|
الرائد المسرحي جاسم
العبودي
قابلية على الإبداع
المتجدد
سعد السعدون
ونحن
نقلب صفحات من تاريخ
مسرحنا العراقي الحافل
بالعديد من الأسماء التي
عبدت الطريق للأجيال
المتواترة التي إشتغلت
بفضاء الفن المسرحي الرحب
لابد لنا وأن نقف عند
تجربة أحد رواد الفن
المسرحي في العراق ألا
وهو الفنان والأكاديمي
المسرحي المرحوم جاسم
العبودي الذي إكتسب موقعا
ً مهما ً في خريطة المسرح
العراقي وذلك بسبب عشقه
وإهتمامه فضلا ً عن
دراسته للمسرح حيث تلقى
علومه في مجال المسرح في
الولايات المتحدة
الأمريكية التي عاد إليها
فيما بعد لتلقي العلاج
بعدما تدهور وضعه الصحي
في العراق وقد وافته
المنية هنا في أمريكا
ليلحق بركب العديد من
المبدعين العراقيين الذين
دفنوا في المنفى ، مما
لاشك فيه أن فناننا
العبودي إزداد علما
ومعرفة أكاديمية بفنون
المسرح بعد أن إطلع على
التجارب المسرحية والورش
والمختبرات إبان فترة
دراسته في أمريكا ،
وحينما عاد إلى العراق
حاول أن يترجم الكثير مما
شاهده من ملامح حداثوية
فيما يتعلق بعمل الممثل
وأدوات تجسيد الرؤية
الفنية الإخراجية ، وقد
كان الفنان المرحوم
العبودي من العناصر
الرائدة التي إنضمت لفرقة
المسرح الفني الحديث إلى
جانب الكثير من رواد هذا
الفن في العراق منهم
زميله المرحوم إبراهيم
جلال ، ويوسف العاني ،
وخليل شوقي وآخرين ، وقد
لمس مجايلوه من الفنانين
القيمة الفنية التي حملها
العبودي من حيث أنه جاءهم
بفحوى النظرية الفنية
فضلا ً عن أسس
تطبيقها ، بمعنى
أنه إمتلك ناصية العلم
الذي بإمكانه تشذيب
وتهذيب وإسباغ العناصر
المنطقية على جوهر
التجربة الفنية وبهذا
يكون قد إمسك بعصا العلم
والفن معا ً ، في إيجاد
إنتاج فني يساهم في إرساء
تقاليد مسرح تجريبي خاضع
لشروط فنية ومهنية وفكرية
، وضمن سياق معرفي بعيدا
ً عن النمط السائد الذي
يرتكز على عنصر الهواية
والمحاكاة السائد آنذاك ،
ولم يقتصر دور العبودي
على مسار عمل الفرقة
المسرحية المذكورة بل أن
دوره تعدى ذلك من حيث
كونه أستاذا ً متمكنا ً
في قسم الفنون المسرحية
بمعهد الفنون الجميلة
إستطاع بخبرته العملية
وثقافته العالية أن يرسخ
تقاليد البحث والتجريب ،
ومن خلال حركته الدائبة
بين المعهد والفرقة تمكن
من تقديم بعض الأعمال
المسرحية التي تمظهرت
خلالها أولى بوادر
التعامل الحديث مع النص
كما أنها عكست نوعا ً من
التعاون الفني بينه وبين
زملائه في الفرقة ، فقد
قدم عمله الأول الذي
العنوان { تؤمر بيك } من
تأليف الفنان القدير يوسف
العاني الذي إشترك مع
الفنان شهاب القصاب في
تأليف النص المسرحي
الثاني الذي قدمه الفنان
المرحوم العبودي وكان
بعنوان { ماكو شغل } وقد
أحدثت هذه العروض حينذاك
نقلة نوعية على صعيد
التمثيل والإخراج والنص
الذي لامس شيئا ً مما كان
يسود الواقع المعاش في
العراق ، وقد كشفت هذه
الأعمال النقاب عن القدرة
الإخراجية لفناننا
العبودي الذي أثبت أن
لديه القابلية على على
الإبداع المتجدد والمتمثل
في كم الطروحات والأشكال
المقترحة للتعبير عن حالة
معينة ، وبعد أن تبلورت
لديه التجربة المسرحية في
بواكير مسيرته الفنية
تحرك بإتجاه تأسيس فرقة
مسرحية دعا إليها بعض
عناصر فرقة المسرح الفني
الحديث ، فجاءت فرقته{
بإسم فرقة المسرح الحر }
ومع ولادة هذا الرديف
الفني بدأت مرحلة فنية
جديدة تعاطى من خلالها مع
مختلف النصوص وأبدى
إهتماما ً في عناصر العرض
المختلفة ولاسيما { النص
} الذي كان يوليه أهمية
قصوى وقداسة معينة فحاول
من خلال أسلوبه الإخراجي
أن يكون مفسرا ً لمفردات
النص أكثر من كونه يجترح
نصا ً جديدا ً للعرض
وربما يكون ذلك مرتبطا ً
بظروف موضوعية معينة كان
يراها هو كمخرج دون غيره
، كما أنه ينتمي إلى
مدرسة { ستانسلافسكي }
للتمثيل المعروفة بولائها
للواقعية التي تعتمد على
دراسة النص وتحليله
وإبراز وجهة النظر
الواقعية في التجسيد وعلى
الرغم من تقديمه العديد
من الأعمال الواقعية إلا
أنه لم يقدمها بطريقة
تقليدية خالية من آليات
التجريب الذي كان يتمظهر
في طريقة بناء مكونات
العرض وتصوراته الفنية
التي تعد من العناصر التي
يعمل من خلالها على تعميق
القيم الجمالية للعرض ،
ويعد فناننا العبودي إلى
جانب الفنان المرحوم
إبراهيم جلال من أوائل
المخرجين الذين حاولوا
إيقاظ المعاني المستترة
ضمن متون العديد من
النصوص العالمية المهمة
وقد إعتنى كلاهما بعمل
الممثل من حيث دوره في
تفعيل الخطاب المسرحي ،
وقد كان للعبودي أثر في
تطوير وتحديث وتصحيح مسار
عمل الممثل وإخراجه من
صورته النمطية ليطلق
العنان له في عملية
التحليق نحو عوالم جديدة
في التعبير ، كما أنه
حاول إيجاد آليات إشتغال
جديدة لعناصر العرض
الأخرى كالإضاءة الديكور
والإكسسوار وغيره من
مكونات العرض الأخرى ،
لقد ظل فناننا جاسم
العبودي مخلصا ً للمسرح
حتى إصابته بالمرض الذي
أبعده عن خشبات المسارح
العراقية وعلى الرغم من
إبتعاده عن وسطه المسرحي
العراقي بدافع العلاج
الذي تلقاه في مستشفيات
أمريكا إلا أن رفاق دربه
من المسرحيين العرقيين
ظلوا في تلازم روحي وفني
معه حتى وافاه الأجل
واليوم بعد هذه السنوات
على وفاته ينبغي على أي
من المهتمين والدارسين
والمعنيين بشؤون الفن
المسرحي عدم الإغفال عن
دور الفنان الرائد جاسم
العبودي في مسيرة المسرح
العراقي بوصفه أحد أولئك
الكبار الذين وضعوا أحدى
لبنات هذا المسرح العريق
والراقي بتجاربه الرائدة
وخطابه الكوني
سعد السعدون -
ديترويت
saadalsaadoon@yahoo.com |