السنة الثانية                                           مؤسسة ثقافية فكرية تعنى بالفنون المسرحية            آخر تحديث  17 -11- 2003

 

 

 

 

 

 

                  الرماة قادمون
               " مسرحية في فصلين  "
                                                            علاء اللامي

 

الشخصيات حسب الظهور على ركح المسرح:

 

1- العجوز أم فادي.

2- حارس المقبرة.

3- الخالة زينب.

4- ابن الحارس.

5- الشاب 1.

6- الشاب 2.

7- الشاب 3.

8- أم عمر.

9- مدير السجن.

10- السجين 1 و 2 و 3 و 4.

11- عمر.

12- القائد.

13- الطفل (1 و 2 و 3 و 4..الخ).

 

الفصل الأول

المشهد الأول:

الزمان والمنظر والحال على الركح:

الزمان :كتب هذا النص المسرحي خلال الأشهر الأخيرة من الانتفاضة الفلسطينية الأولى " انتفاضة الحجارة ".  و نشر  كاملا في مجلة "البديل" لسان حال رابطة الكتاب والفنانين الديمقراطيين العراقيين سنة 1991. العدد  المزدوج 16-17 1991، ص144 . زمن المسرحية الحقيقي في الفصل الأول - إذن - هو زمن الانتفاضة الفلسطينية الأولى ، أما زمن  أحداث الفصل الثاني فهو زمن متخيل و مفترض  يليه .

المكان والحال : فلسطين .  مقبرة شاسعة الأرجاء، فوضوية البناء، قبورها كالحة، بعضها خرب والبعض الآخر على وشك.الانهيار. عند مقدمة قوس الركح، ثمة قبر صغير جديد أبيض. إضاءة واهنة تزداد ضعفاً بالتدريج حتى تتحول إلى ظلام دامس. هزيم رعد بعيد، وبرق ساطع في أعماق المسرح. تعود الإضاءة لتقوى رويداً رويدا. حارس المقبرة، المسلح ببندقية طويلة إلى درجة مضحكة، يتجول بين القبور. يقترب من القبر الأبيض . يقف إزاءه للحظات. يتحسس بندقيته بحركة مباغتة ويلتفت يميناً ويساراً ثم يمشي باتجاه أعماق المسرح حتى يختفي عن الأنظار. برق ساطع في أعماق المسرح. تدخل عجوز محدودبة الظهر من الجهة اليمنى للركح ، إنها تحمل على ظهرها كيساً متوسط الحجم من الخيش. العجوز تطرح عنها الكيس وتنتضي من وسطها مدية عريضة. تقترب من القبر الأبيض.

 

العجوز : صباح الخير يا ولدي. صباح الخير يا فادي.

اشتقت إليَّ، أليس كذلك؟ حسن، هأنذا ، لم أتأخر كثيراً.

جئتك ببعض البطاطس، أعرف أنك تحبها كثيراً. ماذا؟ الأمطار؟ لا أدري. الناس يقولون أنها قد تسقط بين لحظة وأخرى. كما ترى، الغيوم، ما زالت تحتشد في السماء ولكنها لم تسقط مطراً حتى الآن. أمر عجيب، أليس كذلك؟ حسن سأدس لك بعض حبات البطاطس قبل أن يعود ذلك الحارس اللعين. ( تشرع بنقب الأرض بمدية صغيرة  وتدس في الحفر الصغيرة درنات البطاطس). يقولون بأن صديقك حسن.. ماذا؟ حسن ابن خالتك. لقد أصيب قبل ثلاثة أيام برصاصة في صدره ونقلوه إلى المستشفى وقالوا أمس بأن حالته تتحسن، غير أنني سمعت هذا الصباح بأنه قد استشهد الليلة الباحة. عمر؟ تسألني عن عمر؟  قالت لي أمه بأن صحته تحسنت كثيراً ومن المنتظر أن ينقلوه من المستشفى إلى المعتقل غداً أو بعد غد. هل تعرف؟ لقد رأيت أنا وجه الجندي الذي أطلق النار على حسن. لسوء الحظ لم أرَ وجه قاتلك أنت، كنت في مقدمة المظاهرة أما حسن فكان يمرق أمامي في تلك اللحظة، كنت أنا وخالتك زينب نوزع الحصى والأحجار على الفتية من نافذة الكوخ. وفجأة وقع نظري على ذلك الجندي. كان قد اتخذ له مربضاً عند حانوت الحاج أبو فايز، على مسافة أمتار قليلة فقط من الحانوت. لم يكن ليراه أحد وهو مختبئ خلف حطام السيارة المحترقة.. لكنني رأيته، كان خائفاً كعصفور سقط من عشه، ربما كان خائفاً لأنه وجد نفسه بعيداً عن صحبه الذين دفعتهم المظاهرة إلى الوراء. نهض فجأة وصوب بندقيته نحو حسن، في تلك اللحظات قام الجنود بهجوم مضاد وتراجع المتظاهرون، أما حسن فقد وجد نفسه في المقدمة، ويلمح البصر أشعل فتيل الزجاجة التي في يده وقذف بها إلى الأمام. في ذات اللحظة أطلق عليه الجندي المختبئ النار فانهار كحصان جامح كبا بفارسه. فيما بعد اختلط الحابل بالنابل وجاء من يخبرني بأنك قد.. قد.. و.. خالتك زينب قالت بأنها رأت ذلك الجندي أيضاً، ولكنني لا أظنها صادقة، لأنني حين سألتها عن أوصافه، قالت إن له قامة مرتفعة وعينين زرقاوين، وفي الحقيقة فإن القاتل الذي رأيته أنا لم تكن له عينان.. أو.. لم أر له عينين بل كان له نصف وجه، أعني أن القسم الأسفل من وجهه، الأنف والفم المزموم والحنك الناتئ، كل هذا كان مرئياً، أما القسم العلوي من وجهه فقد كان عبارة عن قطعة سوداء براقة، لا أدري إنْ كانت من الزجاج أم من الحديد المصقول. لقد حَزِنَ الجميع يوم استشهادك، هذا أكيد، غير أن حزنهم اليوم لفقدان حسن سيكون لا حدود له. الشباب في اللجنة الشعبية يقولون أنه كان الوحيد الذي يجيد صناعة تلك الزجاجات.. ما أسمها؟ آه، ويقولون أيضاً بأنه كان بارعاً بتوجيه الشتائم إلى الجنود باللغة الإنكليزية.

 

الحقيقة يا ولدي أن خالتك زينب بدأت تقلقني جداً، إنها تأتي بتصرفات غريبة. تصور أنها حين عادت أمس من المستشفى، جمعت الوسائد وخاطتها إلى بعضها ثم ألبستها سروالا ً وقميصاً و.. أتعرف ماذا صنعت؟

(ظلام)

 

المشهد الثاني:

المنظر والحال على الركح: باطن كوخ فقير الأثاث ولكنه مرتب ونظيف. امرأة في العقد الخامس من العمر تقريباً، إنها الخالة زينب (أم حسن). دميةٌ على هيئة جندي معلقة إلى سقف الكوخ. المرأة تقترب من الدمية تحركها قليلاً. تتراجع خطوات إلى الوراء تنظر إلى الدمية وتتهلل أساريرها

 

الخالة زينب : جميل، جميل جداً. إنها تشبه الجندي تماماً.. بل، بل هي جندي حقيقي. ولكن أين بندقيته؟ لقد نسيت البندقية. (تبحث في أرجاء الكوخ وتجد مكنسة طويلة) طيب. ها قد وجدنا بندقيتك أيها الجندي. (تربط المكنسة إلى وسط الدمية) وماذا بعد؟ ماذا نسيت يبدو أنني نسيت شيئاً آخر. آه، العصا. نسيت العصا. جنود هذه الأيام لا يكتفون بالبنادق. (تتناول عصا معلقة إلى الحائط) وهذه العصا، عصا جندي حقيقية، لقد افتكها حسن من أحدهم في الأسبوع الماضي. (تربط العصا إلى الدمية.. تتراجع خطوات إلى الوراء تنظر إلى الدمية). والآن.. رباه، إنه جندي، جندي لا ينقصه سوى اللحم والدم والجنون. يا له من شاب لطيف. أنا آسفة أيها الشاب ولكنك يجب أن تموت. لماذا أطلقت النار على ولدي؟ خائف؟ معك هذا السلاح الفتاك وتخاف من فتيان مسلحين بالحجارة فقط؟ أنا آسفة صدقني، لم اقتل أحداً في حياتي، لم أقتل ذبابة ولكنني سأقتلك. هكذا هو الأمر، جئت أنت وصحبك إلى أرضنا وهدمتم بيوتنا.. قتلتم رجالنا ودفنتمونا أحياء، ولهذا سوف أقتلك. ماذا؟ من قال لك ذلك؟ من قال لك بأن هذه هي أرضك؟ اذهب إذن إلى "بلفور" وتفاهم معه. نحن لدينا وطن كسائر الأوطان وليس فندقاً أيها السيد. ثم أين كنت أنت؟ هل سقطت من السماء وعثرت على رقعة من التراب لتصيح: آه، وجدتها والله، إنها وطني؟ الأوطان ليست قطع من النقود مبثوثة في أزقة التاريخ أيها الشاب، ولا أنت هبطت من السماء، لقد كان لك ذات يوم وطن وحقل وبيت، ولكنك تركت كل شيء هناك وعبرت البحار السبعة إلى هنا. صدقني إنني حزينة من أجل شبابك فقط. أنت شاب وسيم وما كان يجب أن تموت على يدي. كان ينبغي أن تكون الآن متمدداً على رمال ساحل بعيد، تمتص شراب الليمون أنت وصديقتك وتقرأ لها الأشعار، فلماذا قذفت بنفسك هكذا ؟ أقوياء، تقول لي بأنكم أقوياء؟ الحمقى والمجانين لا يصدقون ذلك. نعم أنتم أقوياء، أقوياء جداً، لديكم الكثير من الدبابات والطائرات والدولارات الأمريكية، ولهذا السبب أنتم أقوياء، ولهذا السبب طال مكوثكم هنا. أنتم أقوياء دون ريب، ولكن لماذا أضعتم الجهات الأربع حين بدأت حجارتنا تنهال عليكم؟

أنا آسفة أيها الشاب ولكن عليَّ القيام بواجبي. لقد أَذْقت ولدي طعم رصاصك الأمريكي، وعليك أنت أن تذوق طعم هذه السكين.. (تهجم بحركة مباغتة على الدمية وتطعنها طعنة رشيقة ولكنها تتعثر وتكاد تسقط).

آه، نتيجة لا بأس بها ولكنني كدت أقع. عليَّ أن أتدرب جيداً وإلا فقد يطلق عليَّ الرصاص قبل أن أتمكن من طعنه.

والآن، هيا يا زينب، إنه يقف هكذا عند بوابة السجن فكيف ستقومين بالعملية؟ سأضع هذه السلة على رأسي (تضع سلة فارغة على رأسها) واقترب منه بهدوء وعلى مسافة خطوتين منه أسحب سكيني، أخطو خطوة أخرى و.. هكذا (تخطو وكأنها تقفز ثم تطعن الدمية، الطعنة الأولى أفضل من الأخيرة) لا.. لا، عمل سيئ تماماً. السلة تعيقيني عن الحركة. لا لزوم للسلة إذن. سأتقدم منه وأنا أتكئ على عصا (تلتقط عصا من الأرض وتتقدم من الدمية) سأتظاهر بأني أريد أن أسأله عن شيء.. سيقترب مني طبعاً، لحظتها.. (تطعن الدمية) لا بأس.. ولكني لن أفعل ذلك، هذه الطريقة فيها بعض الغدر. أنا قوية ولا حاجة بي إلى الغدر، لنترك الغدر والنذالة حكراً لهم. سأقتله هكذا.. إنه واقف هنا وسأقترب أنا منه بشكل طبيعي، أجل، سأمشي إليه وأنا انظر في عينيه ..سأقتحم خوفه فجأة واغمد مديتي في صدره.. كيف؟ كيف يا زينب؟ هيا لنر كيف ستفعلين ذلك:

(تتقدم من الدمية بخطى واثقة بل وراقصة وعلى مسافة خطوة منها ترفع مديتها في الهواء).

العجوز :كان هذا بالأمس، أما اليوم وقد مات ولدها حسن فلا شك بأنها قد خرجت لتقتل. إنه قادم، ماذا تفعلين هنا أيتها العجوز الثرثارة؟

الحارس :إنه قادم ذلك الإبليس اللعين. (يقترب حارس المقبرة).

العجوز :الثرثارة هي أمك أيها الوغد. اذهب، اذهب من هنا ودع الأولاد ينامون بهدوء، ابتعد، رائحتك تجعلهم ينقلبون في قبورهم..

 

الحارس :كلكم مجانين يا آل سهيل. ما هذا الذي في كيسك؟ بطاطس؟ تزرعين البطاطس في المقبرة؟ (يضحك) بطاطس في المقبرة؟ يا إلهي.. سيجعلون منكِ وزيراً للزراعة في دولتكم القادمة

العجوز : قد يحدث ذلك، أما أنت فسوف يرسلون بك في عربة حقائب أسيادك إلى الجحيم.

الحارس : إذن فأنت واثقة من تلك الـ.. تلك الدولة، أليس كذلك؟ وكيف ستبنونها؟ أعني كيف ستنتصرون عليهم؟ بالحجارة؟

العجوز :  مع إنك تسخر ولكنك تقول الحقيقة..

الحارس : الحقيقة؟ أنا أقول الحقيقة؟ تقصدين أنكم ستنتصرون على جيش مدجج بالقنابل الذرية وكل مصائب الجحيم بالحجر؟ لقد كانت لديكم نصف دزينة من الجيوش ولكنها لم تفعل شيئاً لهؤلاء، بل إنها كانت تتراجع في كل معركة مئات  الأميال إلى الوراء.

العجوز :  متى كان ذلك ؟ متى كانت لنا جيوش؟ تلك الجيوش أيها الحارس لم تكن حتى ملك أنفسها. إنها لم تكن أكثر من أكوام من قطع الدومينو يلعب بها رجل بعيني خصمه

الحارس : وما حكاية البطاطس هذه؟ أي أوامر اللجنة الشعبية؟ (ينبش بعصاه إحدى الحفر.)

العجوز : لا تلمسها. لا تلمسها أقول لك وإلا ستندم.

الحارس : تهددينني أيتها العجوز الخرفة. حسن سنرى. هيا أمامي الآن.

 

العجوز : اسمع أيها النذل، أنا لا أخافك ولا أخاف من أسيادك ثم إنني عجوز التهمت عشرات السنوات، ولم تعد بي طاقة على المزيد. ستفعل حسناً لو أنك أطلقت عليَّ النار الآن وأرحتني، ولكن لتسمعني أنا المرأة الجاهلة. اسمعني لمرة واحدة وعد إلى نفسك. عد إلى نفسك قبل فوات الأوان فالزمن يتغير بسرعة وهم قادمون.

 

الحارس: من؟ من هؤلاء؟. من هم هؤلاء القادمون؟

 (يقتحم المسرح صبي في الثامنة من العمر راكضاً، إنه ابن الحارس).

ابن الحارس: أبي.. أبي.. (محاولاً التقاط أنفاسه).. إنهم..

الحارس: ماذا؟ ماذا حدث؟ تكلم.. تكلم، ماذا حدث؟

ابن الحارس: لقد هاجموا دارنا يا أبي، أخرجونا أنا وأخوتي وأمي منها وأضرموا فيها النار.

الحارس: ماذا؟ أحرقوا داري؟ داري أنا؟ الويل لهم؟

ابن الحارس: إنه يبحثون عنك الآن.. إنهم كثيرون جداً يا أبي.

الحارس: مَنْ؟ مَنْ هم؟

العجوز: إنهم الرماة، رماة الحجر أيها الأحمق.

الحارس: (يهيئ بندقيته) حسنٌ إذن؟ سأريهم.. سأمزقهم جميعاً.. جميعاً..

العجوز: (تمسك بماسورة البندقية) لا تخف. ما زال أمامك بعض الوقت. إنها فرصتك الأخيرة. عد إلى نفسك فقط. عد إلى نفسك. ستقتل بعضهم ولكنهم في النهاية سيمزقونك إرباً. ستموت كما يموت الكلب المسعور.

الحارس:كلا، سيذبحونني. ولكنني لن أجعلهم يفعلون ذلك قبل أن أُردي عدداً منهم قتلى. ارفعي يدك عن البندقية.

العجوز: لا تخف. أعطني هذه البندقية. هاتها وأنا سأحميك. لن يمسك أحد بسوء. عد إلى نفسك.

الحارس : بل سأقتلهم.. سأقتلهم كلهم.

العجوز: تقتل مَنْ؟ ودفاعاً عمن؟.. أعطني البندقية.. هاتها.. لن أدع أحداً يمسك بسوء. عد إلى نفسك فقط. اقلع عن عاداتك السيئة، وكف عن التحديق بماضيك فقط. إنها غيبوبة اليأس تلك التي أخذتك منذ زمن، فلتضع لها حداً الآن، ولتعد إلى نفسك قبل فوات الأوان.

(يبدو الذعر والتردد على الحارس..)

ابن الحارس: أبي.. أبي، إنهم قادمون..

(الحارس يتخلى عن بندقيته للعجوز)

العجوز: يا لها من ثقيلة. كيف يقتلون بها وهي  ثقيلة كهذا؟.. حسناً، ستذهب الآن وتعلن توبتك أمام الجميع. أمام الجميع وسأشهد أنا لصالحك.

الحارس: لقد فات الأوان.

 

(تقتحم المسرح مجموعة من الشباب)

أصوات:

- ها هو الخائن.

- إنه القاتل.

- أنه هنا.

- مزقوه.

- لا تدعوه يهرب.

- اتركوه لي.

-        القاتل القذر يجب أن يموت.

العجوز: مهلاً، مهلاً يا شباب. ماذا يحدث؟ ماذا تريدون أن تفعلوا بالرجل؟

شاب 1: نحن نقوم بواجبنا يا أمَّ الشهيد.

العجوز: أعرف ذلك.

شاب 2: ما معنى موقفك هذا إذن؟

شاب 3: ابتعدي من هنا يا خالة أم فادي. سنقتل هذا القذر الآن.

العجوز: كلا، لن أدعكم تفعلون ذلك. ألا ترون ما هذه؟

شاب 1: هل هي بندقيته ؟

العجوز: نعم، لقد سلمها لي قبل وصولكم وسيذهب رفقتي ليعلن توبته أمام اللجنة الشعبية.

شاب 2: لقد فات الأوان يا أمَّ الشهيد. أنت لم تسمعي بما فعله قبل قليل كما يبدو.

شاب 3: أجل يا خالة، لقد أطلق النار على الخالة زينب وأصابها بجروح ثم هرب إلى هنا

شاب 1: إنها في حالة خطرة.

العجوز: (تنظر مذهولة إلى الحارس ثم إلى الشباب) ولكن لماذا.؟

شاب 1: لقد هاجمت الخالة زينب أحد الجنود وأردته قتيلاً بطعنة واحدة، وحين هربت أطلق عليها هذا النذل النار وأصابها.

الحارس: مَنْ، أنا؟ أنا أطلقت عليها النار؟ كلا، هذا ليس صحيحاً. لست أنا من أطلق النار بل أحد الجنود من برج المراقبة.

شاب 2: كلا، بل أنت.

الحارس: لست أنا أُقسم..

ابن الحارس: لا تقسم يا أبي لقد رأيتك وأنت تطلق النار.

الحارس: أخرس عليك اللعنة. ( يرفع يده يريد صفع الصفي.)

العجوز: اخفض يدك.. لا تمس الصبي، إنه ليس ابنك منذ الآن بل ابني أنا، وهؤلاء هم أشقاؤه يبدو أنك لم تتغير. (تشم فوهة البندقية) رائحة البارود ما زالت طازجة كما يقال. (تقدم له البندقية) شِمْ، شِمْ. ما رأيك الآن ؟

الحارس: (بنبرة باكية) لا أدري، لا أدري. إنني رجل تعيس. تعيس وسيئ الحظ. إنني ملعون واستحق الموت. (يأخذ بالعويل والنشيج ثم ينهار أرضاً.)

العجوز: قم، قم وسر أمامنا إن أردت الحياة. (للشباب) من معه الراية؟

شاب 2: أنا. (يخرج العلم الفلسطيني من تحت قميصه) تفضلي. (يناوله للعجوز.)

العجوز: ولكي لا تقل بأنك أسير عندنا أقدم لك هذه (تمد له البندقية) وهذا (تقدم العلم) عليك أن تختار الآن.

شاب 1: ولكن يا خالة..

الحارس: لا تخشَ شيئاً، ليس لديه من الرصاص ما يكفي لقتلنا جميعاً.. (للحارس) ماذا قلت؟

العجوز: ( بثقة ونهم ) بل هذه. (يختطف العلم من يد العجوز .)

أم عمر: هيا يا شباب سيقودكم الآن في مظاهرة وسنلتقي بعد ذلك في مقر اللجنة.

(تخترق المظاهرة المقبرة يتقدمها الحارس وهو يرفع العلم  الفلسطيني. أما العجوز فتستعمل مديتها في حفر الأرض لتدفن البندقية. أثناء قيامها بذلك تدخل امرأة راكضة.. إنها أم عمر.)

مَن أم فادي ؟ ماذا تفعلين هنا ؟

العجوز:آه، أم عمر. اصطدنا بندقية وسأزرعها هنا مع البطاطس. ستكون بعهدة فادي.

أم عمر: والجثة. جثة الحارس، أين ذهبتم بها؟ ألَمْ يقاوم؟

لا وجود للجثة، أو بالأحرى تحولت تلك الجثة إلى مقاوم جديد. انظري، انظري إلى هناك، هل العجوز:تعرفين من يقود المظاهرة ويرفع العلم. إنه هو.

أم عمر: من؟

العجوز: ذاك الذي كان جثة. لَمْ تقولي لي كيف هي أم حسن.

أم عمر: نقلناها إلى المستشفى. إصاباتها بالغة ولكنها ليس خطرة. لقد أُصيبت في وركها وكتفها الأيمن. لولا ذلك لاستطاعت الهرب ودخول المخيم.

من يراها لا يصدق أنها مصابة. لم أرها يوماً سعيدة كما هي اليوم.

كانت تضحك، تضحك بدموع.

حتى عمر المسكين تأثر حين رآها. كانوا ينقلونه إلى سيارة السجن حين وصلنا نحن إلى المستشفى. لوح لنا من بعيد ثم غاب وجهه بين خوذ الجنود وبنادقهم.

العجوز: ألم يقولوا إلى أين أخذوه؟

أم عمر: إلى السجن طبعاً.

العجوز: ألم يقولوا إلى أي سجن؟

أم عمر: لم يسألهم أحد عن ذلك. ثم أن كل السجون سجون.

العجوز: أعرف ذلك، ولكني أخشى أن يودعوه سجناً آخر، سجناً ليس ككل السجون .

 

 (ظلام)

المشهد الثالث:

المنظر: المقبرة، العجوز ما تزال تحدث القبر. 

ملحوظة : انتهى الفصل الأول، تليه استراحة توزع خلالها على النظارة أحجار سوف تستعمل في نهاية الفصل الثاني.ا

المشهد الأول:

المنظر والحال على الركح:

سجن صحراوي للأشغال الشاقة، محاط بسور مرتفع، برجان للمراقبة يلوحان في أعماق المسرح. سجناء ذكور وإناث من مختلف الأعمار، يقوم بعضهم بتكسير الصخور إلى شظايا صغيرة فيما يحملها آخرون إلى مطحنة بدائية عتيقة لطحنها. في القسم الأيسر من الركح، ثمة فرن بدائي هو الآخر يحمل إليه السجناء مسحوق الصخور ليتم تحويله إلى سائل شفاف يوضع في صناديق مكعبة صغيرة، ليجف ويتحول بعدها إلى قطع زجاجية (بالإمكان استخدام أية مادة أخرى شفافة تؤدي ذات الغرض). مع ارتفاع الستارة يبدأ العمل. الجميع صامتون. الحارسان في البرجين يمشيان جيئة وذهاباً. ثمة عدد من الحراس المسلحين بالسياط يتجولون بين السجناء. يستمر العمل بصمت حتى خروج أول مكعب زجاجي، حينها يطلق جميع السجناء صرخات حلقية وهمهمات غامضة، ربما للتعبير عن البهجة. السجناء يرصفون المكعبات الزجاجية إلى بعضها بمادة لاصقة على الركح، بداية من زاويته اليسرى وحتى اليمنى. إنه سياج شفاف يفصل بين المسرح وقاعة النظارة. مع الانتهاء من بناء الطابق الأول، أو بدقة أكثر مع الانتهاء من تثبيت آخر مكعب من الطابق تدوي صافرة الانتهاء من عمل الفترة الصباحية (صوت منبه طويل أشبه بصوت جهاز الإنذار من الغارات الجوية) السجناء يطلقون صرخات حلقية وهمهمات غامضة ثم يصطفون في خط  طويل متعرج، تختفي نهايته في أعماق المسرح، ويخرجون من جيوبهم طاسات صغيرة. الحارسان في البرجين يسددان سلاحيهما إلى السجناء. يسمع ضجيج محرك شاحنة. إنها تقترب أكثر فأكثر ثم ينطفئ المحرك. زوبعة رملية تكتسح المسرح. صوت اصطفاق أبواب الشاحنة. يدخل المسرح مدير السجن (ذلك واضح عليه من خلال بدلته الأنيقة ورطل الأوسمة على صدره).

يدخل حارس حاملاً صندوقاً ذهبياً وهو يسحب خلفه سجيناً جديداً مربوطاً إليه بسلسلة. مدير السجن يتفقد السياج الزجاجي. يحصي عدد مكعباته بعصاه الجميلة. إنه يتوسط مقدمة الركح الآن:

مدير السجن :حسناً يا شباب، بوصفي مديراً لوطننا الصغير المشترك هذا، أريد أن أشكركم للمرة الرابعة على جهودكم وإخلاصكم في العمل مع أنني.. مع أنني لا أستطيع أن أخفي عليكم أن السادة الكبار فوق، قد سئموا هذه الزيادة الرتيبة في الإنتاج. إن زيادة طابوقة واحدة كل أسبوع غير كافية إطلاقاً، ولكنها على كل حال أفضل من لا شيء.

إن وطننا يتعرض، أيها الأخوة، لعدوان تآمري، وهجوم شرس من قبل عدونا التاريخي، وقد وضحت لكم في سهرة الليلة البارحة، أن علينا جميعاً، وكل من موقعه، أن نشارك في صنع الانتصار. انتصارنا القادم، بعون الله وحكمة القائد، يوم الأربعاء القادم.. آه، لقد نسيت أن أقدم لكم زميلكم الجديد. (مشيراً إلى السجين المربوط) هذا الشاب الظريف سيعيش معنا أيها الأصدقاء المواطنون.. اقترب، اقترب يا بني..

(الحارس يفك وثاق السجين ويقترب هذا الأخير من المدير)

المدير:ما اسمك يا بني؟

السجين:لست ابناً لأحد في هذا المكان اللعين. ثم أنني ذكرت لك اسمي عدة مرات في الطريق إلى هنا.

المدير:لا تغضب.. لا تغضب.. (يخرج من جيبه ورقة مطوية. يفتحها ويقرأ شيئاً فيها) حسناً. لا تغضب. مناخ الصحراء هنا يثير الأعصاب، معك حق. إذن (للسجناء) فصديقنا الجديد اسمه عمر، عمر السهيلي. (إلى عمر) خذ مكانك بين الأصدقاء.