ألفا ليلة وليلة بين التأصيل والتعريب

بقلم: عبدالإله عبدالقادر

هذه قراءة متعددة الزوايا والاطر، لعرض فرقة كركلا، الموسوم «ألفا ليلة وليلة» والذي عرض على مسرح مدينة الاعلام في دبي. في العشرين من مارس 2002.
 

لابد ان نعترف ونحن نحاول ان نقدم هذه القراءة، بجمالية العرض، من مسلمات عديدة يمكن ان يتلمسها كل مشاهد، ولعل من أهم هذه المسلمات التي تشكل في مجموعها انعكاسات الجانب الجمالي.
 

فخامة الديكور وجمالية ألوانه، وسهولة حركته على الرغم من ضخامته، مما يعني ان ميكانيكية التغيير خدمت العرض، دون ان تحدث خللاً، أو تشكل أزمة للممثلين والراقصين، بل ان المخرج وظف بعض أجزاء هذا الديكور بل ومعظمه، وقد أضفت هذه الألوان الحارة المستوحاة من لوحات المستشرقين جمالية على المشاهد، وجعل المسرح على شكل بانورامي يمتد من جناحي الخشبة مرتبطاً بالخشبة الأساسية، مما أوحى لاتساع الفضاء المسرحي الذي تعامل معه المخرج ومصمم السيناغرافيا ومصمم الديكور انه فضاء سحري يمتلك ناصية الشرق وحكاياته وأساطيره، ورومانسية حياته.
 

ان الديكور هنا يمثل ركنا أساسياً في استكمال المشهد رقصاً أو تمثيلاً، وهو جزء من اللوحة، بدونه تصبح اللوحة خالية من دلالاتها، وهذا يعني اننا هنا أمام فنانين يدركون أبعاد عملهم بما يتناسب ورؤى فنية في مستوى الحلم، وتحقيقاً له، في الاطار العام لمجمل العرض الذي شاهدناه.
 

وهنا لابد من الاشارة إلى توافق الملابس والاكسسوار مع طبيعة الديكور وألوانه وريازته، وبذلك نتلمس بوضوح هذا التكامل والتوافق على الرغم من ثقل بعض هذه الملابس، وكثرة الاكسسوارات، إلا ان خللاً لم يحدث، ولم نتلمس صعوبة عند المؤدي، بل على عكس ذلك، كانت هذه الملابس والاكسسوارات عوامل مساعدة على التشكيل الحركي للوحة الراقصة وجزءاً جمالياً وعملياً وشكلياً مع المنظر العام على الرغم من تغيير أشكاله، ووفقاً للمشاهد والحكايات التي وظفت في طريقة جميلة.
 

أما الموسيقى التي شارك في كتابتها أكثر من موسيقار فكانت أيضاً من المتممات لهذه المشاهد، وموظفة لصالح العرض وموزعة توزيعاً جميلاً لا يشكل للأذن البشرية ارباكاً، أو خروجاً، وهي موضوعة بانسيابية دون اقحام أو قسرية، وموظفة بما يخدم العرض رقصاً وأداءً.
 

 ومن المسلم به ان كل الأدوات المتاحة أمام المخرج لتشكيل عرضه هذا كانت توظف بمكانها أو هي اعدت مسبقاً لتؤدي ما عليها وهنا ننتقل إلى العامل البشري، الأساس في كل الحياة، والمسرح جزء في الحياة بكل ألقها وفعاليتها، وإذا ما سلمنا ان الممثلين كانوا من أعلام الفن التمثيلي في لبنان، وانهم أساساً مؤهلون لاداء أدوار مختلفة، فإن من دواعي الاعجاب تلك اللياقة العالية التي يتمتع بها الراقصون والمؤدون،
 

والذين عبروا بجسدهم بفصاحة وطلاقة واعجاز، وهنا نشير إلى حقيقة ملموسة هي قدرة المخرج في الاستغناء عن الحوار، وعن لغة الكلمات، والاستعاضة عنها بلغة الجسد وحوار الاصابع وأطراف الجسد بل وفي كل ما في الجسد من قدرة على النطق، وبما يتناسب مع طبيعة المشهد في اطار القيمة العامة للحكاية، ان الاعجاز هنا يكمن في الاستغناء عن أثر النطق إلى فعل الجسد،
 

انه البعد الأكثر صعوبة في التعبير على الخشبة، وهنا ندرك قدرة المؤدي على الفعل والتوصيل معاً، وقدرة المخرج في تحريك هذا العدد الكبير من المؤدين ليكتبوا العرض بأجسادهم، ويعزفوا أيضاً بأوتار الجسد، بعيداً عن الغريزة التي يمتاز بها الجسد، بل تأصيلاً لأداء سام عميق، في اطار توزيع هارموني متجانس بين الكتل البشرية والواحد من المؤدين، وبين كل ما في المسرح من أدوات فنية حركها المخرج لصالح العرض، بمعنى اننا هنا أمام عرض يصعب أولاً تصنيعه، فهو يجمع ما بين المسرح الغنائي ـ الراقص ـ الأدائي ـ التمثيلي، هذا التداخل في جنس العمل الفني يقودنا إلى تسمية مجازية،
 

باعتباره عرضاً مفتوحاً على كل ما يمكن ان يثريه من احتمالات، وفنون تصب جميعها لعرض متميز، ممتع، وباطار ابداعي يعتمد الدهشة وصولاً لتكسير حواجز التحديد، مستفيداً من تداخل هذه الفنون وفنون أخرى كالتشكيل الفني، وفن التشكيل والمعمار الاسلامي بشكل عام والريادة العربية بشكل خاص، والموسيقى بشرقيتها وعربيتها مع العنصر البشري المتمكن من الأداء جسداً وتمثيلاً، بالصوت والحركة والرقص والايماء، كل هذا التداخل السيمفوني مع الأدوات الأخرى التي لم نذكرها وظف بشكل جميل وممتع لصالح هذا العرض المفتوح كما سميته مجازاً.
 

ان استمرار قراءة العرض من هذه الزاوية سيجعلنا نتحدث عن المزيد من الرؤى التي تصب في الجانب الابداعي والتي أوجزناها وكثفنا حديثنا عن أهم نقاط التميز التي حملها العرض، ولعل الزاوية التالية تكشف لنا عن القيمة الأساسية للعرض، أو بمعنى آخر، ماذا يريد العرض ان يقول؟
 

على الرغم من ان حكايات ألف ليلة وليلة مألوفة، وقد اطلع عليها معظمنا، ووظفت باعمال فنية كثيرة وبأجناس مختلفة ومتعددة الاطر والطروحات، فإن هذا العرض يريد ان يقول ان شيئاً موازياً للطروحات التقليدية في اطار جديد دون تقاطعات أساسية في الثيمة العامة، خاصة وان حكايات ألف ليلة وليلة شملت مئات القصص والحكايات واخبار الملوك والوزراء والولاة، وأبناء الرعية مثلما شملت أخبار الجن والانس واللصوص والمحتالين، والقتلة، والتجار، والحكماء، والشيوخ، والعجائز، وقصص النساء وخياناتهن، واخلاصهن،
 

إلى جانب عالم الحيوان، هذه التشكيلة الغريبة جعلت من هذا الكتاب بأجزائه واحداً من أهم الكتب التي تركها لنا تاريخ البشرية الحضاري، والكتاب إلى جانب كل ذلك ثري، فيه الأثر الهندي والفارسي والعديد من الحكايات عن بغداد أو القاهرة، فهو خليط عجيب غريب، يسجل عوالم أكثر غرابة، وهو مرجع وملهم للكتاب والفنانين والأدباء من كل صوب وحدب، وهو وان اشتهرت به بغداد فهو أيضاً فيه حكايات كثيرة منسوبة إلى الهند، وأخرى إلى بلاد فارس، أو في قاهرة الفاطميين، ويغلب الظن كما يرى النقاد والباحثون ان الكتاب وضع في القرن الثالث عشر أو القرن الرابع عشر والله أعلم.
 

 هذه المحصلة أجدها ضرورية لأنها ستفيدنا في قراءاتنا للزاوية الثانية مثلما تكون مدخلاً للزاوية الثالثة.
 

ان من اعد هذا العرض حسم الأمر بالنسبة للقيمة الأساسية، فعلى الرغم من طرحه للقصة المعتادة في خيانة المرأة التي دفعت شهريار للانتقام من النساء، وذبحهن، كما نعرف من الحكايات، فإنه أيضاً ركز على عدالة الحاكم وقدرته على حسم الأمر.
 

ـ يا بني كن عادلاً في حكمك.. وحاسماً في أمرك.
 

وقد اعتبرت هذه القيمة هي الأساس لأنها هي التي قادت شهريار وأخيه لحسم موقفهما، ووجدا العدالة في قتل زوجتيهما غسلاً للعار، فيما اعتبرها الراوي هي أسس العلاقة التي ربطت الاخوين والمملكتين وكانت القاسم المشترك بينهما، وحكايات ألف ليلة وليلة من التعددية والغزارة ما يمكن للمبدع ان يتناول منها ما يشاء، ويوظفها لصالح عمله الفني كما يسقطها على الواقع المعاصر.
 

أما الزاوية الثالثة التي نقرأ من خلالها «ألفا ليلة وليلة» فهي زاوية الاختلاف في أصل هذه الحكايات، فمنهم من نسبها للهند، ومنهم من نسبها للفرس، ومنهم من اعطاها بعداً بغدادياً، وأمكنة وأزمنة عربية تمتد ما بين القاهرة وبغداد، هذا الأمر جعلنا أمام قضية انتماء لم تحسم، إلا ان الشرق برمته أصبح هو الانتماء لهذه الحكايات مثلما اختلفنا بكتابها ورواتها، وارتبطوا أيضاً بجنسية هذا الموروث، هذه القضية يبدو انها كانت نقطة انطلاق أمام فريق العمل المشكل من جنسيات مختلفة أيضاً، تعدت الشرق إلى أوروبا، وقد انعكست على العرض دون ان تقلل من تميزه أو تحجم من فنيته العالية.
 

أول هذه الانعكاسات نجدها في روحية الديكور، فقد تحدثنا في البداية عن شكلانية الديكور، إلا ان روحيته التي تتوزع على عدد من الحضارات الاسلامية وهي واضحة في خطوطها ورموزها وألوانها بما تركه لنا المستشرقون من رسومات عن الشرق، أو يوحي لي بأن المصمم استفاد منها في تصميماته أكثر من الأصل الشرقي، واقتصر اطلاعه وبحثه على رسومات المستشرقين.
 

وهذا الأمر انعكس أيضاً على تصميم الملابس والاكسسوارات والمنمنمات المتممة لهذه الملابس، مما جاءت عامة شاملة فيها ابعاد هندية وفارسية وعربية ظهرت في مجمل هذه الملابس والعمائم والتيجان والسيوف والرماح وما إلى ذلك من تفاصيل دقيقة عامة، وانسحب هذا الأمر أيضاً على الموسيقى التي كانت مزيجاً من التأثر بوضوح فهي فارسية حيناً وعربية أحيانا أخرى، وهندية في مشهد آخر، مستفيداً من الايقاعات الفنية المختلفة، والمقامات الموسيقية الثرية للشرق في خلطه ومزيج جميل أعطانا سحر الشرق وروحه، وهزت فينا أوتاراً كانت قد سكتت. وارتبطت بمجمل الحركات الايقاعية التي حكمت الراقصين فجاءت خلطة شرقية من الايقاعات والمقامات، والانغام والحركات فمنحت العرض بعداً أبعد من اقليمية الانتماء.
 

 في الزاوية الرابعة.. نتلمس التأثير الأوروبي في الشكل والحركات، فإلى جانب الأساس العربي في الرقص عموماً، إلا ان تأثير الباليه الغربي واضحاً في العديد من تفاصيل الرقص، بما يتعلق بحركة الجسد وتوظيف فن الباليه في اطار الفن الشرقي، حتى لسألت نفسي ترى هل نحن أمام باليه عربي؟ إن الأمر في غاية الطبيعية بل والأهمية حينما ننجح في توظيف فن راق لصالح فنوننا الشعبية، ونحاول ان نحقق نقلة نوعية في الأداء الحركي بعيداً عن شهوات الجسد التي غالباً ما تطغى على بعض أنواع الرقص الشرقي بما في ذلك بعض الشعبي منه.
 

وقد تلمسنا هذا التأثير الأوروبي في الموسيقى، إلا انني أجد بعض التناقض في توظيف بعض الكورال الغربي، والآلات الموسيقية الغربية في حين ان المشهد كان يعتمد على آلة العود شكلاً، فالجارية تعزف العود والآلات التي نسمعها غريبة مع كورال غربي صوتاً وأداءً، وكان يمكن تلافي هذه الاشكالية بايجاد حل ما، لا ان يتناقض المشهد بين ما نراه وما نسمعه في آن واحد، في حين وجدنا أحياناً غلبة الطابع الأوروبي مما جعلني أحياناً أشعر بأنني أمام عرض مستعرب، وسرعان ما تعيد هدى حداد إلى عالمنا العربي، فتعيد انسجامنا مع العرض، وهي التي سمعناها عبر عشرات الأغاني والأعمال المسرحية، هدى ليست مطربة مبدعة فحسب، بل هي من المؤدين الذين عبروا بصدق وابداع وتجلي بل كانت في مقدمتهم.
 

همسة أخيرة لابد ان أهمسها على الرغم من اعجابي الشديد بالعرض، وبجماليات طرحناها، تلك الجزئية التي و جدتها تتكرر في مشاهد عدة تتحدد بطول بعض اللوحات أو المشاهد، موزعة بين المشاهد الراقصة أو المشاهد التمثيلية، وأجد ان تكثيف بعض هذه المشاهد أو اللوحات الراقصة يجعل من العرض أكثر ترابطاً ويبعده عن بعض الملل الذي تسرب إلى المتلقي من خلال هذه الاطالة التي لم تقع في اشكالية الترهل.
 

بقي ان أقول ان جمالية العرض نقلتنا إلى عوالم ألف ليلة وليلة الساحرة، واعادتنا إلى أجواء الرومانسية العذبة، التي افتقدناها وسط ضجيج الموسيقى المعاصرة وسيادة «الكي بورد».
 

الفا ليلة وليلة .. بكل ما فيها من ابداع.. تجعلنا نراجع أنفسنا لنعيد الثقة بالفن العربي، وتؤكد ان الفن الراقي موجود، وان المبدع العربي ما زال قادراً على العطاء بلا حدود، خاصة حينما يكون عملاً لفريق يتحرك عبر سيمفونية ابداع جمالية، كل يعزف من خلال موقعه وأدواته وقدرته على العطاء ليحقق لنا عرضاً لا يختلف أحد على ابداعه واجادته وتميزه