الشجر الحزين

Tekst van: Ilse Heip & Hazim Kamaledin

Dramaturgie: Tania Poppe & Hazim Kamaledin

Regie: Hazim Kamaledin

Spel: Tania Poppe & Enkido

تعتمد شجرة الصنوبر على أسلوب العرض البدوي، أو البدو يغزون المدينة، وهو أسلوب طورته الفرقة في مسرحية ساعات الصفر عام 1999. أسلوب يهدف إلى تسليط الضوء على الأصالة وشمولية الأصالة، عن طريق مزج مختلف الأساليب التمثيلية والدراماتورغية وفنون العرض الغربية واللا غربية ( اعتمد المخرج في تقديم العرض على مزيج من الراوية النسائية الشرقية ـ العدادة ـ وفن الكوميديا دو لارتى ). ممثلة وموسيقي يطرقان الأبواب بحثا عن فضاءات لا مسرحية تحدد قراءة جديدة للعرض. ممثلة وموسيقي يطرقان أبواب البيوت، المقاهي، المسارح، المسابح، المتاحف، الجوامع، الكنائس، بحثا عن مضيّف. ولقاء الضيافة التي يمنحها مضيف ما، يبادلانه مسرحا. شهرزاد تحكي قصصا تنتمي لإرث القص النسوي السري وهي تتربع على منبر الراوي الذي هو إرث رجولي علني للعرض العربي. المرأة باعتبارها راوية هو إرث يمارس خلف الأبواب المغلقة وهو ذو مضامين دينية تصل حدود التجلي والممارسات الطقسية التي تنتهي بحالة من التطهير المتبوع بحكايات هي مزيج من الإرث الديني والدنيوي.

 

شخصيات المسرحية

شهرزاد تلعب شخصيات عدة

موسيقي  يلعب بقية الشخصيات

 

المكان

منبر


 

 

1

عين الطفل

شهرزاد تروي من على منبر

 

كانت الحمامة طائرا حريفا. وكانت تحب أن تلاعبني. عندما رأيتها تختبئ في أغصان شجرة التين عرفت حالا أن زرقاء اليمامة قد بعثتها إلي. زرقاء اليمامة هي أميرة سومرية من قريتنا. وقد أصبحنا صديقتين بناء على ظروف لا مجال لسردها الآن. كان مسموحا لي أن آتي بقربها لأنني كما كانوا يقولون لدي موهبة على سرد الحكايات. رأيت الحمامة الزاجل ذلك اليوم تختبئ في أغصان شجرة التين فقلت أن لابد أن شيئا قد حدث.

          ـ روكككووو.. روكككووو..

الحمامة لا تريد أن تأتي إلي! إنها ذات العادة القديمة! تظاهرت أني لم أرها. الحمامة اقتربت مني، وكنت أتظاهر أني لا أدري ما الخبر، فاقتربت أكثر، وما أن أصبحت بمتناول اليد حتى:

ـ جررراك!

فأمسكت بها. رحت أداعب جناحيها برقة وأبحث حتى اكتشفت نواة تمر بين مخالبها الصغيرة.

ـ نواة؟

تناولتها وقلت لها.

ـ عودي للأميرة بسرعة. فما أن تعودي ستعرف أنني استلمت الهدية. وقولي لها أن ترسل في المرة القادمة تمرة لا نواة. ماذا أفعل بالنواة؟!

أخذت أدقق النظر حتى تمكنت من قراءة الخطوط الصغيرة الدقيقة المنحوتة على نواة التمر.

ـ سيأتي الحلاق ليقلع أحد أسنان الأميرة.

 

يا له من أمر مثير للرعب. ولكن ماذا أستطيع أن أفعل لمساعدتها؟ زرقاء اليمامة.. اليمامة..

...

عيون الطفل ترى العالم بشكل آخر. لقد كان كل شيء بالنسبة لي كطفلة عبارة عن حكاية.

إعادة ترتيب الألعاب من جديد! ذلك هو التحدي.

 

ـ لماذا لدينا عينان؟ ألا تكفي عين واحدة؟

سألت أمي ذات يوم باكية عندما ضربت عيني حصاة كبيرة.

ـ كوني سعيدة أن لك عينان، وإلا لكنت أصبحت الآن عمياء.

ـ هذا ليس صحيحا.

قلت..

ـ لو كانت لي عين واحدة لتوسطت وجهي، بينما اخترقت الحصاة الجانب الأيسر!

 

هل المدينة أكبر حقا ألف مرة من قصر القرية؟ لماذا غضب الناس هناك علينا، وأخذوا الماعز معهم؟ ماذا فعل الرجال الغاضبون بليلى، ولماذا تعاني الآن من آلام في بطنها؟

( موسيقى )

 

2

شهرزاد

 

مساء الخير..

أنا شهرزاد.

أنتم تعرفون من أنا من خلال حكايات ألف ليلة وليلة. تعرفون كيف كنت أسرد الحكايات دون أن أنهي الحكاية في الفجر لكي أبقى على قيد الحياة. أنتم تعرفون أيضا أني سأحكي لكم الليلة حكاية أتوقف فيها إذا ما صاح الديك. لكنني سأحكي لكم الليلة حكاية كا...

...

أنا راعية كردية للغنم. أرعى قطيعا مقدسا. أرحل في الصحراء، بحثا عن كلأ للقطيع. من واحة إلى أخرى، ومن قرية إلى قرية. أحيانا أتوقف في بقعة ما لبعض الزمن، إذا كانت تلك البقعة آمنة، وإذا كنت على ثقة أنهم لن يعثروا علي. لكنني أرحل مرة أخرى. أعاني الوحدة القاسية. ولهذا السبب ربما قررت أن آتي إلى.. لا أدري.. لقد قررت ذات يوم العودة إلى قريتنا الصغيرة، إلى قصر الملكة المزخرف بالينابيع.

قار.

كتلة من الأرض مغطاة بالقار

كتلة عارية!

بقعة يغطيها لون واحد هو لون القطران.

لا نبتة فوق أرضها، ولا إشارة لحياة..

أين البيوت، أين الحدائق، النافورات، البشر؟

لا أحد. لقد اختفى كل شيء تحت طبقة سميكة من القار. لا.. ليس كل شيء! هنا ما زال عين الماء التي كنت ألعب عندها عندما كنت صغيرة. تركت القطيع يشرب الماء ورحت استظل بظل الصنوبر.

شجرة صنوبر؟!

فحل شجرة صنوبر عمره ألف عام؟! عملاق يتوسط القطران الثقيل. كيف يمكن ذلك؟ فحل الصنوبر هذا لم يكن هنا من قبل ورغم ذلك يقارب عمره الألف عام.

جلست تحت فيء الصنوبر.

لقد كانت تلك القرية واحة أخاذة الجمال. قصر الملكة السومرية زرقاء اليمامة كان معلقا بين السماء والأرض. وكانت الينابيع المتدفقة قد جلبت على القصر إحساسا عصيا على الوصف. وكأنه واحة للسلام الأبدي. ذات يوم عندما كنا نلعب بقرب إحدى النافورات القديمة، صاحت زرقاء اليمامة فجأة:

 

ـ أتعرفين ما يوجد تحت ذلك الينبوع؟

ـ أوه.. تراب. وجذور شجرة التين.

ـ نعم.. ولكن يوجد شيء آخر.

ـ ماذا تقصد الأميرة؟

ـ توجد عصا مرصعة تحت مجرى الماء.

ـ كيف عرفت الأميرة بذلك؟

ـ وحول مقبض العصا يوجد قفاز معدني تلتصق به يد.

ـ يد فقط؟

ـ لحظة!!

وأغلقت الأميرة عينيها وبدت كأنها تتأمل بهدوء.

ـ نعم.. لا يوجد جسد مع اليد.

ـ أيتها الأميرة.. كيف عرفت بذلك؟ هل يتوجب علي أن أصدقك؟

فتحت عينيها وحدقت بي بجدية لا توصف.

ـ إذا كنت لا تصدقيني فهذا شأنك.

 

وذهبت.

انعقد لساني من الدهشة. هل أخفت عني أعز صديقاتي، الأميرة حقيقة إنها تستطيع أن ترى المخفي؟ ذلك السر الذي احتفظت به جميع النساء كأقدس سر؟ أم تراها أرادت أن تعبث معي؟ يجب أن أطلب مشورة أمي. قلت لنفسي، لكن أمي عزفت عن الكلام.

 

 

 

3

الرؤى

 

قدمت العرافات. ليحفرن طريقا سريا تحت الأرض يصل لما تحت الينبوع. ليال طوال كن يبذلن ما لديهن من الجهد. أحد سراديب القصر كان نقطة الانطلاق. زرقاء اليمامة كانت تعرف الطريق المؤدي إلى الصولجان. وكل فجر حينما ينبثق الفجر، كانت نساء تخرج من تحت الأرض، بجرار ثقيلة، ويتجهن إلى النهر. كانت الأرض قاسية جدا وكان يتم حفرها آهة عبر آهة. لكنهن كن على قناعة تامة بالمهمة التي يقمن بها. ذات ليلة ارتطم أحد الفؤوس بمعدن رنان. صولجان مذهب يقبض عليه قفاز معدني داخله يد كبيرة الحجم!

كانت اليد المتهرئة هي بقايا أحد المحاربين الإنجليز من الحروب الصليبية. أما الصولجان فقد كان منقوشا بحروف غامضة. حروف دفعت العرافات للبحث في كل المعتقدات القديمة عن تأويل.

كان أخوتي يتساءلون طوال الفترة التي حفرنا عن سر تلك الحمى الليلية:

 

ـ ماذا يحدث لتلك الجرار العجيبة عند منبت الماء؟ تمتليء أم تفرغ؟

كانوا يتسائلون وهم يسترقون النظر..

...

لدي اثنا عشر أخا. ولدتنا أمنا جميعا في يوم واحد.

ـ يا بنيتي!!

قالت أمي

ـ استمعي جيدا.. إن الرقم 13 هو رقم يجلب السعد. لا تنسي أبدا أن يوم الجمعة الثالث عشر من رجب هو يوم لا يعرف الحزن. في الثالث عشر من كل شهر تجتمع العرافات لممارسة الطقوس. بيد أن اليوم الرابع عشر هو اليوم الحزين. ففي ذلك اليوم لم يعد الرجال يحتملون طقوس العرافات، فاجتمعوا وقرروا أن ينصبوا المحرقة. هكذا ولد اليوم الرابع عشر:

ـ أشعلوا النار!

( موسيقى وحركة )

 

أين توقفت عن الحكاية؟

آه.. نعم.. كنت أجلس تحت فحل الصنوبر؛ ذلك العملاق الشجري العجيب الذي نبت فجأة من اللا شيء، بينما القطيع...

لحظة! لقد نسيت شيئا مهما..

عندما قدمت مع القطيع، رأيت في قعر النبع آلافا من الأحجار الصغيرة الملونة.. هذه الأحجار لم تكن موجودة فيما مضى! أحجار من كل الأنواع والألوان؛ موشورية، مستطيلة، مدورة، مكعبة، مغناطيسية، زرقاء نيلية، زعفرانية، لا زوردية، ليلكية.. وعلى تهجيات الضياء كانت تلك الأحجار تكون صورة من أجمل الصور التي رأيتها في حياتي. كانت رائحة عبقة تسيطر على المكان. وفي مثل لمح البصر عرفت ذلك:

         

ـ  رائحة أسنان الأميرة اللبنية. بالطبع! بعد أن كتبت رسائلها على كل سن لبني يقتلع نفذت تلك الأسنان، وبعد أن نفدت كتبت رسائلها على هذه الأحجار الصغيرة!! بسرعة جمعت قبضة من الأحجار الملونة من تحت الماء.

ـ نعم! هاهي الرسائل! تماما كما كان الأمر مع نواتات التمر كانت كتابة صغيرة محفورة على كل حجر صغير.

( موسيقى )

 

4

مدن ما تحت الأرض

 

أتعرفون حكاية المدن المبنية تحت الأرض؟ كانت قريتنا...

لقد أصاب الملك مس من الجنون. راح يمشي على أربع في أرجاء القصر، ولم يعد ينطلق من فمه سوى صوت واحد:

          ـ بااااااااه..

خوار بقرة!

وباءت كل الجهود التي بذلت لكي يسترد قواه العقلية ويعود للحكم كملك بالفشل. كان الملك يركض في المرعى الملكي ويأكل الحشائش فقط. وبالطبع كلما أكل الملك حشائش أكثر كلما فقد وزنه. وكلما أصابه الهزال أكثر كلما ازداد جنونه. حتى بلغ الأمر حدا كارثيا: لقد قرر الملك أن يسوقونه للذبح: كأي بقرة أخرى.

وقد أصابت حكماء المملكة حمى من الحيرة؛ عليهم في أي حال تنتفيذ أوامر الملك. لكنهم إذا اتبعوا أوامره فسيصبحون بدون ملك. حتى قرروا بعد آلاف الاجتماعات أن يستقدموا اللاة والعزى لكي تخلص الملك مما ألم به. ارتدت اللاة والعزى ثياب القصاب، وطلبت إحضار العشرات من الأبقار على أن توضع في الحضيرة التي يرعى فيها الملك. وبدأت الآلهة تفحص الأبقار وتقدر نضوج كل بقرة للذبح. إبان الفحص والتمحيص كان الملك يثير ضجيجا دائما لكي يلفت الانتباه إليه.

ـ أنا أجمل الأبقار على الاطلاق! أنا أجمل الأبقار! أفخاذي هي أكبر الأفخاذ!

لكن الصنمة لم تعره انتباها. طلبت أن توقف جميع الأبقار في صف طويل، راحت تدخل يدها في إست الأبقار وتقول هذه صالحة للذبح! وهذه صالحة للذبح! حتى بقي الملك لوحده.

أدخلت الصنمة يدها في استه وقالت:

ـ هذه البقرة ما تزال عجفاء، وكأنها لا تأكل أبدا. يجب أن تتوقف عن تناول الحشيش. أعطوها لحوم بيضاء وحمراء وأسماك أربعة مرات في اليوم، وسآتي في الشهر القادم وستكون صالحة للذبح!

فرح الملك بتقرير الصنمة وراح يأكل ويأكل ويأكل ويأكل..

( موسيقى ملكية )

ما أردت أن أقوله حول مدن ما تحت الأرض هو أنها كانت محفورة في قلب الجبال احتماء من هجوم أعداء محتملين. بعض البيوت تنحفر عميقا في الجبل حتى تصل 13 طابقا. البناء ذو مداخل ومخارج سرية عجيبة؛ سلالم وفضاءات غريبة. تستطيع أن تقارن قريتنا بذلك النموذج مع  فارق واحد هو أن قريتنا دفنت تحت طبقة من القار الثخين والناس تحت الأرض منفيون عن الهواء والضوء. لم أكن لوحدي في ذلك المكان.. بينما كنت أقرأ رسائل الحجر الملون كنت أكاد أسمع ما تبقى من القرية تحت الطبقة الكثيفة من القطران، حيث يتنفسون ترابا.. هنا! تحت أقدامي! هنا تتلوى أعز صديقاتي من الاختناق تحت القار، ما عدا زرقاء اليمامة. زرقاء اليمامة لم تكن تحت الأرض، فقد كانت قد نفيت عن مملكتها وعاشت عميقا في أعماق الجبال.

( تتوقف الموسيقى )

كانت زرقاء اليمامة تنظر كيف تتساقط القطرات المتحجرة من فحل الصنوبر قطرة قطرة كل يوم من أوراقه. الثمرة الوحيدة التي كان بإمكانه أن يمنحها هي حجر ميت.

كانت زرقاء اليمامة تنظر يوميا من خلل التلال والأحجار إلى قريتنا، وكانت تنظر إلى فحل الصنوبر. وكذا كان الأمر في ذلك اليوم حين كنت أستريح عند مجرى الماء..

 

ـ قطيع من الغنم؟

تسائلت زرقاء اليمامة.

ـ غريب! ـ كيف يمكن أن تكون ثمة حياة في قرية القطران؟ أترعى الأغنام في قرية القطران؟ وهل يوجد شيء يؤكل هناك؟

            ( موسيقى )

 

5

الشيطان

 

كانت قد وقعت في الحب. كان اسم حبيبها المتنبي. كان شاعرا عظيما نظم أجمل القصائد لها.

...

أتعرف ما معنى نغل؟

...

لقد حدث هذا في زمان سحيق. عندما كانت الحكايات وأرواح الموتى وأشباحهم على قيد الحياة. كل مساء عندما يعود إلى البيت كان يغني لها. كانت تسمع هديله من بعيد. كان غناءه بلسما لإذنيها، كقصيدة دون كلمات. لقد كانت مولعة به، وكان هائما بها. ولكن عندما يخيم الظلام، كانت تسقط دمعة متحجرة من عيونهما. وقد أقرا بدون شرط أو قيد أن حبهما لم يكن ممكنا. ومضت السنين، بيد أن حبهما لم يأفل. لقد كان ينمو على الدوام. وعندما فارق كل رفاقهم الحياة، وأصابه العمى، قررت أن تنجب منه طفلا. أخذت الدمعة الحصاة وزرعتها في بطنها. وبعد تسعة أشهر؛ كان اسمه نغل!!

الفاكهة المحرمة!

...

المتنبي وزرقاء اليمامة لم يكونا أخوين.

لقد كان المتنبي شاعرا وكانت زرقاء اليمامة عرافة! وتلك كانت مصدر اللعنة.

( تتوقف الموسيقى )

 

ـ لو كنت دمعة لتوقفت عن البكاء. خوفا من أن تتساقطي من محجري.

          ـ لم أغلق عين واحدة في الليلة الماضية

          ـ ساقاي مخدرتان

 

على كل حجر صغير كان ثمة جملة مثل تلك التي سمعتم. ولكن ماذا تفعل هذه الأخبار تحت الماء؟ ماذا حدث لزرقاء اليمامة؟ بقيت أقرأ أكثر لأعرف أكثر ما حدث، لكن ذلك لم يساعدني على التقدم خطوة إلى الأمام.

          ـ ثمة دودة في تفاحتي.

          ـ ستتمكني من الهروب من هذا الجسد

من هو المعني بهذه الأحجار الصغيرة؟ حبيب زرقاء اليمامة؟ هكذا بقيت أقرأ وأتساءل عن كل شيء.

          ـ روكككووو.. روكككووو..

تعرفت على الهديل على الفور. وقد كانت عادتي الانعكاسية هو أن أهمل الحمامة وكأنني لم أسمعها. ثمة حصاة إذن مع الحمامة. بهدوء ستضع الحصاة في ذات المكان الذي تضعه كل مرة حيث.. آها! إن هذا لم يحدث من قبل. لقد قفزت الحمامة في حجري. أردت أن أمسد على رأسها الصغير لكنها طارت بسرعة. في حضني كان ثمة حجر ملون.

( موسيقى )

 

6

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لقد نجحت في العثور على مخبأ زرقاء اليمامة. حول المصاعب التي مرت بي قبل العثور عليها لن أتحدث.. وعن الحالة التي عثرت بها على زرقاء اليمامة لن أخبركم بالتفاصيل أيضا. لو كنت قد وصلت بعد أسبوع واحد فقط إليها لكان الأمـ..

تناولت فأسا.

( تتصاعد الموسيقى )

 

ـ بسم الله الرحمن الرحيم.. اللحم الذي سنأكل مقدس. هذه الشاة مقدسة! بسم الله الرحمن الرحيم.. قرأت سورة الفاتحة. وضعت لسان الشاة بين بأسنانها. بسم الله الرحمن الرحيم.. إنه ينحدر من نسل الكبش الذي بادله الله بابن النبي إبراهيم.. وأطرت الرأس.. بسم الله الرحمن الرحيم.. سلخت جلد الشاة، شققت بطنها، رميت الأحشاء في الجرن. وشويت الشاة.. عندها تحرك الحجر في زرقاء اليمامة، وبدأت تتنفس وعاد لجلدها ببطء لونه الأول.

            ( تتصاعد الموسيقى ثم تتوقف )

 

7

الختان

 

ما أن تبلغ الفتاة سن الرشد حتى يتوجب عليها أن تجتاز مراسيم عديدة هدفها التشبع من الطقوس السرية السحرية للنساء. هكذا كانت تحصل كل فتاة على فرصة لأن تنهل من المعارف السحرية التي تجمعت طوال القرون الماضية، ولكي تضيف لاحقا معرفتها وخبراتها التي ستتجمع إلى تلك المعارف.

الشباب كانوا على العكس من هذا؛ ما أن يختن الفتى حتى يرسلونه لكي يحرر العالم، ولكي يعود إلى أهله كبطل!! أما رحلة أخوتي للبلوغ فقد طالت حتى اعتقدنا أنهم لن يعودوا.

يوم زفاف زرقاء اليمامة علىالمتنبي، عاد أخوتي لكي يحتفلوا بزواج الملكة. وقد كان حفلا عظيما.

( موسيقى وحشية )

عند منتصف الليل هبت رياح مجنونة وهجموا قوى الشر على القرية.

تتصاعد الموسيقى الوحشية وتبدأ فجأة حركة واسعة

طلب مني أخوتي أن أهرب وآخذ معي قطيع الغنم المقدس إلى الجبال. وككل الأبطال حارب أخوتي جيوش الغزاة اللذين هجموا على مملكتنا الصغيرة. بيد أن جيوش الغزاة كانت أعتى وأقوى مما أجبرهم في النهاية على التراجع والخروج من القرية المملكة، ورحلوا إلى الصحراء. هناك، في الأرض البوار أصبحوا ملوك الصحراء.

( الموسيقى الوحشية تتوقف والحركة كذلك )

المتنبي أحيل إلى فحل صنوبر لا ينجب ولا يلقح، وزرعوه في منتصف القرية. أرادت زرقاء اليمامة أن تموت، بيد أنهم حرموها حتى من هذه الأمنية. قيدوها على بعير معبد وأعطوها مؤونة سبعة أيام وركّبوا فوق رأسها عرش من الشوك وأحالوا رمال الصحراء إلى قطران ثقيل. ظل البعير يمشي دون أن يتوقف. في كل خطوة كان الجمل يخطوها كان القار الثقيل ينمو، والشعب ينظر، بينما القار يتورشع البيوت والأشجار. الشعب يغوص تحت القار ببطء، والقار يطفح، يكبر، يغطي كل شيء، والناس ينظرون، والجمل يغذ السير، ويغذ السير، ويغذ السير.

بعد 13 يوما من الرحيل في الصحراء نظرت زرقاء اليمامة إلى الخلف:

قار.

كتلة كبيرة من الأرض مغطاة بالقار!

بقعة يغطيها لون واحد هو لون القطران.

لا نبتة فوق الأرض، ولا إشارة لحياة..

فحل الصنوبر فقط هو ما ظل يظهر من بعيد.

وقد استمر الجمل في رحلته دون أن يتوقف حى تعب وعطش وجاع ومات في أعماق الجبال.

( صمت )

أعرف، أعرف أنني أثرثر وأثرثر ببرود عن أحداث في غاية الرعب. حسنا.. لقد أخبرت هذه الحكاية مئات المرات، لا بل آلاف المرات.. وكل مرة أروي بها يفقد أحد الأحداث عندي الاحساس به ويصبح باردا حياديا، وكأن جزء من جسدي مات وأصبح باردا. نعم.. هكذا حتى لم يتبق من الانفعال الول سوى الكلمات الحيادية التي تسمعون.

أنا أمضغ وأمضغ نفس اللقمة حتى تفقد اللقمة مذاقها فاقذفها من فمي كجراب فارغ.

 

8

حكواتي

 

رحت أحكي لها كل ليلة حكاية. ثلاث ليال قصصت الحكايات على الأميرة حتى أفاقت من غيبوبتها.

يقال في حكايات ألف ليلة وليلة أنني كنت أحكي كل ليلة حكاية عن السندباد وعن الأربعين حرامي وعن القرود التي تضحك والخراف التي تقشّر البصل والديكة التي تكتب أسماء أسيادها في الهواء.. إن هذا غير صحيح. لقد كنت أحكي عن غزوات الشمال والجنوب، عن حريق الأهوار والقصب، عن الجبال والتين والزيتون وطور سنين.

وقد روت لي زرقاء اليمامة، كيف وصلت أعماق الجبال، وكيف بقيت جالسة كل هذا الزمن في الهيكل العظمي للجمل وهي مكبلة، وكيف تحجر كل شيء فيها ما عدا اصبع يكتب الرسائل وعين ترى الممحي.

( موسيقى وحركة )

 

ـ سأجمع الخلدان.. الجراد.. أتعلم لغة الدلافين.. أجلب 13 محارة.. سأصنع من الرمل إعصارا.. أجعل الطحالب تدخن.. وأذيب القار المحيط بجذور فحل الصنوبر وأعيد لك المتنبي! الأمر خطير جدا! العسس في كل مكان، لكني أعرف الطريق السري جيدا. كذلك لن يتعرف علي العسس. لدي طلب واحد.. انتبهي للقطيع في غيابي.

 

9

النار

 

بعد أن عدت من التحضير للرحيل كانت المغارة يا للعجب فارغة.. لا أثر لزرقاء اليمامة. وفوق ذلك كان القطيع المقدس قد اختفى! أصابني اليأس:

( تتوقف الموسيقى )

          ـ ماذا حدث؟

بحثت عن أثر يدلني على شيء دون جدوى.  ودون أن أدري، شعرت أقدامي أن حرارة الأرض مرعبة. وأخذت قدماي تغذان السير، وقبل أن أعرف الإتجاه كانت قدماي قد وصلتا إلى قريتنا. أة على الأقل هذا ما حدست به. ذلك لأن القرية المسحورة وفحل الصنوبر كانتا قد اختفتا عن وجه الأرض. ولم يبق في المكان للتعرف عليه سوى النبع. جلست عند حافة النبع.. لا أدري كم مضى علي من الزمان قبل أن أسمع هذيل الحمامة الزاجلة..

          ـ إنها تحمل الخبر! قرأت الحجر الـ..

          ـ زرقاء اليمامة في خيام أخي عبد الله بن محمد؟!

تركت القرية المسحورة، وانطلقت إلى الخيام. بقيت أغذ السير حتى انبثقت كثبان الرمل وانبثقت وانبثقت؛ كثيب إلى الأعلى، وكثيب إلى الأسفل، وأنا أسير في أمواج الرمل اللاهب. بعد أربعة أيام وخمس ليالي ارتفعت الخيام، حيث اعتقل أخي عبد الله بن محمد زرقاء اليمامة من تحت الرمال كالسراب.. في كل خطوة كنت أتقدم فيها كانت تتناهى إلى سمعي أصوات غريبة عنـ.. لقد حدست أنـ.. اعتقدت أنـ..

 

ـ يا أباذر الغفاري! يا أخي الحبيب! أشعل النار! ضع الصفرية هنا يا أخي. أين الحطب؟ أسرع! زيت الزيتون. كاري. ثوم. لا تنس البهارات يا ملكة الخراء! اسمعي جيدا.. لقد أصابنا الجذام، وسنموت جميعا دون رحمة إذا لم نعثر على قلب الكبش المقدس.. قلب القبيلة المقدس. 

ـ لكن الكبش المقدس كان دون قلب!

                 ـ كيف عرفت ذلك؟!

                 ـ لأنـ..

                 ـ خفف قليلا من وطأة النار. أنا أرى أنها تريد أن تتعاون!

                 ـ لا أدري! أقسم بالله أني لا أدري!

ـ اسمعي يا زرقاء اليمامة.. إذا ما شممت رائحة الماء المغلي لن أحتمل إغراءه. أتفهمين؟ لقد ذبحت بيديك هاتين الكبش المقدس، فأين خبئت قلبه؟

ـ يا أخوتي الإحدى عشر.. ها أنتم شهود.. ملكة سومر لا تريد أن تعترف أين أخفت القلب المقدس. وبهذا فهي تعرّض القبيلة للفناء.. عبد الله! أشعل النار من جديد، فإذا ما فار الماء ولم تتكلم بعد، ضعها في الماء المغلي... لا تبكي أيتها الملكة الحبيبة! شهرزاد لم تعد ولا ندري ما حدث لها. ثم إن الموضوع أسرع مما تتصورين! إذا ما سقطت في الماء المغلي، فلن يدوم الأمر أكثر من بضع دقائق.. ثم يصبح كل شيء ماضيا.

 

وقبل أن يفور الماء اجتمع بقية أخوتي حول زرقاء اليمامة؛

دخل الأول؛ شنّف أذناه وصاح:

آهي آهى، آهي آهى، آهي آهى،

          ـ أخوتي أنا؟!

دخل الثاني؛ أسرع! أسرع! أسرع! دخل الثالث؛ يبصق. يبصق. يبصق.    

لم أصدق عيني!! دخل الرابع؛ أويلي. أويلي. أويلي. لم تحتمل عيناي مرأى ما يحدث!! دخل الخامس؛ يبصق. يبصق. يبصق. صرخت لكي أوقف أخوتي.. دخل السادس، دخل السابع، الثامن.. صرت أصرخ، أبكي، أتوسل، فالتفّ أخوتي حولي أيضا وراحوا يغتصبوني أمام مرأى عين زرقاء اليمامة ويقولون لبعضهم لولا سوء حراسة أختنا لما قتل الكبش المقدس..

وقد توّرمت بطوننا وانفجرت وتوّرمت وانفجرت. توّرمت بطوننا وانفجرت وتوّرمت. توّرمت بطون النساء وانفجرت وتوّرمت.

( موسيقى وحركة )

 

10

السؤال والجواب

 

صنعت تابوتا من الطين، أخفيت فيه ملكة سومر. وعند حلول الظلام سحبت التابوت خارج الخيام، ربطته إلى قوائم الجمل ورحلت باتجاه قلب الصحراء.

لقد نجحت، لقد نجحت! لقد نجحت في الهرب.

إلى الصحراء!

إلى أعماق الصحراء!

إلى أعماق أعماق الصحراء!

الهروب، الهروب.

..

بعد مسيرة أربعين ساعة مضاعفة رحت أفكر

ـ لماذا اختطف أخوتي ملكة سومر؟ لماذ ذبحت ملكة سومر الكبش المقدس؟ هل ذبحت ملكة سومر الكبش المقدس؟ أين هو القطيع المقدس؟ وقرية القطران؟ وفحل الصنوبر؟

( تتوقف الموسيقى )

هذه الأسئلة التي رحلت معي كل هذا الزمن كانت تتحرق لجواب ما. بعد مسيرة أربعين ساعة مضاعفة أجبرني البحث عن جواب أن آخذ الفأس، بعد مسيرة أربعين ساعة مضاعفة أجبرني البحث عن جواب أن أهجم بالفأس على تابوت الطين، بعد مسيرة أربعين ساعة مضاعفة أجبرني البحث عن جواب أن أهشم الطين، أن أنتزعها من الطين:

 

ـ آه! آه! يا إلهي! العطش! الجوع! سينفجر بطني من الجوع. آه يا بطني.. آه يا بطني.. آه يا بطني.. آه يا بطني.. سأموت جوعا في الصحراء.

هكذا كانت تردد زرقاء اليمامة.

ـ خذي. اشربي!

ـ جوعانة. بطني سينفجر من الجوع. ألا تفهمين ما أقول؟ أعطني شيئا.. أي شيء..

ـ نحن في الصحراء.. وفي الصحراء لا يوجد شيء.

ـ آه يا بطني.. أنا ملكة سومر التي ستموت جوعا في الصحراء.

 

ذهبت خلف التل. أخذت الحمامة الزاجلة معي! أخذت الفأس معي: بسم الله الرحمن الرحيم! وضعت لسان الدجاجة بين منقارها: بسم الله الرحمن الرحيم! وبضربة واحدة أطرت الرأس! بسم الله الرحمن الرحيم! تناثر الدم على الرمال: بسم الله الرحمن الرحيم! انتزعت ريش الدجاجة: بسم الله الرحمن الرحيم! شققت بطنها، ودفنت الآثار تحت الرمال: بسم الله الرحمن الرحيم! ومن أغصان الصبار جمعت حطبا وشويت الدجاجة: بسم الله الرحمن الرحيم! التهمت زرقاء اليمامة حمامتها الزاجلة!

وبعد أن شبعت راحت تقول بسبب وجودي لم تنظر لثلاث ليال مكتملة القمر لشجرة المتنبي. وعندما نظرت في اليوم الرابع للشجرة لم تصدق ما رأت عيناها.. لقد كان الصنوبر يحتضر! ذبلت أغصانه، وتيبست أوراقه. تجاوزت على قانون النفي. تركت قرية الكهوف المحفورة في خاصرة الجبل. أخذت معها القطيع وحمامتها الزاجلة وذهبت إلى قرية القطران حيث فحل الصنوبر المتنبي.

المتنبي الذي كان يحتضر قال لها  

 

ـ كيف أستطيع أن أنقذك من.. كيف أستطيع أن أنقذك؟

         ـ من الصعب عليك إنقاذي.. من الصعب إنقاذي!

         ـ لا تردد كالغضب العاتي؛ من الصعب إنقاذي!! من الصعب إنقاذي!!

         قل لي ما العمل يا حبيبي!

         ـ عندما أحالوني بضربة من العصا فحلا للصنوبر لم يكن بمقدورك الحيلولة دون حدوث ذلك.

ـ لقد تمكن الخليفة من انتزاع العرش مني!.. هل دواؤك في بئر السومرع الأربعين؟

         ـ كلا!

         ـ هل هو في جزيرة خير الله طلفاح؟

         ـ كلا!

         ـ قل لي أين الدواء، وسأجلبه لك..

         ـ ..

         ـ ..

         ـ وعد؟

         ـ وعد!

         ـ وعد؟؟

         ـ وعد!!!

         ـ ... دوائي موجود في القطيع الذي ترعين!

         ـ حليب الخراف؟ سأحلب لك نهرا..

         ـ لا.. ليس حليب الخراف.. ( صمت ) دم الكبش المقدس.

 

وكانت زرقاء اليمامة تعرف أنه من المستحيل أن تجرؤ على ذبح الكبش، آخر السلالة، والوحيد الذي يحق له تلقيح إناث القطيع! وتربعت بالقرب من المتنبي. حزنت، ثم بكت. انتحبت، ولطمت، ومزقت صدرها. خلطت دماءها بالأوراق الذابلة وصنعت تمائم علقتها على أغصان فحل الصنوبر، ودرت حول نفسها، ودرت، وقرأت الآيات كلها، ثمّ القصائد، ثم الحكايا.

بيد أن ذلك لم يغير من الأمر شيئا!

وقد أخذ احتضار المتنبي شكلا آخر؛ عواصف ورعودا وبروقا. زوابعا وأعاصير. وهبت الرياح حتى انتزعت كل أوراقه. وأمطرت الدنيا ثلاثين يوما وليلة حتى اغتسل القطران وصارت النجوم تلمع فوق سطحه. وكان المتنبي أثناء ذلك يعاني من سكرات الموت. فمات وعاش. ومات وعاش. وبقيت زرقاء اليمامة إلى جانبه حتى تساقط الدود من أنفه. سبع ليال بكاملها والدود ينخر في جذوره وينخر، حتى تفسّخ ساقه العظيم. وحتى فقدت زرقاء اليمامة كل أمل في إنقاذه، وصارت ترتجف وتقبض أسنانها على الكلمات قبل أن تخرج. وإذا ما أفلتت كلاما فلم يكن أكثر من ترديد معتوه:

 

                 ـ لقد وعدتك والله! ووعد الحر دين!! لكن دم الكبش المقدس.. ذلك مستحيل! 

                 ثم فجأة قالت له:

                 ـ لقد قررت أن أبادل دمي بدم الكبش! خذ دمي! ومزقت صدرها وتركت الدماء تسيل على أوراقه الذابلة، غير أن المتنبي قال

ـ إن شفائي يكمن في دم الكبش المقدس. هكذا كتبوا في الكتب القديمة....

 

وعندها ظهر في قلب السماء غراب بحجم جبل. وراح يأكل من قلب المتنبي، والمتنبي يئن. وحين رأت زرقاء اليمامة أن الغراب يكاد أن يلتهم كل قلبه لم تجد حلا آخر سوى.. سوى.. ذبح الكبش المقدس. سقت بدم الكبش جذور فحل الصنوبر، فعاد للمتنبي وعيه. وعندما رأى الغراب أن المتنبي صحا ولّى الأدبار، وساد هدوء عميق.

                 ـ أوه.. يا إلهي! ما هذا الذي فعلت؟!!

صرخت زرقاء اليمامة وانهالت بالعويل حتى فقدت وعيها. وبعد أن صحت رأت أغصان المتنبي وقد أينعت.

غطّت في غياهب الشرود.

وطلب المتنبي منها أن تشوي الكبش، فشقّت صدر الكبش بيد أنه كان أمرا عجيبا. لقد كان صدر الكبش دون قلب!!

أشعلت نارا دون أن تعي ما تفعل ووضعت فوقها الكبش.

وبقيت تتمتم بوصايا الوداع التي يودع بها الأحياء الموتى، بينما كانت رائحة الشواء تتصاعد. وعندما استغرقت بالأدعية نادى عليها المتنبي:

                 ـ ارفعي الكبش عن النار قبل أن يحترق!

فنظرت إليه وفعلت ما أراد.. وما أن وضع المتنبي لقمة من اللحم المقدس في فمه حتى هوّم نعاس ثقيل، واستغرقت زرقاء اليمامة في النوم. فجأة استيقظت زرقاء اليمامة على أمر عجيب..

 

ـ يا إلهي. الدم في كل مكان.

رددت كالمجنونة وهي ترى إلى آثار الأسنان البشرية المغروزة على ما تبقى من أشلاء القطيع!

ـ لقد أبادوا القطيع المقدس! صاحت وحدقت ببقايا عيون الخراف الجاحظة..

ـ لقد ذبحوا القطيع عن بكرة أبيه!

           

وما أن عثر عليها أخي عبد الله بن محمد الذي ظهر فجأة من فتات الدخان بهذه الهيئة. مدماة تماما! حتى كسرت السكون.

 

          ـ أنا لم أفعل ذلك!

          قالت زرقاء اليمامة حالما رأت عبد الله بن محمد.

          ـ من فعل هذا إذن؟!

          ـ أنا غير ملزمة أن أجيب على أسئلة رعيتي!

          ـ أيتها العاهرة البلهاء، أتدركين حقا ما فعلت؟!

          ـ ليس لك الحق أن توجه لي أي سؤال!

ـ كيف سأقتلك الآن؟! أرجمك بالحجر؟ أزرع قلبك بالسهام؟ أقطع راسك بالسيف؟

ـ اسمع أيها الطفل الصغير: أنا أتعشم فيك غيرتك على القطيع الـ..

ـ أيتها المشعوذة الشيطانة الحبيبة.. لقد ارتكبت أكبر الخطايا لكي تنقذي حبيبك المخصي. أيها الجمل: إلى الوراء در! سأشعل في الكون النار!

 

عندها قفزت كالممسوسة فجأة هنا وهناك. جمعت الأغصان المتساقطة، وهجمت بالفأس على أغصان الشجرة العظيمة وراحت تقتطع وتقتطع.. ثم أشعلت في جذورها النار. استحال الدخان الكثيف غيوما هبطت وغطت الأرض. واستحال القطران حمما من البراكين التهمت ساق الشجرة البالغة من العمر ألف عام. واستحال المتنبي إلى عدم بعد أن فقد توازنه وهوى بدوي أصم. أما أمواج القطران فقد تجمدت حالما ابتلعت الشجرة العجيبة.

جمعت زرقاء اليمامة قبضة من رماد المتنبي المحترق ووضعته في تميمة علقتها بالقرب من قلبها وقالت:

          ـ أنا جاهزة! تستطيع رعيتي أن تفعل بي ما تشاء!

 

11

نهاية الصداقة

 

تصوروا: في منتصف الصحراء، وبعد أن نجحت في انقاذها من براثن أخوتي، وأنا في الطريق لإنقاذ حبيبها وإعادة مملكتها إليها كانت زرقاء اليمامة تخبرني بكل هذا.

أنا لست حقودة، ولكن مافعلته زرقاء اليمامة لم يكن مدعاة للعفو. نعم. لم أتمكن من مسامحتها. لم أقل شيئا لها، لكن الصداقة العميقة التي ربطتنا كل تلك القرون والتي لم يتمكن أحد يوما من تغييرها كانت قد ماتت.

( موسيقى )

 

12

الرحلة الأخيرة

 

كان يا ما كان في قديم الزمان ملكة تاهت في الصحراء. عندما نفذت مؤونتها بدأت تأكل من لحم الجمل الذي تمتطي. بدأت تقطع بسكين حاد لحما من فخذيه، ثم صدره، ثم من بطنه... وحين لم يبق من الجمل سوى النصف ولم يعد بمقدوره أن يمشي، ربطت ساقاها إلى مؤخرة الجمل واستمرت في الرحيل. هكذا حتى خرت أقدامه الأمامية.. عندها أكلت بقية لحمه، استخدمت جلده خيمة، وعظامه أوتاد للخيمة لكي تحمي نفسها من الحر الشديد!

بعد أن ماتت الملكة هبطت إلى العالم الأسفل. وهناك اعترضوها الحراس وأغلقوا بوجهها بوابة العالم الآخر وقالوا لها أنها لن تدخل إلا إذا ما اعترفت أين قلب الكبش المقدس. بيد أن الملكة التي لا تعرف شيئا عن القلب أجابت:

          ـ لقد كان الكبش المقدس دون قلب..

بيد أن حراس البوابة الذين لم يصدقوها أرسلوها سلمّوها إلى الرجال العقارب. والرجال العقارب الذين كانوا ينتظرون الانتقام منها مزقوا صدرها ورموا بها إلى عمالقة الجبال.

وعمالقة الجبال الذين كرهوها حتى العظام أنفوا من النظر إليها وبعثوا بها إلى كواسج الأهوار. وكواسج الأهوار التي حرست الكبش المقدس كل تلك القرون لم تفهم أبدا كيف تجرأت على ذبح الكبش. وقد قذفتها الكواسج إلى السماء، إلى الجحيم السماوية.. وفي سماء الجحيم ظلّت الملكة تبكي وتبكي وتهيم على وجهها، حتى ظهر لها في إحدى الزوايا المنسية جبلا صغيرا تجثم عند ركبتيه الرياح.

أخبرت الملكة الرياح بقصتها العجيبة، وبأنها لن تستطيع العثور على القلب الكبش المقدس لأنه لم يكن لديه قلب رقّ قلب الرياح وقالت لها..

 

ـ يوجد ثمة قلب للكبش المقدس.. فاذهبي وابحثي عنه أيتها الملكة..

          فأعطتها حذاء تستطيع من خلاله أن تتقدم ألف ميل في كل خطوة تخطوها.

                 ـ اذهبي وابحثي عن القلب المقدّس!

 

شكرت الملكة الرياح وارتدت الحذاء العجيب، وعادت إلى النجوم التي كانت تومض في قلب السماء وسألت:

 

                 ـ أيتها النجوم: هل شاهدت نجمة منكن قلب الكبش المقدس؟

                 ـ نحن نظهر في السماء فقط. وليس لنا علاقة بالأرض.

 

ولأن النجوم شاهدت أن الملكة تريد العثور حقا على القلب المقدس أعطوها حذاء تستطيع به أن تجتاز عشرة آلاف ميل في كل خطوة. لبست زرقاء اليمامة الحذاء وانطلقت إلى القمر:

                 ـ أيها القمر الجميل. أما شاهدت القلب المقدس؟

ولكن القمر قال:

ـ يا مليكتي الحبيبة! من مكاني البعيد لا أرى من الأرض سوى نصفها في الليلة الواحدة. والأرض من هذا البعد لا تبدو لي أكثر من جزيرة براكين.

واحتراما للملكة أعطى القمر حذاء تستطيع من خلاله أن تخطو 5 آلاف ميل في الخطوة. وهكذا انطلقت إلى الشمس

 

                 ـ يا شمس! أتعرفين أين القلب؟

                 قالت الشمس:

ـ لا أحد يعرف أين هو القلب ما عدا المتنبي. خذي هذا الحذاء. فبواسطته تستطيعين أن تجتازي الجبال والبحار، وتستطيعين أن تهشمي الصخور والمعادن. عودي إلى قرية القطران. عودي بسرعة. امنحي المتنبي الماء المقدس هذا.. وستعود إليه الحياة وسيدلّك على مكان القلب المقدس.

                 ـ ولكني أحرقت المتنبي بيدي هاتين!

                 ـ اذهبي إلى هناك وسترين بنفسك!

 

ارتدت الملكة الحذاء وقفزت إلى الصحراء بحثا عن قرية القطران..

وهناك فجأة ظهر لها عبد الله بن محمد شقيق شهرزاد وقد صنع من نفسه كائنا قزما ولكن يتحدث بلسان كبار الآلهة واستحوذ على ثقتها. سألها عبد الله بن محمد أين القلب المقدس، وأجابت زرقاء اليمامة أنها ذاهبة للبحث عنه في قرية القطران. وقد أسعد هذا الجواب عبد الله بن محمد وأخذها بقفزة واحدة إلى قرية القطران. ولكن الواحة الصغيرة كانت قد اختفت كما توقعت زرقاء اليمامة. ولم يكن المتنبي هناك. عندئذ راح عبد الله بن محمد يعذب زرقاء اليمامة عذابا شنيعا حتى كاد أن ينتزع لسانها من بين أسنانها.

هل هذا إله حقا؟ وراحت تصارعه وتصارعه، أما الوحش القزم فقد راح يكبر ويكبر، حعتى صار ماردا وهو يحاول أن يمسك بها، وقد نجنح في أن يمسك برقبتها. وقبل أن تلفظ أنفاسها رمت الماء المقدس كيفما اتفق فنهضت من أعماق الأرض قرية القطران، انبثق النبع من باطن خلل القير. وانبثق صوت يقول:

 

ـ إن هذا ليس إلها! إنه عبد الله بن محمد الذي اغتصبك وقد تنكر بهيئة إله!  كررّي اسمه وأنقصي منه حرفا من الأول كل مرة فستختفي روحه مع كل حرف لا تنطقيه.

" عبد الله..

بد الله

د الله

الله

لله

له

هـ .. "

واختفى العملاق

( موسيقى )

وقد كان ذلك صوت المتنبي.

( موسيقى )

ـ يا المتنبي الحبيب. لقد أحرقتك بيدي هاتين وها أنت تنقذني! كيف أقدم لك شكري؟

قالت زرقاء اليمامة:

ـ هل لي أن أقبّل يديك؟

ـ يا ملكة سومر. لن تتمكني من تقبيل يدي لأني في العالم الآخر.

ـ لقد قالوا لي أني إذا ما منحتك الماء المقدس فستعود للحياة!

ـ نعم.. وها أنذا قد عدت إلى الحياة!

ـ أين أنت؟

ـ في لا مكان.

ـ كيف في لا مكان؟

ـ لا تكثري من الأسئلة.. عودي من حيث أتيت يا زرقاء اليمامة.

 

فراحت زرقاء اليمامة تبحث في كل مكان عن مصدر الصوت. نظرت في نبع الماء فرأت أحجارا بألوان وأشكال عجيبة. وقد كان صوت المتنبي ينساب من هناك مع الماء:

         

          ـ لا تبحثي عني. فلن تجديني. عودي من حيث أتيت!

ـ لا أستطيع! لن يسمحوا لي بالدخول إلى العالم الآخر إذا لم أعثر على القلب المقدس؟

          وبعد صمت طويل قال المتنبي:

ـ انثري رماد التميمة التي حملت طوال الرحلة في الينبوع.. اخلعي رداءك وانزلي في النبع.

 

تمعنت زرقاء اليمامة بالتميمة، رفيقة الدرب الأليمة، والأحداث الجسيمة.

فتحتها وهي ترتل بأصوات رخيمة،

رمت رمادها في المياه الرحيمة،

وغاصت إلى الأعماق حيث الأحجار الكريمة.

وإن هي إلا برهة عظيمة،

حتى استحالت زرقاء اليمامة إلى قلب من حجر.

حجر كريم من زهر.

قلب بآلاف الشرايين القديمة.

( تتصاعد الموسيقى حتى تصبح احتفالا )

انتهت