|
رحلة
الغربة ... لمسرحي في
الغربة
(1)
أياد
البلـداوي
الغربة ، غربة الروح..
النفس..الأنسان داخل
أسرته وخارجها ، خارج
الوطن وداخله وما أصعب
الأخيرة حين يشعر الانسان
بالغربة في وطنه وبخاصة
حين يفتقد حريته في
التعبير عن رأيه ومبادئه
التي يؤمن بها ، وحريته
في اختيار السكن ،
فالأنسان عندما يفقد
حقوقه الانسانية كاملة في
بلد صادق على جميع مبادئ
حقوق الإنسان التي أقرتها
الامم المتحدة وفي الوقت
ذاته لم يلتزم بتطبيق
ابسط قواعدها الا وهي
حرية السكن ، اما حقوقه
الاخرى السياسية
والاجتماعية والاخلاقية
فحدث ولا حرج في ظل انظمة
دكتاتورية متسلطة او
دينية تتمسك بأفكار دينية
عفنة متخذة اياها ستارًا
تمارس وراءه افكارا
سياسية ما انزل بها من
سلطان ، تحلل الحرام
وتحرم الحلال ، أفكاراً
تجاوزها الانسان المتحضر
منذ مئات السنين .
حين فكرت بكتابة
هذا الموضوع إثر تداعيات
كثيرة مررت بها منذ حقبة
الدكتاتور صدام حسين وحتى
فترة وجيزة من الزمن (
كما هو حال الكثير من
الفنانيين والمثقفين
العراقيين وملايين
العراقيين الآخرين ) حيث
الظروف الأمنية
والإقتصادية السيئة التي
يعيشها العراق ، قررت
استخدام الاسلوب العكسي
في كتابة هذا الموضوع
مبتدئاً بالمرحلة الحالية
ومنتهياً بمسبباتها –
ربما ينتقد البعض هذا
الاسلوب ويعتبره حالة
شخصية ، لابأس سأتقبل ذلك
، لكنها وكما ذكرت حالة
واحدة من الاف الحالات
التي نمر بها
.
قبل شهرين وانا في عمان
العاصمة الأردنية ، وبعد
استكمال اجراءات الهجرة
صرت أضرب الأخماس
بالأسداس ، كيف سأعيش في
هذا البلد الغريب في كل
شئ ، بلد لا أعرف عنه سوى
الهيمنة الدولية ،
والأستعمار ، والتحلل
الخلقي ، والاستهتار،
التدخل بشؤون الدول
والحكومات في العالم
وبخاصة دول العالم الثالث
، نعم إنها امريكا التي
لم نعلم عنها شيئا سوى ما
نقرأه ونسمعه من وسائل
الاعلام المختلفة ، دون
الولوج لمعرفة تفاصيل
مجتمعه التي تختلف من
ولاية الى أخرى ومن مدينة
الى ثانية ، وهذا ما
تريده أنظمتنا لئلا تتكشف
حقائق تلك الأنظمة ،
مستغفلة شعوبها المغلوبة
على أمرها .
من هنا تولد الخوف
والرهبة من هذا البلد ،
حاولت جاهدا التعرف على
بعض من تلك التفاصيل ،
سألت كل من له شيء من
المعرفة بهذا البلد ، كل
يجيب من وجهة نظره الخاصة
وهذا أمر طبيعي ، منهم
من عبّد الطريق أمامي
وكأنني سأصل الى جنة الله
الثانية واخر لم يبق شيئا
سيئاً في الدنيا لم يذكره
واصفاً به أمريكا ، فمن
ذا الذي تصدقه ومن تكذب
.... كل ذلك والطائرة
تحلق بي وعائلتي فوق
المحيط الاطلنطي في
طريقنا الى مدينة
شارلتسفيل بولاية فرجينيا
الامريكية وأنا افكر
بالمجهول الذي ينتظرنا ،
نعم فنان عانى من الغربة
في عمان 14 عاما غادرها
الى المجهول ، كيف سيعيش
في هذا البلد ، فكيف
سأتأقلم مع مجتمع جديد في
جميع تفاصيل حياته وبخاصة
أنا لا اعرف احدا فيه ،
ولا أين سأتجه ، وهل
حقيقة سأجد من ينتظرني
هناك ... تراءت حينها
امامي جميع الاحداث التي
رافقتني لحظة وصولي الى
عمان عام 994 حين غادرت
وطني هربا من بطش النظام
السابق بعد اعتقالي
وتعذيبي في معتقلاته ،
حينها لم اجد احدا ولا
ادري اين أذهب ، بقيت في
الساحة الهاشمية قرابة
الساعتين حتى جائني احد
سائقي التاكسي حيث عرض
خدماته مشكوراً ، أقلني
الى مدينة الزرقاء ليذهب
بي الى احد فنادق الدرجة
الثالثة على انها من
الدرجة الثانية حتى تمكنت
من الانتقال الى مكان اخر
بعدما تعرفت على الكثير
من تفاصيل مدينة عمان ،
ما بالك بمدينة لم أتقن
لغتها وأجهل تفاصيلها ...
احداث اخرى كثيرة مرت
امامي كفيلم تسجيلي مما
ارهقت تفكري .. لم أكن
خائفا على نفسي بل على
تلك الطفلة التي لم
تتجاوز الحادية عشرة من
العمر ووالدتها .. وماذا
وماذا ..
هبطت الطائرة على مدرج
المطار الصغير .. دخلنا
صالته واذا بفراشة جميلة
.. رشيقة القوام تقف
امامي مبتسمة لتقول
-: البلداوي ؟
بهت حينها .. اجبت دون
توقف
-: نعم.
فأنا لا أجيد الحديث
بالانكليزية لكن زوجتي
انقذتني لحظتها ، الغريب
انها تعرفت علينا لحظة
وصولنا بين عدد كبير من
المسافرين الذين يشبهوننا
بالشكل ، عرفتنا بنفسها(بربارا)
هذا هو اسمها ، إنها من
منظمة الانقاذ الدولية .
I R C
أنا لا أمتلك معلومات
كثيرة عن هذه المنظمة من
قبل ، رغم كوني كنت رئيسا
لفرع الاردن لهيئة حقوق
الانسان والمجتمع المدني
العراقية وعملت في مجال
حقوق الانسان فترة طويلة
. حين وصفت تلك الفتاة
بالفراشة وصفتها طفلتي من
قبل ب( باربي ) اللعبة
الجميلة التي عرفها جميع
الاطفال ... لحظتها شعرت
وعائلتي بالاطمئنان ، لم
تمض دقائق قليلة حتى كنا
نجلس الى جانبها في
سيارتها الصغيرة حيث
انطلقت بنا في شوارع تلك
المدينة الجميلة التي
ابهرتنا برونق شوارعها
وجمال اشجارها المنتشرة
على جوانب الطريق اوراقها
الجميله والمختلفة
الألوان والأشكال مع أننا
في فصل الخريف حيث تتساقط
أوراق الأشجار .... وبعد
دقائق لم نشعر بها ونحن
نتمتع بتلك المناظر
الخلابة حتى توقفت
السيارة لتغادرها تلك
الفراشة مسرعة ، ثم فتحت
باب احد البيوت وراحت
تعرفنا على ارجائه وما تم
تجهيزه من أثاث بسيط لا
يتجاوز عدد افراد
العائلة ومواد تموينية
تكفي لأيام محدودة ،كانت
تتحدث وكأنها تعزف
سمفونية عذبة اللحن
والابتسامة لن تفارق
شفتيها ، ما بين فرحنا
وقلقنا ، تعبنا وإرهاقنا
من تلك الرحلة الطويلة ،
وبينما نحن على تلك الحال
وصلت سيارة اخرى تنقل
حقائبنا التي كانت
بصحبتنا .
من هنا بدأت رحلة الغربة
الحقيقية ... رحلة الى
المجهول ... حيث اللغة
التي تختلف عن لغة بلدك
... كما العادات
والتقاليد ...كل شيء هنا
مختلف عما اعتدنا عليه
... غادرتنا تلك الفراشة
... ولا ندري ما الذي
تخبئه لنا الايام المقبلة
... هل ستعود تلك الفتاة
ثانية ؟ هل سنتعرف على
اخرين يقومون بمهام اخرى
؟ من هي تلك المنظمة وما
هي مهماتها اتجاهنا .. هل
تنتهي عند حدود معينه
لنعود بعدها الى نفس
الحيرة التي رافقتنا في
تلك الرحلة .... كل ذلك
سنتعرف عليه في الحلقات
القادمه من رحلة الغربة
... لفنان في بلد الغربة
.
|