمد بن ماجد ، الرحالة العربي من الولادة
حتى الغياب مروراً بمراحل التحولات ، مراحل النضج والتكون المعرفي .
العرض الذي جاء نسيجاً من الدراما وفن الاستعراض ، متكأ على تجربة فرقة (إنانا)
السورية ، إذ أسس حوالي الخمسين راقصاً وراقصة ، لدلالات تعبيرية ،عبر
التشكيل الجسدي والإيمائي ، عن نمو الخط الدرامي للحدث المسرحي .
النص كان مثاراً للجدل ،إذ حُمل بأسئلة الوجود ، وبأبعاد فلسفية
وإيحاءات صوفية ،شكلت أبعاد شخصية ابن ماجد ،من خلال حواراته التصادمية
مع شخصية المجدمي الذي كان طرفاً في صراعه على محبوبته (ورد) التي كانت
بدورها مرتكزاً لصراعه الداخلي بين البقاء على الأرض أو الإبحار إلى
المجهول .، وحتى في مونولوجاته التي اتسمت بكونها رد للشبهات التي أثيرت
حول شخصيته ، من انحراف سلوكي ،وتواطؤ مع المستعمرين في فتحه لهم طرق
التجارة ومن ثم سيطرتهم على المنطقة.
النص كان محاولة من الأسدي لتلميع صورة ابن ماجد ، وإضفاء ملائكية
وأسطورية على شخصيته ،مبتعداً عن النوازع البشرية ،داخل الشخصية .وكان
تطابقٌ جلي بين مقولات العرض ، ومقولات معاصرة تقبع في خزين المثقف
العربي المعاصر حول الحلم ببناء مجتمع مدني آمن يتجاوز العصبيات
والقبليات ، خالياً من العنف والاستئثار بالسلطة وشهوة المال.
وفي مقاربته الإخراجية ،تمكن الأسدي من صياغة عرض مبدع بتركيزه على
السينوغرافيا ، تاركاً للحوار المنطوق وظيفة ثانوية ، داعمة للسمعي /
البصري ، ولعناصر السينوغرافيا ،التي كانت المرسل لشفرات العرض . بدأً
بإشراكه فرقة "إنانا" ،التي استنطق راقصوها الجسد الإنساني ،وأخرجوه من
عاديته ،وسطحيته ،فشكلوا لوحات بصرية حفلت بالدلالات .دلالات الولادة ،
والرجولة ، والنضج ، والموت ، والانتظار ، والحب . وساعد تحول الحوار
المنطوق في تعبيره عن الحدث في خطه الدرامي ،إلى لوحات بصرية تعبيرية
أنجزتها "إنانا" بتقانة فريدة ،على شد المتلقي نحو العرض ، وضبط الإيقاع
العام للعمل ، وتلافي رتابة الحوارات، إضافة إلى القدرة على التعامل مع
عناصر التشكيل البصري المجردة ، كالأقمشة الملونة ، كعلامات لمفردات
الولادة ، والموت.إلا أنهم لم يتمكنو من المطابقة مع اللون البحري
الخليجي في أدائهم للرقصات وإطلاق تنهيدات البحارة مما أفلت العرض من
اقترابه للأجواء الخليجية .
أما عن الإضاءة التي صممها الأوكراني فاسيل فافكون فقد كانت عنصراً
هاماً في تشكيل المشهد المسرحي،إذ خلقت علامات لتحولات الشخصية الرئيسة ،
وللحالات المزاجية التي رافقت الشخصية ، فرح ، حزن ، ترقب ، وعلامات
للبحر ، وانعكاس القمر على أمواجه ، وعلامة لخريطة السماء التي يعرف ابن
ماجد طرقها في مشهد الإبحار ، ولثنائية النور/ الظلام . ومن عناصر
السينوغرافيا التي عززت حالة الجذب لدى المتلقي للعرض ،المنصة المتحركة
التي وظفت بشكل متمكن ،للدلالة على إبحار ابن ماجد ، ولدلالة على صيرورة
الزمن . وكان للموسيقى مساهمة فاعلة في إبداع العرض ، في اتساقها مع
الحدث ، إذ لم تأت بعلاقة تلازمية ، بل تفاعلية ،داخلة ضمن سياقه . كما
أضفى إلقاء جواد الأسدي لمقاطع شعرية ،بشجنه الفطري ،جمالية على المشاهد
.
أما على صعيد الأداء التمثيلي ،فتباين جلي بين الممثلين ، ساهم في
تفاوت انجذاب المتلقي للعرض ، فأداء أحمد الجسمي لدور والد بن ماجد
،متمكن للخبرة التي يملكها ، وإن كان مسكوناًُ بأدوار لعبها في السابق ،
وينسحب ذات الكلام على أداء سميرة أحمد في دور الأم ، أما دور الحكواتي
إبراهيم سالم ،فلم يأت متسقاً مع شكله الخارجي ، الذي دل على تصوفه ، إذ
بدا حكواتياً ساذجاً ، وظيفته ربط الأحداث ، والمساهمة فيها أحياناً ،
وأدى دور المجدمي مرعي الحليان الذي استهلك طاقته في بداية دوره مما
أفقده قدرته على الأداء المتمكن في ذروة الحدث ، وفي المشهد الذي يحتاج
طاقة أكبر ، مشهد الفتنة ،ومشهد جنونه (بورد) المحبوبة المتصارع عليها
التي أدت دورها العراقية آلاء شاكر بشكل متمكن، وأدى دور ابن ماجد محمد
العامري الذي بدا عليه التوتر ، والانفعال وخاصة في المنولوجات، مما أسقط
بعض مشاهده في الرتابة.
استطاع الأسدي أن يشغل فضاء العرض ، بالمساحة والعمق لخشبة كخشبة مسرح
شاطئ الراحة ، بالمفردات المسرحية ،مستغلاً كل زاوية وكل مساحة ، ليؤسس
لتجربة فريدة على مستوى الخليج ،مرتكزة على الاستعراض ، وعلى قدرة الجسد
الإنساني في إيصال رسالة العرض .
وأخلص إلى أن الأسدي المخرج تفوق كثيراً على الأسدي مؤلفاً ،في هذا
العرض ، فمقاربته الإخراجية رفعت من سوية العرض ، رغم النص ، الذي لم
يمتلك تمكنه ،وفرادته ،وافتقاده للشعرية في حواراته المنطوقة ، لتكون
منسجمة مع شاعرية سينوغرافيا العرض .
|