|

مسرحية
الزفاف
تأليف: كريم جثيـر
الشخصيات
1- هي : (( وممكن أن
تلعب- الممثلة- أيضاً الشخصيات التالية :-
الصباغ ، الأب ، الشرطي
والدكتور))
2- هو
3- الصباغ
4- الأب
5- الشرطي
6- مجنون 1
7- مجنون 2
8- مجنون 3
9- مجنون 4
10- الدكتور
11- ثلاثة رجا ل
((غرفة يتوسطها سرير بأغطية وشراشف بان عليها القدم .. ساعة جدارية ثبتت
أعلى الجـدار المواجه لنا وقد توقف فيها الزمن ، أسفل الساعة نافذة تطل
على الخارج بستائر مسدلة ، الى جوارها من جهة اليمين الباب الرئيسي الذي
يقود الى الخارج .. وفي الجدار الجانبي الأيسـر نتبين باباً آخر يفضي الى
المطبخ ، كما نتبين شموعاً كثيرة مطـفأةأنتشرت في جميع انحاء الغرفة.
امرأة في الثلاثينات من
عمرها تجلس على كرسي يجاور السرير ، جلستها المتململة وهيئتها
المتعبة تـدلان
على الانتظـار الطـويل والشـعور الكبيـر بالوحشـة ،صـوت أقـدام بشـريـة
في الخارج وهي تقترب من الباب الرئيسي ، تلتفت المرأة ناحية الباب ،
يتحرك رقاصالساعة فجأة ، تنتبه المرأة وتتطلع الى الساعة بأستغراب شديد..
صوت الأقدام البشرية وهي تقترب أكثر ، فتعود المرأة لتتطلع ثانية
الىالباب الذي يفتح فجأة ويدخل منه رجل مسرعا وكأنه مطارد بعد أن عالج
رتاج الباب .. يلقي بنظرة عجلى مشوبة بالحذر والخوف الى الخارج ، ويغلق
الباب خلفه بسرعة .. )).
هي : (( تقف ، ومازالت
لم ترَ ملامح الرجل الذي باغتها بدخوله )) من أنت ؟
هو : (( وقد فوجئ
بوجودها والتفت بسرعة الى الداخلباحثا عن مصدر الصوت وقد كشف عن هيئته
المتعبة هو الآخر )) مـن ؟
هي : (( وقد ركزت
أنظارها فيه وقد شلت في مكانها )) يا إلهي .. إذن هو أنت ثانيـة .. يا
لفرحتي .. أعرفك ، أعرفـك حتى لو غبتعني مئات السنيــن .. سأملأ الحي
بالزغاريـد ، وليعرف الكــون بأسره بأن
أنتظاري لم يكن
عبثاً
هو : توقفي أيتها المرأة المجنونة وأخفضي صوتك .. فأنا لاأعرفك .
هي : (( بخيبة أمل تقترب منه ))
ياويلتي.. ألا
تعرفني ؟ (( تجهش بالبكاء )) يالخيبتي ..
هو : (( يضعف أمام حالتها ))لاتحزني يـا أمرأة .. أرجوك أن تهدأي
الان وسأعرفك فيما بعد ..
هي : (( تثور ثائرتها )) ستعرفني فيما بعد أيها الوغـد ؟
هو : (( مستغرباً )) وغـد؟
هي : (( تواصل )) أنا هنا منـذ سنين حبيسة هذه الجدران ، أسالها
ألا...
هو : (( يقاطعها .. خائفا ويتلفت حوله خشية أن يسمعهما أحد)) قلت لك
أرجوك أن تهـدأي الان ، فأنا متعب ولابـد لي أن أستريح ،فـقد جهدت كثيـرا
كي أتذكـرهـذا المكان وبحثتُ عنــه لساعات طويلة حتى وجدته وأرجوأن لا أ
كون مخطئا
هي : وأنا ألم تجهد نفسك حتى تتذكرني فتبحث عني .. ؟
هو : (( مهدئاً )) بالطبع ، بالطبع .. وربما أكون أنا الشخص الذي
أنت بأنتظاره
هي : ماذا ؟ أنت ؟ طبعاً أنت ولا أحـد غيـرك ، من الممكن أن أكـون أنا
لست أنا ولكن من المستحيل أن تكون أنت لست أنت ، فتعال.. تعال ،لِمَ تمسك
بعروة البـاب ولا تخطو نحوي لتأخـذني بأحضانـك فتطفئ ما تأجـج بصدري من
نيران الاشتياق ..(( ثم)) ألم تشتاقني ؟
هو :(( وهو يحاول التخلص من أسئلتها المحرجة)) هه ؟ بالتاكيـد ،
بالتأكيد لكن الباب...
هي : مابـه ؟
هو :لابد من إغلاقه بالمفتاح ..
هي : (( تضـحك )) الباب؟ لم تكن سوى عودتـك التي تغلقـه ، بل وتغلق
جميــــع الأبـواب المشرعةانتظارا لك.. فدع الباب وشأنه وتعا ل ..
هو :(( يترك الباب ويتقدم نحوها ، إلا أن الريح تدفع الباب وتفتحه
فيعـود مسرعا لإحـكام غلقــه .. وبعـد أن يتـأكد من ذلك ، يتقـدم خطوات
ويلقي بنفسـه علىالسـرير، ينتبه إليها وهي تهم بالحديث ثانية فيحاول
إسكاتها ))أيتها المرأة .. دعيني أستريح قليلاً فأنا...
هي :(( مكمـلة )) متعب ؟ .. أليس كـذلك ؟ ، لابأس أيــها المتعب ((
تصمت لوقت قصـيروهي تتأمله ، ثم تعـود للحديث ثانية وقد فقـدت صبرها ))
إلا انك بوضعك هذا تقودني الى الخوف منك .. وكأنك ..
هو : (( يثب من مكانه مقاطعا إياها )) وكأني ماذا ؟
هي : لست أنت
هو : قولي لي .. هل هذه هي الناحية الشرقية من المدينة ؟
هي : أجل
هو : وهل هذا هو الزقاق ( 11 ) من الحي ( 36 ) ؟
هي : بالضبط .
هو : إطمئني إذن .. فأنا لم أخطىء المكان وهذا يعني بانني لست لصا ،
هي : لص ؟ لايهم حتى لو جئت لقتلي ، المهم هو أن تكون أنت
هو : (( منفعلاً )) أنت ، أنت ، أأنتِ متأ كدة ياهذي من أنك رأيتني
من قبل ؟
هي : كيف لا وأنت .. (( تقترب منه وتلمس جبينه)) آه ..اللعنة ، انها
الحمى كيف فاتني ذلك ؟ أن حرارتك مرتفعة .. فدعني أدثرك بالأغطية
هو : (( بحدة )) أرجوك .. لاتفعلي هذا فالأغطية تحجب عني الضـوء
هي : الضوء ؟ كل هذه السنين وأنت تجوب بلدان الدنيا ولم تشبع ضوءا ؟
هو : أجـوب بلـدان الدنيا ؟ أسمعي ياهذي ربما أكـون قد أخطأت الدار
التي أقصـدها، فهل هذه هي الدار المرقمة ( 16 ) ؟
هي : أجل
هو : هذا يعني باني لم أً خطئ في ..
هي : (( تقاطعه )) بل أنا التي أخطأ ت ..
هو : بماذا ؟
هي : في عدم إنتباهي لأصابتك بالحمى .. ومع ذلك أنا تواقة لسماع صوتك
وطريقة وصفك للأشياء ، أرجـوك حدثني عـن شيء ما ، أي شيء.. وليكن عـن
تـلك البلدان التي زرتها .
هو : أي بلدان هذه ؟
هي : تلك البلدان التي قالوا أنك رحلت اليها عندما سألتهم عنك ..
هو : سألتهم عني ..؟ من هم ؟
هي : أولئك الذين جاءوا بغيابك وفتشواالبيت كله بحثا عن أشيائك ..
هو : آه .. هه..إذن هم الذين أخبروك بذلك ؟
هي : وهل كنت هناك بالفعل ؟
هو : هه..؟ أجل ؟؟ أجل ..
هي : أذن لماذا لاتتحدث عن ذلك ؟
هو : ليس هناك مايستحق أن أحدثك عنه ، فالعالم يشبه بعضه البعض
هي : غير معقول..
هو : كفاك الحاحا يا إمرأة .. لقد قلت لك من قبل بأنني متعب ، ثم أن
الحمى ..
هي : (( بأنفعـال )) الحمى .. الحمى .. أعرف ذلك ، لكن دعني أعرف ايضا
مـن أنت لأقتل بقايا الشك ، وبخلافـه ربما لم تكن الا رجلا غريبا دفعته
الصدفة نحوي ومن غير اللائق ان يدخل رجل كهـذا بيتي وفي هـذا الوقت
المتأخـر من الليل ..
هو : ((يقف متطلعا الى الباب الداخلي)) أنت ِ على حق .. لكن أسمعي
أما زاالَ المطبخ مكانه ؟
هي : المطبخ ..؟! ماذا تعني ؟
هو :((مشيرا الى الداخل)) اليس المطبخ هناك وبجواره الحمام من جهة
اليسار؟
هي : (( تجيبه دون معرفة مايرمي اليه )) أجل.. هما كذلك .
هو : وهناك غرفة أخرى تقع يمين المطبخ وشباكها يطل على الحديقة ..؟
هي : هذا صحيح ..
هو : إذن انا لم أخطئ ا لبيت .. (( يعود ليلقي بنفسه على السرير ))
هي : (( محتجة )) وأنـا ؟! تتذكر المطبخ والحمام ولاتتذكرني أنا..؟
هو : أنتِ(( يركز أنظاره فيها وهو يحاول أن يتذكر )) أنتِ .. أنتِ
...
هي : حاول .. حاول أرجوك .. حاول أن تتذكرني لأطمئن.
هو : (( يحاول ، الا أنه يفشل..)) قلت لك أنا لست بلص ..
هي : (( ثائرة )) ماهذا الهراء ؟
هو : هراء..؟
هي : كان عليك أن تعرفني حتى لو كنت مصابا بفقدان الذاكرة ..
هو : (( يستفزه ذكـرها لفقـدان الذاكـرة وكالملدوغ يهب واقفا وقـد
ثارت ثائرته)) أنا لم أفقد الذاكرة .. بدليل تذكري البيت ووجـودي فيه
الان مما يؤكد قطعا بأنني أتذكر جميع الأشياء.
هي : إلا أنا
هو : (( بأرهاق )) أنتِ ؟
هي : ((بعطف)) لابأس ..دعك مني ولاترهق نفسك .. وحدثني عن الأشياء
التي تتذكرها بسهولة .
هو : عندما دخلت الحي تذكـرت كيف كنت طفلا... وكيف كنت أحب اللعب
كثيــرا و.. و... و....(( يتوقف )) آه .. لا أستطيع فأنا ..
هي : (( تستفزه ثانية )) فاقد الذاكرة ..
هو : (( محتجا )) لا،
هي : إذن حاول أن تكمل..
هو : هه..كان أبي بحارا. وجاءني ذات يوم بدراجة هوائية ..
هي : هذا صحيح
هو : صحيح ، وما أدراكِ أنتِ بذلك ؟!
هي : مازالت بقاياها على السطح حتى الان
هو : (( وكأنـه طفل)) ياه .. كنت وقتها أسعد طفل في ا لحي وربما في
المدينة بأسرها عندما كنت اقـود دراجتي وأمر في الازقـة مسرعاً ، بينما
أبناء الحي يتطلعون إلي بغيرة وحسد .. وعندما ...كبرت ..
هي : (( مؤكدة على كلماته لتدفعه لأكمال حكايته )) وعندما كبرت ...
هو : لا .. لا.. أنا لم أكبر أبداً ، مازلت طفلا .. فأنا .. أنا
خائف .
هي : خائف ؟ من مَن؟
هو : (( ينتبه الى بعض الاصوات في الخارج )) هل سمعت شيئا ؟
هي : لا لم أسمع شيئا
هو : لكني سمعت صوت أقدام بشرية ، أذهبي وتطلعي من النافذة .
هي : (( تتطلع الى الخارج من خلال النافــذة )) لاشيء هنــاك.. ((
تعــود اليــه)) إنهاالكلاب السائبة وصوت الريح ..
هو : أمتأكدة من ذلك ؟
هي : كلا لتأكيد (( تلمس جبينه )) إن حرارتك ترتفع أكثر، سأذهب لأعمل
لك بعض الكمادات .. (( تتقدم بأتجاه المطبخ ))
هو : لا.. أرجوك أن لاتبتعدي الان .. لأنني خائف ..
هي : (( وقد أفرحها ماقاله )) إطمئن لن اغيب عنك طويلا
هو : (( مستسلما )) هه ؟ لابأس ..
هي : (( تفتـح باب المطبخ وتـدلف الى الداخـل ، إلا أنــها تعـود
مسرعـة)) ماهـذا أنا الأخرى ..
هو :مابكِ ؟
هي : خائفة أيضا ..
هو : مني ؟
هي : بل من أ ن تغيب ثانية عني ، ومن الوحشة ا لتي بدأ ت أحسها الآن
في الداخل
هو : والعمل ؟
هي : حاول أن تقــول شيئا، تحـدث لي عن طفولتك ،أسفارك أو عــن أي شيء
آخرحتى وأن كان ليس مهما ، المهم هو أن تسمعني صوتك أثناء وجودي في
المطبخ
هو : حسن ..((تدخل هي الى المطبخ)) سأحكي لك حكايات كثيرة لكن ليس
الان ومع ذلك أسمعي هذه الحكاية ..
هي : ((من الداخل)) صوتك واهـن وصـوت الريح قوي فلا أستطيع سماعك
بوضوح
هو : (( يحاول أن يرفع صوته ، وأن كان تأ ثيـر الحمى باديا عليه))لا
أستطيـع أن أرفع صوتي أكثر .. أنا أخاف أن يسمعنا الجيران .
هي : (( من الداخل )) وماذا في ذلك ؟
هو : ألا تخشي أ ن يتهمـوك أتهـاما باطلا إذا ماعرفوا بـوجود رجل
معك وفي منتصف الليل ؟
(( ينطفئ النور فجأة )) ماهذا .. لِمَ أطفأتِ النور ؟
هي : (( من الداخل )) لاتخشى شيئا ياحبيبي ..
هو : (( ولنفسه بتعجب )) حبيبي ؟
هي : (( تعــود من المطبخ وقد حملت بعض الكمادات معها وأشعلت عود ثقاب
، بينما نسمع حركة الريح وقد أشتدت في الخارج)) حركة الريح شديدة
هذهالليلة فتلامست الأسلاك وأنقطــع التيار الكهربائي ، ان هـــذا يحـدث
دائما عندما تشتد الريح ..
هو : لكني لاأطيق هذا الظلام ..
هي : (( تضع الكمادات جانبا وتبدأ بأشعال الشمـوع )) هو الضوء
ثانيـــة وليس هناك ما يخيف ، سأشعل الشموع كلها..
هو : (( بعد أن تشعل عددا غير قليل من الشموع )) ما هذا ؟ !
هي : شموع
هو : أعرف أنها شموع .. لكن لم كل هذا العدد الهائل من الشموع ؟
هي : آه .. فهمت ، بالامس أضأت كل هذه الشموع لذكرى النبي زكريا ،
وبقيت أبكي وأبكي حتى الصباح طالبة منه أن تعود ..
هو : أعود ؟!
هي : أجل ، وهاأنتذا ترى أن النبي زكريا لم يخب رجائي..
هو : (( متذكراً )) زكريا .. ؟ آه النبي زكريا ، كانت أمي كل عام
تجلب الشمـوع وتفعل الشيء ذاته في ذكرى النبي زكريا وتبقى بحضرة الشموع
حتى يطل عليها الصباح وهي تترجى النبي زكريا طالبة منه ماتريد .. وكانت
تلح بطلبها ويزداد رجاؤها عندما كان أبي يتأخر في البحر، إلا أنها كفـّت
عن أقامة أحتفالها السنوي هذا بعد أن عاد أبي من البحر للمرة الأخيرة
جثـة هامـدة .
هي : (( تبدأ بوضع الكمادات على جبينه )) أن جبينك كالموقد .
هو :أعرف ذلك .
هي : (( تضع كمادة اخرى ومسترسلة بالحديث )) ليلـة أمس وأنا أضيء
الشموع فكرت كم سيحتاج العالم من الشموع لو لم يكن قد تم اكتشاف الكهرباء
التي من الصعب العيش بدونها..
هو : الكهرباء ؟(( يثور فجأة )) اللعنة عليك وعليها ..هيـا أذهبي
وأطفأي جميع أزرارها كي لاتعود ثانية .. فأنا أكره الكهرباء .
هي : ماذا ؟ الكهرباء ..؟ أيوجد من يكره الكهرباء ؟
هو : نعم أنا ..فلا تفهمي الأشياء بوجه واحد ..
هي : وجه واحد ؟ أنت تهذي بسبب الحمى ،
هو : وأنت غبية
هي : كلما إنخفضت حرارتك زادتك جنونا
هو : إذن اتركيني لحالي (( مبعداً عن جبينــه الكمادات )) ودعي
الحمى تخـرس جميع الاصوات بداخلي حتى تمـوت ..
هي : تموت ؟ أرجوك تحدث عن جميع الاشياء إلا الموت..اللعنةعلى
الكهرباء التي قطعت سلسلة أفكارك .. حاول.. حاول أن تركز أنظارك بوجهي
جيدا
هو : لماذا ؟
هي : قد تستطيع أن تتذكر هذا الوجه أو شيئا ما يا... حبيبي
هو : حبيبي ؟ أيتها المرأة عليك أن تكوني أكثر إحتشاما في حضرة رجل
غريب.
هي : غريـب ...؟ أي رجل غريب هذا ...؟ أنت تقودني الى الجنون فأنا
أعرف بريق عينيك مثلما أعرف وجهي .. فكيف لك نسياني الى هذا الحد ؟
هو : نسيانك ..؟ أمتأكدة من أنك عرفتني من قبل ؟
هي : كل التأكيد ..فحاول أن تتذكـر....
هو : (( يحاول أن يركز انظاره فيها )) أنت .. أنت ..
هي : نعم ..من أنا ؟
هو : (( ممسكا برأسة..)) الحمى..
هي : أنا الحمى؟
هو : بل الحمى تشلّ ذاكرتي ..فأرجوك ، أرجوك دعيني أستريح
هي :الحمى .. ذاكرتك ، تستريح .. أبعد كل هذا الانتظار تاتي لتقول لي
هذا..؟ لوبقيت عشرة أعــوام أخـرى على أمـل عـودتك سأصبر محتملة كل
عذابـات الأنتظار، لكني لا أستطيع أحتمال هذه اللحظات القاسية التي تشبه
ثوانيـها سنينا من العذاب .
هو : (( فجأة )) توقفي .. ياالهي ،أنا أعرفك ((وقد بدأت تنقشع بعض
الغيوم عن ذاكرته ..)) آه .. أشعر أنني منقبل ،آه.. كنا .. أنا وأنت ..
هي : (( غير مصدقة )) نعم كنا أنت وأنا..
هو : (( مكملاً )) نعشق النهر والاشجار والأرصفة .. وكنا ..
هي : (( مكملة )) نعابث النهر بما نرميه من أحجار صغيرة لنداعب
أمواجه..
هو : ونداعب الاشجار عندما نتبعثرعشقا تحت ظلالها،
هي : وكنا نتسكع ساعات وساعات على الارصفة ..
هو :كنا سعـداء كالاطفال في الأعيـاد ، سعـداء كعصافير الفـجر ..
وكنا... كنا.... (( يحاول أن يتذكر أشياء أخرى ..))
هي :(( تواصل كي لا يتوقف ويعود الى حا لته الاولى)) كنا.. كنا .. آه
كنا لانبالي بالأفلاس أبدا.
هو : ((يواصل من جديد)) ومع ذلك كنت في أحيان كثيرة واقعية أكثرمما
يجب
هي : أما أنت فلم تكن إلا حالما كبيـرا ، وأشـد ماكان يضحكني منك
عنــدما كنت تردد بأن أفضل وظيفة يشغلها المرء في هذا العالم هو أن
يكــون عاطـلا عن العمل .
هو : كنت أشاكسك بكسلي ..
هي : فأضربك على أرنبـة أنفك ، وأ قـول لك أيها الحالم الكسـول ، وكنا
نضحـك ونضحك ... ونضحك ..
هو : ما أسخفنا ..
هي :(( وقد صعقت )) ماذا ؟ أوتسمي ذلك سخفا ؟
هو : بل وحماقـة أيضا ، فأن الذي كان يضحكنـا لو أجتـمع الان كله ،
لماعاد يقودني حتى للأبتسام ..
هي : أو أنت حزين الى هذا الحد ؟
هو : ولو أجتمع الآن كل الذي كان يحزننا ، لما قادني للحزن أوالبكاء.
هي : ماهذا .. هل تحجرت ؟!
هو : بل قولي تصخرت ، فالمصائب التي مررت بها من الهول بحيث لم
أعــد أشعر بالأفراح ولا بالأحزان أيضا .
هي : يا سندبادي الحبيب .
هو : سندبادك ؟ سندبادك الـذي لم يبرح موضـع قدمـه ولم يبحر الا في
الأحلام
هي : ماهذا ياحبيبي ..؟
هو : (( وكأنه يسمع هذه الكلمة أوينتبه إليها للمرة الاولى ))
حبيبي ... أعيديها ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة وأ لف ..
هي : ياحبيبي .. ياحبيبي .. ياحبيبي
هو : (( يغلق فمها )) ليلاي ..
هي : هذا ما كنت تدعوني وتناديني به دائما ..
هو : نعم .. نعم ، إذن هي أنت ليلاي ... ياه (( ضاربا على جبينه ))
كيف حدث هذا ؟ (( يتقدم نحوها ويقوم بأحتضانها )) وكيف لي أن انساك؟
هي : حمدا للرب ..
هو : (( فجأة يبتعد عنها )) ولكن ..لكن ما الذي جاء بك الى هنا ؟
هي : أنت ..
هو : أنا ؟
هي : أًَوَ نسيت بأنك أختفيت قبل الزفاف بساعات قليلة ؟ .. هذا يعني
أنا زوجتك، فهل من الغريب ان أكون في بيتك رغم إختفائك المفاجيء الذي بقي
مصـدرعـذابي الأكبـر كل هذه السنين ؟ ومـع ذلك ها أنتـذا وجــدتني
أنتظر.(( فجأة يفتح الباب الرئيسي ويدخل منه ثلاثة رجال يرتدون ملابس
أطباء ويتقدمون نحوه بصمت...))
هو : (( يرتمي على السريربعد أن ينتبه الى وجودهم ،أما هي فقد
شلـّها الارباك)) أهلا .. أهلا ، أهلا وسهلا بالسادة الأطبــاء ((
يتقـدمـون نحـوه أكثــر... )) أستريحوا قليلا .. لكن كما ترون لامكان
آخـر غير ا لسرير وهــذا الكرسي للجلوس ..(( يرفعون السرير وهو محمول
عليه ليضعوه لصق النافــذة )) أنا قلت هذا أيضا ..وقلت ساغير من مكانه
بعد ان استريح قليلاً .. فهو لابد وأن يكون قرب النافـذة . (( ينتبــه
اليها ويزجرها )) هيه .. إيتها المرأة هيــاإ ذهبي وأحضري شيئا نقدمــه
للضيوف (( ثم لهم )) عذراً أيها السادة الاطباء فأنا لا أستطيع أن
أقـــوم بذلك بنفسي فالحمى مازالت على اشـدها عندي (( يركزون أنظارهم في
المرأة ، ينتبه لذلك )) آه ... هذه المرأة ؟ أنها امرأة مجنونة وجدتـها
في بيتي ومازلت لم افهم امرها بعد ، مسكينــة يبدوأنها تنتظر رجلا ما
فتوهمت أنه انا .. وماذا أفعل غيـر مجاراتها في مثل هذا الوقت المتاخر من
الليل ؟ لقد حدثتها بطريقة الابراج التي تصـلح لجميع حواال الناس ((
يتطلعون إ ليه بعـدم تصديق )) هذه هي الحقيقة ، آه .. تقصدون كيف عرفت
إسمها ؟ صدقوني أنها مصادفة ليست إلا ...أنا أعرف امرأة بهذا الأسم من
قبل .. إنه تشابه أسماء لاغير ..(( يتحركون ويتجهون الى الباب
الرئيسي..)) أيها السـادة الوقــت مازال مبكراً ((يواصلون خطواتهم بأتجاه
الباب وكأنهم لايسمعونـه)) أيها السادة ..أهلا .. أهلا .. (( وقد وقف على
السرير ماداً يده لمصافحتهم إلا أنهم يغادرون دون مصافحته ويغلقون الباب
خلفهم ))
أهلا..أهلــ....اً . (( يسقط على السرير منهكا بينما هي مازالت على
وقفتها فاغرة فاها ))
هي : ماهذا الذي يحدث ؟
هو : لاشيء
هي : وهل كنت مريضا ؟
هو : أجل
هي : وهؤلاء
هو : أصدقائي الأطباء الذين يشرفون على علاجي .
هي :والسرير؟ لماذا غيروا مكانه ؟
هو : كي أ كون قريباً من النافذة ، لأستنشق هواءاً نقيا ،
هي : والذي قلته عن الأبراج ، وماذكرته عني في حضرتهم ؟
هو : (( بحيرة وعذاب وهو يتطلع الى الباب الرئيسي بحذر)) أرجـوك يا
امرأة.
هي : (( تصرخ بوجهه )) إمرأة ؟ سأجن .. (( صمت حاد وممتلئ ))
أخرج من هنا ياهذا فأ نت تقودني الى الجنون .
هو : (( ينزل من على السرير ويتقدم نحو الباب الرئيسي بهدوء )) وهو
كذلك
هي : (( تضعف )) ماذا ؟
هو :سأنفذ ماطلبته مني في الحال .
هي : (( تقفز وتقف في طريقه )) الى أين ؟
هو : الى أي مكان .
هي : إبق مكانك حيث أ نت.. فأنا التي ستغادر لا أنت (( تستدير صوب
الباب))
هو : توقفي أرجوك .. فأنت إمرأة
هي : لايهم ذلك ، فأنا لا أعرف ا لخوف .
هو : وأنا الرجل الذي علمك عدم الخوف هذا ..
هي : (( تعود لأحتضانه بفرح وأبتهاج)) ألم أقل لك بأني أعرفك حتى لو
وضعت على وجهك ألف قناع .. أرجوك كن كما عرفتك ، كن كما أنت .هو :وها
أنذا كذلك .
هي : والذي قلته عني وعن الابراج ؟
هو : لابد من قول ذلك كي لا أغيب عنك ثانية ..
هي : (( تلمس جبينه )) الحمى بدأت تغادرك.
هو : ومع ذلك ، عليك أن تعلمي بأنه ليس من السهل أن أتذكر كل شيء.
هي : أما أنا فلم أعش إلا على الذكرى
هو : (( وهو يتأمل وجهها)) لقد تغيرت ملامحك كثيراً وأن بقيت كما هي
عذبة
هي : وملامحك أنت أيضا ، لكن بريق عينيك بقي كما هو
هو : إذن علينا أن نقوم بأتمام مراسيم الزفاف ونتزوج ..
هي : مراسيم الزفاف ؟ .. ماعاد لنا أحباب ليزغردوا لنا
هو : لاعليك سنستبدلهم بآلة تسجيل .
هي : لقد ألقيت بآلة التسجيل والراديو من النافذة .
هو : ماذا؟ ألقيت بهما.. ؟
هي : تعبت منهما ، فجميع المغنين ينوحون على فقد أحباب لهم
والراديولايدمدم إلا بأصوات الحروب وكوارث الكون .
هو : وبذلتا الزفاف ؟
هي : الجرذ.. الجرذ ا لتهمهما بالكامل تقريبا ولم يبق إلاعلىبعض
البقايا منهما
هو : (( بسخرية )) الجـرذ ؟
هي : نعم الجرذ ، وأنا لم أفكربالقضاء عليه لأنـه يملأ البيت بالحركة
فيبدد وحشتي .
هو : بحركة الجـرذ تبددين وحشتك ؟
هي : وبصرير الصراصرالذي يبدد صمت وسكون الليالي الطويلة المنهكة.
هو : ما أغربك .. وما أصعب إنتظارك.
هي : انتـظاري ؟ إنــه عقب سيجارة مطفأة ألقيتـه عنـد مقدمك لتدوسـه
بقدميـك (( يعود تيار الكهرباء )) والآن .. هل أطفيء المصابيح لنبقى على
ضــوء الشموع ؟
هو : بل دعيها مع الشموع لأتأمل ملامحك بوضوح ..
هي : والان أمازلت متردداً من أن تتحدث لي عن الذي حصل لك ؟
هو : (( جالسا على السـرير ، بينما هي تتقــدم نحوه لتجلس على
ركبتيها أرضا وتضع رأسها في أحضانه )) سأحدثك ، سأحدثك عـن كل شيء ، كل
شيء .. فقبل الزفاف بيوم واحد كنت ...كنت....
(( يفتح الباب ويدخل الرجا ل ذاتهم ، يراهم فيتوقف عن الكلام
.. هي ترفع رأسها مستغربـة توقفـه المفاجيء فتراهم أمامها فتنتفض من
مكانها واقفــــة
وتصرخ بهم ))
هي : من أنتم بحق الجحيم ؟ ولماذا تجيئون الى هنا وفي اللحظات الحاسمة
على الدوام ؟ إ نـه ليس بحاجـة لعلاجكم فحرارته أنخفضـت والحمى قـد
ولـّت.
هو : (( مأخوذا )) قبل الزفاف بيوم (( مضطربا )) بكم ، أهلا وسهلا
..(( يرى الحقنة بيد أحدهم )) آه ..الحقنة ،اللعنة كيف نسيت ذلك ؟ آه
لكنني أشعـر أشعـربأنني لست بحاجة لها الآن .. ربما أحتاجها فيما بعد ..
(( يمسكون به ))
هي : ماهذا؟
هو : (( ينتبـه إليها رغم وجـودهم وهم يمسكون به )) إنها الحقنـة كي
تذهـــب الحمىأنهــا أسرع من كماداتـــك ... (( وبأنقلاب مفاجيء )) كان
ينبغي عليك أن ترحبي بالضيوف وبطريقة لائقة وبشيء من الأدب أنهـم في بيتي
يا إمرأة .
((
هي مستغربة ما يجري أمامها ، هم يقومون بحقنه في وريده ولايمنعهم دفاعه
الغريزي وهو يعاني آلاما شديدة وتبدأ تنتابه حالة أشبه بالهيستيريا وقد
دب مفعول الحقنة في جسده وغاب عن الوعي ، يغادر الرجال الثلاثة تباعا بعد
أن يلقوا عليها نظرات متفحصة ومريبة ))
ماء .. ماء.. القليل من الماء ... ماء
((
هي تذهب مسرعة الى المطبـخ ، بينما هو يبدأ يهمهم أو يردد بكلمات غير
مترابطة ، وعند عودتها تقف بذهول تام أمام مايردده وقد نسيت إناء الماء
الذي تحمله بيدها ))
لا .. لا.. قلت لك أرجوك ، لا أريـد أن أصبغ حـذائي ..أرجوك أيها
السيـد فغدا هو يوم زفافي ، أوراقي الرسمية ؟ ومادخل أوراقي الرسمية
بأمركهذا؟ أنا سالم من الامراض جميعها ، أرجو أن تفهم الامر ولاتصدق ذلك
يادكتور ، يادكتورهو الذي أجبرني على فعل ذلك وليس بفعل الجنون.. قلـت
غيرت رأيي لا أريد أن أصبغ حذائي .أنا أعقل منك ، يادكتـور، دكتور الحقنة
، آه رأسي ... أنا رجل سويّ وغدا هـو يــومزفافي .... أرجـوك لا أريد أن
أصبغ ، دكتور ، ماء بعض الماء ..ماء
((
هي تنتبـه لأناء الماء الذي تحملـه معها فتسرع إ ليـه لتقدمه له إلا أنـه
ما زال غائبا عن الوعي تماما ، ترش على وجهــه قليلا من الماء فيفز
مرعوبا وقد فكته نوبة الهذيان .. يتلقف منها الاناء ويشربه بدفعة واحـدة
وهو بأشد حالات الظمأ.. يهدأ قليلا.. وينتبه إليها مجددا )) مابك ..؟
مالك تنظرين الي هكذا ؟ (( هي لاجواب )) لم لاتجيبين ؟ ماذا دهاك ؟!
هي : هه ، لاشيء .. لكن أيعقل كل هذا ؟
هو : ماذا ؟
هي : كنت قبل قليل تقول .. تقول...
هو : أقول ؟ ماذا كنت أقول ؟
هي : ألم تدر ما الذي قلته ؟
هو : متى ؟ أين ..(( يتـذكرالحقنة ويثـب على السرير واقفا )) آه
بسبب الحقنة قولي لي ماذا كنت اقول ؟
هي : أشياء كثيرة غير مترابطة لم أفهمها ،
هو : لم أطالبك بفهمها ، إنما أريد أن أعرف بالضبط مالذي قلته من
كلمات سواء فهمتها أم لا..
هي : (( مستسلمـة )) كنت تقول كلمات مثل : لاأريـد أن أصبـغ حذائي ،
دكتور أوراقي الرسمية ، غدا يوم زفافي ، غيرت رأيي في صبغ حذائي و...و
أشياء أخرى من القبيل يصعب علي تذكر جميعها .
هو : (( يلقي بنفسه على السرير )) آه..
هي : لكن بالله عليك ما معنلى كل ذلك ؟
هو : لاشيء
هي : (( بهدوء وبحزن شديد )) لاشيء ؟
هو : أرجوك لا تسيئي فهمي .
هي : أنا لاأسيء فهمك ، ولكن ماذا عن كل هذا الذي قلته ؟
هو : (( متهرباً )) قولي لي .. أليس الناس الأسوياء نياما الان ؟
هي : أجل
هو : ونحن ألسنا أسوياء مثلهم ؟
هي : ماذا تعنـي ...؟ آه فهمت ، تنام ؟ لابأس ،لكن لا تنس أننا محتفلا
بعودتك
هو : وهل هم يفعلون ذلك عند عودة أحدهم ؟
هي : بالطبع .. وربما هم يرقصون ويزغردون ...
هو : ونحن لمَ لم نفعل ذلك ؟
هي : أتريدني أن أرقص وأزغرد..؟
هو : (( بخوف )) لا .. أرجوك ، لاتفعلي هذا .
هي : لماذا ؟
هو : الاصوات
هي : (( مكملة )) تتعبـك .. لكـن أي الاصوات ... الأصوات التي تسمعها
أمالاصوات التي تتصارخ في داخلك ؟
هو : الاصوات جميعها تخيفني وكأنها تهم بسحقي .
هي : إذن نم علها تنام معك .
هو : وقد تبقى يقظة .. فأقول الأشياء ذاتها ثانية ..
هي : ولماذا لا تتقيأها من جوفك وبمرة واحدة وتستريح ؟
هو : بل دعيها علـّها تموت شيئا فشيئا بداخلي حتى أنساها ..
هي : وربما تقوى بداخلك فتقتلك ، ثم أنا الاخرى بحاجة لمعرفتها كي
أفهمك،(( وبلهجة مازحة )) أيها الغريب .
هو : غـريب ؟
هي : طبعا غريـب ، طالما لم تقـل لي شيئا رغم عدم وجود مبرر لكتمانك
وخوفك الان .
هو : (( فجأة .. وبقوة وتحدي ..)) أذهبي وأغلقي الابواب والنوافذ
وأحكمي غلقها جيدا .
هي : (( فرحة)) سأفعل ذلك
((تذهب الى الباب الرئيسي وتغلقـه جيدا بأستخدام المفتاح
والمزلاج وتتأكد من إحكام غلق النافذة أيضاً .. وتعود إليه ))
هو : (( مشيرا الى باب المطبخ )) وهذا الباب أيضا ..
هي : أنه باب المطبخ
هو : حتى لو كان باب الحمام فجميـع الأبـواب لاتؤتمن . . . ((
يشيرالىالداخل متذكرا الابـواب الاخرى )) إذهبي وأغلقي جميع الأبـواب .
هي : حسن .. (( تغيب في الداخل لحظات ونسمع عــدة أ بــواب تغلق ..
تخرج وتغلق باب المطبخ خلفـها وتعود اليه لتجده وللمرة الاولى قد بارح
السـريرمنذ دخوله وجلس على الكرسي ..)) والان ،
هو : سأحكي لك عن كل شيء
هي : وانا بشوق لذلك
هو : (( مكملا )) ولنبدأ منك ..
هي : مني أنا ؟ كيف وأنا لااعرف عن الأمر شيئا ؟
هو : أعرف ذلك ، إلا أنني أريدك أن تتحدثي عن شيء ما ، أي شيء
|