مفهوم النقد الأدبي عند رولان بارت
د.حليمة الشيخ
إن اهتمام الإنسان بالبحث في نشاطاته التي يقوم بها ابتغاء
التحليل والدراسة، وتوضيحاً لمواطن الخطأ والصواب بالاستناد
إلى جملة من المقاييس والمفاهيم، اهتمام قديم. ويعني هذا قدم
النقد من حيث هو سلوك إنساني، ولّدته ضرورة تقويم الأعمال؛
ولذا فإنه يصعب تحديد أولية النقد لارتباطها بوجود
الأدب.وإذا كان "أرسطو" أول من قام بتنظيم النقد الأدبي، فإن
المحاولات الأولى غير المنهجيّة قد وجدت من قبل، متمثلة في
المسابقات التي كانت تنظمها حكومة "أثينا" بمناسبة أعيادها
الدينية
(1).
وهو شأنه شأن الأدب، لم يلق عبر العصور تعريفاً محدّداً، ولا
يخفى أنه ارتبط منذ القدم بإصدار الأحكام، والبحث عن أصل
الأعمال الأدبية، ومنبعها، وتكوينها مما أدى إلى تناولها من
حيث مضامينها، وتناول لغتها من حيث صحتها.
ويعني هذا أن صاحب العمل الأدبي مبدع، وأن الناقد لا يبدع؛
ذلك أن مهمته هي النظر والتقويم والحكم على ما أبدعه
الآخرون.
لقد اتخذ "بارط" أمام هذه الأفكار، موقفاً خاصاً، ونود هنا،
أن نسائل عن مفهومه للنقد؟ ما شأنه؟ وما خصائصه؟ وبم يتميز؟
وأيّ تقنيات يصطنع؟ وأيّ همّ يقلقه؟..
خصص "بارط" لتحديد مفهومه للنقد مقالاً نشر عام "1963" في (Times
litterary supplement)،
بعنوان "ما النقد؟"، وهو المقال الذي أعاد نشره ضمن كتابه
"مقالات نقدية"
(Essais
critiques) الصادر عام 1964، إلى جانب كتابه الذي صدر عام
1966، بعنوان: "نقد وحقيقة" (Critique
et vérité).
ولقد حدد النقد بقوله: "النقد هو خطاب حول خطاب، لغة ثانية،
أو لغة واصفة (méta
- langage)(*) "كما يعرفها المناطقة" يتناول اللغة الأولى (أو اللغة ـ الموضوعlangage- objet)".(2).
يكون النقد في ظل هذا التعريف قائماً على علاقتين:
1 ـ علاقة الناقد بلغة الكاتب.
2 ـ علاقة الكاتب بالعالم.
ولابدّ من الإشارة إلى أن "بارط" وهو يعيد التفكير في النقد،
قام بمراجعة للنقد القديم، ومفهوم النقد عينه، وقواعد
كتابته. وهي مراجعة ترتبط بنقطتين هامتين هما:
1 ـ الوضع التاريخي السياسي المعاصر العالمي، والفرنسي خاصة.
2 ـ التاريخ الأدبي.
فمن جهة التاريخ السياسي، أخذت بعض الدول المستعمرة
استقلالها، وهو استقلال هدد المركز الاستعماري، ومفهوم
المركز بعامة. وأمّا من جهة التاريخ الأدبي، فقد ظهرت أعمال
أدبية جديدة لتبرهن على تشقق الكيان الكلاسيكي للعمل
الإبداعي(3). وقد تجلى ذلك في الرواية الجديدة، وظهور مجلة
أدبية تحت اسم (كما هو
Tel que)، التي تمّ تأسيسها على يد "فيليب سولر"(4)، عام 1960، والتي كانت
تسعى إلى تثبيت لغة جديدة بهدف القضاء على أنساق النظام
المهيمن في أوروبا، ومن أجل إعادة الاعتبار إلى المبدعين
الذين سقطت أسماؤهم من خريطة الإبداع أمثال: كافكا، ناتاي،
عزرا باوند، وغيرهم.
لقد تبين لبارط، أن النقد الكلاسيكي يعتمد على محتمل نقدي
معيّن، فما المراد بالمحتمل النقدي؟...
يريد "بارط" بالمحتمل النقدي، مجموعة القواعد التي تحدّد عمل
الناقد، وهي حسب رأيه، تنحصر في ثلاث نقاط:
1 ـ الموضوعية.
2 ـ الذوق.
3 ـ الوضوح.
يتأسس، من هذه القواعد، إذن، المحتمل النقدي (Le vraisemblable critique)،
فيكون للناقد بمثابة المبدأ قبل أن يكون له طريقة، ثم لا
تقوم الطريقة إلا على أساسه، مما يُصيِّر الناقد محكوماً
بيقينه لا بفكره، ويغدو بناؤه النقدي قاراً في حيِّزه
العملي. ويمكننا أن نمثل للمحتمل النقدي بالرسم التالي:

يتبين من هذا الرسم، أن الموضوعيّة، والذوق، والوضوح، هي
أقانيم ثلاثة مقدّسة يتعلّق بأهدابها الناقد الكلاسيكي،
ويتناول على أساسها العمل الأدبي، ممّا يجعل مهمة الناقد
تنحصر في توجيه الأدباء وتقويم أعمالهم، وتمييز الجيِّد من
الرديء فيها، بمعنى أن العملية النقدية هي عملية تقويمية،
تهدف إلى الحكم على النتاج من خلال تمثيله أو عدم تمثيله
للقواعد التي ذكرناها سابقاً.
وقد نظر، في ظل هذا الفهم، النقاد الكلاسيكيون إلى العمل
الأدبي، أمثال: سانت بيف (Saint
- Beuve) (1804-1869)، وهيبوليت تين (Hipploytetaine) (1828-1893)، وفرديناند برونتيير (Frdinand
Brunetiére) (1849-1906) وغوستاف لانسون (Gustave Lanson)
(1857-
1934).
وليس مُهمَّاً عندهم العمل الأدبي إلاَّ بقدر ما يضيء حياة
صاحبه، ونشأته، وتوطيد التواصل بين الماضي والحاضر في
العملية الأدبية؛ وهو الأمر الذي جعل النقد يصطبغ بطابع
وثائقي وسير ذاتي، لا تمثل فيه اللغة إلا مستودعاً لمعان
جامدة، يقوم القاموس على تحديدها، ويعني هذا إسقاط تعدّديّة
المعنى، ودراسة لغة المبدع بوصفها مرآة، تبلور تطابقاً
كاملاً بين حرفيّة النص ونوايا المؤلف.
نستنتج من كل ماسبق، أن النقد الكلاسيكي حسب رأي "بارط"
ينحصر في خيارات معيّنة، يمكننا تحديدها في النقاط التالية:
1 ـ النقد علم، وليس فناً، وينحصر في التصنيف، والتفسير،
والتعليق والحكم.
2 ـ عدم المساس بالقيم مثل: الأخلاق، والدين، والطبيعة.
3 ـ سيطرة النظرة ذات البعد الواحد على الناقد.
4 ـ الالتزام بيقين اللغة حيث تكون وظيفتها هي الإبلاغ.
5 ـ ربط صاحب النص ببيئته، وزمانه، وعرقه.
6 ـ الناقد لا يبدع، مهمته هي دراسة ما أبدع الآخرون مع فرض
وصايته الأبوية على العمل المنقود.
وإذا كانت هذه، هي السمات العامة التي حدت مفهوم النقد
الكلاسيكي، فما موقف "بارط" منها..؟
يبدو موقفه رافضاً رفضاً قاطعاً لنظام الأولويات الذي سيطر
تقليدياً على العلاقة بين النقد والأدب؛ ذلك بأنه يعد النقد
عملية صعبة، تقوم في جوهرها على حل الشفرة الموجودة داخل
النص (Un déchiffrement).
ولابد من الإشارة إلى أن دعوة "بارط" هذه سبقتها دعوة أخرى
رافضة للمفهوم السلبي للنقد، وهي دعوة الكاتب "نورثرب فراي"
(N.Frye) في كتابه "تشريح النقد" (Anatomie
de la critique)، الذي عد دراسة العمل الأدبي هي موضوع النقد،
دون أن يعني ذلك، النظر إليه على أنه نشاط طفيلي، ينمو بجوار
شجرة الأدب؛ أو عدِّه فناً من الدرجة الثانية.(5).
ويستوقفنا، ونحن بصدد هذا الكلام، موقف "أبي حيّان
التّوحيدي"، من النقد، الذي يظهر في إجابته عندما طلب منه
الوزير أن يوازن له بين الشعر والنثر، فقال: "إنَّ الكلام
على الكلام صعب، قال: ولم؟ قلت: لأن الكلام على الأمور،
المعتمد فيها على صور الأمور، وشكولها، التي تنقسم بين
المعقول، وبين مايكون بالحس، ممكن؟... فأمَّا الكلام على
الكلام فإنه يدور على نفسه ويلتبس بعضه ببعض.".(6).
وإذن، في مثل هذا الفهم، ذهب "بارط" إلى القول بأن بعض
الدراسات الأدبية ليست نقداً بل هي مجرد سيرة ذاتيّة، مثل:
دراسة (Painter)، عن بروست (Marcel
Proust)(7)، التي ظهرت عام 1959، والتي قال عنها: "إنها سيرة ذاتية مكتوبة
بشكل رائع".(8).
ولذلك، حين جاء إلى دراسة أعمال "راسين"(9) قام بتحليلها دون
أن يستند إلى أنظمة قائمة سلفاً، حيث لم يتعرض لدراسة
"راسين" الإنسان"، أو البحث عن ظله في أعماله، ولكنه اهتم به
من حيث هو مرسل لخطاب مكتوب(10). ويعني هذا عدم انشغال النقد
بكل ما يمثل خارج العمل الأدبي، والتعامل مع الأنظمة الكامنة
في العمل نفسه، وقد أوضح "بارط" منهجه بقوله أنه وضع نفسه
داخل عالم "راسين" المأساوي ثم حاول وصف سكانه.(11)
ويؤدي مثل هذا السلوك إلى النظر إلى العمل الأدبي من حيث هو
واقعة أنثروبولوجية، وليس واقعة تاريخية، وهنا تظهر الكتابة
بمظهر النظام الذي يدير نفسه ذاتياً. وتكون مجدية عند
إخضاعها هي نفسها لمنظومة الأجوبة التي تطرحها. ولذا نجد "بارط"
يرى في "راسين" الدرجة الصفر للنقد؛ ذلك بأنه يتيح فرصة
تعدُّد القراءات، و"بارط" نفسه قد جمع في دراسته بين ثلاثة
محاور: الأنثروبولوجيا، والبنوية، والتحليل النفسي.
وتكون، من هنا، الكتابة هي عملية إنتاج فارغة، تترك مهمة
الاستكشاف للقراء مما يجعلها لا تكون حاملة للحقيقة، ولكنها
لا تَكُف مع هذا أن تكون ملتقى المنظورات المتباينة.
وههنا، موضع تأمل، حيث يبدو الاستكشاف الأساسي الذي توصل
إليه "بارط" هو أن الحقيقة لا وجود لها في النقد(12) "ذلك
بأن مجرد ذكر الحقيقة، يتبادر إلى الذهن مع هذا الذكر،
الزيف. ويعني هذان المعنيان المتضادان وجود شيء ثابت الوجود،
وشيء آخر موهوم. ولكن أين الدليل القاطع المادي على صحة
الدعوى؟".(13) ومال "بارط" لهذا إلى رفض الحقيقة في النقد؛
الأمر الذي يجعل النقد لا يَعزب عن أن يكون مظهراً آخر من
مظاهر الإبداع الأدبي.
وهو تصور ـ كما يبدو ـ يُخرج النقد من صرامة الحكم على العمل
الأدبي، ويُولجه في إبداعية الأدب.
ويرتدّ هذا الرفض البارطي للحقيقة ـ في نظرنا ـ إلى طبيعة
النظرة المتعددة التي ميزت تصور الحقيقة عند الإنسان، وهي
نظرة لا تقوم على معيار واحد ومضبوط.
ويمكننا أن نتعرّف على مدى التباين الموجود في تصور الحقيقة
من خلال الجدول التالي:
|
الحقيقة |
أهل المنطق |
المتصوفة العرب |
الفلسفة الماركسية |
الفلسفة البراغماتية(**) |
|
مطابقة الحكم للمبادئ العقلية |
تنقسم إلى ثلاثة أقسام
1 ـ حقيقة مطلقة هي الله.
2 ـ حقيقة مقيدة هي العالم.
3 ـ حقيقة بين الإطلاق والتقيد |
مطابقة الفكرة للواقع |
كل فكرة صحيحة إذا كانت نافعة ومفيدة للناس. |
(14)
وإذا كان هذا شأن الحقيقة عند المناطقة، والفلاسفة، فإن
شأنها في العلوم التجريبيّة لا يبتعد عن ذلك، حيث تقوم
النظرة العلمية الحديثة على نسبية الحقيقة. فلقد كان
الاعتقاد سائداً في القديم بأن جميع الأجسام تتألف من جزيئات
صغيرة غير قابلة للقسمة تعرف بالذرات. في حين أثبت العلم في
عصرنا أن الذرات نفسها قابلة للقسمة إلى جزيئات أصغر وأدق.
كما آمن الناس مدة طويلة، بأن الأرض هي مركز الكون، وبأنها
ثابتة تدور حولها سائر الكواكب، ثم دحضت الأبحاث مثل هذا
الاعتقاد الخاطئ.
هكذا، إذن، يكشف استقراء التاريخ أن عدداً لا يحصى من
الأفكار نزل من الصحة إلى الخطأ. ويدل هذا على أنه لا يمكن
حصر معيار الحقيقة في جانب معين.
وهذا الاعتقاد بعدم قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة التفتت
إليه الفلسفة منذ القدم، حيث أنكر الفيلسوف اليوناني "بيرون"
(Pyrrhon) "365-275ق.م". العلم واليقين، لأن كل قضية عنده تحتمل قولين، ويمكن
إيجابها وسلبها بالتساوي. وقد تواصل هذا الموقف فيما بعد عند
بعض الفلاسفة أمثال: "دافيد هيوم" (David
Hume) (15)
وإذا عدنا إلى "بارط" فإننا نجده ينكر وجود الحقيقة في
النقد، أي على مستوى العمل الأدبي، وهو موقف يأخذ جذوره من
موقف "أفلاطون" من الفنان ـ فيما يبدو لنا ـ حيث كان يرى أن
الفنان يكون "بعيداً عن الحقيقة ثلاث خطوات".
(16)
وقد ذهب النقاد العرب قديماً إلى أن "خير الشعر أكذبه"،
أمثال قدامة بن جعفر، وعبد العزيز الجرجاني، وابن سنان
الخفاجي، وابن رشيق.
ولعل أوضح موقف من القضية، ذلك الذي نلمسه عند "عبد القاهر
الجرجاني"، حيث يقول: "ومن قال: "أكذبه" ذهب إلى أن الصنعة
إنما يمد باعها، وينشر شعاعها، ويتسع ميدانها، وتتفرّع
أفنانها، حيث الاتّساع والتخييل (....). وهناك يجد الشاعر
سبيلاً إلى أن يبدع ويزيد"(17)
يبدو جلياً، من هذا، أن الإبداع الأدبي عند "عبد القاهر
الجرجاني"، يرتبط كل الارتباط بالابتعاد عن الحقيقة، وهو
الأمر الذي يصل بالتعبير إلى طاقة عظيمة من الإبداع. وهو
مذهب نلمسه أيضاً عند أحد الفلاسفة المسلمين وهو "أبو نصر
الفارابي"، في موقفه من الأقاويل الشعرية.(18)
إذن، في مثل هذا الفهم، ارتبطت الكتابة بالصمت عند "بارط"؛
ذلك بأنها لا تدعي الإجابة الأخيرة حيث يقول: "إن فعل
الكتابة لا يتم دون صمت، كأن يكون الكاتب صامتاً
كالميِّت."(19)، وهو الصمت الذي يُولِّد تعددية المعنى.
ويبدو أنه يوجد توافق وترابط بين الصمت والكلام "فأكثر فترات
النفس غنى هي فترات الصمت"(20)، والأول لا يكون واضحاً بدون
الآخر. ولعل هذا السبب كان وراء قول "بارط" إن الأدب مثل
الفسفور: يلمع أكثر في اللحظة التي يحاول أن يموت
فيها."(21).
وهو أمر التفت إليه الكاتب الإيطالي "امبراطوايكو" (Umberto
Eco) في كتابه "القارئ في الحكاية" (Lector
in Fabula)، وتناولـه تحت مصطلح "المسكوت عنه" (Le non - dit)
الذي يعني عنده عدم ظهور كل الدلالات على مستوى سطح النص
الأدبي.
ولا نجانب الصواب إذا قلنا بأن هذا التعظيم من شأن الصمت،
نلفي له إشارات في فكرنا العربي القيم حيث عد الصمت دوماً
أبلغ من الكلام.
إذن، لا وجود للحقيقة في النقد، ويعني هذا من جهة نظر "بارط"
أن النص الأدبي نهاية لا تزال تبدأ، وبدء لا ينتهي. وهذه هي
الرؤية التي ارتكز عليها في تحليله البنوي للعمل السردي، حيث
ميز بين الخطاب الحكائي وبين الجملة اللغوية.
ولا تشكل اللغة، في هذا الإطار، إلا مادة أولية، ولا ترتبط
بها دلالة السرد ارتباطاً مباشراً مما يجعل الطبيعة اللغوية
للخطاب الحكائي تختلف، وتتجاوز في الوقت نفسه لغة الجملة.
ويعني هذا أن الأدب يقوم على اللغة، ولكن طبيعة العلاقة
باللغة في الأدب تختلف عن تلك التي تربطنا بها ممارستنا
اليومية".(22)
يقوم النقد، إذن، على فهم ارتباط الأدب ببنية اللغة من حيث
هي بنية ترتبط بماهية الأشياء ارتباطاً اعتباطياً، ومن هنا
منشأ الانفتاح الذي ينعكس بدوره على الأدب فيبقى على الدوام
منفتحاً على كل الأسئلة.
ونتيجة لذلك، فإن القصة لا تقدم رؤية معينة، وإنّما هي
مغامرة لغوية ـ في نظر "بارط" ـ. وقد ميز في تحليله بين
ثلاثة مستويات:
1 ـ الوظائف.
2 ـ الأحداث.
3 ـ السرد.
وهذه المستويات يرتبط بعضها ببعض حسب الاندماج التتابعي، وقد
ارتكز في ذلك، على من سبقوه مثل: بروب، وبريمون، وغريماس.
وإضافته لمثل هذا النوع من التحليل، تتعلق بالاهتمام الكبير
بالوظائف الأكثر دقة في الحكي انطلاقاً من اعتقاده بوجود
الدلالة في كل عنصر من عناصر القصة. ولذا كان من الطبيعي أن
يتخذ البنوية منطلقاً إجرائياً يعمل من خلاله؛ لأن موضوعنا،
كما يراه؛ ليس الإنسان الغني بمعان معينة، وإنما الإنسان
صانع المعاني (Fabricateur de sens)(23).
وهذا الهاجس المتمثل في التغطية الشاملة للنص أدى بريمون
بيكار ـ وهو ناقد جامعي ـ إلى مهاجمة "بارط" بوصفه ممثلاً
للناقد الجديد، قائلاً: "الناقد الجديد يشبه الرجل الذي
يتمتع بجمال المرأة، ولكن الفساد في الذوق، فإن تمتعه لا
يتحقق بدون استخدام أشعة إكس".(24)
ولابد لنا، في هذا المقام، أن نتبين مفهوم "بارط" للبنوية.
هل البنوية فلسفة؟ أم مدرسة؟ أم منهج خاص من مناهج البحث
العلمي؟..
لقد أقلق هذا السؤال جمهوراً من الفلاسفة والباحثين، وأدى
إلى بروز نقاش حاد بينهم.
فقد اعتبر "جان بول سارتر"، البنوية إديولوجيا جديدة، وآخر
سلاح ضد ماركس ترفعه البورجوازية، ورأى فيها الفينومينولوجي
"ميشيل دوفرين"، وضعية جديدة، لا وجود للإنسان فيها، كما ذهب
"روجيه غارودي"، إلى عدها فلسفة تعلن موت الإنسان أما
الكاتبة الروسية "ساخاروفا" فتذهب إلى أنها منهج في المعرفة
العلمية سبّبه التطور الثقافي في النصف الثاني من القرن
العشرين".(25)
وأما "بارط" فقد أوضح موقفه في مقال بعنوان: "النشاط البنوي"
ظهر عام 1963؛ بين فيه أن البنوية نشاط، وليست مدرسة أو
حركة؛ لأن كل الذين انضووا تحت لوائها، لا تجمع بينهم أواصر
نظرية خاصة، وكل ما يربطهم هو مصطلح البنية، الذي تستعمله
مختلف العلوم الإنسانية.(26)
يرفض "بارط" إذن، كون البنوية مدرسة، أو حركة فكرية، فماذا
يعني هذا الرفض؟...
1 ـ البنوية ليست فلسفة، لأنها تقدم تصوراً للعالم خاصاً
بها.
2 ـ البنوية ليست منهجاً؛ لأنها تمتاح من مختلف مناهج
العلوم، ولأنها لا تؤمن بحقائق نهائية مطلقة.
البنوية في نظره، إذن، مجموعة عمليات ذهنية، تسمح بإعادة
بناء الموضوع المدروس، بهدف معرفة القواعد المؤسسة لبنائه.
ويتضح لنا، مما سبق أن "بارط" لا يطالب الكاتب بالتزام
الحقيقة. ولذا فقد تعرض لدراسة أعمال ميشلي (Michelet)
فاتحاً درباً جديداً لمقاربة هذا المؤرخ الفرنسي. وهي مقاربة
تنسف ـ في نظرنا ـ التصور القديم لرسم حدود دائرة الأدب.
وتبعاً لذلك فإن "ميشلي"، هو كاتب عظيم بين كتاب آخرين. إن
عمله بالنسبة لبارط هو عمل إبداعي بالدرجة الأولى، لا لأنه
اهتم بالحقيقة التاريخية، والتزم بها، وإنما لأنه كان يهتم
بكيفية طرحه للحقيقة التاريخية.
وهل يعني مثل هذا التناول، أن كل ما يكتب هو أدب؟
يمكننا أن نلتمس الإجابة في التعارض الذي يقيمه "بارط" بين "Ecrivants
et écrivains" (27).
وإذا كان من المعروف أن الكاتب هو مقابل اللفظة الفرنسية (écrivain) فما مقابل لفظه (écrivant)؟
إن الدكتور"سعيد علوش"(28) أحد الباحثين العرب، الذي ألفيناه
يتعرض لمحاولة ترجمة اللفظة، قد ترجمها بـ: "المكتتب". ولعله
اعتمد في ذلك على فعل "اكتتب"، الذي يشير إلى تحقق فعل
الكتابة بواسطة شخص آخر على وجه الطلب أو الأمر. أما أستاذنا
الدكتور "عبد الملك مرتاض"(29) فقد ترجمها بـ"الكتابيب" التي
تكون صيغتها الإفرادية "كتبوب"، وواضح أن ترجمته تقوم على
أصول نقدية في تراثنا العربي؛ وذلك قياساً على شاعر
وشُعْرُور.
وخليق بنا، أن نأخذ بالترجمة الثانية لوضوحها من جهة،
ولاعتمادها على أصول نقدية تراثية من جهة أخرى.
والآن، بعد أن انتهينا إلى لفظة "كتبوب"، نحاول توضيح
التعارض الذي وضعه "بارط" بين اللفظتين فيما يلي:
|
الكتبوب (Ecrivant) |
الكاتب (Ecrivain) |
|
ـ يقوم بنشاط |
ـ يؤدي وظيفة هي كلامه الخاص.
ويشمل عمله نوعين من المعايير:
ـ معايير تقنية (التركيب، الجنس الأدبي....).
ـ ومعايير الصناعة (العناء، الصبر، التصحيح، الإتقان).
ـ يحول جذرياً الـ"لماذا" العالم إلى "كيف نكتب". |
|
ـ اللغة وسيلة للاتصال بالآخرين، فهي عنده عَرَبة لنقل
الفكر. |
ـ اللغة غايته الأخيرة، فهي ليست وسيلة، ولا عربة.
إنها بنية تضيع فيها بنية الكاتب وبنية العالم.
|
نلاحظ من هذا، أن التفرقة، لا ترتكز على قاعدة خاصة، أو فن
أدبي معين، بل هي قائمة على أساس طبيعة تعامل الكاتب مع
اللغة، ويتضح بهذا أن الكاتب يخلق في اللغة حيوية مستقلة،
وكتابته تحرك بدءاً من ذاتها، من اكتفائها بذاتها، ولا تحرك
بموضوعها أو بأي عنصر خارجي عنها؛ إنها تتوالد من طاقتها
اللغوية الخاصة. وإذا كانت كتابة الكتبوب تحرك بدافع مما قبل
اللغة أو مما ورائها، فإن كتابة الكاتب تحرك بلغتها.
وتبدو لنا، هذه التفرقة شبيهة إلى حد ما بتفرقة "بول فاليري"
بين ا |