السنة الأولى                                            موقع الكتروني يعنى بكافة الفنون المسرحية            آخر تحديث  كان 7 أيلول 2003

 

 

 

 

 

 

 

"الكوميدي فرانسيز" تعيد الاعتبار الي كاتب ياسين
مسرحية "نجمة" تعرض في باريسومهرجان آفنيون المسرحي صلاح هاشم

من أهم الاحداث العربية الفنية التي شهدتها باريس مؤخرا، تقديم مسرحية " نجمة" للكاتب المسرحي الجزائري الكبير الراحل كاتب ياسين علي مسرح" الكوميدي فرانسيز" اعرق المسارح الفرنسية قاطبة وبعدما كانت المسرحية ولفترة طويلة جدا، وبسبب تجسيدها حلم الجزائر والجزائريين في الحرية والاستقلال عن فرنسا في فترة الستينيات،

 تعرض فقط خارج البلاد - كمافي بلجيكا- وكانت ممنوعة من العرض في فرنسا بامر من الرقابة، وذلك قبل ان تحصل الجزائر علي استقلالها عام 1962، والمعروف ان " نجمة "، حين اتذكر، كانت من اعظم المسرحيات التي اخرجها المخرج المسرحي المصري الكبير الراحل كرم مطاوع، وكانت صدرت في سلسلة " مسرحيات عالمية " عن الهيئة العامة للكتاب في مصر في فترة صعود المسرح المصري وتألقه آنذاك في الستينيات ونحن ندرس في الجامعة، وفتحت اعيننا علي موهبة ذلك الكاتب الجزائري العملاق( من مواليد مدينة قسطنتينة- الجزائر في 6 اغسطس 1929 )، وكانت " نجمة " التي وضعها كاتب ياسين في البداية كرواية اصدرتها دار نشر " سوي " في باريس عام 1956، وحصلت علي احد ارفع الجوائز الادبية في فرنسا، كانت و بسبب نصها الشعري المتوهج، تقارن بكتابات الروائي الايرلندي جيمس جويس مؤلف " يوليسيس "، و اعظم كتاب الرواية في امريكا من امثال وليام فولكنر" الصخب والعنف " ودوس باسوس" امريكا " ومخطوطاتهم..

 


"نجمة" : المرأة الخالدة ترانيم خلاص
ولذلك كان قدوم فرقة من المسرح الوطني الجزائري الي فرنسا، لتقديم هذا العمل المسرحي الانساني الفذ من اخراج زياني شريف عياد علي خشبة مسرح " تياتر دو فيو كولومبييه" التابع للكوميدي فرانسيزفي قلب العاصمة الفرنسية باريس، وذلك في الفترة من 25 والي 29 يونيو(وستعرض المسرحية لاحقا يومي 23 و24 يوليوفي مهرجان آفنيون المسرحي، وتتجول بعدها في عدة مدن فرنسية اخرى) كان بمثابة اعادة اعتبار لكاتب ياسين، وتحية وتكريم- متأخرين جدا ربما؟- لهذا الكاتب العملاق، الذي وضع المسرح الجزائري علي خريطة المسرح العالمي بمؤلفاته، ونبه من خلال " نجمة " وغيرها من المسرحيات، الي حق الجزائر في الانعتاق والخلاص من اسر المستعمر الفرنسي، حقها في الحرية والاستقلال، وكانت " نجمة " مثل صرخة ونداء، حملا قضية الجزائر الي العالم، وحققت اوسع تعبئة عالمية شاملة من خلال المسرح لمناصرة الشعب الجزائري، ودعم حركة التحرير الجزائرية في العالم، و..حتي النصر. تحكي "نجمة" لكاتب ياسين، التي اعد
نصها للمسرح محمد قاسمي، واخرجها زياني شريف عياد وبمشاركة الممثلين الجزائريين سيد احمد آجومي في دور المختار او العمدة، وأمل حيمور في دور نجمة، وزاهر بوخناق في دور لخضر، وسمير الحكيم في دور رشيد، ومحمد مصطفي في دور مصطفي، ورباح يحيي في دورالشرطي ايرنست، وتلعب مليكة بلبي دور السيدة حرمه

تحكي عن طفولة كاتب ياسين، وذكريات المدرسة الفرنسية ومدرسيها وعقليتهم الكولونيالية الاستعمارية وسلوكياتهم كأسياد في البلاد، لسرقتها ونهبها، كما تحكي عن تلك المذبحة التي وقعت في مدينته ستيف وغيرها من المدن الجزائرية، عندما هبت الجماهير الشعبية لمطالبة فرنسا بالاستقلال، في اعقاب الحرب العالمية الثانية،( وكانت فرنسا وعدت اذا خرجت سليمة من تلك الحرب ان تمنح الجزائر استقلالها).. وهبطت الي الشارع في مظاهرات تنادي بالحرية والخلاص، ففتح جنود المستعمر الفرنسي نيران مدافعهم وبنادقهم علي الجماهير العزل في مدينة ستيف وغيرها، وحصدوا في مذابح لم تعرف الجزائر في تاريخها حدا لقسوتها وبشاعتها ودمويتها، حصدوا ياللهول ارواح اكثر من 45 الف انسان جزائري، وظلت صور تلك المذبحة تطارد كاتبنا بعد ان عاش بالفعل وقائعها، حتي حكي عنها في " نجمة "، لتكون نوعا من التطهير كما في مسرحيات شكسبير التراجيدية المأسوية التي تساعدنا من خلال المأساة في المسرح، علي ان نتخلص من ذلك الرعب الذي يسكننا، رعب المذابح وذكريات القسوة والعبودية والدم..
تحكي " نجمة " وهي ترسم لنا من خلال ذكريات الكاتب" اجواء " وظروف الحياة في الجزائر في الاربعينيات اثناء الاحتلال، تحكي ايضا عن قصة عشق الشاب الجزائري لخضر لنجمة( وكانت " نجمة " في الواقع شخصية حقيقية وابنة عم كاتب ياسين ووقع في غرامها) مثل عشق قيس لليلي، هذا "الاخضر" الذي يتبين له في مابعد ان نجمة هذه معشوقته، هي حبيبة ومعشوقة كل الناس أي كل شخصيات المسرحية، بما فيهم عمدة البلد المختار، فالجميع مسحورون بجمالها الاثير الغامض الذي يستولي عليهم مثل لغز محير، ويجعلهم مأخذوين ومشدودين ومنجذبين الي فتنتها بمغناطيسية آسرة..
تري من تكون" نجمة " هذه الاسطورة؟ وعلام – او بالاحري " علاش " كما يقول الجزائريون- يحبونها بل ويقدسونها، حتي لو كانت بنت حرام او" مومس" عاهرة تلقي بنفسهافي فراش كل رجل ؟
هذه " النجمة " التي تطلع لكل رجل في سماء الحلم وذكريات الاسلاف.. هي اكثر من جسد ورغبة..
انها" روح " الجزائرذاتها وترانيم خلاص، روح الجزائر اجل التي يجتمع الجميع علي حبها وعشقها حتي اذا تفرقوا وتشتتوا في الظاهر، وغلبت عليهم رغباتهم ومطامعهم ومصالحهم الانانية الذاتية..
" نجمة " وحدها – المرأة الخالدة ورمز الجزائر في المسرحية – هي التي تستطيع ان تصالح مابين كل الجزائريين علي سكة الخلاص من ذلك الواقع الاستعماري البغيض وتحررهم، حتي لو ظلت" نجمة " بالنسبة لهم سرا مستغلقا علي الفهم.. ومستعصيا علي الادراك..
      " نجمة" الي الابد في ذاكرة المسرح
ان روعة هذا العمل المسرحي الفذ لاتكمن في رواية احداث متصاعدة، تنتهي كما هو مألوف بلحظة التنوير في المسرح، بل تكمن في قدرة كاتب ياسين من خلال هذا العمل الذي يرسم اجواء ولايسرد علينا احداثا، في ان يؤسس للمسرح الجزائري، من خلال بحثه عن " هوية " الجزائر وتاريخها في " نجمة "، يؤسس" شخصية" سوف تظل خالدة والي الابد في المسرح العالمي، كما في شخصيات " هاملت " و" عطيل " و" ماكبث " التي ابدعها وليام شكسبير، وغيرها من الشخصيات التي ابدعتها قريحة عمالقة كتاب هذا الفن من امثال الالماني برتولت بريخت والايرلندي صاموئيل بيكيت وغيرهم، ذلك لان " نجمة " هي اكثر من مسرحية: انها اشبه ماتكون بطقس ديني او قصيدة او ملحمة، ملحمة تمزج مابين اسطورة القبيلة والوقائع التاريخية للجزائراثناء الحكم الكولونيولي الاستعماري وبين الرغبة في الامساك بروح الوعي الجمعي من خلال الغوص في ذاكرة شعب وتاريخه وحتي ماقبل التاريخ المكتوب، وهي بذلك تتجاوز المسرحيات التقليدية، وتشمخ بنصها الشعري المحير الغامض..
انها ببساطة " عودة الروح " الي شعب الجزائر، عودة وعي، تسترد له كياناته الروحانية العميقة، وتعيد اليه كرامته المسلوبة وهويته المنهوبة، تلك الهوية التي كان جنود المستعمر يدوسون عليها باحذيتهم، ويهيلون عليها التراب، ويريدون ان يدفنونها حية في مناخات القهر والمذابح الجماعية الدموية والقمع والتعذيب والظلم..
" عودة " تهيب به من خلال عشق الوطن، وحب التراب الذي تمشي عليه " نجمة "، ان يرفع رأسه في شموخ، فقد مضي عهد الاستعباد والتبعية، وعليه ان يقوم من كبوته، وينهض لكي يصنع قدره بنفسه..
وكانت " نجمة " كما قدمت علي مسرح تياتر دو فيو كولومبييه- الكوميدي فرانسيز، اعجبتنا ببساطة تمثيلها واخراجها، واعتماد مخرجها زياني شريف عياد علي ابراز " النص"، من دون حليات او زخرفة او بهرجة مسرحية، حتي تصل " رسالته " مباشرة الي القلب، ومن دون زعيق وتهليل وصراخ..
لذك جاء هذا العمل الذي يعرض في اطار سنة الجزائر في فرنسا، اقرب مايكون في براءته وشفافيته الي حكايات الاطفال الذين يتذكرون قسوة الواقع الجزائري وكيف كان يطحنهم تحت الاحتلال وعنفه، وهم يحلمون في تشتتهم وتوزعهم في وطن الغربة والبطالة والقمع والسجن، يحلمون بذلك الحب المستحيل، حب " نجمة" وامتلاك قلبها، فيجعلنا هكذا ببراءته وشفافيته، نتعاطف معهم ونحبهم، ونحب ايضا " نجمة "،ذلك الحلم المستحيل، ونقترب اكثر من انسانيتنا....
لاتدع اذن فرصة مشاهدة هذا العرض الجميل- زائرا كنت ام مقيما في فرنسا- تفتك،وتعرض مسرحية " نجمة " يومي23 و24 يوليو في مهرجان آفنيون المسرحي، ويومي 29و30 اغسطس في مدينة بوردو، كما تعرض في مدينة مارسيليا في الفترة من 14 الي 17 اكتوبر، وتطوف في العديد من المدن الفرنسية وحتي نهاية شهر مارس2004 العام القادم.
  

 

هل تريد موقعي هو الافتراضي                       .أضف موقعي إلى مفضلتك     

 

                                             

  لوحة مفاتيح عربية