طالع اكثر من 1500 نص مسرحي

 

عندما يرتقي الهابطون

محاولة قرائية لمسرحية ( دعني أرتقي )

د.علي محمد هادي الربيعي

كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل

 

شغل المدونة النصية :

تتأسس المدونة النصية ( مسرحية دعني أرتقي ) على ثيمات منفلقة يجمعها سمت دلالي مركزي مهيمن أراد مبتدعِها ( المؤلف بشار عليوي ) أن يسوّقها إلى المتلقين كجزء من محاولاته لابتداع مشروع مدونة مسرحية تتعطل فيها اللغة الملفوظة ويستعيض عنها بلغة أشارية ( بانتوميم ) يعتقد أنها الأصلح في التعبير عن مدخراته التي يريد البوح بها . وممولات المدونة هذه استلفها المبتدع بشار من مراكز تمويل عديدة مولته بزاد تقوّتَ عليها في رحلته التي شيّد فيها مدونته النصية ، ويمكن حصر مراكز التمويل في الآتي : قراءات ، مرئيات ، مسموعات ، تجارب ذاتية ، بوح الآخر ، تخيلات .

يقوم مشروع بشار على ثيمة مركزية رئيسة يعرض فيها مواقفاً إنسانية  ( استلاب ، اغتراب ، استغلال ، جور ، حيف ، ظلم ... ) يختزلها في شخصية واحدة تقف في قفص اللعبة الذي يصنعه الآخر ( الامبريالية ، المستغِل ، القوي ، الشركات ... ) . وهذه الشخصية الباحثة عن ذاتها السليبة تلهث وراء الحلم المنشود الذي أقرته الديانات السماوية والوضعية لها بوصفها ( أحسن تقويم ) غير أن لهاثها هذا يصطدم بمعرقلات توضع أمامها حتى لا تحقق ما تصبو إليه .

فثمة شخصية تبحث عن المدينة الفاضلة حيث العيش الرغيد وتحقق الحلم المبتغى ( إنسانيتها ) ، وتحاول أن تغادر منزلها صوب الأمل المنشود ، غير أن جواز المرور إلى عالم الارتقاء ( المنزل المنشود ) هذا كلفها النزول من عالم إلى آخر أكثر سحقاً ، وتستقبل هذه الشخصية في العالم الجديد بكرنفالات من العذابات المستحدثة التي لم تكن تتصور أن تجدها إلا في مخيلاتها . فالشخصية أمام قوى  ( مسميات ) تبدو جميلة الشكل ( امرأة = الامبريالية ، العولمة ، الحداثة         التقنية ... ) غير أنها ملغومة بشحنات إذا ما انفلقت ربما لا تلحق الأذى بالشخصية وحدها بل تصيب الإنسانية بأبجمعها .

وفي المقابل هناك قوة الآخر بمسمياتها التي لا تجيز الانتماء إلى عصبتها إلا من كان من فئتها ( قوتها ) والتي تريد الاستحواذ على المنازل بمدخراتها ولا تبيح الدخول لأحد إلا بعد تقديم فروض الطاعة والإتاوة .

هذان القطبان ( القوتان المتصارعتان ) رمى بهما بشار في لجة الصراع    ( اللعبة المسرحية ) ، هذا الصراع الذي تأجج نتيجة تجاوز الشخصية حدود إقامتها الطبيعية ، انه صراع الأضداد ، صراع الخير بتشجيراته ضد الشر بتشظياته .

شغل العرض :

            ترجم بشار المدونة النصية إلى فعل حركي ، حيث غامر في اجتراح فضاء مسرحي يبتعد عن فضاء العلبة المتعارف عليه ، ولعله قضى ردحاً زمانياً يفكر في هذا الفضاء الذي قضى في رحابه أربع سنوات حيث كان طالباً . فقد عول على جغرافية المكان ( الساحة الداخلية لكلية الفنون الجميلة – بابل ) بوصفه مكاناً يمارس فيه لعبته المسرحية ، وأحسب أن الاختيار هذا يعد بداية نجاح اللعبة . فالفضاء المفتوح أتاح لبشار متنفساً في حراك شخوص اللعبة على وفق تخيلاته التي حلمّ بها ، ولم يكتف بشار بالساحة وإنشاءاتها ( الأشجار ، السلم        الحلزوني ، تمثال كلكامش ) بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما ضمّ إلى الساحة البناء الشاهق الذي يحتضنها .

            والحال أن طبيعة الفضاء الذي مارس الممثلون لعبتهم في داخله منح اللعبة دفقاً إلى الأمام بفضل مرونة حراك الممثلين ، وعلى وفق رؤية المخرج العالمي بيتر بروك فان الفضاء المفتوح يديم اللعبة المسرحية وينشطها ، ولذلك مارس المبتدع بشار حريته في تحريك الممثلين بموجب مقررات الفضاء ، الذي شكله بنائياً على هيأة سفينة كبيرة تمخر البحار .

            تبدأ اللعبة المسرحية عندما تحط السفينة في ميناء غير محدد ( يفترضه بشار القوى الكبرى ) ومن ثم يُنزل البحارة المرساة ليبدأ فعل الممارسة المسرحية . ثم يعقب ذلك ظهور الشخصية الرئيسة ( عبد السلام فيصل ) وهو في أعلى السفينة محاولاً يهبط من الأعلى إلى الأسفل ( العالم المنشود ) في وقت يقوم ( الآخر الأقوى ) الذي يؤدي دوره ( محمد هاشم ) في برمجة هبوط الشخصية الرئيسة بواسطة جهاز الحاسوب الذي يتحكم فيه عن بعد ، وكأن المبتدع بشار أراد أن يقول بأن الإنسان المغلوب على أمره في هذا العالم يسير في سفينة لا يعرف قرارها وإنما الذي يحدد سلوكه القوى الكبرى .

            لقد مارس بشار في لعبته هذه سطوة الإطاحة بكل موروثات المسرح التقليدي بدءاً من أسلبة المكان إلى كسر نمطية الشخصية مروراً بإشراك المتلقين باللعبة المسرحية . فقد عوّل على جغرافية المكان الذي فرض على شخصيات اللعبة سلوكاً حركياً معيناً ، فالشخصية الرئيسة تهبط من الطابق الثاني لبناية قسم المسرح ( السفينة المفترضة ) إلى الساحة الوسطى الداخلية بأداء تمثيلي يقترب من أداء لعبة مبرمجة بـ ( ريموت كونترول ) ، فالشخصية الرئيسة أسيرة لبرمجة القوة المقابلة الأخرى ( الرجل الجالس أمام الكومبيوتر ) التي فرضت عليها سلوكاً تجترحه لها يتساير مع طموحاتها . وحين تهبط الشخصية إلى الأسفل تتلقفها الشخصية المسلوبة الأخرى ( تؤدي دورها الطالبة وجدان ) ليكافح الاثنان في سبيل الخلاص من  الأقوى . غير أن السعي وراء الأمل المنشود يكون نتيجته فقدان المزيد من المدخرات الذاتية ، وتظل الشخصيتان تراوحان في مكان يمتلكه الآخر ، ويوجهم على وفق ما يريد أو يحب بمقتضى توجهاته .

            اللعبة هذه كلها جرت تحت أنظار ومراقبة أتباع القوى الكبرى ( مجموعة من الأشخاص ) الذين وزعهم بشار على سطح البناية ( في الطابق الثالث ) الذين أثار وجودهم بالهيئة هذه حفيظة المتلقين وظلوا حبيسين لهم كلما رفعوا رؤوسهم إلى الأعلى .

            لقد هيمن على حركة الفعل المسرحي الاتجاه الشعاعي الهابط ، بمعنى أن رسم الحركة المسرحية جاء باتجاه من الأعلى إلى الأسفل ، أي أن بشار جعل الفعل المسرحي يسير من الأعلى إلى الأسفل اتساقا مع طبيعة الصورة الكلية التي توحي بان المشهد الدرامي عبارة عن سفينة .

            دشن المبتدع بشار في هذه المسرحية زياً مسرحياً ربما دشنه الآخرون ، غير أنه حرص على أن يكون أول من يدشنه داخل رحاب كلية الفنون الجميلة ، فقد البس الممثل الرئيس زياً خشناً ( كيس من الجنفاص = كونية ) ، ولعل بشار أراد بهذا الزي أن يشير إلى طبيعة القوى المسلوبة التي تنعم بالفقر في وقت يتوشح فيه الأقوياء بالحرير والديباج . علاوة على ذلك جاء المنظر المسرحي متقشفاً ، فعلى الرغم من سعة الفضاء المسرحي ( يقرب من 400 متر مربع ) إلا أن بشار سيطر على هذه المساحة واستغل موجوداتها الثابتة والمتحركة وجيرها لصالح اللعبة المسرحية . فبناية المسرح تحولت إلى سفينة كبيرة ، وممرات الطابق الثاني تحولت إلى ما يشبه مراصد يقف عليها حاشية القوى الكبرى ، والسلم الوسطي الكبير تحول إلى سلم للباخرة ، والحديقة الوسطى تحولت إلى مكان لممارسة اللعبة .

            والحق فقد أجاد بشار في لعبته المسرحية هذه ، كما أجاد اللاعبون ( الممثلون ) اللعب داخل الساحة ، وقدموا لعبة تبقى صورتها مخزونة في ذاكرة من شاهدها . فالصورة المسرحية مدشنة غير مطروقة على الأقل في هذا المكان من حيز الكلية وبهذه الهيأة في كلية الفنون الجميلة ، وأداء تمثيلي فعّال ساير في طبيعته التدشين الجديد .  

www.kasimmatrood.com
   

تصميم أنمار قاسم

 

جميع الحقوق محفوظة مسرحيون 2004 ©

للاتصال :

masraheon@gmail.com

kasimalgaboury@hotmail.com 

 
 

أبحث في مسرحيون

 
 
 

د.علي محمد هادي الربيعي