الصفعة

تأليف : صلاح حسن

( امرأة في نهاية الثلاثينات.المكان صالة بيت. الزمان غير محدد. تسمع موسيقى راقصة .المرأة تتمايل مع اللحن وهي تحمل بيدها رسالة .تبدو وكأنها على وشك الخروج..فهي تضع مكياجا صارخا يخفي ملامحها تماما وترتدي فستانا ضيقا يظهر جزءا من جسدها.  تفتح الرسالة بسرعة. توقف الموسيقى )

 

زينب:  (تضحك بصوت عال)  غبي ..غبي وبائس ..

 يظن انه سيعاقبني بذلك.

(تستلقي على الاريكة بوضع مغر)

(بغنج)

 يظن انني يمكن ان استسلم بهذه السهولة.

( تنقلب على بطنها)

هو يعرف جيدا ان لدي مئة طريقة لجعله يتراجع عن قراره هذا.

 (تعود للرسالة) بضعة اسابيع ...(تضحك بطريقة منتصرة)

بضعة اسابيع كافية لجعله يفقد عقله.  .

غدا سأطلب من الاطفال ان يتصلوا به وان يقولوا له :

اذا فعلتها فأننا لانريد ان نراك بعد الان .

 سأطلب منهم ان يقولوا له:

 انك ابتداء من هذه اللحظة بمثابة الميت بالنسبة لنا .

 ( تبدأ بدعك الرسالة بيدها دعكا قويا )

 كيف يمكن ان يفكر بهذه الطريقة؟

 هل نسي ماذا فعلت حينما غادر البيت ؟

( كأنما تقلد زوجها)

<المرأة التي يهجرها زوجها في نظر الاخرين امرأة ساقطة >.

( بهدوء )

هو يريد ان يوصل للاخرين مثل هذه الرسالة ...

 (تنهض .. تسير بأتجاه المرآة وهي تتحسس جسدها بفخر)

 هل ابدو امرأة مهجورة .(ترقص)

(تنظر بطريقة مغرية الى نفسها في المرآة)

هل ابدو امرأة مهجورة؟ حقا؟ حقا؟

 ماالذي ينقصني؟

امرأة شابة وجميلة...وفوق ذلك فقد اصبحت لدي ثروة الان.

 كل النساء تغار من جمالي ونجاحي وثقافتي ..

 حتى هو يغار مني لان اعمالي التجارية  نجحت .(صمت)

 لقد قضيت معه عشر سنوات هي اسوأ ايام حياتي.

 لم يبق في ذاكرتي شيء جميل من تلك السنوات .

 كان يخرج مبكرا ولايعود حتى منتصف الليل ...

ثملا ورائحة العرق الكريهة تفوح منه ,

يأكل ثم ينام وهكذا كل يوم.

 لم يفكر مرة في اصطحابي بنزهة ..

لم يفكر يوما بشراء قطعة ملابس جديدة لي .

لقد نسي كل تضحياتي من اجله ...

 حتى حينما كان يسجن كنت اغامر واذهب لزيارته في السجن

وانا احمل له الملابس النظيفة والطعام الذي يحبه.

(تفكر)

في المرة الاخيرة كان مظهره مريعا..

كانت ملابسه ممزقة وعيناه متورمتين من اثر الضرب

( بعد صمت قصير)

غبي وواهم ..

(بسخرية)

اراد ان يكون مناضلا وبطلا..

 بسبب حماقاته طردوني من وظيفتي..

لقد حول حياتي الى جحيم ..

والان يريد ان يقول عني انني امرأة مهجورة . (صمت)

(تعود الى الرسالة. تفتحها وتمسحها بظاهر يدها لكي تستطيع قراءتها)

بضعة اسابيع .. ماذا يمكنني ان افعل في بضعة اسابيع؟

سأجعله ينشغل بالاطفال .. اريده ان يعتقد ان الاطفال هم الذين يريدون ذلك..

عندها سينسى الامر مؤقتا..وسيكون لدي متسع من الوقت للتفكير بهدوء ..

غدا سأطلب من الاطفال ان يتصلوا به وان يقولوا له:

 اننا سنغادر دنهاخ الى مدينة اخرى ولن تحصل على عنواننا ..

سوف لن ترانا بعد الان..( بطريقة ساخرة) باي ..باي باي

سيحاول ان يأتي الى هنا ليرى الاطفال ,

 ( تبدأ بتقطيع الرسالة وتنفخها في الهواء بهدوء شديد)

 يظن انني سأستسلم بسهولة.

( تغيب لدقيقة ثم تعود مع علبة مجوهرات كبيرة ..تختار مجموعة من الحلي وهي تقف امام المرآة)

زينب: هذا الطقم رائع جدا ..سيجعل جميلة تموت غيظا ..

الغبية , تعتقد انني سأغار عندما ارى ذهبها ..

هي لاتعرف انني املك كيلوغراما من الذهب.

 سأدعوها لكي ترى هذه الثروة.

غبية وقبيحة..ولكن زوجها يعبدها ..

لاادري ماالذي يجعله يحبها هكذا ..

لاارى اي امتياز فيها ..طيبة ؟

 هه..ما معنى ان تكون طيبة!

 لايناديها الا حبيبتي .. حياتي..

( يعطي الجوز للماعنده سنون) ..

صحيح ..ماذا سأقول لها اذا سألتني عن احمد ؟

 في كل مرة اقول لها انه مشغول ..سوف لاتصدق ذلك ....

سأقول لها ..بقي مع الاولاد ..

 لا..ستعرف ان ذلك ليس صحيحا ..

حقا انها غبية ولكنها ستعرف ..

 ستعرف عندما تراني اتلكأ في الحديث ..

 النساء يعرفن ذلك بغض النظر عن كونهن ذكيات او غبيات...

اوه ..انا لااطيقها ..

الافضل ان لااذهب لزيارتها سأتصل بها واقول لها انني مريضة .

( تخرج احمر الشفاه . بهدوء كأنها تكلم المرآة)

لماذا انا سيئة الحظ مع الجميع؟ ها ..

 لماذا يتحتم علي ان اعيش حياتي كلها بهذه الطريقة؟

( فجأة وبغضب ) انا لااريد ان اعيش بهذه الطريقة..

( ثم بهدوء) انا لااريد ان اعيش بهذه الطريقة..

( بطريقة غنائية) انا لااريد ان اعيش بهذه الطريقة..

(صمت)

ولااريد ان يقال عني انني امرأة مطلقة

انني اكره هذه الكلمة الى حد اللعنة..

المشكلة لاتنتهي عند الطلاق

( تعود الى المرآة لاصلاح مكياجها.  بهدوء كأنها تكلم صورة امها المعلقة قرب المرآة )

 ولكنها ستبدأ مع الاسئلة التي تلي الطلاق..

في الشائعات التي تلي الطلاق...

سيبدأ الناس بنسج القصص والحكايات عني..

 خصوصا صديقاتي اللواتي يغرن مني..

ستروي كل واحدة منهن حكاية ملفقة عن سبب طلاقي ..

وسيستخدمن افحش الالفاظ وهن يروين ذلك.(صمت)

امي ..لاتنظري الي هكذا ارجوك ( تدير صورة امها باتجاه الحائط)

 نعم .. انه يعاقبني بذلك ..ويهينني ايضا..

يريد ان يحطم ماتبقى من حياتي....

(تنهض)

ولكنني لن اسكت (.. سأتغدى به قبل ان يتعشى بي)

 

 سأروي للاطفال كيف كان يضربهم حينما كانوا صغارا ..

سأجعلهم يكرهونه , ثم سأطلب منهم ان يقولوا له:

 اننا لم نعد نريدك كأب ..لانك رجل مريض ومجنون..

 اننا نكرهك ..بل سأطلب منهم ان يقولوا له:

 اننا سنبحث عن أب اخر..(تضحك بغنج )

 لنر ماذا سيفعل عند ذلك؟!

( تحاول ان تجمع قطع الرسالة ولكنها تغير الفكرة فتقوم بأزاحة القطع بقدمها )

( تفتح موسيقى راقصة وصاخبة وتبدأ بالرقص. بعد دقيقة تغلق الموسيقى )

 (تنادي الاطفال)

احبائي ..ابقوا في الجوار ..سأذهب الى الطبيب وسأعود بعد ساعة ..لاتذهبوا بعيدا ..حسنا؟

(تنظر في المرأة .. تضع قليلا من المكياج بشكل سريع وتخرج) (ظلام)

( في المكان نفسه ويكاد يكون مظلما. الساعة بعد العاشرة مساء. زينب جالسة وهي تضع رأسها بين يديها في حالة شرود . )

ياالهي.. ماالذي يحدث لي ؟ ماذا فعلت بنفسي ..

لقد حسبت كل هذه التوقعات ..

لكن لم اتخيل ابدا ان حياتي ستتحول الى سلسلة من الاكاذيب..

لقد استسلمت لهذا التيار الجارف حتى انني بدأت اكذب على نفسي..

وماذا بعد ذلك ؟ ماذا بعد الطلاق؟

هل كانت حساباتي خاطئة الى هذا الحد؟

ولكنني درست كل هذه الخيارات والاحتمالات وكنت اتوقع مثل هذه النتائج..

فما الذي يجعلني خائفة ومترددة هكذا؟ (تنهض)

لا.. ينبغي ان لااضعف ..ينبغي ان اتماسك وان استمر حتى النهاية وليحدث مايحدث..

انها فقط لحظة ضعف ..لحظة ندم وستمضي فورا..

لااريد ان اندم على اي شيء افعله ..هذه الكلمة يجب ان تختفي..

يجب ان تفقد معناها بالنسبة لي

يسمونها لحظة ندم وهي كذلك لحسن الحظ (صمت)

الحيوان ..حرمني من امي ومن عائلتي ..

حرمني من وطني وجاء بي الى هنا ..

جاء بي الى هنا ليتركني وحيدة ..

والادهى من ذلك يريد ان يطلقني الان..

 غدا سأطلب من الاطفال ان يتصلوا به وان يقولوا له:

اننا سنغادر هولندا الى بلد اخر ولن تعثر لنا على اي اثر بعد الان ..

وسأتصل باصدقائه واقول لهم ان زوجي يخونني مع امرأة هولندية ..

اريدهم ان يشعروا انني انا التي طلبت الطلاق..

(فجأة وبطريقة هستيرية )

كفى .. كفى.. لم اعد اطيق كل هذه الاكاذيب.

لم اعد اطيق كل هذه الاكاذيب..

(تبدأ بمسح المكياج حتى يظهر وجهها الحقيقي)

انه جنون .. لم اعد احتمل كل هذا

لقد سئمت من حياتي .. ان ضميري يؤنبني كثيرا

ان لدي شعورا طاغيا بالذنب.. لقد ارتكبت الكثير من الحماقات

( تضاء بقعة صغيرة قرب المرآة وتظهر صورة امها المقلوبة باتجاه الحائط . تدير الصورة وتبدأ بالحديث معها )

أمي..استمعي الي ارجوك.. لقد ارتكبت الكثير من الحماقات..

اريدك ان تسمعيني جيدا ..ارجوك..

لقد خسرت زوجي ..سأروي لك كل شيء..هذه نتيجة منطقية..

ولكن الاسوأ من ذلك هو انني خسرت نفسي..

انني اوشك ان اخسر نفسي

لقد حملته وزر كل الاخطاء التي ارتكبتها

اعني انني جعلت زوجي هو المتسسب الوحيد في كل شيء..

انت تعرفين اننا عائلة فقيرة ومحافظة وفي اي جو نشأنا وترعرعنا..تعرفين ..في اي مجتمع ذكوري كنا نعيش ..لقد عانيت انت نفسك كثيرا

المرأة في مثل هذه المجتمعات لاتتوفر على اي شرط من شروط الحرية..اليس كذلك؟

وهي كائن ضعيف ..مسلوب الارادة

حتى اذا كانت تعمل فهي لاتتمتع بالاستقلال الاقتصادي..

لان من حق زوجها او عائلتها مشاركتها في الراتب الذي تحصل عليه

وليس هذا كل شيء ..

هنالك نساء يتعرضن للضرب من قبل ازواجهن لاسباب كثيرة تافهة..لقد رأيت ابي وهو يضربك لان قميصه لم يكن نظيفا جدا..

(تبتعد قليلا عن الصورة)

تخيلي ..امرأة تعيش في مثل هذا المجتمع المغلق وتنتقل فجأة للعيش في مجتمع مغاير تماما

مجتمع مفتوح وفيه خيارات كثيرة..

مجتمع يقدس الحرية الشخصية ويجعل حرية المرأة بالذات في صدارة اولوياته..

( تعود الى الصورة)

اجل هذا صحيح تماما..

ماذا يمكن ان يحدث لهذه المرأة في هذا المجتمع الجديد؟

كيف ستتصرف حينما تعرف انها تستطيع ان تفعل اي شيء الان دون ان يعترض عليها احد حتى اقرب الناس اليها ..زوجها مثلا؟

لاشك انها ستفكر اولا بالاشياء التي كانت محرومة منها ..

ستفكر بالمحظورات التي كان مجرد التفكير بها يعد خرقا للعادة..

ستفكر في المكبوتات التي كانت في الماضي بمثابة عقد نفسية عميقة الاثر..

ستشعر انها حرة تماما ولن يستطيع اي شخص في العالم ان يسلبها هذه الحرية مرة اخرى..

ستشعر ان لديها خيارات كثيرة وانها تستطيع ان تعيش حياتها بشكل مغاير..

والاهم من كل ذلك ان المجتمع الجديد يوفر لها حماية مطلقة..

(تبتعد )

هذا ماشعرت به لاول وهلة..

كنت اشعر كما لو كنت سجينة اطلق سراحها فجأة. (صمت)

لقد تعرضت للضرب ايضا..

ضربني زوجي ..ولكنه ندم واعتذر فيما بعد...

صحيح انها المرة الوحيدة ..غير ان ذلك لم يغير من الامر شيئا ..

لانني احسست ان شيئا ما في داخلي قد تحطم ولااحد يستطيع ان يعيده الى ما كان عليه.

شعرت بأهانة لاتحتمل ..

خصوصا وانا اعيش في هذا المجتمع الذي يصون حقوق المرأة

ماذا فعلت ؟

 اتصلت بالشرطة واخبرتهم بما جرى ...

اضطروه الى مغادرة المنزل ..

 ولكنه عاد في اليوم التالي ..

 احسست ان العقوبة لم تكن كافية وانا لااستطيع ان اضربه لانه اقوى مني ..

بدأ احساسي بالمرارة يتضاعف وتحول شعوري بالاهانة الى هاجس يسمم حياتي ..

لابد ان أهينه لكي اتحرر من هذا الهاجس اللعين.

 

 اذا اردت ان تهيني رجلا شرقيا عليك ان تطعنيه في كرامته ,

 وهذا ما فعلته ..

 لقد نمت مع رجل اخر.(صمت) ...

صحيح انني لم اخبره بذلك , لانه ربما سيضربني مرة اخرى ..

ولكنني شعرت براحة ولذة غريبة.

 لقد بدا لي فيما بعد رجلا ضئيلا مخدوعا ..

 كنت اتمنى ان لو انني استطيع ان اخبره بذلك لكي ارى وجهه وهو يتلطخ بالوحل ..

لكي ارى رجولته الفارغة وهي تداس بالاقدام ..(صمت)

وبمرور الايام فقد احترامه ..

لم اعد احترمه لاكزوج ولاكرجل حتى غادر المنزل.(صمت).

(تعود الى الصورة)

انت لاتعرفين هذا

كنت اظن انني بذلك امارس حريتي الشخصية ..

ركبت هذه الموجة ولكن التيار كان قد جرفني.

 من تلك اللحظة بدأت ارتكب الحماقة تلو الحماقة ..

لقد فهمت الحرية بشكل خاطئ تماما .

 ان تكون حرا يعني انك تستطيع ان تفعل اي شيء ..

وهذا ليس صحيحا على الاطلاق ..لقد فهمت ذلك ولكن بعد مرور وقت طويل ..

بعد ان خسرت زوجي ومعظم صديقاتي..

حتى الاطفال ..الاطفال بدأوا يصرخون في وجهي ..

 لم اعد استطيع التفاهم معهم لانني اهملتهم لفترة طويلة .

 لقد فهمت انني لم اكن امارس حريتي بقدر ما كنت اقود انتقاما ضد زوجي.

 كان يفترض بي انا التي لم تعرف اي شكل من اشكال الحرية ان آخذ الامور ببساطة اول الامر ..ولكن ذلك لم يكن ممكنا لان فاقد الشيء لايعطيه ..

 لقد اردت ان احصل على كل شيء دفعة واحدة ..

 فهمت فيما بعد ان الحرية هي ان لاتعتدي على حقوق الاخرين ..

 ان لاتسبب آلاما للاخرين ..

 الحرية تكمن في احترام الاخر ..

 وانها سلوك وممارسة طبيعية ..( بمرارة شديدة)

ولكنني كنت مضطهدة ومهانة وغير طبيعية..

اضطررت للكذب على الجميع ..

الكذب يفقدك حريتك ..

 اضطررت للكذب على صديقاتي  عندما كن يسألنني عن زوجي ..

لقد كذبت عليك ايضا.

لانني اكتشفت فيما بعد ان الخيارات التي كنت اظنها كثيرة وممكنة كانت كلها خيارات صعبة وتتطلب قدرا كبيرا من الاستقرار النفسي والوضوح والاعتدال

 وانا لم أكن كذلك ..

كنت اظن انني استطيع ان اعيش مع اي رجل اخر مناسب ..

 ان ابدأ حياة جديدة ..

ولكن كل الرجال الذين عرفتهم كانوا مثلي..

 اجل مثلي ..

 كانوا يريدون ان يحصلوا على كل شيء دفعة واحدة دون عناء ..

 دون تضحية .. دون فهم ايضا .

 انني اشعر الان كما لو انني بالون فارغ ..

 اشعر انني قذرة ومنحطة الى درجة انني اتمنى لو استطيع العودة الى حياتي السابقة رغم قسوتها ومرارتها ..(بمرارة شديدة)

 ولكن هذا الامر اصبح مستحيلا الان ..

 كل شيء يمكن اصلاحه ..

 كل الذنوب يمكن ان تغتفر ..

 الا الخيانة ..

 لانها تترك جراحا لاتندمل الى الابد ..

 لقد سببت لزوجي آلاما لاتطاق حين طعنته في كرامته ..( تنسحب. تبكي وهي تتذكر)

 مازلت اتذكر اللحظة التي غادر فيها المنزل ..

 بدا هرما في حركاته..بدت عيناه ذاهلتين منطفئتين ..

 يرى الاشياء ولايراها ..

 خطا ببطء الى الخارج دون ان يكلم احدا وهو يحمل حقيبة صغيرة ..

 بدا منسحقا مخذولا للغاية ..

 انتابني احساس غريب في تلك اللحظة ..

 احساس يتراوح بين الشفقة والغضب ..

انا ايضا كنت منذهلة ..

 لقد حدث كل شيء بسرعة..

هاهو قد غادر البيت ..

 لاول مرة يغادر البيت ..

 لم اعرف الى اين ذهب ..

 حين اغلق الباب خلفه لم يكلم احدا ولم ينظر لاحد..

 بعد دقيقة من مغادرته احسست انني فرحانة ونادمة في آن معا ..

لم انم في تلك الليلة ..

 لقد عاد بي الزمن الى الوراء عشر سنوات ..

اول شيء تذكرته كان يوم زفافي ..

(تعود الى المرآة تضع قليلا من احمر الشفاه)

لقد كان اول ايام العيد ايضا ..

 كنت ارتدي بدلة عرس بيضاء خطتها بنفسي ..

 وكان هو يرتدي بدلة زرقاء وقميصا فاتح اللون ..

 في الفندق لم يلمسني اولا ..

 كان يعرف انني خائفة ..

 ظل يتكلم في امور كثيرة

 وحين احس انني اصبحت هادئة تماما بدأ يغازلني ..

ثم بدأ يقبلني في كل مكان ...

كم كان لطيفا وممتعا في تلك الليلة .(صمت .تعود الى الصورة) .

 ذات يوم لم يعد الى البيت ..

ظللت انتظره حتى الخامسة صباحا ولكنه لم يعد ..

 شلني القلق ..لااعرف اين ابحث عنه..

 لااعرف اين يمكن ان يكون ..

كنت اخشى ان يكون قد تعرض الى حادث في الطريق ..

خصوصا وانه يشرب كثيرا ..

وفي اخر النهار جاء صديقه ليخبرني انه في السجن ..

 سجنوه لانه قال ان هذه الحرب غير عادلة ويمكن ان تحل بطرق سلمية ..

 اسبوع كامل وانا ابحث عنه من سجن الى سجن ..

 خرج بعد ثمانية عشر يوما اوسعوه فيها ضربا حتى فقد الوعي عدة مرات .

 كان يبكي كلما تذكر ذلك

وكان لايهدأ الاحين اضع رأسه في حجري واهدهده حتى ينام مثل اي طفل ..

(كمن يعتذر)

 انا لم اكن سيئة مثلما انا الان ..

 لااعرف ماالذي حدث لي ..

الخيارات والمجتمع المفتوح .. تلك الخيارات اللعينة ..

وذلك الحرمان ..اوهام الحرية والثراء ..

لقد اختلطت الامور في ذهني حتى انني لم اعد اعرف ماذا اريد..

اشعر انني لاانتمي الى اي مكان  ..

كانت تنتابني رغبات عارمة من الحنين اليك والى بلدي ..

ولكنها ماتت الان ..

كان هو الوحيد الذي يجعلني اطمئن واهدأ ..

كان يقول لي انك امرأة صبورة ..اصبري ..

 لقد تحملت الكثير من الاعباء ..

 وكنت اطمئن وارتاح ..

 لم يعد احد يقول لي ذلك ..

كان يقول لي ..

 انني احبك لانك طيبة ..

 ولكنني لم اكن طيبة معه على الاطلاق ..

 نعم كنت طيبة

 ولكنه صفعني بقسوة على وجهي ..

 انتابتني ذات يوم نوبة هستيرية فصفعني على وجهي ..

قال انه اراد ان يعيد لي صوابي ولكن النتيجة جاءت معكوسة ..

لقد شعرت بالالم والاهانة ..منذ تلك اللحظة وانا فاقدة لصوابي ..

 اتصلت بالشرطة وقلت لهم ان زوجي يريد ان يقتلني

 فأضطروه الى ترك المنزل ..

لقد حاول عدة مرات ان يشرح لي الامر ولكنني رفضت كل تبريراته ..

لقد وجدتها حجة مناسبة ومشروعة للبدء بحياة جديدة مع خيارات كثيرة ..

خيارات لعينة ..

اوهام كثيرة ..

حرية زائفة ..

لقد اجبرته على ترك المنزل ..

خرج دون ان يقول اية كلمة ..

دون ان ينظر الي ..

لقد سببت له الما لايطاق ..

لقد تعاملت معه بمنتهى القسوة ..

طعنته في كرامته ..

اريده ان يصفعني كي يعيد لي صوابي.