طالع اكثر من 1500 نص مسرحي

 

المسارح والأعمار

ياسر عبد الصاحب البرّاك

 

بالرغم من الإطروحات الحديثة في ميدان المسرح التي تدعو إلى مغادرة قاعات المسرح التقليدية والخلاص منها عبر البحث عن فضاءات عرض جديدة للمسرحيات التي يتم إنتاجها حديثاً سعياً إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من الاتصال مع الجمهور المسرحي ، إلا أنه مازال سحر الصالة المسرحية حاضراً خاصة في تلك البلدان التي مازالت فيها حرية التعبير مقيدة بضوابط اجتماعية ودينية وسياسية وأخلاقية متعددة ( بلدان العالم الثالث على سبيل المثال ) ، ومع أن المسارح كمعمار تتفاوت أهميتها من بلد إلى آخر إلا أن أغلب البلدان العربية قامت بإنشاء صالات مسرحية حديثة معتمدة في إنشاءها على الخبرات الغربية المتقدمة في هذا المجال كما هو الحال مع العراق الذي اعتمد على الخبرات المعمارية الـغربية في بناء أهم مسرحين وهما ( مسرح الرشيد ) و ( المسرح الوطني ) وبغض النظر عن غايات النظام السابق الحقيقية من بناء هذه المسارح إلا أنها وفرت للمسرحيين العراقيين فرصة تقديم تجارب مسرحية مهمة رسمت مسيرة المسرح العراقي المتوهجة بالإبداع مستفيدين في ذلك من التقنيات المختلفة التي وفرتها تلك المسارح على صعيد الإضاءة والصوت وميكانيكية خشبة المسرح ، ومع وجود مسارح أخرى في بغداد وبقية المحافظات إلا أنها لا ترتقي من حيث المعمار وجماليته وقدراته التقنية إلى هذين المسرحين وما يوفرانهما من تسهيل لمتطلبات الحاجة العملية في الاستخدام ، وقد تعرضت جميع المسارح في العراق إلى النهب والسلب والحرق بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ، وإذا كان شعار ( إعمار العراق ) الذي رفعه المحتل بعد انتهاء العمليات العسكرية وسقوط النظام الدكتاتوري قد تمخض عن ( مشاريع ترقيعية ) ساهمت بصورة نسبية بإعادة الحياة إلى المرافق الخدمية المهمة كالماء والكهرباء والصرف الصحي مع سوء الأداء من قبل اغلب الإدارات القائمة على هذه المشاريع ، فانه على صعيد إعمار المؤسسات الثقافية والفنية ظل الأداء بطيئاً ومتذبذباً بدليل بقاء مسرح الرشيد إلى الآن بدون أعمار ، وهذه الصورة نفسها تنسحب على جميع المحافظات ومنها مدينة الناصرية ، ولسنا هنا نريد أن نناقش أسباب عدم إعمار هذه المؤسسات إلى الآن وبضمنها المسارح باعتبارها مرافق خدمية مهمة تلبي متطلبات البناء الفكري والنفسي والتربوي للمواطن العراقي الذي خرج من الحروب العبثية السابقة بنسيج إجتماعي ممزق وبنفوس متعبة ومريضة يعشعش بداخلها الخراب ، بل نود أن نناقش طريقة إعمار المسارح التي تم إعمارها وإن كانت بأعداد قليلة ، ولعل في  بناء    ( مسرح المركز الثقافي ) في الناصرية وإعمار ( مسرح بهو البلدية ) في المحافظة نفسها ، خير دليل على ذلك لقرب كاتب هذه السطور جغرافيا من هذين المثالين ، فالأول جاء بمبادرة من ثلاثة أدباء وفنانين أقنعوا قيادة القوات الإيطالية العاملة ضمن القوات متعددة الجنسيات في المحافظة بحاجة المدينة إلى مركز ثقافي ، حيث كان من ضمن برنامج عمل تلك القوات تقديم الدعم المالي لبعض المشاريع الخدمية والثقافية للنهوض بواقع المدينة البائس ، وبعد تخصيص المبالغ اللازمة للمشروع ، جاء دور الجانب العراقي للحصول على الأرض التي يتم تنفيذ المشروع عليها ، وبعد مماطلات طويلة إستمرت حوالي سنة وبجهود نائب محافظ ذي قار الكبيرة تم تخصيص الأرض التي أقيم عليها المشروع فيما بعد وبغض النظر عن التغيرات التي طرأت على المشروع بفعل إسناده لشركة عراقية ، أو طبيعة الاتفاقات التي جرت بين الجانب الإيطالي والعراقي ، إلا أن ما يهمنا هنا هو إنشاء قاعة المسرح التي تقلص عدد مقاعدها من 240 مقعداً إلى حوالي 140 مقعداً ، وتحوّل سقفها الكونكريت إلى سقف من مادة ( الجينكو) ، وتغير شكل مقاعد الجمهور من المقاعد الميكانيكية التي من الممكن طويها إلى مقاعد عادية جرى تثبيتها ببعضها بواسطة اللحام ، والأسوء من ذلك هو حجم خشبة المسرح الذي لا يتجاوز مساحة منصة الاجتماعات العادية ، ناهيك عن عدم تزويد المسرح مستلزماته الأساسية مثل أجهزة الصوت والإضاءة والستائر المناسبة ، ولولا مناشداتنا الكثيرة – كمسرحيين في   المدينة – بتصحيح بعض الأخطاء القاتلة في التنفيذ لما تحقق الذي تحقق رغم بؤسه وعدم ملائمته للحاجة العملية في الاستخدام المسرحي ، لكننا استطعنا – على الأقل – إنقاذ ما يمكن إنقاذه مع أننا لا نمتلك صفة رسمية في المشروع سوى حرصنا على أن يكون ملبياً لحاجة المدينة الفعلية لمسرح تقيم عليه أنشطتها ، وهذا الأمر تكرر أيضاً في إعمار ( بهو البلدية ) الذي تضرر في الحرب الأخيرة وهو من المعالم المهمة في المدينة وسبق له وان احتضن اغلب النشاطات المسرحية منذ الستينيات ، فمن يطلع على قاعة المسرح سيجد أن القائمين على إعماره حتى لم يحرصوا على إعادة مسرحه السابق فقد اجروا فيه تغييرات لا تتناسب ومتطلبات الحاجة العملية لاستخدامه ، وفي الحالتين كان السبب الرئيسي هو عدم إشراك المسرحيين في عملية الإنشاء أو الإعمار بصورة رسمية  بل ترك الأمر للمبادرة الشخصية والهم الوطني ، إضافة إلى جهل المنفذين في المشروعين بمستلزمات المسرح المعمارية ، إذ يبدو من التنفيذ أنهم لم يطلعوا على نظام الصالات المسرحية من ناحية ارتفاع الخشبة وطريقة وضع مقاعد الجمهور وتفاصيل الخشبة الأخرى من كواليس وجسور إضاءة وديكور ومستويات النظر بين ارتفاع المقاعد وارتفاع الخشبة وغيرها من الأمور الفنية التي كان ينبغي إشراك ذوي الاختصاص فيها ، لذا فان هذا السوء في التنفيذ سينعكس على طبيعة عمل المسرحيين في أعمالهم فبدلا من أن تكون هذه الصالات وسيلة لحل مشكلات إنتاج العروض المسرحية ستتحول إلى وسيلة لعرقلة تلك الأعمال ، إننا مطالبون – برغم الإعمار البطيء للمسارح – مراعاة الحاجات الفعلية والعملية لاستخدام هذه المسارح من قبل المسرحيين بعيداً عن نظرية ( يضيع باللّبخ ) الشهيرة في العراق .         

 

www.kasimmatrood.com
   

تصميم أنمار قاسم

 

جميع الحقوق محفوظة مسرحيون 2004 ©

للاتصال :

masraheon@gmail.com

kasimalgaboury@hotmail.com 

 
 

أبحث في مسرحيون

 
 

ياسر عبد الصاحب البرّاك