|

فصول من عذابات
الشيخ احمد
كتبها
.. عباس احمد الحايك
الشخصيات :
-
الشيخ أحمد : عالم دين خمسيني .. حوله تدور أحداث المسرحية .. قوي
ولا يخشى أحداً .. يقف في وجه أرباب المال وفي وجه الاحتلال البرتغالي .
-
محمد تقي : رفيق الشيخ أحمد في السجن يكبره ببضع سنوات .. يتملكه
لليأس بسبب خيانة أهل قريته .
-
غريب : رفيق الشيخ أحمد في السجن .. لا يتكلم ، يظل ممسكاً
قنديله الذي لا يعرف له سر .
-
الشيخ نصار : إمام مسجد المدينة .. صديق الشيخ أحمد .
-
أبو سلمان : زوج أخت الشيخ أحمد .. حاكم المدينة بأمر البرتغاليين
.. وفي صدام دائم مع الشيخ .
-
سلمان : ولده وزوج زينب ابنة الشيخ أحمد .
-
زينب : ابنة الشيخ أحمد .
-
أم سلمان : أخت الشيخ احمد .
-
حسين : في العشرينات من عمره .. ربّاه الشيخ أحمد على مبادئه
.. مُسّ بعد أن أحرق البرتغاليون بيته بمن فيه .
-
أم زينب : زوجة الشيخ أحمد .
-
التاجر أبو حسين : تاجر يخسر ثروته بسبب الضرائب الباهظة التي كان يفرضها
البرتغاليون .
-
القائد : قائد المحمية البرتغالية .
-
أرباب المال : تجار .. إقطاعيون .. نواخذة .
-
أهالي القرية :
-
جنود برتغاليون :
الفصل الأول
بداية الفصول
جوقة تتكون من محمد تقي , زينب , الشيخ نصار , غريب , سلمان , حسين
يرددون
الجوقة : أيها الرمل
النقي ..
كقلب
طفلٍ
بل كسماء ما أنهكها العصف
..
كان الرمل يمد يديه للبحر
.. ُيسمعه زغاريد الفرح ..
مواويل الحب ..
فيرددها إيماناً .
ويكرسها ولعاً به ..
يلتقيان ساعة العشق
فيهدهد البحر حباته
الصفراء
كما الأم تحنو على وليدها
..
فتولد في آب رائحة الطلع
..
وطعم الليمون البلدي ..
هادئاً كان .. وسط فوضى
الموانئ
عاشقاً كان ..
في غيبوبة الحب ..
وكنا إليه امتدادا ..
وكان
لنا وطنا ..
محمد
تقي : ( يتصدر الخشبة وفي خلفية المسرح شاشة كبيرة .. تعرض مشاهد عن قصف
سفن برتغالية لمملكة هرمز وبعض مدن الخليج متزامنة مع حديث محمد تقي )
.. في عام 1507م وبعد أن كان الخليج يشكل جسر العبور للتجارة الهندية
إلى العراق وأوروبا .. وكانت مملكة هرمز المشرفة على الخليج بوابته التي
منها يتنفس .. إذ غدت لموقعها مملكة ثرية ذات سيادة .. ولأجل هذا أوعز
عمانويل الثاني ملك أسبانيا التي كانت البرتغال تحت سيطرتها للضابط
البحري ألفونسو دلبوكيرك - طمعاً في إنشاء امبراطورية برتغالية كبيرة في
الشرق - لاحتلال مملكة هرمز بغرض احتكارها التجاري للمنطقة .. وبالفعل
هاجم ذلك الضابط المملكة وقصفها بمدافع سفنه بشكل وحشي .. وبعد أن دانت
المملكة للبرتغاليين وصار حكامها تبعاً لهم .. انتقل الاحتلال إلى بقية
أجزاء الخليج لتحقيق مآربهم والتبشير بالمسيحية ..لم يرض أهل الخليج بهذا
الاحتلال الذي فرض عنوةً بالقتل والحرق والتدمير .. فقامت ثورات ضدهم
لطردهم من حصونهم وقلاعهم التي بنوها على أرضنا ؟!.. ومسرحيتنا هذه تحكي
قصة الشيخ أحمد بن سلمان الذي لم يرض الهوان .. لما فوجئ بنيرانهم تقصف
مدينته .. ثار وأسر .. وسجن في قلعة برتغالية .. وأنا صديقه محمد تقي ..
رفيق سنوات السجن .. وللشيخ أحمد عذابات .. فمنذ عشر سنوات يقبع في هذا
السجن المظلم .. يملؤه الشوق للوطن ، لزينب ابنته ، وللناس .. فتعالوا
نشاهد ونسمع معاً فصولاً من عذابات الشيخ أحمد بن سلمان .
إظلام
المشهد
الأول
المنظر.. سجن في إحدى
القلاع البرتغالية .. ظلام يملأ المكان سوى بقعة ضوء صغيرة تأتي من ثقب
في أحد جدران السجن – لكن يمكن رؤية الشخوص على خشبة المسرح - غريب يمسك
قنديلاًً قديماً بين يديه .. ومحمد تقي في الجانب الآخر .. ويبدو عليهما
القلق والترقب .. بعد لحظات من الصمت .. يقف محمد تقي متجهماً ناحية غريب
.
محمد تقي : ما الذي أخره
حتى الآن ؟!.. لماذا استدعاه القائد ؟! .. لا بد أن هناك أمراً قد حدث .
يقف غريب مقابل محمد تقي
.. يربت على كتفه كأنه يهدأه
محمد تقي : أنا خائف على
الشيخ يا غريب ؟! .. أنت تعرف أن القائد لا رحمة في قلبه .. و ما استدعى
أحداً إلا كان العقاب الوحشي مصيره ..
غريب يبدو عليه القلق
الشديد وهو يحضن قنديله
محمد تقي : لا أرى الشيخ
هذه الأيام يشاكسهم ..فلم يستدعوه ؟!..
غريب يرفع كتفيه علامة
الحيرة
محمد تقي : ( يضع يديه
على كتفي غريب ) .. ليتك تنطق .. ربما خففت من الوجع في صدري .. ( يترك
غريب .. ويجول في أرجاء السجن .. كأنه يكلم أحداً ) ليتكم معي الآن ..
تركتموني وحدي وغريب في هذه الزنزانة .. لا أريد أن يتبعكم الشيخ ويرحل
.. لا أريد .. (يجلس على الأرض في وضع الصلاة يرفع كفيه ) إلهي احفظ عبدك
المؤمن .. الشيخ أحمد بن سلمان .. فكه من زمرة لا ترحم ..
(يفتح باب الزنزانة ..ينتبه محمد تقي ، يقف ويتجه ناحيته وغريب معه أيضاً
.. يدخل الشيخ أحمد .. يغلق الباب جندي برتغالي .. ينقض محمد تقي وغريب
على الشيخ ويحتضنانه )
محمد تقي : (سعيداً ) لقد
أخفتنا يا رجل ؟!.
غريب: (مبتسماً يهز رأسه
إيجاباً ) .
الشيخ أحمد : (يضحك ) لا
جعل الله في قلبيكما خوفاً إلا منه .
محمد تقي : (يأخذ الشيخ
من يديه ويقعده جانباً .. يقعد بجانبه وفي الجانب الآخر يقعد غريب ) احك
لنا .. ما كان يريد القائد منك ؟!.
الشيخ : خيراً ..
محمد تقي : ( يتنفس
الصعداء ) الحمد لله .. احك لنا إذاً ..
الشيخ : أراد أن ينقل لي
خبراً يخصني بنفسه ..
محمد تقي : خيراً إنشاء
الله ؟!..
الشيخ : لكن يؤلمني
كثيراً ما ستسمعان .. فحبي لكما ..
غريب : ( مترقباً ..يقاطع
الشيخ ويشير إليه بأن يحكي ما دار بينه وبين القائد ) .
الشيخ : أتمنى ألا تغضبا
إن سمعتما ما سأقول ؟
محمد تقي : مهما يكن لن
نغضب .. إلا إذا فارقتنا .
الشيخ : وهو كذلك ..
محمد تقي : (مندهشاً )
تفارقنا ؟!.. ما الذي تحكي ؟! ..
غريب : (يشير بوضع خطً
وهمية بإصبعه على رقبته علامة أن هل ستقتل ؟! ) .
الشيخ : (يضحك ) لا
تقــلق لن يحدث هذا.. كل ما في الأمر .. أنهم قرروا فك أسري ..
محمد تقي : يعني .. تخرج
من هنا ؟! .
يهز الشيخ رأسه إيجاباً
محمد تقي : ( يقف ) ونحن
؟! .. أتتركنا وحدنا هنا ؟! .
الشيخ : هذا ما اعتقدت
أنه سيغضبكما .
غريب : ( يهز رأسه رفضاً
للفكرة ) .
الشيخ : لقد أخبرته عنكما
.. فقال أن الخروج لي وحدي .. وإن خرجتما معي ..لن نخرج ثلاثتنا إلا قطع
لحم تكون طعاماًً للأسماك .
محمد تقي : (غاضباً ) ومن
قال أننا نريد الخروج من هنا ؟! .
الشيخ : ألا ترغب في
مغادرة هذه الزنزانة البغيضة ؟! .
محمد تقي : (بحدة ) لا ..
الشيخ : وأنت يا غريب ؟ .
غريب : ( يهز رأسه رفضاً
.. يحتضن قنديله أكثر ويكاد أن يبكي ) .
الشيخ : لا ترغب أنت
أيضاً ؟! .. ترغبان في البقاء هنا حتى تموتا ..هناك خلف القلعة تراب طاهر
..وجوه طاهرة مزجت بنداوة السماء تنتظرنا .. أنموت هنا لنكون طعاماً
للأسماك ؟! .
محمد تقي : من قال أن
هناك تراباً طاهراً ووجوهً تنتظرنا ؟! .. لا ينتظرك سوى سجن كبير يسمى
الحياة .. فلا فرق بين هنا و هناك .
الشيخ : ( محتداً ) من
قال أن لا فرق بين هنا و هناك ؟! .
محمد تقي : سترى .
الشيخ : فعلاً سأرى أنه
ليس من العدل أن أقارن هذا الجحر الضيق .. وهذه العفونة التي تملأ
المكان حتى لأنها تسد الأنوف بمكان امتزج برائحة البحر .. إنك تهذي يا
تقي .
محمد تقي : أنا لا أهذي
.. بل أتحدث عن وعي مني .. صدقني يا شيخ أحمد إنك لن تلقى ما تتحدث عنه
.. ( لغريب ) أصحيح ما أقول ؟! .
غريب : ( يرفع كتفيه بأنه لا جواب عنده ) .
الشيخ : ستصيبني بالجنون
يا تقي ..لم أرَ ولم أسمع عن مثلك أبداً .. أيعقل يا رجل أن تفضل العيش
في هذا القمقم البغيض على الخروج إلى الدنيا الواسعة .. تفضل وجوه
البرتغاليين وحقدهم الذي يطفر حتى من لفتاتهم على رؤية وجوه طاهرة وقلوب
صافية .
محمد تقي : بل وجهك طاهر
وقلبك صافٍ .
الشيخ : والناس ؟! .
محمد تقي: كل يغني على
ليلاه .
الشيخ : التراب ليلانا
كلنا .
محمد تقي : بل المال .
الشيخ : إنك تبالغ يا حاج
.
محمد تقي : رغم أنك على
علمٍ ودراية .. إلا إني أكبرك سناً .. وأعلم ما في الناس أكثر منك .
الشيخ : (مهموماً يقعد
على الأرض ) لقد زدت همي .. جئتكم وفرحي ممزوج بالحزن لأجلكما .. لكنك
زدت حزني .. وقتلت فرحي .
غريب : (يربت على كتف الشيخ محاولاً مواساته ) .
الشيخ : ألم يعد الناس
كما كانوا يا غريب ؟! .
غريب: ( يرفع كتفيه أن لا علم له ) .
محمد تقي : ( يقترب من الشيخ ويقعد بجانبه )
الشيخ : (لمحمد تقي ) قل
بالله عليك .. هل حقاً لم يعد الناس كما كانوا ؟ .
محمد تقي : أنا آسف يا
شيخ إن زدت همك .. لكنك عرفتني أكثر من نفسك كما أنا أعرفك أكثر من نفسي
، فأنا لا طاقة لي على كتمان ما في صدري .. لساني يسبقني .
الشيخ : وما في صدرك أن
الناس لا يراعون للتراب حرمة ولا شرفاً لأجل القرش ؟!
محمد تقي : ما في صدري
قلته يا شيخ .
الشيخ : (يسند رأسه على
الجدار ) ..سنوات و أنا أنتظر هذه اللحظة ..لحظة ولادتي الثانية ..كما
يخرج الطفل من ظلام الرحم إلى نور العالم .
محمد تقي : ستكون كالطفل
غريباً .. سيعلمونك أبجدياتهم .
الشيخ : ( بحدة ) أنا
الشيخ أحمد بن سلمان ولا يغيرني شيء .
محمد تقي يقف مخاطباً
الجمهور وحده
محمد تقي : هو حقاً الشيخ
أحمد بن سلمان الخليجي الذي نشأ على ترابه محباً للناس فأحبه الناس ..
يكره أكثر ما يكره الظلم والجبروت .. ومنذ أن كان شاباً يافعاً ثار في
وجه التجار والنواخذه الطماعين الذين استعبدوا الناس وطغوا في الأرض حتى
يُسحق الفقراء تحت الأقدام .. وكان يؤلب أهل مدينته ضدهم .
إضاءة على مشهد يقيد فيه أحد الفلاحين من قبل مجموعة تاجر طاغٍ ..
ينهالون بالعصا على الفلاح وصراخه يعم المكان .. محمد تقي وغريب يتابعان
المشهد
التاجر : ( للفلاح ) أنتم
كالبهائم ..لا تتعلمون إلا بالعصا .
الفلاح : (صارخاً )
سامحني .. أرجوك سامحني .. أرجوك ، دعهم يتركونني .
التاجر : لن يتركوك حتى
تدرك من تكون أنت ومن أكون أنا ،حتى لا تتجرأ على سادتك .
يدخل الشيخ أحمد شاباً ..
يرى المشهد وينقض على المجموعة ينتزع منهم العصا
الشيخ أحمد: ( غاضباً )
ابتعدوا يا جبابرة .
يبتعدون عنه .. يرفع
الفلاح عن الأرض
التاجر : لماذا تتدخل في
شأننا يا شيخ ؟! .
الشيخ أحمد : شأنكم ؟! ..
تطغى وتتجبر على العباد .. وتقول شأنكم ؟! .
التاجر : إنه أجيرٌ عندي
.
الشيخ : أجيٌر وليس عبداً
.
التاجر : اعرف ما حدث
بالضبط ، ثم أحكم بيننا .
الشيخ : مهما يكن ..لا حق
لك في ضربه هكذا .
التاجر : انه لا يحسب
للمقامات حساباً .. أنا سيده ويقول لي لا .
الشيخ : (غاضباً يرفع
صوته ) لست سيده .. سيده الذي خلقه .
التاجر : (يحاول تهدأة
الشيخ ) يا شيخ .. إن ما ترتكبه سيئ في حقك .. أنت عالم جليل ولك مقامك
.. لا يجدر بك أن تقف صفاً مع هؤلاء الجرذان .
الشيخ : (يقاطعه محتداً )
إن كانوا جرذاناً فأنت جرذٌ كبير .
التاجر : (يغضب لكنه يكتم
غضبه ) أنت تهينني يا شيخ .
الشيخ : أنت أهنت نفسك ..
هؤلاء خلقوا من طينةٍ كطينتك .. فلا فرق بينكم .
التاجر : لكننا سادة .
الشيخ : المال لا يصنع
سيداً .
التاجر : لا حول ولا قوة
إلا بالله .. ( يهم بالخروج ويشير لمجموعته باللحاق به ) سوف تندم يا شيخ
على فعلتك .
الشيخ : اسمع ! .. لن
يطال طغيانكم وجبروتكم الناس مادمت حياً .
يخرج التاجر غاضباً وتلحق
به مجموعته
الشيخ : ( للفلاح ) وأنت
وغيرك من الفلاحين والبحارة والأجراء .. لا يجب أن ترضخوا للظلم وتكونوا
عبيداً .. لقد خلقكم الله أحراراً .. قولوا لا .. ولا تخشوا أبداً .
يظلم المشهد ويعود مشهد
السجن كما هو .. الثلاثة في أماكنهم
الشيخ : لقد عانيت كثيراً
..كنت أحب أن أرى الناس أقوياء لا يخشون .. يقولون للظالم لا .. لأجلهم
أهنت .. ضربت .. ولو كان في يدهم لذبحوني كالشاة ولأكلوا لحمي .
محمد تقي : الناس هم من
أهانوك .. وهم من ضربوك .
الشيخ : يا حاج .. ليس كل
الناس كأهل قريتك .
محمد تقي : بل كلهم
سواسية يعميهم لون القروش .. ويصم آذانهم رنينها .
الشيخ : لا تقس الناس على
من خانك .
محمد تقي : كنا سنملأ
القرية بأجسادهم العفنة .. لولا الخيانة .
الشيخ : إذاً حاول أن
تخرج .. ثر ثانية واملأها بأجسادهم .
محمد تقي : وحدي ؟!.
الشيخ: كل الناس سيكونون
معك ..كما سيكونون معي .
محمد تقي: انك تحلم .
الشيخ: إنها الحقيقة ..
الناس يحتاجون لمن يحرك ما بداخلهم .
محمد تقي : أخاف من
الخيانة .
الشيخ: ( يقف مهموما ً..
يبتعد قليلاً عنهما .. يتنفس بعمق ) لا يسعني إلا أن أدعو الله أن يفك
أسرك لترى حقيقة الناس .
غريب: ( يحتضن قنديله ويبتسم .. ثم يرفع يديه داعياً ) .
الشيخ : (لغريب) وأنت يجب
أن تخرج .. لا يجب أن تبقى هنا .. لا بد أن هناك من ينتظرك .. يشعر أنك
موجود حتى وإن غبت .
غريب : ( يحتضن قنديله بقوة ..وتبدأ الدموع تنزل من عينيه )
الشيخ : لابد أن عندك
أولاداً ينتظرون عودتك ..كما عندي زينب .. أملي الذي من أجله أعيش .. من
أجله أرغب في مغادرة هذا المكان .
محمد تقي: ( بحده ) أما
نحن فلا نريد ..هذه مقبرتنا .
الشيخ: (يقترب من محمد
تقي ) بل تريد وأكثر مني .
محمد تقي : ( لا ينبس ببنت شفة ) .
الشيخ : ألم تتشوق
لأطفالك يجلسون حول العشاء ، منتظرين عودتك من المزرعة ؟
محمد
تقي : لقد زهدت في كل شي ..لا رغبة لي حتى في العيش .
الشيخ : إنك تقتل نفسك .
محمد تقي : لا ضير .. فقد
قتلت مراراً .
الشيخ : (محبطاً ) إنك
تتعبني .. تثير فيّ الرغبة في صفعك .
محمد تقي : ( يقترب من
الشيخ ) لك وجهي .. فافعل ما شئت .
يرفع الشيخ يده متردداً
.. فجأة يقف بينهما غريب
غريب : ( يصرخ ) ..لا ..
الشيخ :
(ينزل يده ) لا أقوى حتى على ضربك ..كم أحبك يا محمد تقي .
يظل محمد تقي صامتاً
الشيخ : أحبك يا غريب . .أحب كل من كانوا هنا وغادروا ..سنوات عشر وأنتم
جميعاً ظلي الذي لا يفارقني .. تمر السنوات فأراكم تكبرون .. أرى الشيب
يخط رأسك ولحيتك ( بأسىً ) .. وهذه الليلة الأخيرة لي معكما .. يا من يعز
علينا أن نفارقهم .. وجداننا كل شئٍ بعدكم عدمُ .
غريب : ( يحتضن الشيخ بقوة ويجهش بالبكاء ) .. لا .. لا ..
بعد لحظات يبتعد غريب وهو يجفف دموعه بكم ثوبه .. يقف عند جدار السجن ..
يظل الشيخ وحيداً
الشيخ : (يرمق محمد تقي بنظرات حزن ) وأنت .. ألن تودعــني بمثل ما ودعني
غريب ؟!
محمد تقي : (يهز رأسه
وعيناه مملوءتان بالدموع ) أكره ساعة الوداع .
الشيخ : وأنا أمقتها وأنت
غاضب مني ..
محمد
تقي : لست غاضباً منك ، لأني أحبك .. ألفت حياتي هنا بين هذه الجدران معك
أكثر من أي شخص آخر .. و ها أنت تتركنا .
الشيخ : يعلم الله مدى
أساي وأنا أغادركما .
محمد تقي : لمن نبث
همومنا ؟! .. من يؤنسنا بين جدران السجن المظلم ..من ؟!.
الشيخ : الله أنيس
المؤمنين ..وله لا لغيره تبث الهموم .
محمد تقي : ونعم بالله ..
(يحاول التبسم ) والآن لا تضيع وقتك ..جهز حاجياتك استعداداً للسفر ..
فزينب تنتظرك .. ربما نسجت لك من دموعها وشوقها إليك عباءة جديدة .
يتجه الشيخ إلى حيث
أمتعته .. يفتح قطعة قماش كبيرة .. يملأها بالأمتعة
الشيخ : (حالما يجهز
حاجياته ) عشر سنوات ..لقد كبرت زينب .. أصبحت امرأة ..منذ تركتها كانت
في العاشرة ..سأعود وأزوجها لأفضل شباب المدينة ،فلا يستحقها سوى الأفضل
.. والأفضل أنا ربيته على يدي .. ربيته على مبادئي ..حتى أصبح مثلي رغم
صغر سنه .. لابد أنه أكمل المسيرة ..لابد أن الناس يعيشون في أمان دون
خوف من طواغيت المال .
محمد تقي : ( يضحك بسخرية
) لازلت في هذيانك يا شيخ .
الشيخ : ( بحدة ) أنا
متأكد أن حسيناً لن ينحو شبراً واحداً عن الخط الذي رسمته .
محمد تقي : أتمنى ذلك من
كل قلبي .
الشيخ : (يعود لتجهيز
حاجياته ) غداً كل الذين في هذا السجن سيعودون لأوطانهم .
محمد تقي : هل ستخرجنا
وحدك ؟!.
الشيخ : أهل الخليج لا
يرضون بالذل مهما طال .. سيثورون على النصارى .. سيخرجونهم من الخليج ..
صدقني !! .
محمد تقي : الله أعلم ! .
الشيخ : ستخرج من هنا حتى
وإن لم ترضَ .
يلزم محمد تقي الصمت وعلى وجهه ابتسامه تهكم ..يربط الشيخ حاجياته في
القماش الأبيض .. يضعه جانباً .. ويسير حيث محمد تقي
الشيخ : لي رغبة في أن
أحكي لكما حكايتي للمرة الأخيرة .. فربما لن نرى بعضنا ثانية ً
يقف غريب حاضناً قنديله
.. وناحية الشيخ يتجه مترقباً الحكاية
الشيخ : الحكاية تقول أنه
بعد أن أمن الناس في المدينة من جبروت أرباب المال .. وصار الناس على قدر
عملهم يؤجرون ..ولم يعد في المدينة من مظلوم .. وفي ليلة من ليالي الصيف
الرطبة ..وبعد أن نام كل من في المدينة ..كنا ننام على أسطح منازلنا
..نراقب النجوم في سكونها ..كانت المدينة هادئة ربما على غير عادتها
..فعادة ما نسمع نباح الكلاب أو صياح ديك جارنا ..فهذا الديك لا يهد أبدا
ً.. أما تلك الليلة فلا صوت يقتحم السكون ..ربما أدركت الحيوانات ما
سيحدث ..فجأة اهتزت المدينة بأكملها ..
يقعد مجمد تقي ويسمع
باهتمامٍ بالغ لحكاية الشيخ .. وغريب أيضاً
الشيخ : رأيت أجساماً
تملؤها النار تسقط على القرية ..فجعت ..تساءلت :- هل قامت قيامتنا ؟!
..لا .. للقيامة أشراط ..هل عذاب ساقه الله إلينا لما فعله المجرمون ..
وما ذنبنا وذنب الآخرين ..سمعت صراخات الناس في كل مكان ..أخذت زوجتي
وطفلتي زينب ..نزلت بهما إلى الدار ..خرجت كالمجنون عليَّ أجد جواباً
..سمعت من الناس أن بالبحر سفناً للبرتغاليين وما هذه النار إلا من
مدافعهم .. أخذت بندقيتي ..عبأتها بالبارود ..خرجت ومعي الكثير من رجال
المدينة .. أطلقنا النار وهم يطلقون .. استقبلنا بعض من خرج إلى اليابسة
بالنيران .. أردينا منهم الكثير ..لكن كانوا طغاة دمروا فرضة المدينة
..فشلنا في ردعهم وردهم من حيث جاءوا .. أخذونا أسارى نحن الذين بقينا
أحياء ..جاءوا بنا إلى هنا ..وعذبونا ..نكلوا بنا ..لم يكونوا بشراً بل
وحوش ..قطعوا آذان البعض وجدعوا أنوف البعض الآخر ..لم يكتفوا بل سخرونا
لخدمتهم ..بنوا حصوناً على جثث أهل الخليج .. بعد سنوات من السجن والذل
والقهر ..طاف بسمعي أن ابنة عمي ..زوجتي ماتت ( تدمع عيناه ..وتلمع عينا
محمد تقي ويبكي غريب ) ماتت ..حزناً لأني ما عدت كما وعدتها .. أمسكت بي
وبالبندقية وقالت .. لا ترحل ..
يضئ جزء من المسرح على
المشهد الشيخ أحمد وزوجته تمسك به وبندقيته ..وسط نظرات زينب الخائفة
وأصوات القصف تسمع في المكان)
الزوجة : لن أتركك ترحل
يا شيخ .
الشيخ : الله يحفظك يا أم
زينب .. اتركيني أرجوك .
الزوجة : لن أتركك ..كلنا
بحاجة إليك ..أنا وزينب والناس .
الشيخ : هذا وقت حاجة
الناس إلي ..سفن النصارى تملأ ( السيف ) ..يقصفون المدينة بالنار .. لا
يمكن أن أبقى متفرجاً .
الزوجة : عدني أنك ستعود
.
الشيخ : إنشاء الله سأعود
.. والآن اتركيني .
تترك البندقية في يديه وتنخرط بالبكاء ..تتبعها زينب ..تحضن أمها
..ويغادر ..يظلم المشهد .. ويتابع مشهد السجن
الشيخ : مذ ذاك .. أدركت
أن المأساة أكبر .. إبنة عمي ماتت حزنا ً.. وغيرها مات حرقاً بنيرانهم
..أقام البرتغاليون في المدينة ..بنوا لهم حصناً يحميهم من الناس
..نهبوا أقوات الناس وأرزاقهم ..لم يأمن منهم لا غني ولا فقير .. امتلكوا
البحر والبر .. أدركت أن مشاكستهم في السجن لا طائل منها .. فلابد أن
أخرج ..حتى أقف مع الناس في مواجهتهم ليعود الخليج طاهراً من دنسهم
..(بصوت أرفع ) سيعود الخليج طاهراً من دنس النصارى .. (يكررها وبصوت
أرفع ..ينقض عليه محمد تقي وغريب محاولين إسكاته ) .
محمد تقي : اسكت يا شيخ
..لا تنسَ أننا في سجنهم .
يُسمع صوت أقدام خارج
السجن .. يطل جندي برتغالي بين القضبان وعلى ملامحه الغضب
الجندي : اصمتوا أيها
الحيوانات .. وإلا وضعت الحجارة في أفواهكم .
محمد
تقي : سوف نصمت .. إن الشيخ أحمد فرح لأنه سيغادر غداً .
الجندي : إن لم يصمت سوف
لن يغادر إلا ميتاً ..فأنتم لا تستحقون سوى الموت .. ( بحدة يصرخ )
ناموا ..
يأخذ كل واحد منهم
جانباً .. يغادر الجندي .. يقتربون من بعضهم البعض
الشيخ : (بصوت منخفض )
سيعود الخليج طاهراً من دنسكم ..لو كان بيدي لأوسعته ضرباً حتى يلفظ
أنفاسه .
محمد تقي : (مبتسماً )
رغم أني أسمع حكايتك كل يوم منذ عشر سنوات إلا أن لها في كل مرة رونقاً
آخر .. وزاد إحساسي بها الليلة .. كأني لأول مرة أسمعها .
غريب : (يبتسم ..ويشير
بأنه هو كذلك يسمعها لأول مرة ) .
الشيخ : ربما هي نكهة
الوداع .. تضفي على الحكايا إحساساً مختلفاً .
محمد تقي : ستخرج يا شيخ
ونبقى دون حكايا .
الشيخ : قلت لكم ستخرجون
أيضاً إما عاجلاً أو آجلاً .. سنلتقي من جديد .. صدقوني .. سنرفع معا
راية النصر .
محمد تقي : كن حذراً يا
شيخ .
الشيخ : الله الحافظ ..
محمد تقي : نم الآن
..فوراءك رحلة طويلة في هذا البحر .. ( يتوقف المشهد ..يتقدم محمد تقي
إلى الواجهة ويخاطب الجمهور ) لم تكن الليلة سهلةً علينا نحن الثلاثة
..فهي آخر ليلة نكون فيها معاً .. فالسنوات التي مرت مزجت أرواحنا فبتنا
كواحد .. نألم إن ألم واحدنا ..ونحزن إن حزن ..رغم قساوة السجن وفظاظة
السجانين التي جرعناها .. ليلة بكيت فيها أكثر مما بكيت يوم أصابتني سهام
خيانة الناس .. وبكى غريب وهو يحضن قنديله الذي لا نعرف ما قصته ولا قصة
صاحبه ..لم ننم تلك الليلة .. وعند الفجر صلى بنا الشيخ ودعونا الله أن
يوفقه وأن لا يخذل من إليهم سعى لينصروه ..كان واثقاً أن الناس سيعاضدونه
و يؤازرونه ، أما أنا فلا .. غادر الشيخ في الصباح وثقلت صدورنا حزناً
لفراقه .. غادر الشيخ أحمد إلى حيث فصلٍ جديد من فصول عذاباته .
إظلام
المشهد الثاني
نفس الجوقة في المشهد الأول..
الجوقة : تعود إلى الرحم
الذي أنزل العشق فيك
إلى الرمل أطعمك الحب ..
أحمد سراً
أمك هذي التفاصيل
شكل مدينة
كنت تظن .. ستغسل
خصلتها بالترقب
بزيت اللقاء ..
وتنجب حضناً للذي عاد ..
عاد معتنقاً طهر هذي
البلاد ..
محمد تقي يتصدر الخشبة .. وفي الخلفية يرى مشهد ميناء المدينة ..حيث ترسو
سفينة للتو وصلت .. يفرغ العمال حمولتها ..يرى الشيخ أحمد حاملاً صرته ..
يخرج من السفينة ينظر بدهشةٍ إلى الوجوه
محمد تقي : عاد من ظلمة السجن .. في سفينة تحمل لتجار المدينة بضائعهم من
الهند ..
صعد إلى السفينة لم يكن يعرف أحداً ..ولم يكن يعرفه أحد .. غريباً أحس
نفسه .. لكن الشوق لتنفس هواء الوطن أنساه الاغتراب ..وما أن وصلت
السفينة لفرضة المدينة .. نزل إلى أرضها باحثاً عن وجوه يعرفها فلم يألف
الوجوه ..فالوجوم .. والقهر يرسمان ملامحها ..حاول أن يقرأها ..ليترجم
حكاية المدينة ..لكن الوجوه خرساء .. ولا لغة قادرة على قراءتها ..يتجه
صوب داره ..يذكر أن داره كانت هناك وراء السوق .. في زقاق جانب المسجد
...
أدِّ التحايا أيها
الموجوع بالرمل ..
للدار , للأهل , للصور
البعيدة
والقريبة ..
للمساء يمنح روحك حبل
انتماء ..
للدروب تخبئ أسرارها ..
يفضحها الفجر ..يلقي عليها السلام .
المشهد الثالث
المنظر .. سوق المدينة ..
تتضح في البعيد أبراج القلعة البرتغالية .. وفي يسار الخشبة المقهى ..
بعض أهالي المدينة يشربون الشاي أو يدخنون (القدو ) ..حركة المقهى وأصوات
رواده تتداخل يتحدثون في شئون المدينة وفي زقاق خلف السوق منزل مهدم
بانت بقاياه .. دكان لبيع المواد الغذائية بالداخل صاحب الدكان (أبو حسين
التاجر ) وحوله بعض الناس وفي أقصى اليمين مسجد المدينة .. المارة يروحون
ويجيئون ..باعة متجولون أو يفترشون الأرض لعرض بضائعهم ..أطفال يلعبون
رواد المقهى يتحدثون
رجل1 :
(مهموماً ينفث الدخان كثيفاً ) لقد ابتلينا مرتين ..مرةً بالتجار
والنواخذة والأخرى بهؤلاء النصارى .
رجل2 : التجار معذورون ..
يدفعون أموالهم لجلب البضائع من الهند ومن السند وهؤلاء يسرقونها .
رجل3 : (يدير رأسه إليهما
) فعلاً ..كما نعاني يعانون .
رجل1 :
لكنهم أغنياء ..
يقاطعه دخول رجل 4 ..
يسلم على الجميع فيردون عليه سلامه .. يقعد مهموماً
رجل4: (ينادي ) يا صبي !
.. جهز لي الشاي و( القدو ) لأعدل به رأسي .
الصبي : دقائق ويكونان
عندك .
رجل2 :
( يضحك ) جئت في وقتك ..كنا نتحدث عن الأغنياء .
رجل1: ( يشاكسه ) لم
نقصدك أبداً . .فأنت لست بغني .
رجل4 : ( محتداً ) كف عن
لمزك يا رجل .
رجل1 : كنت أمازحك فقط .
رجل4 : يكفيني ما في .
رجل3 : لو كنت كسابق عهدك
.. لكنت الآن في الفرضة تنتظر بضاعتك القادمة من الهند .
رجل4: (ينفث حزيناً )
زمان ومضى .
رجل2 :
الخيرة في ما اختاره الله .
رجل4: الخيرة أن أخسر
مالي وأبقى مثلكم ؟ ..خسرت المال والجاه .
ينتقل الحديث لفلاح يبيع
الرطب ومشترٍ
المشتري : ( يتذوق رطبة ً
يلوكها ثم يبصقها متقززاً ) أهذا رطب يا رجل ..لقد جف حلقي .
البائع : جرب غيرها .
المشتري : كنت أشتري منك
أفضل الرطب .. ما الذي تغير؟.
البائع : أنت تعرف أنه لم
يكن موسماً جيداً لقد أثر الجو في النخيل .
المشتري : أمري لله ..
اختر لي أفضل ما عندك لن أضطر إلى الشراء من مكان آخر فلا وقت لدي ..
(ينادي على خادمه ) أيها الصبي .. خذ الصندوق إلى البيت .
يمر شابان يتحدثان
الشاب 1: فعلت ما في وسعي
..لم يقبل .
الشاب 2: لا تيأس ..جرب
مرة أخرى .
الشاب 1: ماذا سأفعل ؟!
.. هل هناك أكثر من تقبيل رأسه ويديه ؟ ! .
الشاب 2: افعل أكثر ..قبل
رجليه أفضل أن تبقى دون عمل .
الشاب 1: والله إني أتمنى
أن أقطع هذا اللسان حتى لا أتجرأ عليهم ..هم سادتنا ومن خيرهم نعيش .
أبو حسين التاجر في
دكانه يتحدث إلى أحد زبائنه
أبو حسين : وهل تعتقد
أنها ستمر بسلام ؟! .
الزبون : ادعو الله أن
يحفظها من جورهم .
أبو حسين : نصف البضاعة
لهم .. والضرائب العالية لهم ..ولا يبقى لنا إلا القليل .. كيف نعيش ؟! .
الزبون : حسبنا الله ونعم
الوكيل ..متى يفرج الله عنا هذه الكربة .
أبو حسين : نعيش في هذا
العذاب ولا من معين .. أين المسلمون ؟
يدخل أحد عمال التاجر
العامل : (يلهث ) عمي أبو
حسين لقد وصلت السفينة للتو .
أبو
حسين : (يقف ) والبضاعة ؟!.
العامل : لقد بدأنا
إنزالها ..
أبو
حسين : وماذا تبقى منها ..
العامل : يقول البحارة
أنهم دفعوا ضرائب عالية كالعادة .. وأخذ البرتغاليون جزءاً كبيراً من
حمولة السفينة .
أبو حسين : (يضع يديه على
رأسه ) خربت بيوتنا .. كل مرة خسارة .. يا رب فرج عنّا يا الله ..
يترك الدكان ..متجهاً
ناحية الفرضة .. يدخل الشيخ أحمد من نفس المكان .. وفي يده متاعه .. يدير
وجهه في أرجاء السوق
الشيخ أحمد : ( يحدث نفسه
) لماذا أشعر بالغربة في لحظات عودتي الأولى ؟ ..لماذا تغير شعوري من
سعادة إلى قلق ؟ .. لاشيء تغير في المدينة ، السوق نفسه .. المسجد نفسه
.. دكان أبي حسين التاجر نفسه .. الناس أنفسهم ، وداري نفسها .
يلحظ داره وقد هدمت وما
بقي منها سوى أنقاض .. مندهشاً يرمي أمتعته على الأرض ويركض جهة داره
..يصرخ
الشيخ أحمد : داري .. أين
داري ؟! .. ( يدخل مصدوماً إلى الدار يجول فيها ..يحرك الحجارة هنا وهناك
..يصرخ بأعلى صوته ..وفي يده بقايا جرة طينية ) أين داري ؟! .. أين داري
يا أهل مدينتي .. أين داري ؟!
يتجمهر الناس حوله وهم
يتهامسون .. يدخل الشيخ أحمد وسط الناس
الشيخ أحمد : ( في يده
بقايا الجرة .. وكالمثكول يصرخ فيهم ) أهذا ما بـقي من داري ؟! .. أهذا
ما كافأتموني به بعد السنوات العشر في سجون النصارى .. أهذه جائزتكم لي
؟!
تتداخل الأصوات
صوت1 : من يكون هذا ؟!.
صوت2 : أيعقل أنه الشيخ
أحمد ؟!..
صوت3 : الشيخ أحمد مات ..
صوت4 : بل هو الشيخ أحمد
أنا أتذكره جيداً ..
الشيخ أحمد : أخبروني
بالله عليكم .. لم هدمتم داري ؟!...لم ؟!.
صوت2 : لقد نسيناه
..وهاهو يعود إلينا .
صوت3 : إنه محظوظ ..كيف
أبقاه البرتغاليون حياًَ .
صوت1 : قال لي أبي أنه لا
يخشى أحداً .
الشيخ أحمد : (يصرخ فجأة
ويرمي ما بيده ) أين زينب ؟!.. أين ابنتي زينب يا ناس ؟!.. أخبروني .
يدخل الشيخ نصار مع بعض أهالي المدينة ..يلمحون جمهرة الناس ..يخترقهم
..ويبقى وجهاً لوجه مع الشيخ أحمد ..يبدآن تفحص أحدهما الآخر
الشيخ نصار : من ؟!..
الشيخ أبو زينب أحمد بن سلمان .
الشيخ أحمد : الشيخ نصار
..(يرتمي عليه يحضنه ويبكي ) أخي الشيخ نصار .
الشيخ نصار : (تفيض دموعه
وهو يضمه بقوة ) كم اشتقت إليك يا شيخ ..
الشيخ أحمد : ( يبتعد عنه
ويصرخ فيه ) قل لي أين ابنتي زينب ..
الشيخ نصار : زينب بخير
..
الشيخ أحمد : أين هي ؟
الشيخ نصار : ستراها ..
إنها في بيت عمتها .
الشيخ أحمد : حقاً ..
وداري .. لمَ هدمت ؟!
الشيخ نصار : ( يطرق
برأسه إلى الأسفل ) هذا من فعل البرتغاليين ..لقد هدموا و أحرقوا بيوت كل
من شاركك في تصديك لهم .
الشيخ أحمد : وكتبي ؟!
الشيخ نصار : لا علم لي
بها يا شيخ .
الشيخ أحمد : ( يستند إلى
الجدار للحظات ..يتفحص الوجوه ملياً ) من هؤلاء يا شيخ نصار ؟!
الشيخ نصار : هؤلاء أهل
المدينة ..هل نسيتهم ؟! .. هذا موسى السمّاك ..وهذا أحمد بن الدباس ..
وهذا ..
الشيخ أحمد : ( يقاطعه )
لا أشعر أن هذي الوجوه أعرفها .. دعـهم يبتعدون عني أرجوك .
الشيخ نصار : ( يفرق
الناس ) هيا ..لو سمحتم .. دعوا الشيخ يرتاح قليلاً ..
تنفض الجمهرة .. والأصوات
تتداخل
صوت1 : لو يعلم ماذا حدث
..
صوت2 : دعنا نسير في
طريقنا ..وندعه في حزنه ..
يقعد الشيخ أحمد على
الأرض مستنداً على بقايا جدار داره .. ينفث نفساً عميقاً
الشيخ أحمد : لكِ يا
منازل في القلوب منازلُ .. أقفرت أنت وهن منك أواهلُ ..جئت وكلي شوق
لمدينتي العتيقة ..كنت أحسب أني سأحظى باستقبال أهل المدينة .. ولكن ..
قوبلت بدار مهدمة وبوجوه أحس الغموض فيها .. أين زينب يا شيخ ؟!.
الشيخ نصار : أخبرتك أنها
بخير .. وهل عرفت ما حدث لابنة عمك ؟!
الشيخ أحمد : ( تغرورق
عيناه بالدموع ) وصلني خبرها وأنا في سجن البرتغاليين ..ولكن هل ماتت قبل
أو بعد هدم الدار ؟!
الشيخ نصار : بعد .. كما
أخبرتني زوجتي كانت أم زينب لا تكف عن البكاء وتلهج باسمك على الدوام
..كانت تشتاق إليك كثيراً ..كما كنا نشتاق إليك ..كنت تملأ أزقة المدينة
.. بصورتك وبأفعالك .
يمر عجوز يتكئ على عكاز ..يلحظ وجود الشيخ أحمد ..يتجه إليه ..يقترب منه
.. يقف الشيخ ينظر إلى العجوز ملياً
العجوز : أأنت الشيخ أحمد
؟!
الشيخ أحمد : أنا بشحمه
ولحمه .. ألست أبا قاسم ؟
العجوز : أنا والله هو
..( يضمه إلى صدره .. يقبل رأسه ويديه ) حمداً لله على سلامتك يا ولدي .
الشيخ أحمد : الله يسلمك
يا أبا قاسم ..( يبتسم ) ما بالك أصبحت عجوزاً .
العجوز : عشر سنوات مضت
كفيلة بجعلي عجوزاً .. أنظر إلى لحيتك أنت ، لقد خطها الشيب .
الشيخ نصار : أتعرف هذا
الوجه يا شيخ أحمد ؟!
الشيخ أحمد : ( سعيداً )
هي ذي مدينتي أراها في عينيه .. أشم رائحة الماضي منه ..قل لي ..كيف تسير
أحوال الزراعة معك ؟
العجوز : لقد كبرت ولا
أقوى على أعبائها .. أولادي وأحفادي يقومون بالمهمة .
يدخل حسين من إحدى جهات
المسرح يركض خائفاً .. يحاول ببعض الحركات إبعاد شئ وهمي عن جسده
حسين : نار ..نار ..جسدي
يحترق .. إني أصبح جمرة ..ابتعدوا عني أنا أحترق .. أنا أحترق .. ( يخرج
من الجهة الأخرى ) .
يلحظه الشيخ أحمد مذهولاً
الشيخ أحمد : أليس ..هو
..
الشيخ نصار : (يطرق
حزيناً ) نعم هو بذاته .
الشيخ أحمد : ما الذي حدث
؟! .. أيعقل أن يكون هو ؟!
الشيخ نصار: حدث بعد سجنك
ومقتل والده .
الشيخ أحمد : (ينادي )
حسين !!.
يخرج الشيخ أحمد من حيث
خرج حسين
الشيخ نصار : (متأثراً
) مسكين يا أبا زينب .
العجوز : (يهز رأسه أسفاً
وينفث ) .. لا حول ولا قوة إلا بالله .
الشيخ
نصار : عاد وفي ظنه أن الناس كما الناس والمدينة كما المدينة .
يعود الشيخ ممسكاً حسين
يقعده عند داره .. ويقعد إلى جانبه
الشيخ أحمد : ما الذي حدث
لك ..حتى تصبح إنساناً آخر ؟!
ينخرط حسين في البكاء
..ويحتضن الشيخ أحمد
الشيخ أحمد : كنت أدخرك
للمهمات ..حسبتك كبرت وستكون عضدي لنخرج هؤلاء المحتلين من مدينتنا .
الشيخ نصار : (يقاطعه )
ألا يزال الموال يعشعش في رأسك ؟!
الشيخ أحمد : إلى أن أموت
.. لا يمكنني أن أنسى ما ارتكبوه .. زوجتي وهذا المسكين وأنا .. والمدينة
بأكملها .
لا يكف حسين عن البكاء
..فيمسح الشيخ على رأسه
الشيخ أحمد : لم أفهم بعد
ما الذي جعله في هذه الحالة ؟!
يبعد حسين يد الشيخ عن
رأسه ويبدأ بالصراخ
حسين : حريق .. نار ..
إني احترق .. أبعد يدك يا شيخ حتى لا تصير جمرة ..
( يقف ويبتعد عن الشيخ )
حريق .. نار .. المدينة تحترق ..أجسادنا تحترق ..حريق ..نار ..( يخرج
هارباً ) ..
الشيخ أحمد : حسين !! ..
أخبرني يا شيخ نصار ما الذي حدث ؟!
الشيخ نصار: لقد رأى
بعينه أمه وأخوته يحترقون في دارهم بعد أن أضرم البرتغاليون النار فيها
.. لأن والده كان شريكاً لك في تصديك لهم .
الشيخ أحمد : ( بيأس )
يعني أنا السبب ؟!
أصوات رواد المقهى
رجل 1: ومن السبب غيره ..
لقد جن الفتى على يديه .
رجل 2: بل جن على يد
البرتغاليين ..ما ذنب الشيخ أحمد ؟!
رجل 4:
على رغم كرهي له في الماضي .. إلا أني كنت معجباً به ..كان يأخذ حقوقكم
منا رضينا أم أبينا .
رجل 3: كان يجب أن
نستقبله استقبال الأبطال ونقبل رأسه .
رجل 1: تقبل رأس من ..
ألم تسمعوه يقول أنه لم يرَ هذه الوجوه من ذي قبل ؟! .. إنه يتنكر لنا .
رجل 2: لأنه كان غاضباً
منا .
رجل 1: ولم ؟!
رجل 3: أهكذا يستقبل من
قضى عشر سنوات في سجون المحتلين لأجلنا ؟!
رجل 4: كان أجدر بكم أن
ترفعوه عالياً إلى السماء ..إنه شرف لكم وتاج على رؤوسكم .
تدخل زينب باكية من إحدى جهات المسرح ..تركض ناحية والدها
زينب : ( بفرح ) والدي !!
يلحظها الشيخ أحمد .. يركض إليها ويعانقها
الشيخ أحمد : ( فرحاً )
زينب !! .. أأنت زينب ؟
زينب : ( تبكي وهي في حضن
والدها ) أنا هي يا أبي .. ابنتك زينب .
الشيخ أحمد : حياتي أنت
ونور عيني يا زينب !!
تظلم
الخشبة تماماً إلا من بقعة ضوء على الشيخ وابنته ..ترافق المشهد موسيقى
أعياد .. يبعد الشيخ جسد ابنته قليلاً بحنو الأب ، وعلى وجهه ابتسامه
عريضة
الشيخ أحمد : لقد كبرت يا
زينب ..أصبحت امرأة .
زينب : كم اشتقت إليك
..كنت دونك شجرة بلا جذور .
الشيخ أحمد : كيف علمتِ
بعودتي ؟
زينب : أخبرني عمي أبو
سلمان .. ربما أحمد أهالي المدينة رآك في الفرضة وأخبره .
الشيخ أحمد : ( يرفع
غطاء وجهها ) دعيني أتملى من وجهك كي أنسى سنوات القهر والذل .
زينب : ( تبين ابتسامة
وجهها الذي تبلله الدموع ) عدت تزفك الأشواق .
الشيخ أحمد : ( يرمقها
بنظرات حانية ) أصبحت تشبهين أمك كثيراً ..حتى وإن غابت أراها فيك .
زينب : كانت مشتاقة ً
إليك .
الشيخ أحمد : وأنا كنت
أتحرق شوقاً لمرآكما .
زينب : (تنتبه ليده
المقطوعة .. تصرخ ) أبي .. أين يدك ؟!.
يضاء المسرح على المشهد
السابق
الشيخ أحمد : (يتحسس يده
) قطعها النصارى ..إنها آثار أحقادهم .
زينب : ( تبكي ..تقبل يده
) لعنهم الله .. ألم يعرفوا أي يدٍ هذه ؟!
الشيخ أحمد : ( يمسح على
رأسها ) لا تفسدي فرحة اللقاء .. دعك من يدي .. واخبريني عن الأحوال .
الشيخ نصار : لا تنسَ يا
شيخ أنك في الطريق .. الناس يمرون من هنا .. لا يجوز أن تبقى هنا .. تعال
معي إلى البيت .
العجوز : بل معي ..
أفضاله على رأسي .
زينب : لا معك ولا معك
أنت .. أنا أحق بأبي .
الشيخ أحمد : بل سأبقى في
داري .
الشيخ نصار : دارك ؟! ..
لا أثر لدارك يا شيخ .
الشيخ أحمد : وهذا الطين
؟! .. إنها داري وستبقى .. ولن أبرح المكان .
الشيخ أحمد : ماذا عنك يا
زينب .. أين تعيشين ؟
تطرق زينب برأسها خجلى
ولا ترد
الشيخ نصار : لقد تزوجت
ابن عمتها سلمان .
الشيخ أحمد: (مصدوماًً )
من ؟! .. سلمان ؟!
زينب : نعم .. سلمان .
الشيخ أحمد : كيف ؟!
الشيخ نصار : كانت في
منزل عمتها .. واتفق الطرفان على الزواج .. وأنا من عقدت لهما .
الشيخ أحمد : لكنه كوالده
.. (يصرخ غاضباً في وجه العجوز والشيخ نصار ) لم تحفظوا لي في ابنتي حرمة
.
الشيخ نصار : يا شيخ ...
الشيخ أحمد : (يقاطعه
..ثم لزينب ) أين عمتك ؟!
زينب : (تبكي ) إنها في
الطريق إلى هنا .
< |