|
بغدادُ ترتقي الجُلجُلة.
مسرحية في أربعة فصول وخاتمة .
علاء اللامي
الإهداء :
بدايةً ،فكرت بإهداء هذا النص الى ذكرى فنانة الشعب والممثلة
المسرحية العراقية الفذة زينب التي توفيت في المنفى قبل بضعة أعوام
.ثم ،وأنا في غمرة كتابة هذا النص المسرحي ، صيف سنة 2001 ، شاءت
المصادفات أن أشاهد شريطا مصورا تلفزيونيا يحوي شهادة مرتجلة
وشجاعة ، ملتاعة وصادقة للكاتب المسرحي المقاوم سعد الله ونوس
على شاشة إحدى القنوات التلفزية العربية مساء العشرين من تموز ،
كان قد أدلى بها قبل رحيله بفترة قصيرة . ولأن سعد الله اعتبر نفسه
من ضحايا الحرب والعدوان على العراق وشعبه حين شعر بإصابته بالورم
السرطاني إبان قصف وتدمير العراق فليس لي إلا أن أهدي- أيضا - نصي
هذا لذكراه العطرة . الى فنانة الشعب العراقي زينب إذن والى
المبدع سعد الله ونوس أهدي هذا النص ..
علاء .
جنيف : صيف 200إضاءات
للمخرج والقارئ :
أعطيت لنفسي حق تسديد هذه الإضاءات لسببين :
الأول هو أن نص هذه المسرحية مركب من جهة الزمان والمكان
والأسلوب وهذا التركيب بحد ذاته سينتج - لا محالة - أشكالا عدة من
التعقيد واللبس فهو بحاجة إذن لبعض التوضيحات والإضاءات . والسبب
الثاني هو الرغبة في محاولة الدمج بين تقديم محاولتي الشخصية تماما
لبناء النص المسرحي مع تقديم رؤية أولية وخاصة لمشروع إخراجه
ولهذا :
-افترض إن عناوين المشاهد لم تكن لغرض تزيني فقط بل إنها أداة
إضافية لتوصيل ما أردت توصيله ، ويمكن للمخرج استعمال لافتات بسيطة
تخط عليها العناوين أو يمكنه استعمال الشفافات (سلايدات) أو أية
طريقة أخرى .
-إذا كان النص المسرحي ليس نصا مقدسا ، وهذا صائب كفاية ،وأن
المخرج هو الباني الثاني له وبالتالي فهو حر إجرائيا في التعامل مع
النص حذفا وتعديلا وتطويرا فإن ذلك لا ينبغي أن يفهم على أنه إقصاء
تام للمؤلف بقدر ما يعني تقديم رؤية إخراجية مستقلة لما ألفه .لذلك
أجدني مضطرا لتوضيح أنني استفدت كثيرا في كتابتي لهذا النص كما هو
الشأن في نصوصي المسرحية الأخرى من تقنيات الفن السابع وبخاصة
القطيع المشهدي " السيناريو" وأعتقد أن على مخرج النص أن ينتبه الى
هذه الحقيقة في تعامله الذي ينبغي أن يكون حذرا ودقيقا مع النص .
- أوضح بأن بعض شخصيات المسرحية تاريخية وحقيقية كالجنرال طونزند
قائد القوات البريطانية المحاصرة في مدينة الكوت سنة 1915 ، وبعضها
خيالي من الناحية المضمونية وواقعي من الناحية الرمزية والشكلية
كأسرة الحاج فاضل البغدادي . هناك في الواقع صانع أعواد بغدادي
مشهور اسمه محمد فاضل ولكن ما بينه وبين محمد فاضل الشخصية
المسرحية ليس إلا تشابه في الأسماء والحرفة . وثمة بعض الشخصيات
هي بين بين أي إنها مزيج من الواقعي والخيالي شكلا ومضمونا
كالشهيد نادر الذي قتل تحت التعذيب وأمام والديه ، فالحادثة نفسها
وسبب القتل هي أمور حدثت فعلا في إحدى الدول العربية شرقي الأبيض
المتوسط . أما آهمساكاما مرافق الجنرال طونزند المركب من الواقعي
والخيالي فقد كان للجنرال طونزند مرافق هندي فعلا ولكن اسمه غيزو
وكان مختلفا تماما في المضمون عن آهمساكاما والاسم ذاته مؤلف من
كلمة هندية هي آهمسا وتعني اللاأذى وكاما أي متعة ( متعة اللاأذى
) النقيضة لمتعة القتل عند الجنرال البريطاني . البعض الآخر من
الشخصيات خيالي مركب كشخصية أم رجاء وهي شخصية وردت في قصة قصيرة
للروائي العراقي محمود سعيد فمسرحناها .
-العارض الصحي الذي ألم بالطفلة الرضيعة " بغداد " وهو ظهور خط
أسمر محمر في وسط الجبين ثم يأخذ هذا الخط بالامتداد والاتساع حتى
ينسلخ الجلد كله ويموت المريض ، هذا العارض موجود فعلا في العراق ،
ويعتبر من الأمراض العديدة والغربية التي ترتبت على استعمال القوات
الغربية الأطلسية لسلاح اليورانيوم المنضب و أودى بحياة بعض
الأشخاص في جهات عديدة من العراق وقد حدثني عنه أكثر من شخص من
إقليم الفرات الأوسط خاصة .
- إذا كان مثال "أم رجاء " نوعا من التضمين أو التناص بالشخصية
الأدبية فثمة نوع من التناص يمكن تسميته التناص بالحدث ومثاله هجوم
أم نادر على رجل الأمن وجدعها أنفه وهو ما قامت به شخصية من
شخصيات إحدى القصص القصيرة للروائي العراقي سالف الذكر .
اخترت اسم "الجلجلة" وهو الجبل الذي أعدم الغزاة الرومان عليه
يسوع المسيح مع أن الاسم الصحيح لذلك الجبل في الكتاب المقدس هو "الجُلْجُثَة"
وذلك لأن الأول أكثر استعمالا وانتشارا من الثاني .ويمكن الاستعاضة
عن الجبل في مشهدي الخاتمة بسلم حجري طويل لا نهاية له .
الشخصيات حسب الظهور :
1-فاضل محمد فاضل : حرفي في الأربعين من العمر ، يعمل مع أبيه محمد
فاضل في محل لتصليح الآلات الموسيقية العربية كالعود وغيره .
2- الحاج محمد فاضل البغدادي : والد فاضل وصاحب المحل .
3- فاضل البغدادي : جد فاضل ووالد محمد ، شيخ مقعد وعسكري سابق في
الجيش التركي،خلال حصار الكوت انتحل شخصية طالب علم في إجازة وعمل
كمترجم مع البريطانيين المحاصرين .
4- الفتى سلمان بن الحجية : بائع سكائر و ذباب مجفف ومقدم خدمات .
5- سُكينة : زوجة فاضل محمد فاضل .
7- امرأة1.
8- امرأة 2 القابلة .
9- امرأة 3 الممرضة 1 .
10- العازف سمير البصري : موسيقي شاب .
11- الفريق تشارلس طونزند .
12- الجندي البريطاني 1.
13- الضابط البريطاني 1 (العقيد جون كلارك ).
14- الضابط البريطاني 2 ( العقيد جيمس دوكلاص ).
15-ضباط وجنود بريطانيون آخرون .
16- الخالة أم نادر.
17- المجندة1 مس كرين .
18- المرأة المرضع .
19- المرأة حاملة الخبز.
20-نساء أخريات .
21- المجندة 2 مس آرثر .
22- المجندة 3 .
23- الأسير العراقي 1
24- الأسير العراقي 2 .
25-الأسير العراقي 3 .
26-أسرى عراقيون آخرون في مدينة الكوت المحاصرة .
27- حسين شاب مطارد أمنيا وصديق لفاضل .
28- عمانوئيل صديق لفاضل .
29- رفيق بسيطة رجل الأمن ومسؤول الحزب الحاكم في المحلة اسمه
الحقيقي سعيد .
30- رجل بالزي البدوي .
31-رجل عراقي يعثر على كلب الجنرال طونزند
32- ضابط الاتصال التركي حامل راية الهدنة .
33- الطبيب .
34- الممرضة 2 .
35- الشيخ هادي النوري .
36 - مساعده علي .
37- مساعده مهند .
38- مساعده عباس.
39 - زبون .
40- محسن السريع .
41-خليل باشا .
الفصل الأول
المشهد الأول : ( ترطيب جهنم بالمرح العابر )
يوم من أيام العام الثاني للحصار الغربي والعربي ضد العراق .
بغداد ، محلة الحيدرخانة ، محل لصناعة وتصليح الآلات الموسيقية
العربية التقليدية على واجهته لوحة مكتوبة بخط الثلث الأنيق (
الحاج محمد فاضل البغدادي لصناعة وتصليح الآلات الموسيقية ) الحاج
محمد فاضل رجل في الستين من العمر منشغل بلصق وتثبيت أجزاء وشرائح
من خشب الجوز على قالب له هيئة حجرة العود . ابنه فاضل يقف أمام
منضدة عالية ثبت إليها بدن عود وهو يصقله بحماس وعصبية ويتلمس
قشرته بين الفينة والأخرى ..صوت موسيقى ريفية خفيفة تنبعث من جهاز
المذياع في العمق .. يرن جرس الهاتف فيهرع فاضل لالتقاط سماعته
بلهفة واندفاع :
فاضل : ها ؟ ولد لو بنت ؟ نعم ؟ آه ..آسف ، أنا آسف يا عمي أبو
خالد . .نعم إنه هنا ، دقيقة لو تكرمت ..أبي ..
الحاج محمد : ماذا هناك ..؟
فاضل : العم أبو خالد على الخط ..(يضع سماعة الهاتف على الطاولة
ويعود لما كان فيه. )
( الحاج يمسح كفيه بمئزره الأبيض ويتقدم ليرد على المكالمة .)
الحاج محمد : أهلا ، أبو[1]
خالد ، يا هلا عيوني .. الداعي أشوق .. ما هذه الغيبة الطويلة ..ها
؟
ولد لو بنت ..؟ لا ،هذا خادمك فاضل.. ابني الكبير . إنه ينتظر
مولودا .. نعم ؟ ينتظر زوجته تلد في هذه الساعة .لا ،لا مولانا
بالعكس ، إنه يفضل أن يكون المولود أنثى، لدية ثلاثة أولاد ما شاء
الله : كريم وتحسين ونزار ..( يضحك)صحيح ، صحيح ،مثلما تفضلت عزيزي
: يريد أن يكون المولود مولودة .. ماذا ؟ نعم لقد اختار لها اسما
..قرر أن يسميها بغداد ! قحط أسماء !! هذه ليست مشكلة ،إن رزقه
الله ذكرا سيسميه رمادي ! على اسم مدينة الرمادي ! بالمناسبة حجي
أبو خالد هل سمعت بنكتة الرمادي ؟ لا؟ هذا يا مولانا واحد من
جماعتنا إياهم ، رأى ذات يوم سيارة حمراء ورقمها 720 رمادي ،
فماذا قال ؟ قال : كم هو أحمق هذا الرجل !سيارته حمراء ويكتب
عليها رمادي ..(يضحك بصخب )نعم .. عيوني أنت . إنشاء الله سيكون
عودكم جاهز في نفس الموعد الذي اتفقنا عليه ..لا، لا إنشاء الله
لن يكون هناك تأخير ..نعم ؟
ماذا قلت ؟ لا أخي لا .لا دولارات ولا يحزنون تسدد الثمن الذي
اتفقنا عليه بالدينار وأبوك الله يرحمه .. ما قصة الدولارات
المنتشرة هذه الأيام حجي أبو خالد ؟ لم يبق شيء لا يدفعه الناس
بالدولار إلا القيام بالواجبات الزوجية !..تصور بالله عليك واحد
يريد أن يقوم بواجباته الشرعية وبالعملة الصعبة مولانا ..(يضحك )
ولا يهمك أبو خالد .. صار! .. من هذه العين قبل هذه .. مع السلامة
حجي .. في أمان الله أخي . ( يضع سماعة الهاتف .. يعود لما كان فيه
. )
فاضل : أمرك عجيب حقا يا أبي .. تمزح وتلقي النكات فيما نحن نعيش
في جهنم حقيقية.
الحاج محمد : ما دمنا نعيش في جهنم كما تقول ،فلما تريد حرماننا من
هذا النزر القليل من الفرح العابر ؟ هل من آداب الإقامة في جهنم
أن ينوح المرء ويلطم فيها؟ على فكرة ،في حال استمرارك في العمل
على هذا المنوال وبهذه الطريقة العصبية فإنك ستثقب العود الثمين
الذي بين يديك .. ماذا حدث لك ؟ ماذا جرى ؟ هل أنت الرجل الوحيد
الذي ينتظر مولودا ؟
فاضل : أنا آسف يا أبي ، ولكنها مولودة وليس مولودا ..أم إنك
تريد مناكدتي حتى في هذه الرغبة البسيطة ؟
الحاج فاضل : هذه ليست رغبة طبيعية .الرغبة الطبيعية والمعتادة هي
أن يتمنى الأب مولودا ذكرا وليس أنثى .. أما رغبتك أنت بأن تلد
زوجتك أنثى ،فهي ،في مجتمعنا ، أقرب الى وضع العقرب على ظاهر الكف
..على أية حال ، هذا شأن ليس بيدي ولا هو بيدك إنه بيد الخالق
سبحانه .
فاضل :آمنت بالله ! ولكنني لم أقرر ما سيكون عليه جنس المولود بل
تمنيت أن يكون أنثى لا أكثر ولا أقل ..أنت تعرف إنني لا أكاد
أستطيع إعالة أولادي الثلاثة ، ولكننا تمنينا إن يرزقنا الله هذه
المرة بنية حليوة وبعدها نشمع الدكان.
الحاج محمد : تقصد إنك ستعمل تنظيم نسل تطوعي ؟
فاضل : ولم لا ؟ إذا كنا غير قادرين على إطعام كل هذه الأفواه
،فلماذا ننجب المزيد منها ؟
الحاج محمد : لست أنت ولا أنا من يطعم ويرزق يا ولدي، إنه الطعّام
والرزّاق والخالق والذي منه الخير وإليه الخير ..إياك وأن تخطئ
في هذا الشأن يا فاضل .
فاضل : آمنت بالله يا أبي ! أنا لا أقصد ذلك المعنى ،بل قصدت إن
على الإنسان لا يكون سببا في معاناة غيره. ثم أن الظروف غير الظروف
والزمان غير الزمان .. كنا قبل سنين قليلة ،ورغم حرب الثمانية
أعوام ، نعيش في فيض لا نهاية له من السلع الاستهلاكية والمواد
الغذائية رخيصة الأثمان ( هامسا )كما لو أن الجماعة فوق،كانوا
يريدون تسمين الشعب استعدادا للمذبحة فالحصار بعدها . أما اليوم
،ومع هذا الحصار الشيطاني الذي لا يرحم ،فثمة الكثير من القواعد
يجب أن تتغير ،الكثير من التقاليد والتسلكات يجب أن تراجع . أما
السير باستسلام في منحدر اللامبالاة فنهايته معروفة ، إنها
الكارثة والدمار ..
الحاج محمد : كلامك معقول،ولكن حالنا من حال الناس .. ثم لماذا
تريد أن تحرم نفسك من الكثير وتضع لنفسك القواعد والتقاليد القاسية
في حين يعيش غيرك كما كان قبل الحصار وربما أفضل مما كان ؟
فاضل : لا ، اسمح لي هنا يا والدي العزيز أن أقول لك بأنني مختلف
تماما معك .. فإذا كان كل واحد يقول حالي من حال الناس ، ولماذا
أحرم أنا نفسي من هذه المتعة أو الحاجة ولا يفعل غيري ذلك ، إذا
كان كل واحد منا لا يبادر الى لقيام بجزء صغير من الواجب الكبير
الذي يهم الجميع، فمعنى ذلك إننا سنـزيد من عمق مأساتنا ونساهم في
هزيمتنا كمجتمع أمام هذا الظرف الصعب الذي لم نكن السبب فيه .
الحاج محمد : والله يا ولدي لا أدري ماذا أقول لك .. إنني أشعر
بخطورة هذه الظروف ، وأشعر أيضا بالحاجة الى طريقة جديدة في
التفكير والتعامل تتناسب وخطورة هذه الظروف ..ولكن يبدو أن سنوات
الرفاه والاستهلاك الشره قد تسببت في تبليد إحساس الناس بالخطر ،
وربما ساهم الخوف المرعب من كل شيء في تعميم هذه البلادة أو
الشعور بالخواء واللامسؤولية ، .. كلامك معقول ومنطقي ، ولكن
الكثيرين من الناس، من ناس هذا الزمان الذين كسر الخوف أرواحهم ،
لن يستطيعوا بسهولة استيعابه ..على أية حال لنأمل ما فيه الخير لنا
ولجميع الناس ،فهذه ليست أول بلوى تصيبنا . لن يكون الحصار أسوأ من
عشرات الفيضانات الطوفانية أو الأوبئة الدورية التي تضرب بلادنا
كالطاعون والهيضة على مدار القرون .. كم الساعة معك الآن ؟
فاضل : إنها التاسعة والنصف .
الحاج محمد : لقد تأخر جدك اليوم عن الحضور .أخشى أن يكون الفتى
سلمان بن الحجية الذي كلفناه بإحضاره الى هنا قد نسيه اليوم أو
..
فاضل : الوقت مازال مبكرا يا أبي ، ربما يكون قد عرج على صديق هنا
أو هناك ..لا أدري لماذا أنا خائف هكذا ..كأنني أنا الذي يعاني
آلام المخاض لا زوجتي ..
الحاج محمد : صبرا جميلا يا بني .. مازلت في بدية الطريق .
فاضل : كيف أكون في بداية الطريق ولي ثلاثة أولاد يا أبي ..لا ، لا
..أعتقد أن أسباب خوفي توجد في مكان آخر .. أنا لم أشعر بهذا القلق
والخوف الثقيل حتى حين ولدت زوجتي ابننا الأول كريم ..
الحاج : إنها مجرد هواجس ربما يكون سببها الأخبار والشائعات التي
تجتاح البلاد عن الولادات الفاشلة الكثيرة التي تنتهي بموت الأم أو
الوليد أو اثنين معا ،وعن المواليد المشوهين والمعاقين ..
فاضل : أنها ليست شائعات يا أبي .. إنها حقائق وأخبار مؤكدة عن
وباء جديد يضرب في جميع جهات البلاد ..نعم ، أنه وباء غريب ..هنا
يمكن أن أضع اليد على أسباب خوفي وانشغالي .
الحاج : استهد بالرحمن ولا تقلق يا ولدي .. لم تحدث ولادات كهذه
التي تتكلم عنها في محلتنا،ربما حدثت في محلة أخرى من محلات بغداد
أو في مدن بعيدة .. هون عليك ، ما هي إلا دقائق وستبلغك البشرى ..
(يدخل المسرح فتى يدفع كرسيا متحركا جلس عليه شيخ بملابس شعبية
بغدادية (الصاية والجراوية ..الخ ) الشيخ يبدو كعملاق هرم ، بنيته
متينة رغم ثقل السنين ونظارتين بعدستين سميكتين ، الفتى يدخل
مجتاحا الركح بسرعة، مقلدا بصوته ضجيج سيارة وصوت منبه ثم يوقف
العربة في وسط المسرح فجأة . يندفع فاضل باتجاه الفتى ويمسك
بتلابيبه بعنف )
فاضل : كم مرة نهيتك عن هذا الصنيع ؟ ألا تفهم ما يقال لك أيها
التعيس ؟ هل تريد أن تقتل الشيخ في حادث ؟
الفتى ( محاولا التملص ) ليس ذنبي والله . إنه هو الذي يطلب ذلك
مني ..إنه هو الذي يقول لي .. بسرعة ،بسرعة .. كويكلي ، كويكلي مور
ذن ذات[2]
! بسرعة أقول لك ..والله هو الذي ..اسأله ، اسأله ..( يستخرج من
تحت الكرسي المتحرك صندوقه الخشبي لبيع السكائر.)
الحاج : ( مخلصا الفتى من قبضة فاضل ) دعه وشأنه ، إنه لا يكذب
.جدك مازال يتخيل نفسه ضابطا مغامرا في الجيش العثماني .خذ ( يعطي
للفتى ورقة نقدية ) .
الفتى : ما هذا يا حجي ؟ دينار ؟ ماذا يمكن أن أشتري به ؟ عود شخاط
؟ الدنيا تغيرت حجي ..أنت مازلت مصرا على التعامل مع الدينار بدلال
وكأن الحصار لم يبدأ بعد ..
الحاج : خذ واغرب عن وجهي الآن ( يعطيه ورقة نقدية أخرى ) هل نسيت
أن الحاج يعطيك دروسا في اللغة الإنكليزية ؟
الفتى : لم أنس ذلك ولكنك تعرف أن الإنكليزية لا لون ولا طعم ولا
رائحة لها . إنها كالماء تماما لا تشبع ولا تغني عن جوع (ينظر الى
الورقة النقدية ) شكرا لك على كل حال . يمكنني الآن أن أشتري علبة
كبريت أما السجائر فعلمها عند علام الغيوب ( مخاطبا العجوز على
الكرسي المتحرك ) لا تنتظرني في المرة القادمة يا سيادة الملازم
،عليك أن تدبر أحدا غيري ليوصلك الى هنا (صارخا ) هل سمعت يا حجي
مستر ؟
الجد فاضل : دونت شاوت لايك ذات سلي بوي
[3]! يلعن أبو المسمرك . يموت من
الجوع ولكنه يشترى بدل الصمون سجائر ! سليمة تأخذك ! ( يخرج
الفتى )
فاضل : ( مقربا العجوز وهو على كرسيه المتحرك من ركن الركح
الأيمن حيث علقت عدة آلات موسيقية مختلفة ) .. ماذا حدث اليوم يا
جدي لقد تأخرت عن موعدك ؟
الجد فاضل : نا ثنغ
[4] مررت على أبو شوقي المزين ليقص
لي شعري .. ذات إز أُول[5]
!
فاضل : الناس كلها تتطور إلا لغتك يا جدي .. لماذا لا تسميه أبو
شوقي الحلاق كسائر الناس !
الجد فاضل : لأني لست متخلفا كسائر الناس .. من أين جئتم بكلمة
حلاق هذه ؟ ألا تعرف إن الحلاق هو صانع الحَلَق أي الصائغ الذي
يصوغ الحَلَق والأقراط أو هو ماسك الحَلَق أي السجان صاحب
السلاسل والحلقات .. ثم مم تشكو كلمة مزين ؟ هذه الكلمة يا متخلف
ولدت هنا في بغداد بني العباس قبل أكثر من ألف عام وبنفس معناها
الآن !!ثم إن الناس البسطاء ، نوت أولي إن بكداد، بت أولصو
[6]في الجنوب والفرات ما زالوا
يستعملونها .. دعكم من هذه الحماقات ، حتى القاف في عبارة الباب
الشرقي تقلبونها الى جيم فتتحول الى عورة وكلمة بذيئة في حين كان
علي بن أبي طالب قد وصف أجدادكم العراقيين بأنهم سنام العرب وجبهة
الأنصار !!
فاضل : من يسمع كلامك هذا ويقارنه بما تطعمه به من كلمات إنجليزية
يضيع عقله ولن يعرف إن كنت عروبي أو انكلوفوني !
الحاج : لا ، هذه ضربة تحت الحزام يا فاضل .. أنت تعرف إنه يقول
هذه الكلمات بحكم العادة .. عادة تحكمت بلسانه في فتوته وشبابه
وكهولته ، احمد الله على أنه لم ينس اللغة العربية .
الجد فاضل : ثانكس
[7] حجي محمد ، ما القصة ؟ ضميرك صاح
هذا اليوم ، الله يستر !
(تدخل أم نادر وهي امرأة طويلة القامة بملابس رثة وشعر أشعث .
عيناها زائغتان . تسحب خلفها صرة صغيرة مربوطة الى يدها اليمنى
بخيط .تحمل في يدها اليسرى صورة شاب هو نادر ابنها الذي قتل تحت
التعذيب ،وسيرد ذكره في مشهد لاحق . تدخل أم نادر محدثة بلسانها
وشفتيها صوتا تقلد به صوت المنشار الكهربائي المستعمل لقطع الأشجار
.. تقترب من العجوز، تريه الصورة .يغطي العجوز وجهه بيديه ،كأنه
يرفض أن يرى الصورة . العجوز تري الصورة لسمير، الذي ينظر متسائلا
الى فاضل يبادر هذا الأخير الى تقبيل رأس المرأة .. يحيطها بذراعه.
يخرج بها من الركح وهو يكرر لها هامسا:
فاضل : يا خالة أم نادر ، الله يرحم الشهداء .. يا خالة أم نادر
أنت أم البطل فلا تُقلقي روحه تُحزنيه .. إنه يراك ، إنه معك
..يا خالة .. يا أم نادر ..(يخرجان ثم يعود فاضل بوجه شاحب حزين )
فاضل : كلما رأيتُ هذه المرأة شعرت بأن نياط قلبي تقطع بالسكاكين .
في يوم واحد فقدت زوجها وابنها الوحيد .
الحاج محمد : لا تبدو كلمة "فقدت" محايدة أبدا بل متواطئة و
محتالة هنا ..حتى كلمة قتلوا لا تفي بالغرض .. لقد أعدموا ابنها
الوحيد أمام عينيها وعيني زوجها. سقط الزوج ميتا في الحال ،وجنت
هي ..يا الله العظيم ! أي درك في الوحشية والجنون بلغه الإنسان
ليمزق إنسانا آخر بالمنشار الكهربائي !!
الجد فاضل : الوحوش لا تمزق بعضها أو فرائسها إلا لتسهيل ابتلاعها
عند الأكل ،وهي لا تهاجم وتقتل إلا حين تكون جائعة أما الإنسان
فالقتل عنده عبثي ومرضي إن لم يكن نوعا من الرياضة أو التسلية
القذرة.. وكلما تقدم هذا الذي نسميه مجازا "الإنسان" طورا في
التحضر زاد إتقانه لفنون التعذيب والقتل ، فمن الأنبل ، الإنسان
القاتل العبثي أم الوحش الأعجم الجائع ؟
|