الفنانة المغربية ثريا جبرانمسرح اليوم".. ذهبنا به الى الأسواق والمدارس والجامعات

فوزي سليمان

عندما تضاء خشبة مسرح اليوم وعليها ثريا جبران، وعندما تظهر أبعاد الفضاء بالألوان والاشكال المتعددة يبقى انتظار المتلقي المغربي والعربي متلهفا لدخول الممثلة التي سيكون حضورها احتفالا بالجسد والناس وبالواقع والحقيقة التي تترجمها خطابات النص المسرحي الذي تدخله هذه الممثلة بلهفة تتوهج دلالاتها كي تلتقي بتطلعات وآفاق المتلقي وهو يدخل في طقسية الدراما وفي التهاب السؤال وفي المتاع المسكوت عنه.

في مسرح اليوم ومع ثريا جبران تم تأسيس استراتيجية ثقافية وفنية لهذا المسرح، تأسست به تجربة جديدة في المسرح المغربي كان لحضور المرأة فيه الدور الفاعل في تحقيق مرمى هذه الاستراتيجية اما بتمرير خطاب الفرجة المسرحية كرموز لنص المؤلف واما كخطاب امتزج بالتجربة الخاصة للممثلة، الخطاب الذي كان في أغلب الأحيان يفضي بالممثل في أدوار ثريا جبران الى أقصى درجات التقمص والاندماج في الدور الذي كان بإرادة الوعي فيه يقدم التجربة الخاصة التي ترتسم فيه معاناة من سيرتها الذاتية التي تصطدم بالعيش يوميا في الفضاء الاجتماعي وفي الفضاء الثقافي والفني وفي التناقضات السياسية في الفضاء العربي بكل التواءاته والتباساته التي ترسم بها طريقة التمثيل واختياراته ورؤيته للواقع.

لم أجد خيرا من كلمة الناقد والباحث والكاتب المسرحي المغربي عبدالرحمن بن زيدان، للتقديم لهذا اللقاء مع الفنانة المغربية المناضلة والمتفانية التي اضاءت فضاء المسرح المغربي، والعربي.. منذ أوائل السبعينيات حتى اليوم كنجمة ومؤسسة في مسرح اليوم بأعمال مغربية وعربية وعالمية كانت في مهرجانات وفعاليات عربية ودولية، واستقطبت جوائز عديدة، وأوسمة رفيعة وتكريمات مغربية وعربية ودولية اخرها تكريم مهرجان ملتقى الشباب المغربي للألفية الثالثة عام 2001 برعاية الملك محمد السادس. وقد يكون للسينما والتلفزيون دور في ذيوع شهرتها، ولكن يظل عشقها الدائم للمسرح ومازالت الى اليوم عنصراً فعالا في مسرح اليوم التي شاركت بكل روحها وجهدها في تأسيسه عام 1987، وكما تشارك في جماعات حقوق الانسان والخدمات الاجتماعية.

تم اللقاء أو اللقاءات في فترات متفرقة خلال أيام قرطاج المسرحية الاخيرة أكتوبر 2001 رغم انشغالها باعمال لجنة التحكيم إلا انها أفسحت لنا من وقتها لتحدثنا عن مسيرتها، ونطرح عليها تساؤلات حول قضايا المسرح العربي.. وكان لابد أن يكون للسياسة نصيب.. فقد انعكست السياسة بالضرورة على مسيرتها المسرحية.

ـ المسرح في حياتك.. ماذا يعني لك.. كيف بدأت علاقتك بخشبته؟

ـ لا أتذكر متى بدأت المسرح.. منذ رأيت النور وأنا أمارس المسرح.. يرجع الفضل الى أن أخي الكبير كان مديرا لفرقة هواة وكنت أتردد عليها وأنا مازلت صغيرة.. وكانت البداية عندما ولدت لزوجته طفلة ذهبت اليه لأبشره.. لم أكن أعرف أي شيء عن المسرح.. وان هناك اشخاصا يمثلون على خشبة المسرح.. كان عمري وقتئذ عشر سنوات، وعندما دخلت المسرح كانوا يتمرنون على مسرحية وفي المسرحية نفسها حديث عن ولادة بنت، دخلت الى أخي وقلت له عزيزي أبشرك، جاءت لك بنت.. فأخذ الممثلون يضحكون..

فقد كانت صدفة عجيبة هذا التداخل المسرحي مع الواقع، واقترح مخرج الفرقة اضافة هذه البشرى الى العرض، وان أدخل أنا بنفسي لأقولها.. وكانت هذه هي بدايتي في سن العاشرة!

ـ لعله من الصعب أن تحدثينا عن كل مراحلك ربما أفضل أن نتعرض لأهم المحطات؟.

ـ أتوقف عند بعض المحطات، فقد بدأت مع فرقة الهواة في مدينة الدار البيضاء التي نشأت فيها، وهي مدينة ضخمة كانت تشغل بفرق وحياة مسرحية نشطة في فترة التسعينيات.. وفي مهرجان مسرح الهواة حصلت على جائزة، ثم التحقت بفرقة الشبيبة والرياضة، وقد أعدت فرقة الهواة تدريبا تختار له أفضل العناصر واختاروني من بينها، وبعد التدريب التقيت بمخرج كبير جدا أنا ممنونة له كثيرا لحياتي الفنية

وكان هو الذي شجعني أن اختار المسرح كمهنة وهو المرحوم فريد بن باركة الذي أسس المسرح الجامعي وكان استاذا في معهد المسرح.. عندما شاهدني اثناء التمرين قال انني أملك موهبة ولا يجب التفريط في هذه الموهبة واوصاني ان استمر وان احترف المسرح،

وشجعني أن التحق بعد الدراسة الثانوية بمعهد المسرح الوطني بالرباط التابع لوزارة الثقافة والتعليم عام 1969 حيث درست أربع سنوات.. وفي الوقت نفسه كنت أمارس التمثيل مع فريد بن باركة في فرقة المسرح الجامعي وكانت فترة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات فترة صعبة في العالم العربي، حيث كان المسرح يزعج النظام و يعتبر مصدر قلق واستفزاز وفي تلك الفترة في المغرب دخل عدة مسرحيين السجن، كنا في تلك الفترة نقرأ شعر محمود درويش في الجامعة، وتعرض فريد بن باركة لمضايقات واحباطات، ولكنه ظل يقاوم حتى الموت، وقد غرس فينا كأستاذ ومعلم عشق المسرح.

كما قلت كانت دراستي في معهد المسرح الوطني بمدينة الرباط، وفي ذلك الوقت كان من الصعب على أي عائلة أن تترك أي بنت تذهب الى مدينة اخرى، وكانت عائلتي محافظة جدا ويعتبر المسرح بالنسبة لها عيبا، فبالتالي لا يسمحون للفتاة ان تمارس المسرح تحايل اخوتي على والدتي بأنني سأذهب لدراسة متخصصة في الرياضة وليس المسرح ولم يعرف أبي أو أمي أنني أدرس المسرح الا بعد تخرجي، حيث التحقت بالفرقة الوطنية فكان من الضروري أن أقول لهم الحقيقة.. فتقبلوها حيث وضعتهما امام أمر واقع.

ـ في سجلك نعرف أن فترة التحاقك بالفرقة الوطنية ـ أي مسرح الدولة ـ لم تستمر أكثر من سنتين بين 1973 و1975.. فلماذا لم تستمري؟

ـ لقد وجدت أن هذا ليس هو الاختيار الصحيح أن أكون في فرقة تابعة للدولة، فكل الاعمال المفروضة عليك، اعمال تمدح النظام، وجدت انها مضيعة للوقت، رغم انني استفدت منها كثيرا فقد كانت تضم أجود العناصر من ممثلين ومخرجين.. ومن هنا كان قراري بالتخلي عن الفرقة الوطنية والعودة الى الدار البيضاء مسقط الرأس حيث ساهمت في تأسيس عدة فرق حرة من بينها مسرح الشعب، ومسرح الفرجة، ومسرح الفنانين المتحدين كما ظللت أعمل مع مجموعات الشباب، كما مثلت في أفلام ومسلسلات تلفزيونية عديدة، وكسبت من خلالها شعبية كبيرة حيث أن التلفزيون يساعد على الشهرة وعلى الانتشار، أكثر من المسرح.

ـ إلى من كانت تتوجه هذه الفرقة وأي قضايا كانت مطروحة؟

ـ كانت هذه الفرقة من القطاع الخاص، تعتمد على مجهودات الشباب وتتوجه الى عامة الشعب، فالشاب في بدايته لا يملك النضج أو الوعي.. فإلى من يتجه؟ قدمنا أعمالا اجتماعية عن مشاكل ومعاناة المواطن المغربي، وكانت كلها تأليف عناصر شابة مغربية وقد اشتغلت مع هذه الفرقة لمدة أربع سنوات تقريبا، وكنا نعرض احيانا ثلاث أو أربع مرات في اليوم الواحد، عروضا للطلاب والطالبات، عروضا للعائلات التي لا تستطيع الخروج ليلا، وعروضا في المساء للجمهور الواسع، اشتغلت مع هذه الفرقة وطرحنا قضايا اجتماعية وسياسية بطريقة غير مباشرة احيانا ومباشرة احيانا أخرى وكسبنا جمهورا كبيرا، ووجدنا تشجيعا من الصحافة المغربية.

ـ اسمحي لي أن نتوقف عند مرحلة عملك مع فنان مغربي كبير محل اعتزاز الجميع في كل العالم العربي هو الطيب الصديقي؟.

ـ الطيب الصديقي فنان كبير حقا وهو صديق عزيز. وعملي معه يمثل مرحلة مهمة جدا في حياتي.. مثلت معه مخرجا وممثلا في الثمانينيات سيدي المجدوب وأبوحيان التوحيدي قمنا بعدها بجولة في المغرب كما عرضنا في فرنسا وفي تونس والجزائر. ومع فرقة الناس للطيب الصديقي جاءت تجربة مهمة جدا وناجحة جدا مع الفنانة اللبنانية نضال الاشقر الا وهي في فرقة الممثلين العرب التي تأسست في الأردن وقدمت ألف حكاية وحكاية وسوق عكاظ اخراج الطيب الصديقي، وضمت مجموعة من أكبر الممثلين في العالم العربي، وشكلت الفرقة وحدة عربية قوية لم تتشكل على المستوى السياسي أو الأنظمة العربية ـ التقى ممثلون من فلسطين وتونس والعراق والجزائر ولبنان كانت هذه التجربة التي انطلقت محطة مهمة في حياتي المسرحية.. وكانت ناجحة جماهيريا..

وقد تحصلت من خلال هذه التجربة على جائزة أحسن ممثلة عربية بمهرجان بغداد عام 1985 وعرضت في أكثر من بلد عربي وبهذا تعرفت على جمهور المشرق العربي كما تعرفت من خلالها على فنانين كبار وعلى شعراء ومثقفين عرب.. وكانت بحق فرصة العمر.. وقد عرضنا في مسرح ألبرت هول بلندن، كانت أول فرقة عربية تعرض فيه وكان الدخل لصالح القضية الفلسطينية ونجحت اعلاميا ونقديا.

ـ تجربة الممثلين العرب لماذا لم تستمر؟ ـقابلتنا أكثر من مشكلة.. سياسية غالبا لم يتمكن الطيب الصديقي ونضال الاشقار الاستمرار، أو السير بها بعيدا، فقد اصابهما الاحباط. وكان قد خططا لجولة في عدة ولايات أمريكية وفي عدة مدن فرنسية اضطرا ان يوقفاها.. ولأن الفرقة كانت تضم عناصر من بلاد عربية مختلفة كان من الصعب عليهم الانتقال من بلد عربي الى اخر بسهولة.

ـ أحدث تجربة لك في مسرح اليوم مع زميل الكفاح عبدالواحد عوزري لا شك انها من أهم محطاتك؟

ـ لحظات صمت كأنها تنصت الى هواجس نفسها متأملة.. عند رجوعي الى المغرب أخذت أراجع نفسي وأطرح على نفسي وقد وصلت إلى مرحلة النضج ـ اسئلة مثل لماذا نمارس المسرح؟ ولمن؟ كانت هذه الاسئلة بمثابة وقفة امام كل اعمالي هل نمارس المسرح من أجل الربح أو الشهرة.. هل نحمله كقضية؟ توقفت سنتين ابحث عن أي طريق.. أعود الى اوراقي هذه أو تلك.. الجائزة.. تشجيع الجمهور.. وجدت انه لا يمكن أن أرجع الى الوراء..

في البداية كان المسرح حبا تحول الى احتراف.. ثم تحول الى هم والى قضية في تلك الفترة عاد عبدالواحد عوزري بعد أن درس المسرح في باريس.. في عام 1986 كان هناك افتتاح لمعهد المسرح الوطني بالرباط في عهد وزير الثقافة محمد بن عيسى وهو رجل مثقف وفنان ورسام.. بعد فترة من الركود.. كان كل أو معظم الشباب الذين انخرطوا معي ونتيجة ما لاقوه من مشاكل سياسية وما حدث من اعتقالات، وموقف رسمي من المسرح بانه مقلق ومستفز، هاجروا الى أوروبا.. أنا الوحيدة التي بقيت ولم أخرج من المغرب.

كان الطيب الصديقي قد قرر أن يرتاح، وكانت فرقة المسرح الوطني متوقفة لعدة سنوات، مع افتتاح المعهد في عهد محمد بن عيسى بدأت اشراقات، وأخذ الفن يعود.. والساحة المسرحية تستعيد نشاطها.. عاد عبدالواحد عوزري الى المغرب الذي كان يدرس في باريس ليعمل كمدرس في المعهد، واشتغل على نصوص لمحمد الماغوط من خلال المقالات التي كان ينشرها، وأخذ يعمل مع الشباب وطلب مني أن اعاونه.

كان عبدالواحد يحمل داخله هاجسا بكل حماس.. ويريد أن يثبت وجوده.. تحمست لحماسه.. وقدمنا أول تجربة معا.. حكايات بلا حدود للماغوط وعرضناها في مهرجان بغداد حيث لاقت نجاحا كبيرا واثارت نقاشا حادا.

مسرح اليوم دفعنا هذا النجاح والحماس الى تأسيس فرقة مسرح اليوم أنا وعوزري ومجموعة من الشباب وبعض الممثلين المعروفين.. كانت الساحة فارغة.. وفي تلك المرحلة من تاريخ المغرب كان التلفزيون والاذاعة تابعين لوزارة الداخلية وكانت الرقابة قوية.. وكانت وزارة الداخلية تعرض سهرات مساء كل سبت.. أغاني ومسرحيات هزلية تسلية مبتذلة.. مما أدى الى هروب الناس من هذه السهرات الى المسارح.. كانت فرصة أمامنا أن ننشر الرسالة المسرحية ذهبنا الى البلديات، والى المدارس والى الجامعات.. والتجمعات..

نبيع البطاقات بأثمان زهيدة في متناول الجميع.. البطاقة بثمن فنجان قهوة.. قدمنا عروضا في الأسواق في قاعات السينما وفي المصانع.. ذهبنا الى المناطق النائية عن طريق سيارة تحمل المعدات والممثلين.. كانت تجربة مهمة شجعتها الصحافة وراهن عليها المثقفون.. كانت تجربة مسرح اليوم بمثابة ورشة هدفها اعادة الاعتبار للمسرح المغربي ورفع مستواه بعد ان كان يهان في هذه المرحلة.. وساعدنا محمد بن عيسى بشراء عروض عديدة وتسهيل مشاركاتنا في المهرجانات المسرحية.. عرضنا في مهرجان دمشق وحضر الماغوط العرض وكان سعيدا بالتجربة.. وفي تونس وغيرها..

كان اختيار مسرح اليوم اختيارا صعبا.. مسرح يطرح الاسئلة.. وقضايا المواطن العربي كل سنة كنا ننتج مسرحية نطوف بها المغرب وفي الخارج بعد ـ حكايات بلا حدود ـ قدمنا بونتيلا وتابعه ماتي ليربشت ولعبت أنا دور بونتيلا وقد حقق العرض شعبية كبيرة قدم خمسين مرة في الدار البيضاء.. كل يوم في القاعة نفسها وكان هذا شيئا جديدا في المغرب..

بعد هذا قدمنا مسرحية مركب الهبال أي مركب الجنون، ثم غرور هوليوود ـ وقد تحصلت عنها في مهرجان قرطاج 1991 جائزة أحسن اداء نسائي.. ثم مسرحية الشمس تحتضر عن حرب الخليج للشاعر عبداللطيف اللعبي بعد عرضها في المغرب عرضناها في جولة في فرنسا وحصلنا عنها على جائزة السلام وعلى وسام الفنون والأداب من الرئيس الفرنسي.