|
مسرحية
للروح
نوافذ أخرى
تأليف
قاسم
مطرود
تقديم
سامي عبد الحميد
الدراما , في اعتقادي , أصعب أنواع الأدب وتكمن صعوبتها في الضرورة التي
توجب على المؤلف المسرحي أن يفكر في كيفية اجتذاب جمهور المتفرجين عندما
يأخذ نصه صيغته المرتبة المسموعة المتحركة على خشبة المسرح ولا بد أن
يفكر في أحالة كلماته إلى صور تعطي مدلولات كثيرة . ولابد أن يفكر بكيفية
إيصال أكثر عدد ممكن من الأفكار بأقل عدد من الكلمات حيث أن المتفرج ,
وفي هذا العصر بالذات , لا يطيق الاستماع والمشاهدة لفترة طويلة من غير
أن يكتشف ويستنبط .
وأسهل أنواع الدراما , في اعتقادي أيضا هي الواقعية حيث يلتقط الكاتب
شخوصه وأحداثه وحوارا ته من الحياة اليومية ومظاهرها وحيث يكون مدى
الخيال قصيرا ضيقا نسبة إلى المدى الذي تأخذه الاتجاهات الواقعية –
الرمزية والتعبيرية وما شابه من تلك الصيغ التي تتعرض لدوا خل النفس
البشرية وتسبر أغوارها وتتخذ من الرمز وسيلة للتعبير . و الأسلوب
التقليدي للكتابة المسرحية سهل أيضا طالما أن الكاتب يستطيع محاكاة
المؤلفات السابقة .
أما أن يخرج الكاتب عن المألوف وان يرفض الاستنساخ وان يبقى على عوامل
الجذب والتشويق فتلك مهمة صعبة وقد تولى المؤلف (قاسم مطرود ) القيام بها
وهو واثق من امكاناته فليس سهلا أن نلجأ إلى الغموض والإيهام ونبقي على
إثارة القارئ أو المتفرج ونفسح لهما مجالا لحل الألغاز وكشف الأسرار .
تناول (قاسم مطرود ) ثيمة الانتظار وهي ثيمة تتسم في اغلب الأحوال ,
بالغموض حتى لا يمكن الجزم بان المنتظر (بفتح الظاء ) سيأتي أم لا وإذا
أتى فهل سيأتي بشيء ؟ والحق فأن أسلوب الكاتب قد جاء ملائما لتلك الثيمة
والأحداث غير المترابطة وللشخوص غير المحدد في ملامحها وعلاقاتها مما
يدعو إلى الاستبطان والاستنتاج .. والحبكة تسير على خط دائري كما في
دراما اللامعقول حيث تصاعد نحو الذروة الرئيسية بل لف ودوران . والحوار
سلس وتلغرافي في أكثر المواقف ولكن ذلك يجعل مهمة المخرج , هي الأخرى ,
صعبة حين يريد تحويل المسموع إلى مرئي متحرك ومن مهمات الفن أن يجعل
السهل صعبا والصعب سهلا وما أتمناه أن يستمر قاسم في الكتابة للمسرح وهو
ناقد ومتتبع مثابر سيتقدم في نتاجه حتما
للروح
نوافذ أخرى
( صمت ..
براء والزوجة جالستان على الأرض وسط خشبة المسرح .. إحداهما تسند ظهرها
إلى الأخرى .. صوت جرس وطرق على الباب الخارجي )
براء
: ( دون أن تتحرك من مكانها )
كان عليك أن تغسلي
الصحون هذا اليوم
.
( يرتفع صوت الطرق )
الزوجة
: كان عليك أن تغسلي هذا اليوم
( يرتفع صوت
الطرق أكثر )
براء
: كان علينا أن نغسل هذا اليوم .
الزوجة
:اجل .
( يرتفع صوت الطرق أكثر
وكان الباب ستقلع )
براء
: وان ترتبي فراش غرفتك أحسن ترتيب
( من جانبي خشبة المسرح
تسقط بابان على
الأرض اثر اندفاع
كل
من ذان
وأيان باتجاه
بعضيهما
حتى يتقاطعان
ليحتل أحدهما مكان
الآخر وبيد كل
منهما
هراوة )
ذان
: نحن من منظمة ..............
براء :
( تقاطعه دون أن تتحرك من مكانها ) دعي العطر
يفوح من جسدك
كالوردة
في
نسيم الصباح .
أيان
: ( يرمي على راس الزوجة وبراء مجموعة من
الصور
) قررت منظمة
...............
الزوجة
: اعرف ذلك .
ذان
: ( يرمي صورا أخرى ) هذا بلاغ هام
أيان
: سيعود حاملا بين يديه الروح لتحكي غيبة السنين الطوال في
الأسر
والوجع
والأنين
الزوجة
: ( تحمل بعض الصور من على الأرض
..تنظر إليها )
علي أن انتظر
براء
: بداية الشهر
الزوجة
: منتصف الشهر .
ذان + أيان
: ( يخرجان ثم يعيدان رأسيهما ) باسم المنظمة
ومن اجل المصلحة
العامة
نوصيكم بالانتظار
.
( فترة صمت .. تتقدم
براء إلى مقدمة خشبة
المسرح )
براء
: ( تأخذ بعض الصور المرمية على الأرض وتعلقها على الجدار )
قــدري
أن أكون
بهذا الشكل أما
لأم (
تتأمل صورة كبيرة من صور الأم )
تذكري
أرجو كي أن تتذكري ..
يا لحكمتك يأرب .
الزوجة :
لقد طال الانتظار ( برهة ) لم يبق عندي احمر الشفاه
( برهة )
أضنني
لا اعرف كيف استخدمه
الآن ( برهة ) عندي ذكرى , ذكرى الأشياء . عندي
بؤسي يحفر
وجهي ويحدد
ملامحي أحسن
تحديد (برهة ) الخوف
يهزني حين
يقترب
موعد اللقاء
براء
: ها أنت على مقربة منه .
الزوجة
: من الرعب أنا خائفة قلقة اشعر أن ساقي
لا تحملانني .
براء
: اتركي كل شي وحاولي أن تساعديني الأمر في غاية
الصعوبة فيما
يتعلق بي .. أما
أنت فيمكنك
معالجته
بالبكاء أو
الصراخ أو الصمت لكن أمي
لا تستطيع أن
تفعل شيئا
من هذا كله وهذا
عزاؤها
فكيف يثبت الإنسان
مشاعره دون انفعال إنها لا تتذكر .. حتى
أسماء الأشياء قد
تغيرت ...
أصبحت غريبة عن هذا
المكان . فهي لا
تعرف أين تسكن
ومن
نحن .
الزوجة:
ربما تكون عودته صدمة لها ويمكنها من تذكر الماضي .
براء
: بالماضي نطرق أبواب الذاكرة عسى أن تستفز وتحيا معنا
خلاصة الفرح .
الزوجة
: أما أنا فعلي أن أنسى كل عذاباتي وادفن الليالي
الطوال . كان
جسدي
يحترق وعقلي
يشتط
والبركان ينفجر ولا يوقفه سوى اليأس والنوم العميق. ( يدخل
ذان بهيئة
ممرضي غرف
العمليات .. يدفع عربة
نقل المرضى
التي ألقيت
فيها الأم ..
يعقبه أيان
بهيئة طبيب )
أيان : ( يشير إلى
ذان بإيقاف العربة وسط خشبة
المسرح )
كان عليها
أن تبقى في
المستشفى لكننا أخرجناها
هذا اليوم كي تقف معه وجها
لوجه .
الزوجة :
هل يبكيها أم تبكيه ؟
براء :
كيف حالك الآن؟ (
تدفع العربة إلى العمق .. تتفحص الأم المكان
بخوف.. تنظر
إلى
الصور
المعلقة
على الجدار والمرمية على الأرض )
الزوجة :أما
زلت واقفة مثل شجرة الكالبتوز, أم انك منحنية مثل نخلة تستجدي
قطرة ماء؟
الأم :
كلا يا دكتورة
الزوجة :
شيء جميل أن أكون دكتورة
,تصوري يا عمتي كم
أحببت أن أكون
ممرضة بدافع
مساعدة الآخرين
المحتاجين
إلى خدمتي , ولكن .......
براء : ( إلى الأم )لم
انم الليل كله , أفكر فيك , عندي ما
يبهرك ويجعلك
تتحركين
من مكانك
كما
لو أن الأرض تهتز
تحت قدميك ,
ستسعدين يا أمي
الأم :
أمي ؟ ( ما زال ذان و
أيان يرتبان هيئة الأم )
براء :
اشعر أن العالم صغير ولا
يستطيع أن يستوعب أنفاسي
(تحتضن
الأم وتقبلها )
صعب
علي
الاستغناء عن هذه
القبلة
الأم :
من أنت؟
براء :
حقا انك تسالين يا أمي ؟
الأم :
من هي أمك ؟
الزوجة : ( تطلق ضحكة
عالية ثم تبكي حتى يتحول الضحك إلى مزيج من الضحك
والبكاء ..
يتقدم
إليها
ذان
وأيان يمسكان بها يحملانها إلى غرفتها
وهي ما زالت
تضحك
كل المجنونة, يجلسانها
على كرسي صغير
يتقدم أيان .. يرمي في
حضنها
ملابس
أطفال قطعة قطعة ثم يأتي
ذان ويحيطها بثوب
زفاف بشكل
غير منظم )
صعب أن
تعود
الأشياء إلى ما
كانت عليه
ذان :
يا للخيبة ( يخرج )
براء : (مع نفسها )
يا للخيبة.
الأم :
يلفني الغموض هنا
بعباءته السوداء حاجبا الرؤيا عن
بصيرتي . فما
الأمر يا بنتي ؟
براء
: (وهي فرحة ) ابنتك
الأم
: اجل انك مثل ابنتي
.
الزوجة
: ثانية ( برهة ) يا لثوب العرس المعطر برائحة الكافور , وعربة
الزفاف الخاصة بنقل الموتى ..
من ذا
الذي اختطفني من شجرة مخضرة تطرح أفيائها للبراعم الصغار
إلى
القيامة الأبدية
الأم
: حقا من جاء بي إلى هنا .
براء
: هذا بيتك
الأم
: ( تهم بالنزول
من كرسيها ) ماذا ؟
أيان
: مكانك لا تتحركي ما زلت متعبة.
الأم
: أود معرفة ما يحيط
بي ( تمسك رأسها .. تكاد تسقط. تسرع براء للامساك بها ) .
براء
: كدت تسقطين اهدئي
أرجوك .. الذاكرة لا تحفظ العابر
من الأيام ولا
تخلد الصغائر منها .. أما هذا
اليوم , فيدعونا لآن نستفز كل قوانا ونحضر أرواحنا كي نسجل
وقائعه .. هو ليس
يوما عابرا .فكوني معي يقظة
.افتحي أبواب ذاكرتك وأغلقي نوافذ النسيان .
الأم
: سأفعل
براء
: أنا ابنتك
الأم
: تعنين......
براء
:أنا ابنتك وأنت أمي
وهذه هي الأعجوبة .. كنا معا ملتحمين في جسد واحد . استمد
الحياة منك . وأنام واستيقظ
وابكي , كنت مرهونة بك مطمئنة هادئة البال أتغذى
السكينة عبر حبلك السري .. يا للروعة .
واليوم
ونحن منفصلتان
تحيطنا الغربة والدهشة
وبضع كلمات .
الأم
: ( مع نفسها ) متى التحمنا متى انفصلنا جسد واحد
وروحان معا كيف
حدث ذلك ؟
( صوت صرخة
عالية من الزوجة التي تمددت على
سرير
نومها .. يقترب منها أيان وهي ما
زالت تصرخ..
يؤدى المشهد وكأنه في حالة مخاض
وخلال
نسمع
طرق على الباب ممزوجا مع
صراخ
الزوجة )
الزوجة
: وانأ لا اعرف كيف حدث ذلك ( الطرق والهمهمات
مازالت
مستمرة) ...
سوى أنني أحسست
بصدري
ينقبض ( يدخل
ذان مرتديا ملابــس عسكرية ..
يحمــل معــه
حــذاء
( البسطال ) يرميه على
الأرض
وبنــفس لحــــظة
سقوط الحذاء
نسمع صراخ
طفل )حينها
عرفت الهول الذي يلفني
ويمزق روحي .
براء
: انسي , غلفي شجنك
في بالون ودعيه يرتفع إلى
الشمس يطرح
أدراجا على بساط
الضوء,
وما تتلقفه السماء ننساه
الزوجة
: نحن محكومين بالوهم نفسه . ( يختفي ذان وأيان )
براء
: أرجو أن تساعديني ( إلى الأم) يا أمي
الأم
: ها أنا استمع ولكن لم أنت متوترة؟
براء
: لا اعرف .. حقا
أنني لا اعرف ( إلى الزوجة ) هل أنا
متوترة بالفعل ؟
الزوجة
: لا اعرف ( إلى الأم ) هل أنا متوترة؟ ( الأم لا تجيب )
لا تعرف
الأم
: عن أي شيء تتحدثان ؟
برا ء
: (مع نفسها ) ساجن ( إلى الأم بصوت عال )انه
سيعود
. تحيطه الهالة وعلى
كفيه
جوهرته البراقة التي
ستوقظ الميت الحي
الأم
: ظننتك تقولين شيئا
.. ولكن كيف تحولت إلى هنا ؟ أنا
لا أتذكر.......
براء
: منذ زمن طويل . وأنت هنا . جسدك تشبع برائحة
المكان صرت جزء
منه ولم تغيبي
سوى
بضعة أيام
للعلاج
في المستشفى .
الأم
: وأنت
براء
: وأنا أيضا منه تكونت ومن رحمك اندفعت باكية من البرد
والهول الذي لفني
الأم
: ما جئتم بي إلى هنا إلا لضلالتي و زيادة عتمتي ..
كيف لي أن اصدق
انك خرجت من رحمي
براء
: هي الحقيقة يا
أمي
الأم
: يسعدني ذلك
براء
: هذه غايتي لكننا في أمر أهم ما يبث الحياة فينا وما
يوقد
الشموع في طريق مظلم
وما
يزيح وحشة الليل
قادم, اجل انه
قادم ويجب أن تتعرفي عليه .. ولا سبيل
إلى
ذلك سوى
العودة إلى الماضي . به
نخز يومنا
البائس .. هيا
هيا لنبدأ من جديد يا
طفلتي العزيزة .
الأم
: هل أنا في كابوس
براء
: دعك من كوابيسك وتعالي معي نمتطي صهوة الجواد
ونعبر القارات
الزوجة
:نظف أسنانك نظف روحك
الأم
: إني اسمع صوت قطار
. بل صفارة إنذار
الزوجة
: وأنا لا اسمع شيئا . بل أبصر ديدان الأرض تتسلق كل
الأشجار
براء
: هذه صورة ( تحمل صورة ) وهذه شجرة ( تشير إلى
شجرة داخل الصورة)
وهذا
عمر
وهذه أنا وأنت
معا
نقتسم
الضحكة ونتألق بالفرحة
الأم
: شجرة . عمر . صفارة
الإنذار . ديدان تزحف .
براء
: حدقي جيدا في هذه
الصورة وخذي منها الملامح
عسى أن تقول ما
نريد وتتعرفي
على الرجل الشاخص
فيها
الأم
: (بعد أن تمعن النظر
) اعتقد انه الدكتور
الزوجة
: لا
براء
: أبي. إنها صورة أبي
.زوجك. ذلك المستقرئ الكبير لما
حدث
الزوجة
: ( وقد فتحت صندوقا
من صناديق غرفتها .. ترفع
ورقة
وتحركها في
الهواء)
هذه يجب
أن تحترق
الأم :
زوجي أنا ؟ ما جدوى بقائي إذن .. ما أتعسني
براء :
انظري هذه صورة أ |